ج1وج2وج3.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55**جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
لانعمه) أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله (اجتباه) أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة وقال تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا) [ النساء: 125 ].
يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم.
وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال (وابراهيم الذي وفى) [ النجم - 27 ] ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم.
قد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا وهكذا نال هذه المنزلة (1) خاتم الانبياء وسيد الرسل (2) محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ".
وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله " (3).
أخرجاه من حديث أبي سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلى
بهم الصبح فقرأ: واتخذ الله إبراهيم خليلا.
فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا اسمعيل بن أحمد ابن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما.
وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله.
فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى كليمه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك.
ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي
__________
(1) وفي نسخة: المرتبة.
(2) وفي نسخة: المرسلين.
(3) أخرجه البخاري في 63 / 45 / 1904 فتح الباري و 62 / 5 / 3656 في رواية طويلة والدارمي في سننه، وابن ماجة في سننه مقدمه 11 / 93، وأحمد في مسنده 1 / 270 - 359، 3 / 18 - 478، 4 / 4 - 5، 5 / 212.
وأخرجه الترمذي ومسلم في 44 / 1 / 2 / 7.
فقراء المؤمنين وأنا أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر " * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم (1) * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد المسلمي، حدثنا الوليد، عن اسحاق بن بشار (2) قال: لما اتخذ الله ابراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء، وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم
عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد احدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال: من هو فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت ! قال: أنا، قال: نعم قال: فبم اتخذني ربي خليلا قال بأنك تعطي الناس ولا تسألهم.
رواه ابن أبي حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين (3) موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتي الاحزاب والشورى وهما قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقوله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه) [ الشورى: 13 ] الآية.
ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمير عن أنس في حديث الاسراء من أن ابراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الاول.
__________
(1) أخرج القسم الاخير منه البيهقي بروايات مختلفة راجع دلائل النبوة ج 5 / 478 وما بعدها.
(2) بشار تحريف والصواب يسار.
(3) ذكر اسم إبراهيم في القرآن في: البقرة: 124 - 125 - 126 - 127 - 130 - 132 - 133 - 135 - 136 - 140 - 258 - 260، وآل عمران: 33 - 35 - 67 - 68 - 84 - 95 - 97، النساء: 54 - 125 - 163، الانعام: 74 - 75 - 83 - 151، التوبة: 70 - 114، هود: 69 - 74 - 75 - 83 - 151، يوسف: 6 - 38، ابراهيم: 36، الحجر: 51، النحل: 120 - 123 -، مريم: 41 - 46 - 58، الانبياء: 51 - 60 -
62 - 69.
الحج: 26 - 43 - 78.
الشعراء: 69، العنكبوت: 16 - 31، الاحزاب: 7، الصافات: 83 - 104 - 109 ص: 45، الشورى: 13، الزخرف: 26، الذاريات: 24، النجم: 37، الحديد: 26، الممتحنة: 4، الاعلى: 19.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سملة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم خليل الرحمن ".
تفرد به احمد (1).
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم " رواه مسلم (2) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ثم ذكر إستشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم ابراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها أنا لها " الحديث.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله، حدثني سعيد (3) عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يارسول الله من أكرم (4) الناس ؟ قال: " أتقاهم ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فعن معادن (5) العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا " (6) وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر أربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم
يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم خليل الله ".
تفرد به أحمد * وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 322.
وأخرج بنحوه البخاري 6 / 19 / 3290 وأحمد من رواية ابن عمر 2 / 96.
(2) أخرجه مسلم في 6 / 48 / 273 من حديث طويل ج 1 / 561 - 562.
وأخرجه أحمد في مسنده ج 5 / 127 - 129.
(3) في البخاري:.
حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، وعبيدالله هو - بن سعيد.
(4) أكرم الناس: قال العلماء: أصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الاخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب وكونه نبيا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين ; وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه وسياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة.
(5) معادن العرب: أصولها.
(6) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (60) - باب 14 ح 3374.
ومسلم في 43 / كتاب الفضائل - 43 باب ح 168 / 2378 ص 4 / 1846.
** مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة **ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن اسحق بن ابراهيم ".تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " (1) ثم قرأ (كما بدأنا أول خلق نعيده) [ الانبياء: 104 ] فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والاخرون * وأما الحديث الآخر الذي قال الامام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية
فقال: " ذاك ابراهيم " (2) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء " وقال: " لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ " * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم (3) وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم ".
ولما كان ابراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا يارسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك " قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد " وقال تعالى (وإبراهيم الذي وفى) [ النجم: 37 ] قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن) [ البقرة: 124 ]
__________
(1) أخرجه البخاري في 60 كتاب المناقب باب (8) ح 3349 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 51 / 14 / 58 ورواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده ج 5 / 3 والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي.
(2) أخرجه مسلم في 43 كتاب الفضائل 41 / 150 وأبو داود في سننه وأحمد في مسنده ج 3 / 178 - 184.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
(4) مسلم في 4 كتاب الصلاة 17 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 66 / 406 ص 1 / 305 والحديث في البخاري رقم 1591.
قال إبتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الاظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبي حاتم * وقال وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك قلت: وفي الصحيحين (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " وفي صحيح مسلم (2) وأهل السنن من حديث وكيع عن ذكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي عن طلق بن حبيب العتري عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك وإستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم (3) ونتف الابط وحلق العانة وإنتقاص الماء " - يعني الاستنجاء - وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عزوجل وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (4) أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم (وإبراهيم الذي وفى).
قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي، ومحمد بن موسى القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة قصرا أحسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا ".
قال البزار وحدثناه أحمد بن جميل المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا.
قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط
الصحيح.
ولم يخرجوه.
__________
(1) مسلم في صحيحه 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة ح 50 ص 1 / 222.
وفي البخاري ح رقم 2291 ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده.
(2) في 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة حديث 56 / 261 ص 1 / 223.
(3) البراجم: جمع برجمة وهي عقد الاصابع ومفاصلها كلها.
(4) قلح: صفرة الاسنان وسوادها.
صفة ابراهيم عليه السلام قال الامام أحمد حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض علي الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت ابراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية.
تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ (1) * وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا اسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى ابن مريم وموسى وابراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر - وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا له فابراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعني نفسه * وقال البخاري حدثنا بنان (2) بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و (ك ف ر) فقال لم اسمعه ولكنه قال صلى الله عليه وسلم: " أما ابراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل احمر مخطوم بخلبه كأني انظر إليه انحدر في الوادي ".
ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به * وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به.
وفاة ابراهيم وما قيل في عمره
ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذي يقال انه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم * وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا.
وذكروا أن طلع نجم اخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود.
فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه.
فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وانبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى (3) وتقدم عن ابن عباس أنه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 324 ومسلم في صحيحه 1 / 74 / 271 وفيه زيادة: ورأيت جبرائيل عليه السلام فإذا أقرب ما رأيت به شبها دحية.
وقبله..رأيت إبراهيم..شبها بصاحبكم (يعني نفسه).
(2) في البخاري: بيان بن عمرو.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
ولد ببرزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران ثم إلى أرض الشام وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا وولد له إسماعيل واسحق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها ابراهيم عليه السلام ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه اسحق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الابل قالوا ثم تزوج ابراهيم عليه السلام قنطورا (1) فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح (2).
وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.
وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم
بصحتها * وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.
قالوا ثم مرض إبراهيم عليه السلام ومات عن مائة وخمس وسبعين * وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي عند إمرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي وتولى دفنه اسمعيل واسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي.
(3) سنة كما قاله ابن الكلبي وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن ابراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة " (4) وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفا.
ثم قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد نيست (5) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتت عليه ثمانون سنة.
ثم روى ابن حبان عن
__________
(1) قطورا بنت يقطن من الكنعانيين ابن الاثير في الكامل والطبري في تاريخه.
وقيل تزوج بعدها حجورا بنت أهير.
(2) ذكر المسعودي 1 / 43 الاسماء كالتالي: مرق - نفس - مدن - مدين - سنان وسرح.
وفي الطبري: يقسان، زمران مديان، يسبق، سوح، بسر.
(3) في الكامل وتاريخ الطبري: مائتي سنة - وعند المسعودي: مائة وخمس وتسعين.
(4) رواه ابن عساكر في تاريخه ج 2 / 149 تهذيب.
(5) هكذا في الاصول ; ولم أجد فيما لدي من مراجع من تسمى من الرجال بهذا الاسم، وقد ورد محمد بن عبد الله بن نمير ممن روى عن قتيبة ولم يعرف غيره.
عبد الرزاق أنه قال القدوم اسم القرية.
قلت الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة * وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم * وقال محمد بن اسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم.
وقال مالك (1) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أول من أضاف (2) الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه (3) وأول الناس رأى الشيب، فقال يا رب ما هذا ؟ فقال الله [ تبارك وتعالى ] " وقار [ يا ابراهيم ] " فقال يا رب زدني وقارا.
وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل * فقبره وقبر ولده اسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد " حبرون " وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بني اسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا.
فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها * وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال وجد عند قبر ابراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة.
الهي جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخر * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أول من ولد له: اسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين (4) فولدت له خمسة كيسان
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ - باب ما جاء في السنة في الفطرة ح 1667 / ص 510.
(2) عند مالك: أول الناس ضيف الضيف.
(3) عند مالك: الشارب.
(4) في الكامل لابن الاثير: حجون بنت أهير.
وسورج واميم ولوطان ونافس * وهكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام ".
ومما وقع في حياة ابراهيم خليل من الامور العظيمة، قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة الغميمة (1) وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكأن أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك من خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الاعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
ما سبقكم بها أحد من العالمين.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون.
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون.
فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [ الاعراف: 80 - 84 ].
وقال تعالى في سورة هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحاق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك.
وإنهم آتاهم عذاب غير مردود.
ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
وجاءه قومه يهرعون إليه.
ومن قبل كانوا يعملون السيئات.
قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.
قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن
__________
(1) وفي نسخة العميمة ; أي الشاملة.
شديد.
قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا إمرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 69 - 83 ].
وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم
تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين.
إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين.
فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون.
قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون.
فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
وجاء أهل المدينة يستبشرون.
قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أولم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين.
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون.
فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم.
إن في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 51 - 77 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 160 - 175 ].
وقال تعالي في سورة النمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ النمل: 54 - 58 ].
وقال تعالي في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون
الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب
الله إن كنت من الصادقين.
قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية * إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين * ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 28 - 35 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين.
الا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * إنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 133 - 137 ] وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم (قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين.
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين.
وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 31 - 38 ].
وقال في سورة الانشقاق (كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر.
نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *) [ القمر: 33 - 40 ].
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها (1) مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن ايراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من
الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعو (2) عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم [ واستضعفوه وكثروا منه ] (3) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا (أخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون) [ النمل: 56 ] فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته وأخرجهم منها أحسن اخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في
__________
(1) غير ما تقدم ذكر اسم لوط في: الانعام 86، الانبياء: 71 - 74، الحج: 43، الصافات: 133 ص: 13، ق: 12، التحريم: 10.
(2) وفي نسخة: ولم يرعووا.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ ارتكاب ] (1) الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا (2) * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرقيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) [ العنكبوت: 29 ] فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث
رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل ابراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الامر الجسيم والخطب العميم (قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا انا ارسلنا إلى قوم مجرمين.
لنرسل عليهم حجارة من طين.
مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 31 - 34 ] وقال (ولما جائت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين.
قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين) [ العنكبوت: 31 - 34 ] وقال الله تعالى (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [ هود: 74 ].
وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا.
ولهذا قال تعالى (إن ابراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) [ هود: 75 ] أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به، من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن اسحاق أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن اسحق إلى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: من العالمين.
عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى (وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان
اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن اسحق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق أمامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم: فيما قال [ والله ] (1) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حيت كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لاهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت (2) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك (3) فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [ هود: 77 ] أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) [ هود: 78 ] يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لان النبي للامة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [ الاخزاب: 6 ] وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم.
وهذا كقوله (أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) [ الشعراء: 165 - 166 ]
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحق
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) وفي نسخة: شفقة عليهم ; وفي الكامل: خافت عليهم.
(3) في الكامل: أدرك.
وهو الصواب.
والقول الاخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا إثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) [ هود: 78 ] نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء.
فجرة أقوياء.
كفرة أغبياء.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد.
مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما تريد) [ هود: 79 ] يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يالوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا [ من غير النساء ] (1).
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم.
ذي العذاب الاليم.
ولهذا قال عليه السلام (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [ هود: 80 ] ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من ابراهيم، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي " (2) ورواه أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة * وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (يعني الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " (3).
وقال تعالى
(وجاء أهل المدينة يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أو لم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين) [ الحجر: 67 - 71 ] فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم (4) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون.
ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون.
وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [ الحجر: 72 ] وقال تعالى (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر.
ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) [ القمر - 36 - 38 ] ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 كتاب المناقب باب 11 ح 3372 فتح الباري وروى ابن ماجة نحوه ورواه أحمد في مسنده 2 / 326 - 332 - 350.
(3) انظر الدر المنثور ج 2 / 185.
(4) هكذا في الاصول وفي نسخة من قصص الانبياء لابن كثير: كلما نهاهم.
يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال ] (1): لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لاحللت.
بكم النكال * قالت الملائكة (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) [ هود: 81 ] وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان.
ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بأن يسري هو
وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم * وقوله (إلا امرأتك) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها.
ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك.
أي فانها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم.
ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الاول أظهر في المعنى والله أعلم.
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة.
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [ هود: 81 ] فلما خرج لوط عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن إمرأته خرجت معه فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد.
ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد * وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غورزغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 82 - 83 ] قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن وكن سبع مدن (2) بمن فيهن من الامم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة.
قيل أربعة آلاف (3) نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في الطبري والكامل والمسعودي: خمس قرى، ذكر المسعودي المدائن الخمس وهي: سدوم، عمورا، وادموتا، وصاعورا، وصابورا.
(3) وفي نسخة: أربعة آلاف ألف نسمة.
والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شر فاتها (وأمطرة عليهم حجارة من سجيل) [ الحجر: 74 ] والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال (مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 34 ] وكما قال تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ الشعراء: 173 ] وقال تعالى (والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى) [ النجم: 53 - 54 يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها * ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ] أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه.
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما.
فإن الله لا يقدر على نبي آن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط * ومن قال خلاف هذا فقد اخطأ خطأ كبيرا.
قال الله تعالى في قصة الافك: لما انزل براءة ام المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول اله صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [ النور: 15 - 16 ] أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة * وقوله ههنا (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما
هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (1) وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 2 / 468 والترمذي في سننه 15 / 24 / 1456 وابن ماجة.
وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: لينه ابن معين، وقال أحمد: ما به بأس.
وقال أبو داود: ليس بالقوي.
وفي تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم 2 / 75 / 642.
لقوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد).
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينفع بمائها ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها لردائتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه.
ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات.
وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى (ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: * - 9 ] وقال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم.
ان في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 73 - 77 ] أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامرة.
هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين).
وقوله (وانها لبسبيل مقيم) [ الحجر: 76 ] أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 137 ] وقال تعالى (ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 35 ] وقال تعالى (فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 35 - 37 ] أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم: فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به عزوجل ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال.
والجواري من السراري ذوات الجمال.
وإياه أن يتبع كل شيطان مريد.
فيحق عليه الوعيد.
ويدخل في قوله تعالى (وما هي من الظالمين ببعيد).
__________
(1) سنن الترمذي 48 / 16 / 3127 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، وقال في المتوسمين.
المتفرسين.
ورواه ابن حجر في لسان الميزان (5 / 1154) والقرطبي في أحكامه (1 / 43) ورواه الاصفهاني في حلية الاولياء 4 / 94 والسيوطي في الدر المنثور 4 / 103 والذهبي في الطب النبوي ص 112.
والطبراني في المعجم الكبير 8 / 121.
قصة مدين قوم شعيب عليه السلام (1) قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم فاوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين.
ولا تقعدوا بكل صراط توعدون.
وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.
وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة
لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد أفترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما.
على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين.
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 83 - 95 ].
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.
وما أنا عليكم بحفيظ.
قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
إنك لانت الحليم الرشيد.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد.
واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.
قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز.
قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط.
ويا قوم اعملوا على
__________
(1) ذكر شعيب في القرآن في: الاعراف: 85 - 88 - 90 - 92 وفي سورة هود: 84 - 87 - 90 - 95، وفي الشعراء: 177 وفي العنبكوت: 36.
مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 84 - 95 ].
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا.
(وإن كان أصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبامام مبين) [ الحجر: 78 - 79 ] وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم (كذب أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول امين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم.
ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الاولين.
قالوا انما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين.
فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال ربي أعلم بما تعملون.
فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 176 - 191 ].
كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية (1) من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط.
وكانوا بعدهم بمدة قريبة.
ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة (2) وهم من بني مدين بن مديان بن إبرهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (3) بن يشجن ذكره ابن اسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (4) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن ابراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (5) بن ثابت بن مدين بن ابراهيم وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام.
ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي [ انه ]: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة فقال: " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم
__________
(1) وفي نسخة قريبة ; وهو الصواب.
(2) وفي نسخة أخرى: مدينة عرفت بها القبيلة ; وهو الصواب.
(3) في الطبري 1 / 167: ميكائيل.
(4) في الطبري: يثرون.
(5) في الطبري: بن صيفون بن عنقا.
شعيب وأختان (1) موسى ".
فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من (2) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فإن هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمي شعيبا خطيب الانبياء يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته * وقد روى ابن اسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء " وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الايكة وهي شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد وهو الولي الحميد.
كما قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا.
قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم) [ الشعراء: 85 ] أي دلالة وحجة
واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وإنه أرسلني وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها) [ الاعراف: 85 ] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط) [ الاعراف: 86 ] أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال اسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعني يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك (وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا) [ الاعراف: 86 ] فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الاخرى (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم
__________
(1) أختان موسى: أصهار موسى.
وفي الاستيعاب: وأحبار موسى.
(2) وفي نسخة: صهر موسى.
محيط) [ هود: 84 ] أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق (1) الله بركة ما في أيديكم (2) ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة.
فنهاهم أولا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الاليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف.
ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) [ هود: 86 ] قال
ابن عباس والحسن البصري (بقيت الله خير لكم) أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الريح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف.
قال وقد روي هذا عن ابن عباس وهذا الذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبتك كثرة الخبيث) [ المائدة: 100 ] يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فإن الحلال مبارك وإن قل والحرام ممحوق وإن كثر كما قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [ البقرة: 276 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل " رواه أحمد (3) أي إلى قلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل والحرام لا يجدي وإن كثر ولهذا قال نبي الله شعيب (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) وقوله (وما أنا عليكم بحفيظ) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لاراكم أنا وغيري (قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 78 ] يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ونترك ما يعبد أباؤنا الاقدمون وأسلافنا الاولون (5) ؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟، (انك لانت الحليم الرشيد) قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
(قال يا قوم أر أيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما
__________
(1) يمحق: يمحي.
(2) وفي نسخة: ما بأيديكم.
(3) مسند أحمد ج 1 / 395 و 424.
(4) ورواه الحاكم في المستدرك 2 / 37، 4 / 317، وصححه ووافقه الذهبي، وابن ماجة في سننه رقم 2279.
وأحمد في مسنده ج 2 / 183.
(5) رواه مسلم في 21 / 43 / 47 والبخاري في 34 / 19 - 42 - 43 فتح الباري وأحمد في مسنده 3 / 402 - 403 - 434 ورواه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي.
ورواه مالك في الموطأ.
أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [ هود: 88 ] هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم: " أرأيتم " أيها المكذبون (ان كنت على بينة من ربي) أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم (ورزقني منه رزقا حسنا) يعني النبوة والرسالة يعني وعمى عليكم معرفتها فأي حيلة لي بكم.
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) أي لست آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول من يتركه وهذه في الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بني اسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [ البقرة: 44 ] وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى النار فتندلق أقتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى.
كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " * وهذه صفة مخالفي الانبياء من الفجار والاشقياء فأما السادة من النجباء والالباء من العلماء، والذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت) أي ما أريد في جميع أمري إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي (وما توفيقي) أي في جميع أحوالي (إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب) أي عليه أتوكل في سائر الامور واليه مرجعي ومصيري في كل أمري وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
[ هود: 89 ] أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله (وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان.
وقيل في الصفات والافعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الاقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) [ هود: 90 ] أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما نقول وإنا لنراك فينا ضعيفا) [ هود: 91 ] روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا كان ضرير
البصر * وقد روي في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمي فرد الله عليه بصره.
وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك إلى الجنة فقال: بل من محنتك فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي فأوحى الله إليه هنيئا لك يا شعيب لقاني فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار عن أبي عبد الله محمد بن اسحق التربلي (1)، عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أمين (2)، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [ هود: 91 ] وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا (ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهمه ولا نتعقله لانا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا
عاملون) [ فصلت: 5 ] وقولهم (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي مضطهدا مهجورا (ولولا رهطك) أي قبيلتك وعشيرتك فينا (لرجمناك وما أنت علينا بعزيز).
(قال يا قوم ارهطي أعز عليكم من الله) [ هود: 92 ] أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم، ولا تخافون جنبة (3) الله ولا تراعوني لاني رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي جانب الله وراء ظهوركم (إن ربي بما تعملون محيط) [ هود: 92 ] أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
(ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا اني معكم رقيب) [ هود: 93 ] وهذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.
ومن يحل عليه الهلاك والبوار (من يأتيه عذاب يخزيه) أي في هذه الحياة الدنيا (ويحل عليه عذاب مقيم) أي في الاخرى (ومن هو كاذب) أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر (وارتقبوا اني معكم رقيب) وهذا كقوله (وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي ارسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) [ الاعراف: 87 ] (قال الملا (4) الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها الا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [ الاعراف:
__________
(1) وفي نسخه الرملي.
(2) ابن امين تحريف، وفي نسخة ابن أوس.
(3) وفي نسخة: عذاب الله.
(4) الملا: أشراف القوم وسادتهم وكبراؤهم.
88 - 89 ] طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه
فقال: (أو لو كنا كارهين) أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وإنما يعودون إليه إن عادوا اضطرارا مكرهين، وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لاحد منه.
ولهذا قال (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا) أي فهو كافينا وهو العاصم لنا وإليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) أي الحاكمين، فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ورسوله خالفوه.
ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون (وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 90 ] قال الله تعالى: (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) [ الاعراف: 91 ] ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات وظلة أرسل عيلهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الاعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) فقابل الارجاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لانهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص (أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 87 ] فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا
الرسول الكريم الامين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة اسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة.
وكان إجابة لما طلبوا.
وتقريبا إلى ما إليه رغبوا.
فإنهم قالوا (إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال رب أعلم بما تعملون) [ الشعراء: 185 - 188 ] قال الله تعالى (وهو السميع العليم فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 189 ] ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: (كذب
أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب) ولم يقل أخوهم كما قال: (وإلى مدين أخاهم شعيبا).
والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الاول أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: (كذب أصحاب الايكة المرسلين) لانه وصفهم بعبادة الايكة فلا يناسب ذكر الاخوة ههنا ولما نسبهم إلى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما إحتجاجهم بيوم الظلة فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيأ من هذا الشأن * فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي عليه السلام ".
فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني اسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من
الخطاب.
وقوله (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الاسراب فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليسظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح.
(فاصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 91 - 92 ].
(ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين)، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 94 - 95 ].
وقال تعالى (وقال الملا من قومه لئن إتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 90 - 92 ].
وهذا في مقابلة قولهم (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 93 ] ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 93 ] أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم) أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح
الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه فلم ينفعكم ذلك لان الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون إليه ولا تلتفون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لاحد أريد به عنه ولا مناص منه.
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام.
وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.
باب ذرية ابراهيم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم وما آل إليه أمره عليه السلام والتحية والاكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط.
وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها إقتداء بالقرآن العظيم * ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية ابراهيم عليه السلام لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده.
اسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر ابراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل * ومن قال إن الذبيح هو إسحق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل * فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر * وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة * وإنما ولد اسحق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة * أما في الصورة فلانه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه.
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل فهذا هو الولد
الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر وأين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه
ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل * وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والامر بها لاهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب * قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى.
قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [ الصافات: 101 - 102 ] فطاوع أباه على ما إليه دعاه.
ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) [ مريم: 54 - 55 ] وقال تعالى (واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص: 45 - 48 ] وقال تعالى (واسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ النساء: 163 ] الآية.
وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] الآية.
ونظيرتها من السورة الاخرى.
وقال تعالى (أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) [ البقرة: 140 ] الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها.
وقد قال سعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث
أبيكم اسماعيل " وكانت هذه العراب وحشا (2) فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الاموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة " فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها * قال الاموي هي
__________
(1) وفي نسخة: بالعلم.
(2) وفي نسخة: وحوشا.
عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي * ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وقيل هذه ثالثة فولدت له إثني عشر ولدا ذكرا.
وقد سماهم محمد بن اسحق رحمه الله وهم نابت وقيذر (1) وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصاوارر ويطور ونبش وطيما وقيذما * وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم.
وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم.
وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه * ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه اسحق وزوج ابنته نسمة (2) من ابن أخيه العيص بن اسحق فولدت له الروم.
ويقال لهم بنو الاصفر لصفرة كانت في العيص * وولدت له اليونان في أحد الاقوال * ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا * وتوقف ابن جرير رحمه الله.
ودفن اسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة * وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال شكى اسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه تجري عليك روحها إلى يوم
القيامة وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار * وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن اسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم * وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم انبيائهم ومحقق أنبائهم * ثم نذكر ما كان في زمن بني اسرائيل * ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الامم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
اسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة (3) بعد أخيه اسماعيل بأربع عشر سنة.
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين (4) سنة قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى
__________
(1) قال الطبري: وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الالفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي ادبيل ادبال وفي ميشا ميشام.
وانظر التعليق حول هذا الموضوع في أخبار العرب ; الجزء الثاني من البداية والنهاية.
(2) في الطبري: بسمة.
(3) في الطبري والكامل: مائة وعشرين سنة.
(4) في الكامل لابن الاثير: سبعون سنة.
اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز * وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ابراهيم ".
وذكر أهل الكتاب أن إسحق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت
عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو وهو الذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم * والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو اسرائيل الذي ينتسب إليه بنو اسرائيل قالوا وكان إسحق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكره وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لانه الاصغر قالوا فلما كبر إسحق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغي ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه إليه قال من أنت قال ولدك فضمه إليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس (1) والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه فقال له ما هذا يا بني قال هذا الطعام الذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وأن يجعل لذريته عليظ الارض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته.
وقالت لزوجها إسحق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم (2) فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الارض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا
الموضع معبد الله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر
__________
(1) في الطبري: المس.
(2) في الطبري: فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل
فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمي ذلك الموضع بين إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما.
وأجملهما [ فطلب يعقوب الصغرى من خاله ] (1) فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لا بان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف إليه ليلا ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر.
فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لم غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان احببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها فعمل سبع سنين وادخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة * وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته لانه معصوم * ووهب لابان لكل واحدة من إبنتيه جارية فوهب لليا جارية إسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى * وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالي فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب عليه السلام فولدت له جاد (2) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (3) * ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب * ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله ندائها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما (4) عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض
حران (5) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله اني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع (6) وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح (7) ببياض وكل أجلح (8) أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من الطبري وقصص الانبياء لابن كثير.
(2) كذا في الاصل وفي رواية للطبري ; وفي رواية أخرى عنده سماه: حادر.
(3) في الطبري: يسحر.
(4) في الطبري: ولدت راحيل ليعقوب بعد اليأس يوسف وأخاه بنيامين، وفي رواية أخرى عنده ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين.
(5) في الطبري: بأرض بابل.
(6) أبقع: ما فيه بقع بيض وسود.
(7) الاملح: ما يخالط بياضه سواد.
(8) اجلح: ما لا قرن له.
من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقي الغنم من المياه لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل (1) أصنام أبيها فلما جاوزوا
وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وامائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم وأعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين إلى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك ودعا الله عزوجل وصلى الله وتضرع إليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لاخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذا الذي بعده ويقول كل منهم وهو جائي بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا اسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما أسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل
__________
(1) في الطبري: فقالت امرأة يعقوب، ولم يذكر اسمها، وعلى الارجح فيما رواه الطبري انها ليا ; لانه اعتبر في نفس الرواية ان راحيل قد ماتت.
1 / 165.
بنو اسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة رجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم إليه وأحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوا به ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله اسرائيل وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه * وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا.
وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وأخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فإنا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذ قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل (1) فولدت غلاما وهو بنيامين إلا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم * وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون
ولاوى ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين (2) ومن أمة راحيل دان ونفتالي ومن أمة ليا حاد واشير عليهم السلام وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن ابراهيم ثم مرض اسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه ابناه العيص ويعقوب مع أبيه ابراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا.
__________
(1) في رواية الطبري ان راحيل قد ولدت بنيامين وهم في ديار أبيها قبل خروجهم إلى أرض فلسطين.
راجع التعليق قبل قليل.
(2) زاد ابن قتيبة في المعارف: وأخوات لهما، ولم يذكر اسماءهن.
ما وقع من الامور العجيبة في حياة اسرائيل فمن ذلك قصة يوسف (1) بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 1 - 3 ] قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر ههنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي انزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلي يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان.
بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين
حكما (2) وأعدل حكما.
فهو كما قال تعالى (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) [ الانعام: 115 ].
يعني صدقا في الاخبار، عدلا في الاوامر والنواهي ولهذا قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 3 ] أي بالنسبة إلى ما أوحى اليك فيه كما قال تعالى (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور) [ الشورى: 52 - 53 ].
وقال تعالى (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق.
وقد آتيناك من لدنا ذكرا.
من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا.
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) [ طه: 99 - 101 ] يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي مرفوعا وموقوفا
__________
(1) ذكر اسم يوسف في 26 آية من الكتاب الكريم: 24 آية في سورة يوسف وآية في الانعام (84) وآية في غافر (34) وقد ذكرت قصته مطولة في سورة يوسف.
وقال النسفي في سبب نزول هذه السورة: ان كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم اليهود: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف.
فنزلت.
(2) وفي نسخة: حكمة.
" من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ".
وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد (1) عن الشعبي عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال: " أتتهوكون (2) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (3) إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم
موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الامم وأنا حظكم من النبيين " (4) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف.
وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون.
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا (إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين.
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم) [ يوسف: 4 - 6 ] قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله (قالوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] وزعم أن هؤلاء هم الاسباط فليس استدلاله بقوي (5) لان المراد بالاسباط شعوب بني اسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم.
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا: عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن
__________
(1) في المسند: عن هشيم عن مجالد.
(2) في المسند: أمتهوكون ; والتهوك: التحير.
(3) مسند أحمد: ج 3 / 388.
(4) مسند أحمد: ج 3 / 471.
(5) وفي نسخة: بالقوي.
ابراهيم " (1) " انفرد به البخاري ; فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة بن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنه * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن (أحد عشر كوكبا) وهم اشارة إلى بقية اخوته (والشمس والقمر) وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود "، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا وهو غلط منهم (وكذلك يجتبيك ربك) أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها (يجتبيك ربك) أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة (ويعلمك من تأويل الاحاديث) أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك (ويتم نعمته عليك) أي بالوحي إليك (وعلى آل يعقوب) آي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة (كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم وإسحق) أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحق ووالد جدك إبراهيم الخليل (إن ربك عليم حكيم) كما قال تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أكرم قال: " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " (2) وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير (3) وقد ضعفه الائمة - عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال: يا محمد أخبرني عن
الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها.
قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها قال فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان والطارق.
والديال وذو الكتفان.
وقابس.
ووثاب.
وعمردان (4) والفيلق.
والمصبح.
والضروح.
وذو الفرع.
والضياء.
والنور " فقال اليهودي أي والله إنها لاسماؤها.
وعند أبي يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه.
(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين.
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم تخريجه فليراجع.
(3) الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد وكنية أبيه أبو ليلى ; متروك.
اتهمه ابن معين تقريب التهذيب 1 / 485 / 191.
(4) في نسخة: عمودان.
منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين.
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين.
قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين) [ يوسف: - 10 ].
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات.
ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه يعنون شقيقه لامه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين (إن أبانا لفي ضلال مبين) أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض (1) محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالؤا على ذلك وتوافقوا عليه (قال قائل منهم) قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن اسحق هو أكبرهم روبيل (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة) أي
المارة من المسافرين (ان كنتم فاعلين) ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون.
قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون.
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) [ يوسف: 11 - 14 ] طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.
يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
(قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم.
وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده (فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابت (2) الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاؤا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين.
وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
والله المستعان على ما تصفون) [ يوسف: 15 - 18 ] لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال
__________
(1) تتمحض المحبة: تكون خالصة لهم.
(2) غيابة الجب: غوره.
واجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه
فيه أوحى الله إليه أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك (وهم لا يشعرون).
قال مجاهد وقتادة وهم لا يشعرون بايحاء الله إليه ذلك * وعن ابن عباس وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم.
ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا) أي ثيابنا (فأكله الذئب) أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
(وجاؤا على قميصه بدم كذب) أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا إلى سخلة (1) ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا أن يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه وأعدموه وغيبوه عن عينيه جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤن ولهذا (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة.
فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف.
فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على إبنه أياما كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم
في التعبير والتصوير [ وقال تعالى ]: (وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه.
قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون.
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ونتخذه ولدا.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث.
والله غالب على أمره ولكن أكثر
__________
(1) سخلة: ولد الشاة.
الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [ يوسف: 19 - 22 ] يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة أي مسافرون.
قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه (1) يوسف فلما رآه ذلك الرجل (قال يا بشرى) أي يا بشارتي (هذا غلام وأسروه بضاعة) أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم (والله عليم بما يعملون) أي هو عالم بما تمالا عليه أخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر مما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه ازمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف (دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين).
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف اليكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين.
وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما.
وقال عكرمة ومحمد بن اسحق أربعون درهما فالله أعلم (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمي مثواه) أي أحسني إليه (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) وهذا من لطف
الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
قالوا وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الذي [ تكون ] الخزائن مسلمة إليه * قال ابن اسحق وإسمه اطفير (2) بن روجيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل.
وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها.
وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن أبي هشام (3) الرفاعي.
وقال محمد بن اسحق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كان اسم الذي باعه بمصر يعني الذي جلبه إليها مالك بن ذعر بن نويب بن عفقا (4) بن مديان بن ابراهيم فالله أعلم.
وقال ابن اسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته اكرمي مثواه والمرأة التي قالت لابيها عن موسى (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
__________
(1) في نسخة: تعلق به.
(2) في رواية للطبري عن ابن عباس اسمه قطفير ; وفي رواية أخرى قطين وكان عمره يوم اشتروه سبع عشرة سنة.
(3) في نسخة: ابن هشام.
(4) في الطبري: مالك بن دعر بن بويب بن عفقان.
القوي الامين) [ القصص: 26 ] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا.
وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا.
فالله أعلم وقوله (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر (ولنعلمه من تأويل الاحاديث) أي فهمها.
وتعبير الرؤيا من ذلك (والله غالب على أمره) أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وامورا لا يهتدي إليها العباد ولهذا قال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين).
فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد.
وهو حد الاربعين الذي يوحي الله
فيه إلى عبادة النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم.
وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال ابن عباس ومجاهد: وقتادة ثلاث وثلاثون سنة.
وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) [ الاحقاف: 15 ].
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب.
وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر والفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم.
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين.
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [ يوسف: 23 - 29 ].
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلقت الابواب عليها وعليه وتهيأت له، وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها، وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن اسحق: وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء.
وحماه عن مكر النساء.
فهو سيد السادة النجباء السبعة الاتقياء.
المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء.
في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه.
ورجلان تحابا في الله إجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " (1).
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال (معاذ الله إنه ربي) يعني زوجها صاحب المنزل سيدي (أحسن مثواي) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده (إنه لا يفلح الظالمون) وقد تكلمنا على قوله (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) بما فيه كفاية ومقنع في التفسير (2).
وأكثر أقوال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين.
واستبقا الباب) أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره (والفيا) أي وجدا (سيدها) أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب اليم).
اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام (هي راودتني عن نفسي) إحتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة (وشهد شاهد من أهلها) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير.
وروي فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها.
وقيل قريبا إليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن اسحاق وزيد بن أسلم فقال (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين) أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه (وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) أي لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) أي هذا الذي جرى من
مكركن أنت (3) راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال (يوسف أعرض عن هذا) أي لا تذكره لاحد لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 10 / 36 / 660 و 24 / 26 و 81 / 24 وأخرجه مسلم في صحيحه 12 / 30 / 91 والترمذي في سننه 37 / 53 / 2391 والنسائي ومالك في الموطأ 51 / 5 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 439.
(2) يراجع تفسير ابن كثير ; تفسير سورة يوسف.
(3) في نسخة: أنت الذي راودتيه عن نفسه.
ثم اتهمتيه بالباطل.
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لانها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) (1).
(وقال (2) نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين.
فلما سمعت بمكرهن أرسلت اليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن.
فلما رأينه أكبرنه وقطعن إيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين.
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين.
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) [ يوسف: 30 - 34 ] * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء (3) في الطعن على إمرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن (إنا لنراها في ضلال مبين) أي في وضعها الشئ في غير محله (فلما سمعت بمكرهن) أي بتشنيعهن
عليها والتنقص لها والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها.
واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وأتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه (4) الحالة.
فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
(فلما رأينه أكبرنه) أي اعظمنه وأجللنه وهبنه (5) وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه
__________
(1) سورة يوسف الآية 29 وفيها: (واستغفري..) رجح الرازي أن يكون القائل هو الشاهد ; ويحتمل أن يكون المراد طلب المغفرة من الزوج أي طلب العفو والصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله.
لان أولئك الاقوام كانوا يثبتون الصانع ; إلا انهم كانوا يعبدون الاوثان.
(2) قوله (وقال نسوة) قال الرازي في تفسيره: لم يقل: وقالت نسوة لوجهين: - إن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنبته غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.
الثاني - قال الواحدي تقدم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
(3) قال في تفسير الرازي: قال الكلبي هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب سجنه - وامرأة صاحب دوابه.
وزاد مقاتل: وامرأة الحاجب.
(4) في نسخة: في هذه.
(5) في قول للرازي: أكبرن بمعنى حضن، قال الازهري يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت ; وهو أن المرأة إذا خافت = وفزعت فربما اسقطت ولدها ; وربما حاضت.
حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في إيديهن بتلك الساكين ولا يشعرن بالجراح (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم).
وقد جاء في حديث الاسراء: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ".
قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى، ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة إمرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس.
ولهذا لما قام عذر (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى، من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) ثم مدحته بالعصمة (2) التامة فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء.
ونأى لانه من سلالة الانبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين (رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين) يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين.
ودخل معه السجن فتيان.
قال احدهما إني أراني أعصر خمرا.
وقال الآخر إني أراني احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.
واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار.
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا
__________
= وقال: وعندي يحتمل انهن إنما أكبرنه لانهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام.
وحمل الآية على هذا الوجه أولى.
18 / 127 - 128.
(1) في نسخة عذرن ; وهو مناسب أكثر.
(2) في نسخة بالعفة.
وفي نسخة أخرى: بالعصمة والعفة.
إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 34 - 41 ].
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لامرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا.
وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم.
ومخالطتهم * ومن ههنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد.
قال الله (ودخل معه السجن فتيان) قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل " بنو " (1).
والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه وهو الذي يقول له الترك " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " (2) كان الملك قد اتهمهما في بعض الامور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السل الاعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا (إنا نراك من المحسنين) فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فأني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى (وانبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم) [ آل عمران: 49 ] وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لاني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا) أي بأن هدانا لهذا (وعلى الناس) أي بأن امرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) * ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل وصغر أمر الاوثان وحقرها وضعف أمرها.
فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله) [ يوسف: 39 - 40 ] أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (أمر أن لا تعبدوا إلا أياه) أي وحده لا شريك له و (ذلك الدين القيم) أي المستقيم والصراط القويم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لان نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول
__________
(1) في نسخة نبوا وفي الطبري نبو.
(2) في الطبري: محلب.
بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد إلى ما أرشد إليه قال (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) قالوا وهو الساقي (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) قالوا وهو الخباز (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ".
وقد روي عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما (قضي الامر الذي فيه تستفتيان.
وقال للذي ظن أنه ناج منها اذكرني عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [ يوسف: 42 ] يخبر تعالى أن يوسف عليه
السلام قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي (أذكرني عند ربك) يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الاسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الارباب.
وقوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي فانسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام * قاله مجاهد ومحمد بن اسحق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع * وقيل إلى السبع * وقيل إلى الخمس * وقيل ما دون العشرة.
حكاها الثعلبي * ويقال بضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف.
وقال الله تعالى (فلبث في السجن بضع سنين) وقال تعالى (في بضع سنين) [ الروم: 2 ] وهذا رد لقوله * قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين * وفي الصحيح: " الايمان بضع وستون " وفي رواية وسبعون شعبة، أعلاها (1) قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الاذى عن الطريق " (2).
ومن قال إن الضمير في قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن جرير (3) في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (4) المكي وهو
__________
(1) في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 2 / 3 ورواه مسلم في 1 / 57 / 58 وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده 2 / 144 - 379 - 445.
(3) تاريخ الطبري ج 1 / 177 وفي إسناده: عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار..(4) في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي.
نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز وليس منسوبا إلى خوزستان.
وهو أبو إسماعيل المكي، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب 1 / 46.
متروك.
ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا ههنا بطريق الاولى والاخرى والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في صحيحه، [ عند ] ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث، أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها.
والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم.
(وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين.
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون.
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون.
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) [ يوسف: 43 - 49 ] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن، ثم ملن عليهن، فأكلنهن فاستيقظ مذعورا.
ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع
أخر دقاق يابسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل (قالوا أضغاث أحلام) أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك، ولهذا قالوا (وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين) فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا.
وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى (وقال الذي نجا منهما وأدكر) أي تذكر (بعد أمة) أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك (وأدكر بعد أمة) أي بعد نسيان وقرأها مجاهد (بعد أمة) باسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.
امهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يزري بالعقول.
فقال لقومه وللملك (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي إستدعاه إلى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عرفه هؤلاء الجهلة الثيران، من قراى وربان (1).
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم إلى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب (2) * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية (وفيه يعصرون) يعني ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم.
وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الاول في سنبله إلا ما يرصد بسبب الاكل ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على
الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
(وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم.
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي أن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) [ يوسف: 50 - 53 ].
لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا (قال ارجع إلى ربك) يعني الملك (فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم) قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الامر الذي ليس برشيد ولا سديد.
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر وما كان منه من الامر الحميد (وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) فعند ذلك (قالت امرأة العزيز) وهي زليخا (الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) أي فيما يقوله من أنه برئ وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما
__________
(1) في نسخة: من فرى وهذيان وفي أخرى: من افتراء وهذيان ; وما في النسخ المطبوعة تحريف.
(2) فالسمان المخاصيب والعجاف هن السنون المحول الجدوب.
وعدوانا وزورا وبهتانا.
وقوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قيل إنه من كلام يوسف أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب.
وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الامر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك
ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الاول.
(وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الاولين.
وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.
قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين.
ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) [ يوسف: 54 - 57 ].
لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه (قال ائتوني به استخلصه لنفسي) أي اجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله (قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي ذو مكانة وأمانة (قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم) طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما (1) بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه إمرأة عظيمة الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل (2) إنه لما مات زوجه إمرأته زليخا فوجدها عذراء لان زوجها كان لا يأتي النساء فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل (3) ذلك يجاويه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء) أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق
__________
(1) في نسخة: فيها بعد.
(2) في الطبري: أن أطفير (قطفير) مات في تلك الليالي أي بعد عزله مباشرة عن عمله.
(3) في نسخة: وفي كل.
الركاب بديار مصر (يتبوأ منها حيث يشاء) أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما (نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
وهذا قال (ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) ويقال إن أطفير زوج زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه إمرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن اسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم.
وقد قال بعضهم.
وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين.
فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون.
وقال لفتيانه إجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [ يوسف: 58 - 62 ] يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه إلى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لانهم لم يخطر ببالهم (1) ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في
القول: وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] لتأخذوا خير بلادي.
فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا، ونحن بنو أب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا، فقال: لابد أن أستعلم أمركم * وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالاخ الآخر.
وفي بعض هذا نظر.
قال الله تعالى (فلما جهزهم بجهازهم) أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان
__________
(1) في عدم معرفتهم له وجوه: انه أمر حجابه أن يوقفوهم بعيدا عنه ولم يتكلم معهم إلا بالواسطة مع مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف.
- تغيره بعد إلقائه في الجب منذ زمن بعيد - قيل أربعون سنة.
- حصول العرفان والتذكر، لعله تعالى ما خلق ذلك في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنهم وهذا من معجزات يوسف عليه السلام.
حمل بعير لا يزيده عليه (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا إثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم (ألا ترون أنى أوف الكيل وأنا خير المنزلين) أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال: (فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدي إليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب (قالوا سنراود عنه أباه) أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن (وإنا لفاعلون) أي وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم.
وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية.
وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون.
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم.
قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.
قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم.
فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون.
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [ يوسف: 63 - 68 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم * وقولهم له (منع منا الكيل) أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي) أي أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا (ونمير أهلنا) أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم (ونحفظ أخانا ونزداد) بسببه (كيل بعير) قال الله تعالى (ذلك كيل يسير) أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتتني به إلا أن يحاط بكم) أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به (1) (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما تقول وكيل) أكد المواثيق وقرر
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان:
العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغني حذر من قدر.
ولولا حاجته (1) وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الاقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء
وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة.
قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لانهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر.
قاله إبراهيم النخعي.
والاول أظهر ولهذا قال (وما أغني عنكم من الله من شئ) وقال تعالى (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الاولى وعوضا آخر (2) (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون.
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذون أيتها العير إنكم لسارقون.
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون.
قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم.
قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين.
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين.
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم.
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون.
قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) [ يوسف: 69 - 79 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وأيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه * ثم
__________
= - معناه الهلال: قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي.
- ما ذكره قتادة: إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين.
فلا تقدرون على الرجوع.
(1) في بعثه بنيامين معهم ; وقصة يوسف لا تزال حية في ضميره ; وجوه: - انهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح.
- انه كان يشاهد انه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد ما كان بينهم وبين يوسف.
- ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك.
- لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.
راجع الرازي ج 18 / 170.
(2) في نسخة: وعرضا آخر وفي نسخة أخرى: وعوضوا آخر.
احتال على أخذه منهم وتركه (1) إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته.
وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته (2) في متاع بنيامين.
ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادى لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين) يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين.
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين).
وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق (3) منه ولهذا قالوا (كذلك نجزي الظالمين).
قال الله تعالى (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي لولا إعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر (إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء) أي في العلم (وفوق كل ذي علم عليم) وذلك لان يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه فلما عاينوا إستخراج الصواع من حمل بنيامين (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره.
وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق
ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له.
وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل غير ذلك فلهذا (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه) وهي كلمته بعدها وقوله (وأنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ.
هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف إليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف لن أبرح الارض حتى يأذن لى أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
__________
(1) في نسخة: وتركهم إياه.
(2) في نسخة: عن غرة.
(3) قال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ; والمعنى جزاء هذا الجرم هو استعباد الشخص الذي يوجد المسروق في رحله ; إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا.
إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون.
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم.
وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو أكون من الهالكين.
قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون.
يا بني إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) [ يوسف: 80 - 87 ].
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به (فلن أبرح الارض) أي لا أزال مقيما ههنا (حتى يأذن لي أبي) في القدوم عليه (أو يحكم الله لي) بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي (وهو خير الحاكمين.
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن إبنك سرق) أي اخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لانه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك (وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمر فصبر جميل) أي ليس الامر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا [ هو ] (1) خلقه وإنما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
قال ابن اسحق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) يعني يوسف وبنيامين وروبيل (إنه هو العليم) أي بحالي وما أنا فيه من فراق الاحبة (الحكيم) فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة (وتولى عنهم) أي أعرض عن بنيه (وقال يا أسفى على يوسف) ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر (2): لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (3)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) القائل: متمم بن نويرة.
(3) الدموع السوافك: المذروفة بغزارة.
فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (1) فقلت له إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله (وابيضت عيناه من الحزن) أي من كثرة البكاء (فهو كظيم) أي مكظم (2) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق (قالوا) له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه (تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) يقول لبنيه لست أشكوا إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو إلى الله عزوجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال: (واعلم من الله ما لا تعلمون) ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما.
(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين.
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) [ يوسف: 88 - 93 ].
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة
عليهم رد أخيهم بنيامين إليهم (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن بتجاوز عنا.
قيل كانت دراهم رديئة.
وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك.
وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) قيل بقبولها قاله السدي.
وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم
__________
(1) اللوى والدكادك: موضعان.
(2) في نسخة: مكمد.
عن أمر ربه وربهم.
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا) وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو (أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي) يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله (وهذا أخي) تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال (قد من الله علينا) أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم الينا وطاعتنا وبرنا لابينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا (إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا (وإن كنا لخاطئين).
أي فيما أسدينا إليك (1) وها نحن بين يديك (قال لا تثريب عليكم اليوم) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال (اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف
والصحيح الاول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فانه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين (2) إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الامور.
(فلما فصلت العير قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون.
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا.
قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون.
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين.
قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [ يوسف: 94 - 98 ].
قال عبد الرزاق أنبأنا اسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس يقول: فلما فصلت العير قال: لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف (فقال إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (3).
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان (4) به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما
__________
(1) قال أبو علي الجبائي: لم يعتذروا إليه من أقدامهم على إلقائه في الجب، وإنما اعتذروا من حيث انهم أخطأوا لانهم لم يظهروا لابيهم ما فعلوه.
قال الرازي وهذا الكلام ضعيف تفسير الفخر الرازي 18 / 205.
(2) قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ; وقال مسروق: ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
تفسير الرازي 18 / 207.
وفي الطبري 1 / 187: كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله.
(3) في نسخة: ثلاثة أيام.
(4) في نسخة: أبي سعد.
وفي الطبري: ابن سنان.
مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله (لولا أن تفندون) أي تقولون إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون.
وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) قال
قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة (1).
قال الله تعالى (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) أي بمجرد ما جاء (2) ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك (ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيريني فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه.
ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا (سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم).
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن ادريس سمعت عبد الرحمن بن اسحق يذكر عن محارب بن دثار قال كان عمر يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول " اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فاطعت وهذا السحر فاغفر لي " قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله (سوف أستغفر لكم ربي) وقد قال الله تعالى (والمستغفرين بالاسحار) [ آل عمران: 17 ] وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له " (4) وقد ورد في حديث ": أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة " قال ابن جرير (5) حدثني المثني.
ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقي حدثنا الوليد (6) أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول لله صلى الله عليه وسلم (سوف أستغفر لكم ربي) يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه.
وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي
__________
(1) زاد قتادة: ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ; والمراد بقولهم: حبك القديم ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه، وما تكابد من الاحزان والشقاء على يوسف.
(2) جمهور المفسرين البشير هو: يهودا.
وفي رواية للطبري 1 / 185: البشير: يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى
يعقوب.
(3) وفي النسخ المطبوعة: الصحيح وهو تحريف.
(4) صحيح مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين باب 23 / ح 166 / 757 ص 1 / 521 عن جابر بن عبد الله.
(5) تاريخ الطبري ج 1 / 186.
(6) وهو الوليد بن مسلم.
رفعه نظر والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه.
(فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [ يوسف: 99 - 101 ].
هذا إخبار عن حال إجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن.
وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة.
وقال محمد بن اسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد إل تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الاولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين.
وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاؤا كلهم (فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه) اجتمع بهما (2) خصوصا وحدهما دون إخوته (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام.
ثم لما اقتربوا من باب
مصر (قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قاله السدي.
ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو اقيموا بها (إن شاء الله آمنين) لكان صحيحا مليحا أيضا.
وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو اسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف
__________
(1) في نسخة: يدعون.
(2) المراد بقوله أبويه: قولان: - المراد أبوه وأمه، وعلى هذا تكون أمه لا تزال حية إلى ذلك الوقت، وقيل انها كانت قد ماتت وأن الله تعالى احياها من قبرها.
- المراد أبوه وخالته، لان أمه - كما مر - ماتت في النفاس بأخيه بنيامين وقد تزوج أبوه بخالته فسماها الله بأحد الابوين.
تفسير الرازي 18 / 210.
وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا.
وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانا.
قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم (1).
قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش) قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت
خالته ليا والخالة بمنزلة الام.
وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم (2).
ورفعهما على العرش أي اجلسهما معه على سريره (وخروا له سجدا) أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا (3).
(وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وجاء بكم من البدو) أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي فيما كان منهم إلي من الامر الذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال (إن ربي لطيف لما يشاء) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته (إنه هو العليم) أي بجميع الامور (الحكيم) في خلقه وشرعه وقدره.
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم التعليق فليراجع.
(3) قال الرازي: في سجود يعقوب ليوسف واستجازته له وجوه: - لاجل وجدانه سجدا لله تعالى، إن ذلك السجود كان سجودا للشكر فالمسجود له هو الله.
- جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه كما يقال: صلبت للكعبة.
- قد يسمى التواضع سجودا، إلا أن هذا شكل لانه تعالى قال: (وخروا له سجدا).
- الضمير في قوله (وخروا له) غير عائد للابوين وإلا لقال: وخروا له ساجدين بل الضمير عائد إلى إخوته.
- لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو السجود، والمقصود التعظيم وهذا بعيد.
- لعل يعقوب علم أن إخوته لن يسجدوا له على سبيل التواضع، ففعل هو ذلك السجود مع جلالة قدره وعظم حقه حتى يصير عمله سببا لزوال الانفة والنفرة عن قلوبهم.
- لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية.
بإختصار تفسير الرازي 18 / 212 - 213.
وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والاثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده (1).
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة (2) حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
وقال الشافعي قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عند وإنك لابن حرة.
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت وشمله قد إجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شئ فيها ومن عليها فان.
وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله.
وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الاسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين.
وهكذا كما يقال في الدعاء " اللهم احينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال: " اللهم في الرفيق الاعلى " ثلاثا ثم قضى (3).
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف.
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " (4) وفي الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم عليها السلام (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا
منسيا) [ مريم: 23 ] وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد
__________
(1) هو ما كانوا يسمونه في مصر نظام المزارعة، وقد بقي معمولا بعقود هذا النظام إلى وقت متأخر.
(2) عام الرمادة: لما صدر الناس عن الحج سنة ثماني عشرة أصاب الناس جهد شديد وأجدبت البلاد وأهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا.
سمي ذلك العالم عام الرمادة لان الارض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر.
طبقات ابن سعد 3 / 310.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 208 عن عائشة ورواه البخاري في الصحيح عن بشر بن محمد بن مبارك ح 4435 في 64 كتاب المغازي 83 باب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة فتح الباري 8 / 136.
(4) الحديث رواه الترمذي في سننه 48 / 39 / 3235 وقال: هذا الحديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في المسند 1 / 368، 4 / 66، 5 / 243، 5 / 427.
القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الاهوال.
فأما في حال الرفاهية ؟ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (1) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند إحضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن اسحق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق.
قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة.
وعندهم أنه أقام
بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [ البقرة: 133 ] يوصي بنيه بالاخلاص وهو دين الاسلام الذي بعث الله به الانبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم إستأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان إشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر.
ثم
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 75 / 19، 80 / 30، 81 / 7 ورواه مسلم في 48 / 10 - 13 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في سننهم ; وأحمد في مسنده: 2 / 263 - 309 - 316 - 350، 3 / 100 - 104 - 163 - 171 - 195 - 208 - 247، 5 / 109 - 110 - 111 - 112، 6 / 339 - 395.
حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة.
ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة *
وقال غيره أوصى إليه أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.
قصة نبي الله ايوب قال ابن اسحق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح (1) بن العيص بن إسحق ابن إبراهيم الخليل.
وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن اسحق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه.
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام.
وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه والمشهور الاول لانه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون) الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب) الآية.
فالصحيح أنه من سلالة العيص بن اسحق وإمرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم (2).
وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب.
وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.
ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [ الانبياء: 83 - 84 ] وقال تعالى في سورة ص (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.
أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب.
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 41 - 44 ] وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس.
ثم نوح.
ثم إبراهيم.
ثم إسماعيل.
ثم إسحق.
ثم يعقوب.
ثم يوسف.
ثم لوط.
ثم هود.
ثم صالح.
ثم شعيب.
ثم موسى وهرون.
ثم إلياس.
ثم اليسع.
ثم عرفى بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن
__________
(1) في الطبري: رازح.
وفي المعارف لابن قتيبة: بن صوص بن رعويل.
(2) في الطبري: افرائيم بن يوسف بن يعقوب.
يعقوب.
ثم يونس بن متى من بني يعقوب.
ثم أيوب بن زراح (1) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن اسحق بن إبراهيم.
وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والاراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران (2).
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه.
يذكر الله عزوجل بها وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر، لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس بلاء الانبياء.
ثم الصالحون.
ثم الامثل فالامثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " (3).
ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في
مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة (4) لبني اسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.
__________
(1) وفي نسخة: راذح، وفي الطبري: رازح.
(2) في الطبري: وكان لايوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان له بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ولكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان اتان لكل اتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك.
(3) أحمد في مسنده 1 / 172 - 174 - 180 - 185 والترمذي في سننه 37 / 56 / 2398 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي وابن ماجة في سننيهما.
(4) في الطبري: كناسة خارج القرية لبني إسرائيل لا يقربه أحد إلا زوجته.
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة.
وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [ الانبياء: 83 ].
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن خازم، عن عبد الله بن
عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شئ قط قال (اللهم ان كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني) فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الاعلى، انبئنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق ".
قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ ص: 42 ] فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو.
قال وكان له أندر
للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الدهب حتى فاض وأفرغت الاخرى في أندر (1) الشعير الورق حتى فاض.
هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه إبن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به.
هذا
غريب رفعه جدا.
والاشبه أن يكون موقوفا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن اسمعيل حدثنا حماد أنبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه.
أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك (2) قربانا واستغفر لهم فانهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع.
قال يا رب ومن يشبع من رحمتك " (3).
وهكذا رواه الامام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي عن إسحق بن راهوية عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك ؟ (4).
هذا موقوف.
وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب
__________
(1) الاندر: الكدس من القمح خاصة.
(2) ذكر الطبري ان ثلاثة نفر (فقط) قد اتبعوه على دينه يقال للاول: يلدد، والآخر: اليفز، والثالث صافر.
ووردت في التوراة: بلدد الشوحي، أليفار اليماني، صوفر النعماني.
وفي تعليله لاشفائه: ان هؤلاء بكتوه في بلائه ; فأقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم.
(3) رواه أحمد في مسنده 2 / 511 وأبو داود الطيالسي في مسنده 2 / 83 / 2302.
(4) مسند أحمد ج 2 / 243 - 304.
فجعل أيوب يحشي في ثوبه، فناداه ربه عزوجل (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك " (1).
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
وقوله (أركض برجلك) أي اضرب الارض برجلك فامتثل ما أمر به فانبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها، ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الالم والاذى والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حيت صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا (2) من ذهب وأخلف الله له أهله كما قال تعالى (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) [ الانبياء: 84 ].
فقيل أحياهم الله بأعيانهم.
وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله (رحمة من عندنا) أي رفعنا عنه شدته (وكشفنا ما به من ضر) رحمة منا به ورأفة وإحسانا (وذكرى للعابدين) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع (3).
وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 44 ] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حلفه
ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها.
وقيل لانه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط.
فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا (4) وهو كالعثكال (5) الذي يجمع الشماريخ (6) فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث.
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضي الله عنها.
ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله (إنا وجدناه صابرا
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 314 والبخاري في صحيحه 5 / 20 - 60 / 20 و 97 / 35.
(2) جراد: آنية.
(3) النزع.
النبت، (4) الضغث: قبضة من قضبان مختلفة، يجمعها أصل واحد مثل الاسل.
(5) العثكال: ما علق من عهن أو صوف أو زينة فتذبذب في الهواء.
(6) الشماريخ: واحدها شمراخ، وشماريخ العثكال اغصانه.
وأصله في العذق.
نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام عند الوصول إليه أن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة.
وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء وبيوسف عليه السلام على الارقاء وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالامر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم.
ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما
يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليهما السلام.
قصة ذي الكفل (1) الذي زعم قوم انه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الانبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص 45 - 48 ] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم.
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه امرهم ويقتضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل.
وروى ان جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي
__________
(1) قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضا النصيب.
بثلاث استخلفه.
يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (1).
قال: فقام رجل تزدريه العين (2)، فقال: أنا.
فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في
صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم * قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (3) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح.
فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لاغضبنك، [ فعصمك الله مني ] (4) فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفى به.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق.
وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الاخنس قال سمعت الاشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
__________
(1) زاد في القرطبي: ولا يغضب وهو يقضي.
(2) في القرطبي: رجل من ذرية العيص.
(3) الرواح: قيل الرواح العشي، وقيل: الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل.
(4) الزيادة من القرطبي.
قال: قال أبو موسى الاشعري، فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد (1): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله.
عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [ أ ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط.
ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (2).
ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن.
وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا.
وفي إسناده نظر فإن سعدا (3) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى الآية) [ القصص: 43 ].
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض غير القرية التى مسخوا قردة.
ألم تر أن الله تعالى يقول: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) ورفعه البزار في رواية له.
والاشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام: فمنهم:
اصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا.
وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا) [ الفرقان: 38 - 39 ] وقال تعالى في صورة ق (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 23.
(2) رواه الترمذي الحكيم في نوادر الاصول.
ورواه الترمذي أبو عيسى في سننه كتاب صفة القيامة (38) باب 48 ح / 2496.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الاعمش ونحو هذا ورفعوه.
وروى بعضهم عن الاعمش ولم يرفعه.
(3) سعد ويقال طلحة، عن ابن عمر، وعنه عبد الله (الرازي) وثقة الكاشف (1 / 280) أو سعيد ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة تقريب التهذيب 1 / 290.
وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 12 - 14 ] وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك.
وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج (1)، لان أولئك عند ابن اسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضا.
وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس (2) ; أهل قرية من قرى ثمود.
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الاحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الارض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد
بالاحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله عزوجل، فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم (3).
وروى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان.
وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها (4).
وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين.
وقال قتادة فلج من قرى اليمامة قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا * وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير.
وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعا وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم (5) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن
__________
(1) قال تعالى: (قتل أصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود (4 - 6).
(2) الرس: في كلام العرب البئر التي تكون مطوية والجمع رساس.
وفي الصحاح: الرس بئر كانت لبقية من ثمود.
والرس أيضا عند العرب: الدفن.
(3) تاريخ ابن عساكر 1 / 15 تهذيب.
(4) عن عكرمة: دفنوه حيا.
(5) في نسخة: فأخبرهم، وهو مناسب أكثر.
عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له قال السهيلي وكان يوحي إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه
وألقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الانس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1) فلا يسمع ببقاعهم لا عزيف الجن وزئير الاسد (2) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعني - ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الاسود.
ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك (3) لبئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها، ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون * ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام (4) فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته، ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع * ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه * قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل فيقولون له ما تدري حتى قبض الله النبي عليه لسلام وأهب (5) الاسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ".
فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر.
ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء، على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن قال لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم (6).
__________
(1) في نسخة: والوحش.
(2) في نسخة: والاسود.
(3) في نسخة: تلك.
(4) في نسخة: فنام.
(5) في الرازي والقرطبي: وهب.
(6) قال الرازي: وأعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن.
ولا بخبر قوي الاسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبره الله تعالى عنهم انهم أهلكوا بسبب كفرهم 24 / 83.
اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم.
ثم اختار أنهم أصحاب الاخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم.
قصة قوم يس وهم (1) اصحاب القرية قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون.
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون.
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون.
وما علينا إلا البلاغ المبين.
قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنك وليمسنكم منا عذاب أليم.
قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني إليه ترجعون.
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون.
إني إذا لفي ضلال مبين.
إني آمنت بربكم فاسمعون.
قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 13 - 29 ].
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية.
رواه ابن اسحق فيما بلغه عن
ابن عباس وكعب الاحبار ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن اسحق فيما بلغه عن ان ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا: وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الاصنام.
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم.
وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين (2) الاوليين
__________
= وفي القرطبي تعليقا على قول ابن جرير.
قال الثعلبي: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس، لان الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم.
ج 13 / 33.
(1) في نسخة: ومنهم أصحاب القرية.
(2) في نسخة: الرسولين.
قال القرطبي هذا قول الطبري وقال غيره: شمعون ويوحنا، وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا وصدوقا.
شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا: لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك.
فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله أعلم.
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولان ظاهر سياق القرآن يقتضي من هؤلاء الرسل من عند الله.
قال الله تعالى (واضرب لهم
مثلا) يعني لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني المدينة (إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الامم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وأنتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي تشائمنا بما جئتمونا به (1) (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الاول قوله (وليمسنكم منا عذاب أليم) فوعدوهم بالقتل والاهانة.
(قالوا طائركم معكم) أي مردود عليكم (أأن ذكرتم) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والاهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني لنصرة الرسل وأظهار الايمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا (2) ولا في الآخرة (أني إذا لفي ضلال مبين) أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه * ثم قال مخاطبا للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم.
وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني يرسل الله جهرة.
فعند ذلك.
__________
(1) قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم، القرطبي 15 / 16.
(2) قال وهب: وكان حبيب مجذوما، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة كان ينحث الاصنام وكان عكف على عبادة الاصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ; فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله ; وأن هذه لا تنفع شيئا ولا تضر.
فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به.
القرطبي 15 / 18
قتلوه.
قيل رجما.
وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه * وحكى ابن اسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته [ من دبره ] (1).
وقد روى الثوري عن عاصم الاحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا.
وقيل إسكافا.
وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم.
وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه.
ولهذا قال تعالى: (إدخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.
قال ابن عباس نصح قومه في حياته (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقي غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وقوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن اسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود * قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والاول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال (وما كنا منزلين) أي وما كنا نحتاج (3) في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).
قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لان هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة
__________
(1) من القرطبي.
وقصبته: أمعاؤه.
وقيل في قتله: عن الحسن: حرقوه حرقا.
(2) في نسخة: أشياخه.
(3) في نسخة: محتاجين.
آمنت بالمسيح * فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الاشقري (1) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (2) فإنه حديث لا يثبت لان حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم.
قصة يونس قال الله تعالى في سورة يونس (فلولا كانت قرية آمنت فتفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] وقال تعالى في سورة والصافات (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) [ الصافات: 139 - 148 ].
وقال تعالى في سورة نون (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) [ القلم: 47 - 50 ].
قال أهل التفسير بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، من أرض الموصل، فدعاهم
إلى الله عزوجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث (3).
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا (4) إلى الله عزوجل وصرخوا وتضرعوا
__________
(1) في نسخة: الاشقر وفي أخرى: الاصفر وهو تحريف.
(2) رواه الطبراني في 3 / 111 / 2.
قال البخاري في الاشقري: ضعيف جدا.
وقال العقيلي: عن البخاري قال فيه: فيه نظر (الضعفاء 90).
(3) في تفسير الرازي بعد أربعين ليلة.
وعند القرطبي فكالاصل.
(4) عجوا: معناها هنا: تضرعوا.
إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات (1) وجأرت الانعام والدواب والمواشي فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) [ سبأ: 34 ].
وقوله (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين ; الاظهر من السياق نعم.
والله أعلم.
كما قال تعالى (لما آمنوا) وقال تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى
حين).
وهذا المتاع إلى حين لا يفني أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف * وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [ الصافات: 147 ] قال: " يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب * وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين ألفا.
وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا هل كان ارساله إليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون * قالوا فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر (2) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.
ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الامر العظيم.
قال الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين.
إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين.
فالتقمه الحوت وهو مليم) [ الصافات: 139 - 142 ].
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عزوجل
__________
(1) في النسخ المطبوعة: الامهاب وهو تحريف.
(2) في نسخة: فتشمر.
حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه * قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا
وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله.
وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه.
فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه (1).
والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الاجاجي (2) فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى * فعند ذلك وهنالك قال ما قال: بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين (وذا النون إذ ذهب) إلى أهله (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق * وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما يقدر يكن فلك الامر (3) (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر (4).
وقوله تعالى (فلولا أنه
__________
(1) في القرطبي: قال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما.
الضحاك: عشرين يوما.
عطاء سبعة أيام.
مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام وقيل ساعة واحدة.
15 / 123.
(2) الاجاجي: نسبة إلى الاجاج: الملح.
(3) في القرطبي: أنشد ثعلب: ولا عائد ذالك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر (4) قال الماوردي: انه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة.
كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [ الصافات: 143 - 144 ] قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة.
ولبعث من جوف ذلك الحوت.
هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
وقيل معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: " يا غلام إني معلمك كلمات إحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (1) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قالت ] سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ [ ه ] ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما [ فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ] فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر * قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا [ ضعيفا ] بأرض غريبة، قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر * قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل " كما قال الله (وهو سقيم) هذا لفظ ابن
جرير إسنادا ومتنا (3) * ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد كذا قال.
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن، أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: يا رب ومن هو ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة، قالوا: يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء * ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم * قال: أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا احدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 293 - 307.
(2) ما بين معكوفين من الطبري 2 / 45.
الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية (1) وحشية تأكل من خشاش (2) الارض أو قال هشاش الارض.
قال فتنفشخ (3) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (فنبذناه) أي القيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شئ من الاشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش * وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي
حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شئ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو القرع.
قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك (4).
وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الاروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية.
وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا * قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها.
ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: * قال أبو خالد: أحسبه
__________
(1) أروية: جمع أروى وهي أنثى الوعل الحيوان للجاحظ 3 / 498.
(2) خشاش: حشرات.
(3) في نسخة: فتفسح ; وفي الطبري: فتفسح.
(4) يحتوي اليقطين على الحديد والكلس، يستفاد منه في تناول بذوره لطرد الدودة الوحيدة من الامعاء.
عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا بدعاء يونس أستجيب له " قال أبو سعيد الاشج يريد به (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد.
وثالث أحسن منهما.
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي اسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد، وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شئ قال: لا، وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام.
قال ما فعلت.
قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت.
قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إليه أنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الارض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو إسحق ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة.
ثم جاء هذا الاعرابي فشغلك.
قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له " (1) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به.
فضل يونس قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين) وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به * وقال البخاري
أيضا حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه " (3).
ورواه
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 170 والترمذي في جامعه 49 / 82 / 3505 وقال أبو عيسى: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن سعد ولم يذكر فيه عن أبيه.
(2) مسند أحمد ج 1 / 205 وأخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 65 / 37 / 1 / 4804.
(3) صحيح البخاري (فتح الباري 65 / 46 / 4630) وأخرجه أحمد في المسند 1 / 242، 342 ومسلم في صحيحه
أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها * وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (1) تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا اسرائيل، عن أبي يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين (3).
قال البخاري في آخره: " ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى " أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس * والقول الآخر لا ينبغي لاحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الاحاديث لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى * وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله
والمرسلين.
قصة موسى الكليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر (4) بن لاوى بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا.
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 51 - 53 ] وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن * وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من إبتدائها
__________
= 43 / 43 / 167 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو داود السجستاني في سننه.
والبيهقي في الدلائل ج 5 / 495 وفيه: ونسبه إلى أمه بدل أبيه.
(1) مسند أحمد 1 / 291.
(2) صحيح البخاري ج 4631 ومسلم ح 166 (المرجع السابق) أحمد في مسنده 2 / 405.
(3) رواه أبو داود في سننه - كتاب السنة ح 4671 ص 4 / 217.
(4) سقط عازر من عمود نسب موسى عند الطبري وابن قتيبة في المعارف.
وزاد ابن قتيبة ولم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبي حتى كان موسى.
إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الاثار المنقولة من الاسرائيليات التي (1) ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون.
إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين.
ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 1 - 6 ] يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر
موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الاعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الارض * وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردأها وأدناها ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) [ القصص: 4 ] وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم، ما يأثرونه (2) عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة إمرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها * وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عن ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة (3) عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو (4) بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل * فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة، والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك
__________
(1) في نسخة: كما.
(2) يأثرونه يحفظونه.
(3) وهو مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي ثقة عابد تقريب التهذيب 2 / 1007 ذكره ابن معين والعجلي في الثقات روى عن ابن مسعود وعمر الكاشف ج 3 / 116.
(4) في نسخة: من جهة بيت المقدس، وفي الطبري: من بيت المقدس.
أهل مصر.
على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (1) ولهذا قال الله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) [ القصص: 5 ] وهم بنو إسرائيل (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 6 ] أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني اسرائيل كما قال تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) [ الاعراف: 137 ] الآية * وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [ الشعراء: 57 - 59 ] سيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالي ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد إمرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان (2) لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى.
هذا والقدر يقول يا أيها ذا (3) الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه وإتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا بعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربية وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين تكذيبك ما أوحى إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والارض هو
الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الابناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الابناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا
__________
(1) رواه الطبري (ج 1 / 200 القاموس الحديث).
(2) في نسخة: كان يقتل الغلمان أولا.
(3) في نسخة: يا أيها.
واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت الهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به (1).
قال الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.
وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) [ القصص: 7 - 9 ] هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية) [ النحل: 68 - 69 ] وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الاول كما حكاه أبو الحسن الاشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا.
وقيل أياذخت (2) * والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك.
وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط في طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون) قال الله تعالى (ليكون لهم عدوا وحزنا) قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه * وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم * ويقوى هذا التقدير الثاني قوله (إن فرعون وهامان) [ القصص: 8 ] وهو الوزير السوء (وجنودهما) المتابعين لهما (كانوا خاطئين) أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف * وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى * وقيل بل كانت عمته، حكاه السهيلي فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 1 / 200.
(2) في الطبري: يوخابد وقيل كان اسمها أناحيد ; وفي القرطبي: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب.
وفي المعارف لابن قتيبة: أباحثة، وفي التوراة اسمها: يوخابث بنت لاوى بن يعقوب.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة * فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلالا بتلك الانوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته، ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا * فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها (عسى أن ينفعنا) [ القصص: 9 ] وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أو تتخذه ولدا) وذلك أنهما تبنياه لانه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى
(وهم لا يشعرون) أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم (1) لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده [ وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى " دربتة " إبنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عزوجل ] (2) (وأصبح فؤاد آم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) [ القصص: 10 - 13 ] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فأرغا) أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لاخته وهي ابنتها الكبيرة (3) قصيه أي اتبعي أثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب * قال مجاهد عن بعد * وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده * ولهذا قال (وهم لا يشعرون) وذلك لان موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) * قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها
__________
(1) في النسخ المطبوعة: أن قيضهم وهو تحريف.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
(3) جاء في تفسير القرطبي: اسمها: مريم بنت عمران ; وقال الضحاك: كلثمة.
وقال السهيلي: كلثوم.
النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال هل فيما قال له (ولقد متنا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني) [ طه: 37 - 39 ] [ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه ] (1) (ولتصنع على عيني) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الامور التي لا يقدر عليها غيري (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [ طه: 40 ] وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
(ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين.
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [ القصص: 14 - 17 ] لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وإمتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى هو إحتكام الخلق والخلق وهو سن الاربعين في قول الاكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر
وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الاجل وانقضى الامد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.
قال تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار * وعن ابن عباس بين العشائين (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتضاربان ويتهاوشان (هذا من شيعته) أي إسرائيلي (وهذا من عدوه) أي قبطي.
قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) * قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه *
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
وقال قتادة بعصا كانت معه (فقضى عليه) أي فمات منها * وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه مع هذا (قال) موسى (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم.
قال رب بما أنعمت علي) أي من العز والجاه (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين.
فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى.
أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين.
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) [ القصص: 18 - 21 ] يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى
منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفا يترقب) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الاسرائيلي الذي استنصره بالامس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له (إنك لغوي مبين) * ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) قل بعضهم إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي إطلع على ما كان صنع موسى بالامس وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي إعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الامر الذي كان وقع بالامس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون.
وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه ورأى من سجيته إنتصارا جيدا للاسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالامس أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالامس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعيا إليه مشفقا عليه (1) فقال (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي من هذه البلدة (إني لك من الناصحين) أي فيما أقوله لك قال الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب) أي فخرج من مدينة مصر من فوره
__________
(1) قال في تفسير القرطبي: قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون.
على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا (رب نجني من القوم الظالمين.
ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [ القصص: 21 - 24 ].
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لانه لم يخرج من مصر قبلها (ولما توجه تلقاء مدين) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل).
أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود * وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئرا يستقون منها * ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الايكة وهم قوم شعيب عليه السلام * وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قول العلماء * (ولما ورد الماء) المذكور (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي تكفكفان [ عنهما ] غنمهما أن تختلط بغنم الناس * وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى إثنتان منهن.
وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء (1) لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى (فسقى لهما).
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده.
ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان * قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة [ رجال ] وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر (2) * روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل (3) جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة * قال عطاء بن السائب لما (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) اسمع المرأة (فجاءته إحداهما
__________
(1) الرعاء: جمع راع.
(2) السمر: جمع السمرة وهي شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.
(3) معنى العبارة ركيك وغير مقبول عقليا ; وفي تفسير القرطبي عن ابن عباس: - ولعله أقرب للواقع - وكان قد بلغ به الجوع، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه.
تمشي على استحياء قالت ان أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين.
قالت إحداهما يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين.
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين.
قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [ القصص: 25 - 28 ] لما جلس موسى عليه السلام في الظل و (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) سمعته المرأتان (1) فيما قيل فذهبتا إلى ابيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشى الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا * صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة.
وهذا من تمام حيائها وصيانتها، فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها (قال له) ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب عليه السلام.
وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس.
وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا إسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس يالنبي صاحب مدين * وقيل إنه
ابن أخي شعيب * وقيل ابن عمه * وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب * وقيل رجل إسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها * قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله إسمه يثرون.
زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب.
زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لابيها (يأ أبت إستأجره) أي لرعي (2) غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو بن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه
__________
(1) قيل إحداهما: ليا.
والاخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام وقيل غير ذلك.
(2) إشارة إلى مشروعية نظام الاجارة، وانها كانت عندهم في نظام حياتهم الاقتصادية، وإشارة إلى انها ضرورة للخليقة ومصلحة التعامل بين الناس.
تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق (1) قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين * وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [ القصص: 27 ] استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله إحدى ابنتي هاتين * وفي هذا نظر لان هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة وأستأنسوا
بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [ عليه ] (2) في كتابه " باب إستئجار الاجير على طعام بطنه " حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الدر (3) يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " (4) وهذا من هذا الوجه لا يصح لان مسلمة بن على الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الائمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني أبن لهيعة وحدثنا أبورزعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة
__________
(1) إشارة إلى خلق موسى وتحرجه من النظر إلى ادبار النساء.
قال في تفسير القرطبي: فهبت ريح ضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من النظر إليها ; فقال ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك..ودليني على الطريق يمينا ويسارا.
وكان هذا سبب وصفها له بالامانة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) الدر تحريف، وفي ابن ماجة الندر.
(4) سنن ابن ماجة في: 16 / 5 / 2444.
وفيه: أو عشرا في إسناده ضعف لان فيه بقية (الزاوئد) بقية بن الوليد الحمصي المحدث المشهور قال أحمد: له مناكير وقال ابن حجر: كان كثيرا لتدليس عن الضعفاء والمجهولين.
- مسلم بن علي الخشني الشامي قال فيه البخاري: منكر الحديث وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة - الضعفاء والمتروكين (70) تقريب التهذيب (1 / 107) ميزان الاعتدال (109 / 4).
فرجه وطعمة بطنه " * ثم قال تعالى (ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله
على ما نقول وكيل) [ القصص: 28 ] يقول إن موسى قال لصهره الامر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الاجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الافطس (1)، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الاجلين قضى موسى ؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي (2) عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل أي الاجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما (3) * وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عزوجل فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأتمهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي
__________
(1) سالم الافطس وهو ابن عجلان الجزري ; أبو محمد الحراني قال ابن حجر: شامي ثقة ليس له في الصحيح سوى حديثين: هذا الحديث وآخر في الطب.
فتح الباري 52 / 28 / 2684 من السادسة قتل صبرا سنة اثنين
وثلاثين / تقريب التهذيب 1 / 281.
(2) الحميدي: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر ثقة حافظ فقيه.
قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره تقريب التهذيب أحد الاعلام.
قال الفسوي: ما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه مات سنة 219 تقريب التهذيب 1 / 415 الكاشف للذهبي 2 / 77.
(2) تاريخ الطبري: 1 / 206.
حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن الندر أن رسول الله قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " * فلما وفى الاجل قيل يا رسول الله أي الاجلين قال: " أبرهما وأوفاهما " * فلما أراد فراق شعيب سأل إمرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (1) من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها * ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال فأتمئت وآنثت (2) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ".
قال ابن لهيعة الفشوش: واسعة الشخب (3)، والضبوب ; طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة الشخب (4)، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر * وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال (5) فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن [ كلهن ] (6) ذلك
العام وهذا إسناد [ جيد ] (6) رجاله ثقات والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم.
[ قال الله تعالى ] (6).
(فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون.
فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
وأن ألق عصاك
__________
(1) أي على غير لون أمها.
(2) في نسخة فأغنت وانثت.
وفي أخرى اتأمت وألبنت.
اتمئت: ولدت توأما.
انثت: ولدت انثى.
وألبنت: أي كثر لبنها.
(3) الشخب: اللبن الذي ينزل، والمقصود انها تشخب كثيرا عند حلبها في المرة الواحدة.
(4) أي تحلب حلبا قصيرا.
(5) في نسخة: في الموضعين: الحبال.
(6) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين.
أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 29 - 32 ].
تقدم أن موسى قضى أتم الاجلين وأكملهما وقد يؤحذ هذا من قوله (فلما قضى موسى الاجل) وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها.
وقوله (وسار بأهله) أي من عند صهره زاعما (1) فيما ذكره غير واحد من المفسرين - وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في
طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يرى (2) شيئا واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا وكأنه، - والله أعلم - رآها دونهم لان هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الاخرى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [ طه: 9 - 10 ] فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق * وجمع الكل في سورة النمل في قوله (إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) [ النمل: 7 ].
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور.
قال الله تعالى (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ].
وقال في النمل (فلما جاءها نودى أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) [ النمل: 8 ] أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) [ النمل: 9 ] وقال في سورة طه (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى.
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) [ طه: 11 - 16 ].
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (3) وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة
__________
(1) في نسخة ذاهبا وما أثبتناه مناسب أكثر.
(2) في النسخ المطبوعة: فلا يورى وما أثبتناه مناسب للسياق.
وفي تفسير القرطبي عن وهب بن منبه: فقدح موسى النار فلم تور المقدحة شيئا.
(3) العوسج: الشوك.
في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) [ القصص: 44 ] وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له (إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ] (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [ طه: 14 ] أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها (لتجزى كل نفس بما تسعى) [ طه: 15 ] أي من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ الذي يقول للشئ كن فيكون.
(وما تلك بيمينك يا موسى) [ طه: 17 ] أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قال هي عصاي أتؤكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) [ طه: 18 ] أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال القها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 19 - 20 ].
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [ هو الذي ] يقول للشئ كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا [ صادقا ] (1) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عزوجل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الارض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 20 ] فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها
فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الاخرى (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) [ النمل: 10 ] أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك (2) وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات * يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام (ولى مدبرا) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (3) (فناداه ربه) قائلا (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: تصطك.
(3) في تفسير القرطبي: عن مجاهد: لم يرجع.
[ القصص: 21 ] فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها.
(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى) [ طه: 21 ] فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين (1) فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه.
ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق.
ولهذا قال (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) [ القصص: 32 ] قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصا به إلا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء وقال في سورة النمل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ النمل: 12 ] أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله (فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 32 ] ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة
سبحان حيث يقول تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذا جاءهم فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا.
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) [ الاسراء: 101 - 102 ] وهي المبسوطة في سورة الاعراف في قوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 130 - 133 ] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشرة من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون.
قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [ القصص: 33 - 35 ].
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عزوجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر
__________
1) في الطبري عن وهب بن منبه: ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها.
2) في تفسير الرازي: قال العزيزي في غريب القرآن: اسلك يدك في جيبك: أدخلها فيه.
فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون).
أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم
فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا * قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) أي برهانا (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا.
وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه (اذهب إلى فرعون انه طغى.
قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [ طه: 24 - 28 ] قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد إختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم أنه يعيب به الكليم (ولا يكاد يبين) [ الزخرف: 52 ] أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده * ثم قال موسى عليه السلام (واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) [ طه: 32 - 36 ] أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عزوجل حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى (وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ] وقال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 53 ] وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لاناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه قال الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) قال تعالى في سورة الشعراء (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون.
قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون.
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون.
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا نبي إسرائيل.
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء: 10 - 19 ] تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا
وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) [ الشعراء: 18 ] أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر (1) وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء ; 19 ] أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (2) (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) [ الشعراء: 20 ] أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) [ الشعراء: 21 ] ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) [ الشعراء: 22 ] أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك (قال فرعون وما رب العالمين.
قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين.
قال لمن حوله ألا تستمعون.
قال ربكم ورب آبائكم الاولين.
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 23 - 28 ].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقيلة المعنوية ثم الحسية.
وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد
الصانع تبارك وتعالى.
وزعم أنه الاله (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى) [ النازعات: 23 - 24 ] (وقال يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) [ القصص: 38 ].
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الاله الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [ النمل: 14 ] ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الانكار لرسالته والاظهار أنه ماثم رب أرسله (وما رب العالمين) [ الشعراء: 23 ] لانهما قالا له (إنا رسول رب العالمين) [ الشعراء: 16 ] فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابعتثكما فأجابه موسى قائلا (رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين) [ الشعراء 24 ] يعني رب العالمين خالق هذه السموات والارض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة (3) من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد
__________
(1) كان بين خروج موسى حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر القرطبي 13 / 95.
(2) نعمتنا: أي نعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والاحسان إليك.
(3) في النسخ المطبوعة " المتجددة " وما أثبتناه مناسب للمعنى.
ومحدث وخالق.
وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
(قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ألا تسمعون يعني كلامه هذا قال موسى مخاطبا له ولهم (ربكم ورب آبائكم الاولين) [ الشعراء: 26 ] أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والاجداد والقرون السالفة في الآباد فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين.
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [ فصلت: 53 ] ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق
والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 27 - 28 ] أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة (1).
المسير للافلاك الدائرة.
خالق الظلام والضياء.
ورب الارض والسماء رب الاولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفلك يسبحون يتعاقبون في سائر الاوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته (2) (قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين.
قال أولو جئتك بشئ مبين.
قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) [ الشعراء: 29 - 33 ] وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد.
وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والابصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد (3) وخوف عظيم بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال * وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الابصار فإذا أعادها إلى جيبه [ واستخرجها ] (4) رجعت إلى صفتها الاولى.
ومع هذا كله لم ينتفع
__________
(1) في نسخة: المنيرة.
وفي أخرى: النيرة: (2) قطع فرعون المحاورة مع موسى، لما انقطعت عنده الحجة ; ولم يقل له ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك لان فيه الاعتراف بأن ثم إلها آخر غيره ; فتوعده بالسجن، وفي ذلك ضعف منه وتراجع ; ولم يخفه موسى بل كان في منتهى اللطف به والطمع في إيمانه قال: أولو جئتك بشئ مبين.
لكنه كما قال مالك: دعاه إلى الاسلام أربعين سنة.
(3) في نسخة: أخذته رجفة شديدة.
وفي أخرى: أخذه رعبه.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
فرعون - لعنه الله - بشئ من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن [ هم ] (1) في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [ طه: 40 - 46 ].
يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدا لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين (ثم جئت على قدر) أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري (واصطنعتك لنفسي) أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) [ طه: 45 ] يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه (2) فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وإهداء (3) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الاحاديث يقول الله تعالى " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه " (4) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية) [ الانفال: 45 ] ثم قال تعالى (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 43 ] وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: عليه.
(3) في نسخة: وأداء.
(4) الحديث أخرجه الترمذي في 49 كتاب الدعوات 119 باب ح 3580 عن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن أبي دوس اليحصبي عن ابن عائذ اليحصبي عن عمارة بن زعكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم..وفيه زيادة (يعني عند القتال).
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ليس اسناده بالقوي.
وعفير: ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: لا يشتغل به / تقريب التهذيب 2 / 25
===============ج222222222222222===============================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
ج2.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث * قال الحافظ الدارقطني وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله.
وهذه الاحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي.
فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالاقرار بالوحدانية فلم يجئ في الاحاديث الثابتة.
وتفسير الآية التي في سورة الاعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه هناك.
وذكرنا الاحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها.
فمن أراد تحريره فليراجعه ثم والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان (1) يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه.
ثم كلمهم قبلا قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا) إلى قوله (المبطلون) (2) فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم * رواه النسائي وابن جرير
والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزي به.
وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه إلا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروي عنه مرفوعا وموقوفا.
وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا.
وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله * وهذا أكثر وأثبت والله أعلم.
وهكذا روي عن عبد الله بن عمر موقوفا ومرفوعا والموقوف أصح * واستأنس القائلون بهذا القول وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور بما قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الارض من شئ أكنت مفتديا به قال فيقول نعم.
فيقول قد أردت منك ما هو
__________
(1) نعمان: واد إلى جنب عرفة.
وقال القرطبي في أحكامه 7 / 316: واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال: - ببطن نعمان قاله ابن عباس.
- برهبا - أرض بالهند الذي هبط فيه آدم عليه السلام (قاله ابن عباس).
بين مكة والطائف قاله الكلبي.
- في السماء الدنيا قاله السدي.
(2) سورة الاعراف الآية 172 - 173.
أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " أخرجاه من حديث شعبة به.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) (1) الآية والتي بعدها قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم.
(ألست بربكم قالوا بلى) الآية قال فإني أشهد عليكم
السموات السبع والارضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم ان لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا.
اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل اليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتابي - قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك * فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال: إني أحببت أن أشكر.
ورأى فيهم الانبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول الله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وهو الذي يقول (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) [ الروم: 30 ] وفي ذلك قال (هذا نذير من النذر الاولى) [ النجم: 56 ] وفي ذلك قال (وما وجدنا لاكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين) [ الاعراف: 102 ].
رواه الائمة عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردوية في تفاسيرهم من طريق أبي جعفر * وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الاحاديث وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الامر الالهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الالهية ونفاه عنها وأهبطه إلى الارض طريدا ملعونا شيطانا رجيما.
وقد قال الامام أحمد حدثنا وكيع.
ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسحود فعصيت فلي النار.
ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الاعمش به.
ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الارض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام يأكلان منها رغدا حيث شاآ فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من
__________
(1) سورة الاعراف الآية 172.
اللباس وأهبطا إلى الارض * وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها * واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وتقدم أيضا حديثه عنه وفيه (يعني) يوم الجمعة خلق آدم وفيه أخرج منها فإن كان اليوم الذي خلق فيه فيه أخرج وقلنا إن الايام الستة كهذه الايام فقد لبث بعض يوم من هذه.
وفي هذا نظر وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الايام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة.
قال ابن جرير ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين سنة وأقام في الجنة فبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر والله تعالى أعلم * وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبي رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الارض ورأسه في السماء فحطه الله إلى ستين ذراعا * وقد روى عن ابن عباس نحوه.
وفي هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " * وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس إن الله قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك.
وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قرية بعد ذلك.
وعنه أن أول طعام أكله آدم في الارض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال وما أصنع بهذا قال ابذره في الارض فبذره وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم
خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد وذلك قوله تعالى (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) (1).
وكان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ولحواء درعا وخمارا.
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شئ من الاولاد فقيل لم يولد لهما إلا في الارض * وقيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم (2).
وذكروا أنه كان يولد في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت
__________
(1) سورة طه الاية 117.
(2) في الطبري: ان آدم كان يغشى حواء في الجنة فحملت له بقين بن آدم وتوأمته.
وفي رواية أخرى عنده: ان آدم غشى حواء بعد مهبطهما إلى الارض بمائة فولدت له قابيل وتوأمته.
1 / 71.
معه والآخر بالاخرى وهلم جرا ولم يكن تحل أخت لاخيها الذي ولدت معه.
قصة قابيل وهابيل (1) قال الله تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين) (2) * قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.
ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك * فذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الاخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن (3) فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن
يقربا قربانا وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ السموات على بنيه فأبين والارضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك.
فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من ردى زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال (لاقتلنك) حتى لا تنكح أختي فقال (إنما يتقبل الله من المتقين) * وروي عن ابن عباس من وجوه أخر وعن عبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو وأيم الله إن كان المقتول لاشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده.
وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لانك دعوت له ولم تدع لي وتوعد أخاه فيما بينه وبينه.
فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك
__________
(1) اختلف في ابني آدم: قال الحسن البصري ليسا لصلبه ; كانا رجلين من بني إسرائيل ; ورد عليه ابن عطية قال: هذا وهم.
التفسير الكبير للفخر الرازي 11 / 204.
قال القرطبي: والصحيح انهما ابناه لصلبه، هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر 6 / 132.
لان القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الامر.
(2) سورة المائدة الآيات 27 - 31.
(3) ذكر القرطبي: اسم أخت قابيل اقليمياء وأخت هابيل اسمها ليوذا.
ولم يتقبل مني فقال (إنما يتقبل الله من المتقين).
فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله (1) * وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته * وقيل بل خنقه خنقا شديدا وعضا كما تفعل السباع فمات والله أعلم.
وقوله له لما توعده بالقتل (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين) (2) دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل
أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه " وقوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) (3) أي أني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أن تبوء بإثمي وإثمك أي تتحمل إثم قتلي مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض قال فان ابن جرير حكى الاجماع على خلاف ذلك.
وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما ترك القاتل على المقتول من ذنب " فلا أصل له ولا يعرف في شئ من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضا ولكن قد يتفق في بعض الاشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول إلى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح (4) في سائر المظالم والقتل من أعظمها والله أعلم.
وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد.
وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان ابن عفان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي " قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال: " كن كابن آدم ".
ورواه بن مردوية عن حذيفة بن اليمان مرفوعا وقال كن كخير ابني آدم.
وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبي ذر نحو هذا.
وأما الآخر فقد قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الاعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن
__________
(1) هذا بعيد، لان الحديد لم يكن معروفا في تلك الازمان البعيدة في القدم.
(2) سورة المائدة الآية 28.
(3) سورة المائدة الآية 29.
(4) ذكره الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص 364 وقال تعقيبا على كلام ابن كثير " ومعناه صحيح ": يعني كما أخرجه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: " إن السيف محاء للخطايا ".
آدم الاول كفل من دمها لانه كان أول من سن القتل * ورواه الجماعة سوى أبي داود من حديث الاعمش به وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي أنهما قالا مثل هذا سواء * وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله أعلم بصحة ذلك (1) * وقد ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير وقال إنه كان من الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهابيل، أنه استحلف هابيل ان هذا دمه فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس * وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا لم يترتب عليه حكم شرعي والله أعلم.
وقوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين) (2) ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة وقال آخرون حمله مائة (3) سنة ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين * قال السدي باسناده عن الصحابة أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الاخر فلما قتله عمد إلى الارض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه.
وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا (4) وأنه قال في ذلك شعرا وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح
(فأجيب آدم)
__________
(1) في القرطبي 6 / 139: قال ابن مسعود وابن عباس في ثور - جبل مكة - وقيل عند عقبة حراء - حكاه محمد بن جرير الطبري - وقال جعفر الصادق - رضي الله عنه - بالبصرة في موضع المسجد الاعظم.
ويقال قتله بأرض الهند.
ثم هرب إلى أرض عدن من اليمن وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة.
انظر تفسير الرازي 11 / 208.
(2) سورة المائدة الآية 31.
(3) في تفسير الكبير للرازي 11 / 209: حمله في جراب حتى تغير فبعث الله غرابا.
وفي القرطبي عن مجاهد: مائة سنة.
وقيل حتى أروح (أنتن).
(4) ومكث بعده مائة سنة لم يضحك قط.
وحزنه على ابنه فأمر طبيعي أما قوله الشعر فكلام غير مسلم به.
ويقال أن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه.
أبا هابيل قد قتلا جميعا * وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجابها يصيح وهذا الشعر فيه نظر وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته فألفه بعضهم إلى هذا وفيه أقوال والله أعلم (1) * وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلقت ساقه إلى فخذه وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لاخيه لابويه (2) * وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ".
والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة أن الله عزوجل أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نود في شرقي عدن وهم يسمونه قنين وأنه ولد له خنوخ ولخنوخ عند ر ولعندر محوايل ولمحوايل متوشيل ولمواشيل لامك وتزوج هذا امرأتين عدا وصلا فولدت عدا ولدا اسمه إبل وهو أول من سكن القباب واقتنى المال وولدت أيضا نوبل وهو أول من أخذ في
ضرب الونج والصنج وولدت صلا ولدا اسمه توبلقين وهو أول من صنع النحاس والحديد وبنتا اسمها نعمى وفيها أيضا أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه شيث (3) وقالت من أجل انه قد وهب لي خلفا من هابيل الذي قتله قابيل وولد لشيث أنوش قالوا وكان عمر أدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين.
وولد له بنون وبنات غير أنوش فولد
__________
(1) في قول آدم شعرا أكثر من قول: قال القشيري وغيره: قال ابن عباس: ما قال آدم الشعر، وإن محمدا والانبياء كلهم في النهي عن الشعراء سواء.
لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها إلى ابنه شيث.
فحفظت منه إلى زمن يعرب فترجمه وجهله شعرا يعرب بن قحطان.
وقال الالوسي: ذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحنا أو أقواء أو ارتكاب ضرورة والاولى عدم نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة الظاهرة.
وقال صاحب الكشاف: ويروى أنه (آدم) رثاه بشعر.
قال وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، والانبياء معصومون عن الشعر ; فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة.
(2) جاء في القرطبي 6 / 142: إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه.
وقيل دعا عليه آدم فانخسفت به الارض.
وقيل: أنه هرب إلى عدن من أرض اليمن ; واستوحش ولزم البرية وذكر المسعودي في المروج 1 / 34: وفي زمن انوش قتل قاين (قابيل) قاتل أخيه هابيل.
(انظر تفسير الفخر الرازي ج 11 / 208 - وانظر قصة هابيل وقابيل في التوراة وهي لا تخالف ما جاء في القرآن تقريبا).
(3) في القرطبي 6 / 139 بعد قتل هابيل بخمس سنين.
وتفسيره هبة الله.
لانوش قينان وله من العمر تسعون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين
سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له يرد وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له خنوخ وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلح وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمتوشلح مائة وسبع وثمانون سنة ولد له لامك وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له نوح وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة.
وولد له بنون وبنات فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون سام وحام ويافث هذا مضمون ما في كتابهم صريحا.
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك والظاهر أنها مقحمة فيها.
ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير.
وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه ان شاء الله تعالى * وقد ذكر الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا قاله ابن إسحاق وسماهم والله تعالى أعلم.
وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى.
أولهم قابيل وأخته قليما.
واخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث * ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا وامتدوا في الارض ونموا كما قال الله تعالى (يا أيها الناس اتقو ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) [ النساء: 1 ] الآية.
وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف (1) نسمة والله أعلم * وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين إليها فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) [ الاعراف: 189 ] الآيات فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ثم استطرد إلى الجنس وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى (ولقد خلقنا الانسان
من سلالة من طين.
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) [ المؤمنون: 12 ] وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) [ الملك: 5 ] ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها * فأما الحديث الذي رواه
__________
(1) في القرطبي عن ابن عباس: أربعين ألفا 6 / 135.
وفي المسعودي 1 / 33 أربعين ألفا.
الامام أحمد حدثنا عبد الصمد (1) حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة [ بن جندب ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فانه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ".
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردوية في تفاسيرهم عند هذه الآية وأخرجه الحاكم في مستدركه كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه * وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفا على الصحابي وهذا أشبه والظاهر أنه تلقاه من الاسرائيليات * وهكذا روي موقوفا على ابن عباس.
والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الاخبار ودونه والله أعلم * وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا.
فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه إلى غيره والله أعلم.
وأيضا فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد كما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا.
والمظنون بل المقطوع به ان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ والصواب وقفه والله أعلم * وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد.
نعم قد كان آدم وحواء أتقى لله مما ذكر عنهما في هذا.
فان آدم أبو البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شئ وأسكنه جنته * وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قالت يارسول الله كم الانبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا.
قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير (2).
قلت يارسول الله من
كان أولهم.
قال آدم.
قلت يارسول الله نبي مرسل قال: نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قيلا ".
وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا نافع بن هرمز عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الايام يوم الجمعة وأفضل الشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران * وهذا إسناد ضعيف فإن نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين وضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم.
وقال كعب الاحبار ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم.
لحيته سوداء إلى سرته.
وليس أحد يكنى في الجنة إلا آدم كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد * وقد روى ابن عدي من طريق
__________
(1) وهو عبد الصمد بن عبد الوارث.
(2) في الطبري: جما غفيرا.
ورواه عن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عن الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
سبح (2) ابن أبي خالد عن حماد بن سلمة بن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله مرفوعا أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد * ورواه ابن عدي أيضا من حديث علي بن أبي طالب وهو ضعيف من كل وجه والله أعلم.
وفي حديث الاسراء الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال: وإذا عن يمينه أسودة (2) وعن يساره اسودة.
فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى.
فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا آدم وهؤلاء نسم بنيه * فإذا نظر قبل أهل اليمين وهم أهل الجنة ضحك وإذا نظر قبل أهل الشمال وهم أهل النار بكى هذا معنى الحديث * وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال كان عقل أدم مثل عقل جميع ولده.
وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن " * قالوا
معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام * وهذا مناسب.
فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ونفخ فيه من روحه فما كان ليخلق إلا أحسن الاشباه * وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو أيضا موقوفا ومرفوعا إن الله تعالى لما خلق الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه فانك خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون.
فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.
وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم على صورته " وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم.
وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لانهما رزقاه بعد أن قتل هابيل (3) * قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف ".
على شيث خمسين صحيفة * قال محمد بن اسحاق ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات تلك الساعات وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك.
قال ويقال إن انتساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث.
وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا والله أعلم.
__________
(1) قوله سبح بن أبي خالد كذا بالاصل، ولم نجد فيما لدينا هذا الاسم.
وتحت يدنا: إسماعيل بن أبي خالد الكوفي الاحمسي الحافظ توفي عام 146 ه.
وإسماعيل بن أبي خالد الفدكي.
والاثنان لم يرويا عن حماد.
(2) أسودة: جمع من الناس.
(3) قال الطبري في تاريخه 1 / 76: بعد قتل هابيل قابيل بخمس سنين، وكان آدم عمره مائة وثلاثون سنة، وولده شيث ولدا فردا بغير توأم، هبة الله، خلف من هابيل.
واسمه بالعربية شث وبالسريانية شاث وبالعبرانية شيث.
ولما توفي آدم عليه السلام وكان ذلك يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله عز وجل من الجنة.
وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثا عليه السلام * قال ابن اسحاق وكسفت الشمس
والقمر سبعة أيام بلياليهن * وقد قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى هو ابن ضمرة السعدي قال رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبي بن كعب.
فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بني إني أشتهي من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفوس (1) والمساحي (2) والمكاتل (3) فقالوا لهم يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون أو ما تريدون وأين تطلبون قالوا أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك فخلي بيني وبين ملائكة ربي عزوجل فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له ولحدوه * وصلوا عليه.
ثم ادخلوه قبره فوضعوه في قبره.
ثم حثوا عليه.
ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم * إسناد صحيح إليه * وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كبرت الملائكة على آدم أربعا وكبر أبو بكر على فاطمة أربعا وكبر عمر على أبي بكر أربعا وكبر صهيب على عمر أربعا " * قال ابن عساكر ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر.
واختلفوا في موضع دفنه فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أهبط منه في الهند (4) وقيل بجيل أبي قبيس بمكة * ويقال إن نوحا عليه السلام لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت فدفنهما ببيت المقدس * حكى ذلك ابن جرير * وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس * وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة * واختلف في مقدار عمره عليه السلام.
فقدمنا في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة.
وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة لان قولهم هذا مطعون فيه مردود إذا خالف الحق الذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم * وأيضا فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث فإن ما في التوراة إن كان محفوظا محمول على مدة مقامه في الارض بعد الاهباط وذلك تسعمائة وثلاثون سنة شمسية وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون
*
__________
(1) الفوس: جمع فأس.
(2) المساحي: آلة كالمجرفة يجرف بها الطين وغيره.
(3) المكاتل: جمع مكتل: وهو الزنبيل الذي يحمل فيه التمر.
(4) عن ابن عباس: جبل بوذ.
طبري 1 / 82.
وعن ابن إسحاق: في مشارف الفردوس عند قرية هي أول قرية كانت في الارض طبري 1 / 80 وفي المسعودي ج 1 / 33: قبره بمنى في مسجد الخيف، ومنهم من قال في كهف في جبل أبي قبيس.
سنة ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الاهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره فيكون الجميع ألف سنة (1).
وقال عطاء الخراساني لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام * رواه ابن عساكر فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الامر بعده ولده شيث عليه السلام.
وكان نبيا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة.
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالامر بعده ثم بعده ولده قينن.
ثم من بعده ابنه مهلاييل (2) وهو الذي يزعم الاعاجم من الفرس أنه ملك الاقاليم السبعة وأنه أول من قطع الاشجار وبنى المدائن والحصون الكبار.
وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الاقصى.
وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الارض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان وكان له تاج عظيم وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة.
فلما مات قام بالامر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ (3) وهو إدريس عليه السلام على المشهور.
ادريس عليه السلام قال الله تعالى (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا) (4) فادريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب.
وكان أول بني آدم أعطى
النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام * وذكر ابن اسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين (5).
وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك " * ويزعم كثير من علماء التفسير والاحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة (6) ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الانبياء والعلماء
__________
(1) قال المسعودي في مروجه 1 / 33: توفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه، وكان عمره عليه السلام تسعماية سنة وثلاثون سنة.
(2) في الطبري: نسابو الفرس يسمونه أو شهنج وهو أول من استنبط الحديد 1 / 84.
(3) في الطبري والمسعودي أخنوخ ; الترجمة العربية لخنوخ اسمه في التوراة بالعبرية.
(4) سورة مريم الآية 56.
(5) جاء في الطبري: رواية أهل التوراة وكان عمره إلى أن رفع ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة.
وعند المسعودي ثلاث مائة سنة.
(6) قال القفطي في تاريخ الحكماء: اختلف الحكماء في مولده ومنشئه وعمن أخذ العلم قبل النبوة.
فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، =
والحكماء والاولياء * وقوله تعالى (ورفعناه مكانا عليا) هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة * وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الاعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الاعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لادريس (ورفعناه مكانا عليا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه اني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم (لعله من أهل زمانه) فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال [ له ]: ان الله أوحى إلي وكذا فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء
الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس ؟ قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب (1) بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الارض فقبض روحه هناك فذلك قول الله عزوجل (ورفعناه مكانا عليا).
ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها * وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري ؟ فسأله وهو معه كم بقي من عمره ؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر * وهذا من الاسرائيليات وفي بعضه نكارة.
وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله (ورفعناه مكانا عليا) قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الاحبار والله أعلم * وقال العوفي عن ابن عباس في قوله (ورفعناه مكانا عليا) رفع إلى السماء السادسة فمات بها.
وهكذا قال الضحاك.
والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد * وقال الحسن البصري (ورفعناه مكانا عليا) قال إلى الجنة * وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم * وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.
قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك *
__________
= ومولده بمنف ; وباليونانية أرميس وعرب بهرمس ومعنى أرميس عطارد.
وقال أخرون اسمه باليونانية طرميس..وسماه الله في كتابه المبين " إدريس " وقال هؤلاء أن معلمه اسمه الغوثا ذيمون، المصري، وسموه أيضا اورين الثاني وإدريس عندهم أورين الثالث.
وقالوا: وخرج هرمس من مصر وجاب الارض كلها ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، بعد 82 سنة من عمره.
وقالت فرقة إن إدريس ولد ببال ولها نشأ وأخذ بعلم شيث بن آدم وقال الشهرستاني: ان اغثاذيمون هو شيث.
مراجعة النجار: قصص الانبياء ص 25.
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: يا للعجب !
بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء: أنه لما مر به عليه السلام قال له: مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال (1) له * وهذا لا يدل ولابد لانه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا.
أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الابوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
قصة نوح عليه السلام (2) هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام (3).
كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما ذكره ابن جرير وغيره.
وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يارسول الله أنبي كان آدم ؟ قال: نعم مكلم.
قال: فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون.
قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام * فان كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالاسلام إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الاسلام لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الاسلام * وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم.
وان كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى (وكم أهلكنا من القرون من بعد
__________
(1) في قصص ابن كثير: قالا ; والخبر رواه ابن عساكر في تاريخه (1 / 382 تهذيب).
(2) ورد ذكر نوح في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم في: آل عمران 23، النساء 163، الانعام 84، الاعراف 59 - 69، التوبة 70، يونس 71، هود 25 - 32 - 36 - 42 - 45 - 46 - 48 - 89، إبراهيم 9، الاسراء 3 - 17، مريم 58، الانبياء 76، الحج 42،، المؤمنون 23، الفرقان 37، الشعراء 105 - 106 - 116، العنكبوت 14، الاحزاب 7، الصافات 75 - 79 ص 12، غافر 5 - 31، الشورى 13، ق 12، الذاريات 46، النجم 52، القمر 9، الحديد 26، التحريم 10، نوح 1 - 21 - 26.
(3) قال في قصص الانبياء: أشك كثيرا في نسق هذا النسب لاني آعتقد أن بين نوح وآدم أكثر من ذلك.
نوح) [ الاسراء: 37 ] وقوله (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) وقال تعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) (1) وقال (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) [ مريم: 74 ] وكقوله عليه السلام (خير القرون قرني) الحديث.
فقد كانا الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة * فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم.
وبالجملة فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الاصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث إلى أهل الارض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة * وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره.
واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة.
وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل ابن اربعمائة وثمانين سنة.
حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس.
وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز * ففي الاعراف ويونس وهود والانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصفات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة * فقال في سورة
الاعراف (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قال الملا من قومه انا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين.
أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون.
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون.
فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) [ الاعراف: 59 - 64 ] وقال في سورة يونس (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون.
فان توليتم فما سألتكم من أجر ان أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين.
فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) (1) وقال تعالى في سورة هود (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا الا الله أني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم اراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ان أجري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله أن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم
__________
(1) سورة يونس الآيات 71 - 73.
الغيب ولا أقول اني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين * قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون * أم يقولون افتراه قل ان افتريته
فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون * وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكانا من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين * ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين) [ هود: 25 - 49 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) [ الانبياء: 76 - 77 ].
وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون.
فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين * ان هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيينا ووحينا
فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين * ان في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) [ المؤمنون: 23 - 30 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون.
أني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر ان أجري إلا على رب العالمين.
فاتقوا الله وأطيعون.
قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون.
قال وما علمي بما كانوا يعملون * ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين.
إن أنا إلا نذير مبين.
قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
قال رب إن قومي كذبون.
فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين.
فانجيناه ومن معه في الفلك المشحون.
ثم أغرقنا بعد الباقين.
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 105 - 122 ].
وقال تعالى في سورة العنكبوت (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [ العنكبوت: 14 - 15 ] وقال تعالى في سورة الصافات (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون.
ونجيناه وأهله من الكرب العظيم.
وجعلنا ذريته هم الباقين.
وتركنا عليه في الآخرين.
سلام على نوح في العالمين.
إنا كذلك نجزي المحسنين.
إنه من عبادنا المؤمنين ثم اغرقنا الآخرين) [ الصافات: 75 - 82 ] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر.
فدعا ربه اني مغلوب فانتصر.
ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.
وفجرنا الارض عيونا
فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وحملناه على ذات ألواح ودسر.
تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر.
ولقد تركناها آية فهل من مدكر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 9 - 17 ] وقال تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم انا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم.
قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا.
وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا.
ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله انبتكم من الارض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الارض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب
انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) [ نوح السورة بتمامها ].
وقد تكلمنا على كل موضع من هذه [ السورة ] في التفسير وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الاماكن المتفرقة ومما دلت عليه الاحاديث والآثار وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه فقال تعالى في سورة النساء: " (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى
نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) [ النساء: 163 - 165 ] وقال في سورة الانعام (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين * واسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) [ الانعام: 83 - 87 ] الآيات.
وتقدمت قصته في الاعراف.
وقال في سورة براءة (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [ التوبة: 70 ] وتقدمت قصته في يونس وهود.
وقال في سورة ابراهيم (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) [ ابراهيم: 9 ].
وقال في سورة سبحان (ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا) [ الاسراء: 3 ] وقال فيها أيضا (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) [ الاسراء: 17 ] وتقدمت فصته في الانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت.
وقال في سورة الاحزاب (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقال في سورة صلى الله عليه وآله (كذبت
قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة أولئك الاحزاب.
ان كل الا كذب الرسل فحق عقاب) [ ص: 11 - 13 ] وقال في سورة غافر (كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب.
وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) [ غافر: 5 - 6 ] وقال في سورة الشورى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه * الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [ الشورى: 13 ] وقال تعالى في سورة (ق) (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 13 - 14 ] وقال في الذاريات (وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين) [ الذاريات: 46 ] وقال في النجم (وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم وأطغى) [ النجم: 52 ] وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة.
وقال تعالى في سورة الحديد (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) [ الحديد: 26 ] وقال تعالى في سورة التحريم (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ].
وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام رواه البخاري * وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف * ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الاصنام وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا.
ولا يغوث ويعوق نسرا) [ نوح: 23 ] قال: (هذه) أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون (فيها)
أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.
قال ابن عباس وصارت هذه الاوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد * وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن اسحاق.
وقال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم
الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم * وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه قال ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم وكان ود أكبرهم وأبرهم به.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر هو الباقر وهو قائم يصلي بزيد بن المهلب قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله.
قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا: نعم.
فصور لهم مثله.
قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه.
فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه.
قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به.
قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله " ود " الصنم الذي سموه ودا.
ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس * وقد ذكر أنه لما تطاولت
العهود والازمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون الله عزوجل * ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير.
ولله الحمد والمنة.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها (1) بأرض الحبشة، يقال لها مارية فذكرنا من حسنها وتصاوير فيها قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله عزوجل " (2).
والمقصود أن الفساد لما انتشر في الارض وعن البلاء بعبادة الاصنام فيها بعث الله عبده ورسوله نوحا عليه السلام يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان
__________
(1) قوله رأينها بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان، أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة.
(القسطلاني).
(2) فتح الباري 8 / 48 / 427، 434.
ومسلم في صحيحه.
وأخرجه النسائي في سننه وأحمد في مسنده (6 / 51 حلبي).
أول رسول بعثه الله إلى أهل الارض كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: " فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فيقول ربي قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله.
ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الارض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا إلى ربك عزوجل ؟ فيقول ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي " (1).
وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح.
فلما بعث الله نوحا عليه السلام دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) [ الصافات: 77 ] وقال فيه وفي إبراهيم (وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: 26 ] أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته.
وكذلك إبراهيم قال الله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [ النحل: 36 ] وقال تعالى (واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [ الزخرف: 45 ] وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [ الانبياء: 25 ] ولهذا قال نوح لقومه (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقال (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) وقال (يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون) وقال (يا قوم اني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون.
يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم اني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا.
فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا.
وقد خلقكم أطوارا) الآيات الكريمات.
فذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والاجهار بالترغيب تارة والترهيب أخرى وكل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، والبخاري.
وأبو داود والترمذي وأحمد في مسنده 2 / 398.
الاصنام والاوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به وتوعدوهم بالرجم والاخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم (قال الملا من قومه) أي السادة الكبراء منهم (انا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) أي لست كما تزعمون من أني ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين أي الذي يقول للشئ كن فيكون (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) [ الاعراف: 60 - 62 ] وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا أي فصيحا ناصحا أعلم الناس بالله عز وجل.
وقالوا له فيما قالوا: (ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) [ هود: 27 ] تعجبوا أن يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم (1) * وقد قيل: إنهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم كما قال هرقل وهم أتباع الرسل (2) وما ذاك إلا لانه لا مانع لهم من اتباع الحق وقولهم: (بادئ الرأي) (3) أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية وهذا الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضي الله عنهم فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دحا للصديق: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم " ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية، لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة رضي الله عنهم.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب الكتاب الذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه.
وقال: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " رضي الله عنه.
وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به.
(وما نرى لكم علينا من فضل) [ هود: 27 ] أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان ولا مزية علينا (بل نظنكم كاذبين.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) [ هود: 28 ].
وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة إلى الحق كما قال تعالى: (فقولا له قولا
__________
(1) أرادوا: اخساؤهم وسقطهم وسفلتهم.
قال النحاس: الاراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم والخسيسو
الصناعات.
قال القرطبي: الاراذل هنا: الفقراء والضعفاء.
(2) قال العلماء: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة عن الاشراف.
وصعوبة الانفكاك عنها، والانفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع.
فهو سريع إلى الاجابة والانقياد.
وهذا غالب أحوال أهل الدنيا.
(انظر أحكام القرطبي ج 9 / 23).
(3) بادي الرأي أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك وقال أبو عمرو بادئ الرأي بالهمز: أي أول الرأي: أي اتبعوك حين ابتدأوا ينظرون، ولو امعنوا النظر والفكر لم يتبعوك.
لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 44 ] وقال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [ النحل: 125 ] وهذا منه يقول لهم (أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) أي النبوة والرسالة (1) (فعميت عليكم) أي فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها (أنلزمكموها) أي انغضبكم بها ونجبركم عليها (2) (وأنتم لها كارهون) أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وأبقى مما تعطونني أنتم.
وقوله (وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون) كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك وقال (انهم ملاقوا ربهم) أي فأخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله عزوجل ولهذا قال (ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون) ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنه ضعغاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك كما بيناه في سورتي الانعام والكهف (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) أي بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ولا أقدر إلا على ما
أقدرني عليه ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) يعني من أتباعه (لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم اني إذا لمن الظالمين) [ هود: 31 ] أي لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قالوا في المواضع الاخر (أنؤمن لك واتبعك الارذلون.
قال وما علمي بما كانوا يعملون.
ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون.
وما أنا بطارد المؤمنين ان أنا إلا نذير مبين) [ الشعراء: 111 ].
وقد تطاول الزمان والمجادلة (3) بينه وبينهم كما قال تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) [ العنكبوت: 14 ] أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم وكان كل ما انقرض جبل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته * وكان
__________
(1) وقيل الهداية إلى الله بالبراهين، وقيل بالايمان والاسلام.
وقال الرازي في تفسيره الكبير: المراد بتلك الرحمة: إما النبوة، وإما المعجزة الدالة على النبوة.
ج 17 / 213.
(2) جاء في أحكام القرطبي: قيل شهادة أن لا إله إلا الله وقيل الهاء ترجع إلى الرحمة، وقيل إلى البينة، أي انلزمكم قبولها ؟ وهو استفهام بمعنى الانكار، أي لا يمكنني أن اضطركم إلى المعرفة بها ; وقصد نوح بهذا القول أن يرد عليهم.
ج 9 / 25 - 26.
(3) الجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة.
قال في أحكام القرآن: والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والانبياء قومهم حتى يظهر الحق ; فمن قبله الحج وأفلح، ومن رده خاب.
وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم.
9 / 28.
الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق ولهذا قال (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) ولهذا قالوا (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين) [ هود: 32: 33 ] أي إنما يقدر على ذلك الله عزوجل فإنه
الذي لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر بل هو الذي يقول للشئ كن فيكون (ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون) [ هود: 34 ] أي من يزد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية.
وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (وأوحى إلى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن) [ هود: 36 ] تسلية له عما كان منهم إليه (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم الا من قد آمن أي لا يسوأنك ما جرى فان النصر قريب والنبأ عجيب (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون) [ هود: 37 ] وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون.
ونجيناه وقومه من الكرب العظيم) [ الصافات: 75 ].
وقال تعالى (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) [ الانبياء: 76 ].
وقال تعالى (قال رب ان قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) [ الشعراء: 117 ] وقال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) [ القمر: 10 ] وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون) [ المؤمنون: 39 ] وقال تعالى (مما خطيأتهم أغرفوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا.
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفار) [ نوح: 25 - 27 ] فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك امره الله تعالى أن يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها.
وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره وحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال (ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه
ملا من قومه سخروا منه) [ هود: 38 ] أي يستهزئون به استبعادا لوقوع ما توعدهم به (قال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون) [ هود: 38 ] أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) [ هود: 39 ] وقد
كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول.
كما قال البخاري حدثنا موسى بن اسمعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجئ نوح عليه السلام وأمته فيقول الله عزوجل هل بلغت فيقول: نعم أي رب.
فيقول لامته: هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ " (1) وهو قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [ البقرة: 143 ] والوسط العدل.
فهذه الامة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحا بالحق وأنزل عليه الحق وأمره به وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به ولا شيئا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه * وهكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال وان كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم.
كما قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال سالم: قال ابن عمر: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله.
ثم ذكر الدجال فقال: " إني لانذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه.
لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور " وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه إنه أعور وانه يجئ معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر
به نوح قومه " (2) لفظ البخاري.
وقد قال بعض علماء السلف لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين (3) سنة فالله أعلم * قال محمد بن اسحق عن الثوري وكانت من خشب الساج * وقيل من الصنوبر.
وهو نص التوراة.
قال الثوري وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقار وان يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء * وقال قتادة كان طولها ثلثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا وهذا الذي في التوراة على ما رأيته.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه 60 / 3 / 3339 فتح الباري.
ورواه أحمد في مسنده 3 / 32 ورواه السيوطي في الفتح الكبير وقال: رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي.
(2) الحديث رواه مسلم في كتاب الفتن 52 / ح 109 / 2936 والبخاري ح رقم 1577 عن أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(3) قال الرازي في تفسيره: قيل اتخذها في سنتين (عن ابن عباس كما عند القرطبي) وقيل في أربع سنين.
وقال كعب، كما عند القرطبي، بناها في ثلاثين سنة، وقال ابن العربي: عملها في أربعين سنة.
التفسير الكبير - أحكام القرآن 9 / 31.
وقال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلثمائة وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع.
وقيل كان طولها ألفي ذراع وعرضها مائة ذراع.
قالوا كلهم وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات.
كل واحدة عشرة أذرع.
فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
قال الله تعالى (قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) [ المؤمنون: 26 - 27 ] أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب في صنعتها (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) [ المؤمنون 27 ] فتقدم إليه
بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيره لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم أي إلا من كان كافرا فانه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد كما قدمنا بيانه قبل.
والمراد بالتنور (1) عند الجمهور وجه الارض أي نبعت الارض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار.
وعن ابن عباس التنور عين في الهند وعن الشعبي بالكوفة وعن قتادة بالجزيرة * وقال علي بن أبي طالب المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر أي إشراقه وضياؤه أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وهذا قول غريب * وقوله تعالى (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) [ هود: 40 ] هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين وفي كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ومما لا يؤكل زوجين ذكرا وأنثى وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق (إثنين) إن جعلنا ذلك مفعولا به.
وأما إن جعلناه توكيدا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافي والله أعلم.
وذكر بعضهم ويروى عن ابن عباس أن أول ما دخل من الطيور الدرة (2) وآخر ما دخل من
__________
(1) قال الليث: التنور: لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار.
وقال الازهري: هذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير عربيا.
وتنور على بناء فعل لان أصل بنائه تنر وليس في كلام العرب نون قبل راء.
قاله صاحب أحكام القرآن وفي هامشه ورد: زنره: ملاه، وتزنر: دق والسنر: شراسة الخلق، وشنر عليه: عابه.
(2) قال ابن عباس: أول ما حمل: الاوزة.
والدرة: قال الدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى هي: الببغاء لمتقدمة وهو طائر لونه أخضر وهو في قدر الحمام يتخدها الناس للانتفاع بصوتها.
1 / 190 - 592.
الحيوانات الحمار * ودخل إبليس متعلقا بذنب الحمار.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الاسد فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الارض * ثم شكوا الفارة فقالوا الفويسقة (1) تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الاسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها " هذا مرسل * وقوله (وأهلك إلا من سبق عليه القول) أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر فكان منهم ابنه يام (2) الذي غرق كما سيأتي بيانه (ومن آمن) أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك قال الله تعالى (وما آمن معه إلا قليل) هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ودعوتهم الاكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى.
وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم.
وعن كعب الاحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا.
وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كانوا نوحا وبنيه الثلاثة وكنائنته الاربع بامرأة يام الذي انخزل وانعزل وسلل عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل.
وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية بل هي نص في أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به كما قال (ونجني ومن معي من المؤمنين) وقيل كانوا سبعة وأما امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم وهم حام وسام ويافث ويام وتسميه أهل الكتاب كعنان وهو الذي قد غرق وعابر وقد ماتت قبل الطوفان.
قيل إنها غرقت مع من غرق وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك أو أنها أنظرت ليوم القيامة والظاهر الاول قوله (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) قال الله تعالى (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين.
وقل رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) [ المؤمنون: 28 - 29 ] أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة فنجاه بها وفتح بينه وبين
قومه وأقر عينه ممن خالفه وكذبه كما قال تعالى (الذي خلق الازواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون.
لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [ الزخرف: 12 - 14 ].
وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الامور أن يكون على الخبر والبركة وأن تكون عاقبتها محمودة كما قال تعالى
__________
(1) الفويسقة: الفأرة وقيل سميت فويسقة لخروجها على الناس وإغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد.
(الدميري 2 / 399).
(2) في أحكام القرطبي: كنعان وامرأته واعلة.
وفي الطبري: كنعان وهو الذي تسميه العرب يام وهو الذي غرق في الطوفان.
لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [ الاسراء: 80 ] وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم) [ هود 41 ] أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه (إن ربي لغفور رحيم) أي وذو عقاب أليم مع كونه غفورا رحيما لا يرد بأسه عن القوم المجرمين كما أحل بأهل الارض الذين كفروا به وعبدوا غيره.
قال الله تعالى (وهي تجري بهم في موج كالجبال).
وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الارض قبله ولا تمطره بعده كان كأفواه القرب وأمر الارض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر.
ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.
وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وحملناه على ذات ألواح ودسر) [ القمر: 10 - 13 ].
والدسر السائر (1) (تجري بأعيننا) أي بحفظنا وكلا أتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها جزاء لمن كان كفر.
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب (2) في حساب القبط.
وقال تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) أي السفينة (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) [ الحاقة: 11 ] قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالارض خمسة عشر
ذراعا وهو الذي عند أهل الكتاب وقيل ثمانين ذراعا وعم جميع الارض طولها والعرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها.
ولم يبق على وجه الارض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف.
ولا صغير ولا كبير.
قال الامام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملاوا السهل والجبل * وقال عبد الرحمن (3) بن زيد بن أسلم (لم تكن بقعة في الارض إلا ولها مالك وحائز) رواهما ابن أبي حاتم (ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) [ هود: 42 - 43 ] وهذا الابن هو يام أخو سام وحام ويافث * وقيل اسمه كنعان.
__________
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: المسامير.
وهو قول قتادة والقرظي وابن زيد وابن جبير.
وقال الحسن وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج لانها تدسر الماء أي تدفعه.
وقال ابن عباس: الدسر كلكل (صدر السفينة).
وقال الليث: خيط من ليف تشد به ألواح السفينة واحده الدسار.
وفي الصحاح: خيوط.
وفي الطبري: مسامير الحديد.
(2) تاريخ الطبري ج 1 / 96 دار القاموس ; لعشر ليال مضين من رجب كما في الطبري والكامل.
وعند المسعودي لتسع عشرة ليلة خلت من آذار.
(3) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني، العدوي مولاهم، ضعيف من الثامنة مات سنة 182 له تفسير (تقريب التهذيب 1 / 480.
الكاشف 2 / 146).
وكان كافرا عمل عملا غير صالح فخالف أباه في دينه ومذهبه فهلك مع من هلك هذا، وقد نجا مع أبيه الاجانب في النسب لما كانوا موافقين في الدين والمذهب (وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) [ هود: 44 ] أي لما فرغ من أهل الارض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله عزوجل أمر الله
الارض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر (وغيض الماء) أي نقص (1) عما كان (وقضى الامر) أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره من إحلاله بهم ما حل بهم.
(وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي نودي عليهم بلسان القدرة بعدا لهم من الرحمة والمغفرة كما قال تعالى (فكذبوه فانجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوما عمين) [ الاعراف: 64 ] وقال تعالى (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) [ يونس: 73 ] وقال تعالى (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فاغرقناهم أجمعين) [ الانبياء: 77 ] وقال تعالى (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون.
ثم أغرقنا بعد الباقين.
ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 119 - 122 ] وقال تعالى (فانجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) وقال تعالى (ثم أغرقنا الآخرين) وقال (ولقد تركناها آية فهل من مدكر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 15 - 17 ] وقال تعالى (مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا.
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) [ نوح: 25 - 27 ] وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة - دعوته فلم يبق منهم عين تطرف.
وقد روى الامامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من طريق يعقوب ابن محمد الزهري عن قائد مولى عبد الله بن أبي رافع أن ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة اخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فلو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم ام الصبي " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة - يعني إلا خمسين عاما - وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر كيف تجري قال سوف تعلمون * فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا خرجت به إلى الجبل حتى بلغت
ثلثه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل.
فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " * وهذا حديث غريب * وقد روي عن كعب الاحبار
__________
(1) وغيض الماء: يقال غاض الشئ وغضته أنا، في المصباح المنير: غاض: نضب أي ذهب في الارض.
ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة (1) * وأحرى بهذا الحديث أن يكون موقوفا متلقى عن مثل كعب الاحبار والله أعلم.
والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق ويقال بن عناق كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا ويقولون كان لغير رشده بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصيعة التي لك ويستهزئ به * ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا انها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها * ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول.
اما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره وأبوه نبي الامة وزعيم أهل الايمان ولا يهلك عوج بن عنق ويقال عناق وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا.
وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعي الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.
وأما المنقول فقد قال الله تعالى (ثم أغرقنا الآخرين وقال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) [ نوح: 26 ].
ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".
فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) [ النجم: 4 ] أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى
يوم اخباره بذلك وهلم جرا إلى يوم القيامة.
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلافا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الانبياء والله أعلم.
ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده (2) وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام
__________
(1) رواه الطبري في تاريخه 1 / 90، ونقله القرطبي في أحكام القرآن قال: وحكي انه لما كثر الماء...وذكر القصة 9 / 41.
(2) قال تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال رب أن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) [ هود: 45 ] وكان نوح يعتقد في ظنه انه مؤمن، وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الايمان، فأوحى الله إليه: يا نوح انه ليس من
والاستكشاف ووجه السؤال أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق فأجيب بأنه ليس من أهلك أي الذين وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره ولهذا ساقته الاقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الايمان فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان * ثم قال تعالى (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [ هود: 48 ] هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الارض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي * وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال (بسلام منا وبركات) أي أهبط سالما مباركا عليك وعلى أمم من سيولد بعد أي من أولادك فان الله لم يجعل لاحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فكل من على وجه الارض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم " سام وحام ويافث.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الوهاب (1)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم " ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن عبد البر وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال والمراد بالروم هنا الروم الاول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطى بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام * ثم روى من حديث اسمعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: " ولد نوح ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم.
وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط والسودان والبربر " قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا ابراهيم بن هانئ وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم.
وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا
__________
= أهلك ولا من خاصة عشيرتك فقد سبقت له الشقاوة وحقت عليه كلمة الكفر.
فإياك بعدها أن تسألني عن شئ لا تعلمه أو تجادلني في أمر لا تدركه: (إني أعظك أن تكون من الجاهلية) [ سورة هود 46 ] (1) الخبر رواه ابن سعد في 1 / 42 وفيه عبد الوهاب بن عطاء العجلي، وأحمد في مسنده 5 / 8 وقال السيوطي في الفتح: رواه الحاكم في المستدرك وأحمد في المسند والترمذي عن سمرة.
والطبري 1 / 106 من طريق عثمان بن سعيد عن عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
خير فيهم * وولد لحام القبط والبربر والسودان " (1) ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا إلا من هذا الوجه.
تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه.
ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وإنما جعله من قول سعيد.
قلت وهذا
الذي ذكره أبو عمرو وهو المحفوظ عن سعيد قوله * وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم * ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه * وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الاولاد إلا بعد الطوفان وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق وعابر مات قبل الطوفان * والصحيح ان الاولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة * وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان * وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وان يكون أولاده عبيدا لاخوته.
وذكر الامام أبو جعفر بن جرير (2) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال (قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها.
قال فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه قال أتدرون ما هذا.
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال هذا كعب (3) حام بن نوح.
وقال وضرب الكثيب بعصاه وقال قم باذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه [ و ] قد شاب * فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت.
قال حدثنا عن سفينة نوح.
قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الانس وطبقة فيها الطير.
فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فاقبلا على الروث ولما وقع الفار يخرز السفينة بقرضه أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اضرب بين عيني الاسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.
فقال له عيسى كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.
قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها (4) فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت.
قال فقالوا: (5) يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا
__________
(1) رواه الطبري 1 / 106 وابن سعد في الطبقات 1 / 42 - 43.
(2) تاريخ الطبري 1 / 91.
(3) في الطبري: قبر.
(4) في الطبري: برجليها.
(5) في الطبري: فقال الحواريون.
قال كيف يتبعكم من لا رزق له.
قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا) وهذا أثر غريب جدا.
وروى غلباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما (1) وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين (2) يوما ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الارض فذهب فوقع على الجيف فابطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.
وقال قتادة وغيره ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب (3) فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودي شهرا.
وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم * وقد روى ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا وأنهم صاموا يومهم ذلك.
وقال الامام أحمد حدثا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الازدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال (مر النبي صلى الله عليه وسلم باناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: " ما هذا الصوم ؟ فقالوا هذا اليوم الذي نجا الله موسى وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عزوجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، [ فأمن أصحابه بالصوم ]
وقال لاصحابه: " من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه " (4).
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضا والله أعلم.
وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها واطحنوا الحبوب يومئذ واكتحلوا بالاثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة فكل هذا لا يصح فيه شئ وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني اسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقتدى بها والله أعلم.
وقال محمد بن اسحاق لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان - أرسل ريحا على وجه الارض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الارض، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك [ على الجودي ] فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السبع لسبع عشر ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رؤس الجبال * فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي
__________
(1) عند الطبري ستة أشهر ; وفي الكامل: كان بين إرسال الماء وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال.
(2) عند الطبري والكامل: أسبوعا.
(3) في المسعودي: يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من آذار ; وفي الطبري والكامل فكالاصل.
(4) مسند أحمد ج 2 / 359 - 360 وما بين معكوفين من المسند ج 5 / 359 عن أبي هريرة.
صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضت سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الارض * ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه فعلم نوح أن الارض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن ارسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الاول من سنة اثنين، برر وجه الارض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك * وهذا الذي ذكره ابن اسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب * قال ابن اسحق وفي الشهر الثاني
من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [ هود: 48 ] وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وجميع الدواب التي معك ولينموا وليكبروا (1) في الارض.
فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله عزوجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله عزوجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الارض.
وجعل تذكارا لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام وهو قوس وقزح الذي قدمنا عن إبن عباس أنه أمان من الغرق * قال بعضهم فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة.
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان واعترف به آخرون منهم وقالوا إنما كان بأرض بابل ولم يصل الينا.
قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر من لدن كيومرث يعنون آدم إلى زماننا هذا.
وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان.
وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجهل بليغ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الارض والسموات وقد أجمع أهل الاديان الناقلون عن رسل الرحمن مع ما تواتر عند الناس في سائر الازمان على وقوع الطوفان وأنه عم جميع البلاد (2) ولم يبق الله أحدا من كفرة العباد استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم وتنفيذا لما سبق في القدر المحتوم.
ذكر شئ من اخبار نوح عليه السلام قال الله تعالى (إنه كان عبدا شكورا) [ الاسراء: 3 ].
قيل إنه كان يحمد الله على طعامه
__________
(1) وفي نسخة: وليكثروا.
(2) في الطوفان مسائل عديدة أجاب عنها الدكتور النجار في قصص الانبياء ص 36 - 37: الاولى: هل عم طوفان نوح الكرة الارضية.
والجواب: أن بعض العلماء يميل إلى عمومه.
ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الاحياء التي لا تعيش إلا في الماء: وهذا يستدعي وجود طوفان على هذه الجبال بل عدد
من الطوفانات لوجود الاختلاف في عمر هذه البقايا، فلا مانع من أن يكون طوفان نوح أحدها ويكون قد =
__________
= عم.
ويستأنس لذلك بقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين).
ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عاما بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه.
وأما بقية بقاع الارض فلم يعمها هذا الطوفان، ويستأنس لذلك بأن الهند كانوا يزعمون أن عمران بلادهم يمتد في الماضي إلى تاريخ أبعد من الذي قدرته التوراة لنوح وطوفانه.
وأن عمرانهم متصل من أعمق أجبال التاريخ إلى اليوم.
وأنتم تعلمون أني غير واثق من التاريخ الذي تقدره التوراة ; فربما كان نوح أبعد من ذلك بعدا يشمل ما يدعيه أهل الهند.
وعلى كل حالة فالمسألة ليس فيها نص من القرآن، بل كل ما فيه من هذه الناحية أن قوم نوح كفروا وعصوا الرسول فاغرقهم الله بالطوفان ونجى نوحا ومن معه في الفلك وجعل ذريته الباقين ; فالعموم يحتمل والخصوص محتمل.
والذي أميل إليه أن يكون خاصا وأن النوع الانساني لم يكن منتشرا في جميع الكرة بل كانوا منحصرين في الناحية التي عمها الطوفان، وأنهم قد هلكوا وبقي نوح وذريته.
الثانية: ما ذنب الاطفال من قوم نوح حتى هلكوا مع الآثمين من آبائهم وأمهاتهم ؟ والجواب: أن الله سبحانه وتعالى جرت عادته بأن النقمة لا تصيب الذين ظلموا خاصة وفي علم الظالمين بهلاك أولادهم معهم زيادة تعذيب ونكال لهم ; على أننا في كل يوم نرى الاطفال يهلكون بمختلف الامراض وليس ذلك عقابا للاطفال على ذنوب ارتكبوها أو آثام اقترفوها.
ولكن ذلك من باب وجود المسبب عند وجود سببه.
وتلك الاسباب هي الامراض والعلل التي هي جند الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو) وبهذا لا نحتاج إلى ما تكلفه بعض العلماء والمفسرين: من أن الله تعالى أعقم أرحام نساء قوم نوح قبل الطوفان بأربعين سنة فلم يولد لهم في تلك المدة مولود، وبذلك اشترك جميع قومه في الاثم وهم مكلفون فحق عليهم العذاب وحاق بهم الهلاك.
على أننا نرى الزلازل تعمل عملها في الناس بلا تمييز بين البار والفاجر وتخسف الارض بسكانها كما حصل في سان فرنسيسكو بأمريكا في زلزالها المشهور وقد وقع في زماننا، وكما حصل في زلزال اليابان سنة 1923 وهو
قريب العهد منا جدا وكما يحصل في إيطاليا بسبب بركان " فيزوف " فقد تطغى حممه فتغطي البلاد القريبة منه فلا يشعر أهل القرية إلا بالحمم البركانية يسيل سيلها في طرق بلدهم فتهلكهم وتغطيها.
وهذا حاصل كثيرا.
وهذه الطيارات التي تسقط من الجو بأسباب مختلفة لا يهلك من هلك فيها بآثامهم ولا ينجو فيها الناجون ببرهم.
ولكن أحاظ قسمت وجدود.
وما حادثة المنطاد الانجليزي (ر 101) سنة 1930 منا ببعيدة، وكذلك البواخر الجبارة العظيمة الحجم والقوة " كتايتانك " التي غرقت منذ عشرين عاما والباخرة الانجليزية " لويزيتانيا " التي غرقت في أيام الحرب العظمى وكان في كلتيهما من العلماء والكتاب والاغنياء والمهندسين والمخترعين عدد عظيم، فقد هلكوا بآجالهم (إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
الثالثة: أين جبل الجودي الذي استوت عليه سفينه نوح ؟ والجواب: جبل الجودي في نواحي ديار بكر من بلاد الجزيرة، وهو يتصل بجبال أرمينية.
قال في القاموس المحيط: والجودي جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، ويسمى في التوراة " أراراط ".
الرابعة: ما حجم سفينة نوح ؟
وشرابه ولباسه وشأنه كله وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها " وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي أسامة.
والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية فإن الشكر (1) يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا صومه عليه السلام وقال ابن ماجة باب صيام نوح عليه السلام حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة عن أبي فراس، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر إلى يوم عيد الفطر ويوم الاضحى " هكذا رواه
ابن ماجه من طريق عبد الله بن لهيعة باسناده ولفظه (2) * وقد قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قتادة عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر الا يوم الفطر والاضحى وصام داود نصف الدهر وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر ".
حجه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن زمعة هو ابن أبي صالح، عن سلمة بن وهرام (3)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال: هذا وادي عسفان قال: " لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق " فيه غرابة.
__________
(1) قال الفخر الرازي في تفسيره ج 20 / 154: الشكور الموحد الذي لا يرى حصول شئ من النعم إلا من فضل الله.
(2) قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة..وذكره الالباني 4 / 459 في سلسلة الاحاديث الضعيفة.
وقال في أحكام القرآن ج 60 / 213: كان يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده.
(3) وفي نسخة دهران.
وهو سلمة بن وهرام اليماني وثقه ابن معين وغيره.
وضعفه أبو داود الكاشف ج 1 / 309.
وصيته لولده قال الامام أحمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب (1) بن زهير عن زيد بن أسلم قال حماد أظنه عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان (2) مزرورة بالديباج فقال: " ألا إن صاحبكم هذا قد
وضع كل فارس بن فارس أو قال يريد أن يضع كل فارس بن فارس ورفع كل راع بن راع " قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال: لا أرى عليك لباس من لا يعقل ! ؟ * ثم قال: " إن نبي الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فان السموات السبع والارضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله.
ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة فضمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده.
فإن بها صلات كل شئ وبها يرزق الخلق وأنهاك عن الشرك والكبر " قال: قلت - أو قيل - يارسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر أن يكون لاحدنا نعلان حسنان لهما شرا كان حسنان قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها ؟ قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا دابة يركبها ؟ قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال: " لا " * قلت - أو قيل يا رسول الله فما الكبر ؟ قال: " سفه الحق وغمض (3) الناس ".
وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه * ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن اسحق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " كان في وصية نوح لابنه أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين " فذكر نحوه * وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن اسحق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه * والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم.
ويزعم أهل الكتاب أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة * وقدمنا عن ابن عباس مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة.
وفي هذا القول نظر * ثم إن لم
__________
(1) كذا في الاصل والمسند، وفي الاسماء للبيهقي: المصعب.
(2) في الهيثمي: سنجاب.
وفي المسند سيجان: جمع اساج الطيلسان الاخضر: قيل هو الطيلسان المقور ينسخ كذلك.
(3) في المسند والهيثمي وغمص، غمط الناس وعمص الغمط والغمص الاستهانة والاحتقار.
أخرج الحديث في
المسند ج 2 / 169، 170 والاسماء والصفات للبيهقي 128 عن ابن عمر ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 / 219.
وقال: رواه كله أحمد ورواه الطبراني بنحوه وزاد في رواية: وأوصيك بالتسبيح فإنها عبادة الخلق وبالتكبير.
ورواه البزار من حديث ابن عمر.
ورجال أحد ثقات.
ص 220.
يمكن الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض فإن القرآن يقتضي أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك فإن كان ما ذكر محفوظا عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة.
وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والازرقي عن عبد الرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلا أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام.
وهذا أقوى وأثبت من الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك فيما ذكر والله أعلم.
قصة هود عليه السلام (1) وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام * ويقال إن هودا هو عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح.
ويقال هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود (2) بن عاد بن عوص بن ارم ابن سام بن نوح عليه السلام * ذكره ابن جرير وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح كانوا عربا يسكنون الاحقاف وهي جبال الرمل وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر (3) واسم واديهم مغيث * وكانوا كثيرا ما يسكنون الخيام ذوات الاعمدة الضخام كما قال تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) [ الفجر: 6 ] أي عاد إرم وهم عاد الاولى * وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتي بيان ذلك في موضعه * وأما عاد الاولى فهم عاد (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)
[ الفجر: 8 ] أي مثل القبيلة * وقيل مثل العمد.
والصحيح الاول كما بيناه في التفسير.
ومن زعم أن ارم مدينة تدور في الارض فتارة في الشام وتارة في اليمن وتارة في الحجاز وتارة في غيرها فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه ولا مستند يركن إليه * وفي
__________
(1) ذكر هود في القرآن الكريم سبع مرات.
فذكر في سورة الاعراف 65 وفي سورة هود: 50 - 53 - 58 - 60 - 89 وفي سورة الشعراء: 124.
(2) في الطبري الخلود وفي الكامل: الجلود.
(3) وهو قول القسطلاني ج 5 / 333.
وأرض الاحقاف تقع شمال حضرموت، وفي شمالها الربع الخالي وفي شرقها عمان.
فما في الاصل وما عند القسطلاني يخالف ما هو معروف ; لان الاحقاف في موقعها يجعل جنوبها مطل على المحيط الهندي.
صحيح بن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الانبياء والمرسلين قال فيه منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر * ويقال إن هودا عليه السلام أول من تكلم بالعربية * وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها * وقال غيره أول من تكلم بها نوح * وقيل آدم وهو الاشبه.
قبل غير ذلك والله أعلم.
ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام العرب العاربة وهم قبائل كثيرة منهم عاد * وثمود * وجرهم * وطسم * وجديس * وأميم * ومدين * وعملاق * وعبيل * وجاسم * وقحطان * وبنو يقطن * وغيرهم.
وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل * وكان اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه (1) إن شاء الله تعالى ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان.
وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمقصود أن عادا وهم عاد الاولى كانوا اول من عبد الاصنام بعد الطوفان.
وكان أصنامهم ثلاثة صدا وصمودا وهرا (2).
فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليه السلام فدعاهم إلى الله كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح وما كان من أمرهم في سورة الاعراف.
(والى عاد أخاهم هودا.
قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون.
قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين.
قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين.
أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين.
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة.
فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون.
قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب اتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) [ الاعراف: 65 - 72 ] وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود (والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدو الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون.
يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون.
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين.
قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء.
قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما
__________
(1) الجزء الثاني من البداية والنهاية - في أخبار العرب.
(2) في الطبري: هباء بدل هرا وفي الكامل: ضرا وضمور والهبا.
تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون.
إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ.
ولما جاء أمرنا نجينا
هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ.
وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) [ هود: 50 - 60 ] وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون بعد قصة قوم نوح (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون.
وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون.
هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين.
إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين.
قال رب انصرني بما كذبون.
قال عما قليل ليصبحن نادمين.
فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 31 - 41 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضا (كذبت عاد المرسلين.
إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون.
إني لكم رسول أمين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين.
أتبنون بكل ريع آية تعبثون.
وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون.
وإذا بطشتم بطشتم جبارين.
فاتقوا الله وأطيعون.
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون.
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون.
إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.
إن هذا إلا خلق الاولين.
وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 123 - 140 ].
وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة.
أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون.
فارسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) [ فصلت: 15 - 16 ]
وقال تعالى في سورة الاحقاف (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به إليكم ولكني أراكم قوما تجهلون.
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل
هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) [ الاحقاف: 21 - 25 ].
وقال تعالى في الذاريات (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شئ أنت عليه إلا جعلته كالرميم) [ الذاريات 41 - 42 ].
وقال تعالى في النجم (وأنه أهلك عادا الاولى وثمود فما أبقى.
وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى.
والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى) [ النجم 50 - 55 ].
وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر.
تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر 18 - 22 ].
وقال في الحاقة (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية.
سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية.
فهل يرى لهم من باقية) [ الحاقة: 6 - 8 ].
وقال في سورة الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد.
وثمود الذين جابو الصخر بالواد.
وفرعون ذي الاوتاد.
الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.
فنصب عليهم ربك سوط عذاب.
إن ربك لبالمرصاد) [ الفجر: 6 - 14 ].
وقد تكلمنا على كل من هذه القصص في أماكنها من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة وإبراهيم والفرقان والعنكبوت وفي سورة صلى الله عليه وآله وفي سورة (ق) ولنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه السياقات مع ما يضاف إلى ذلك من الاخبار * وقد قدمنا أنهم أول الامم (1) عبدوا الاصنام بعد الطوفان.
وذلك بين في قوله لهم (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة) [ الاعراف: 69 ] أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش.
وقال في المؤمنون (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) [ المؤمنون: 31 ] وهم قوم هود (2) على الصحيح * وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء) قالوا وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة (وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية) وهذا الذي قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية
__________
(1) في الطبري والكامل: كانوا أهل أوثان.
(2) في أحكام القرآن: هم قوم عاد، لانه ما كانت أمة أنشئت في أثر قوم نوح إلا عاد.
عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين أصحاب الايكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات * ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود.
والمقصود أن عادا كانوا عربا جفاة كافرين عتاة متمردين في عبادة الاصنام فأرسل الله فيهم رجلا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والاخلاص له فكذبوه وخالفوه وتنقصوه فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة (قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة) أي هذا الامر الذي تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الاصنام التى يرتجى منها النصر والرزق ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك (قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين) أي ليس الامر كما تظنون ولا ما تعتقدون (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين) والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ وعدم الزيادة فيه والنقص منه ويستلزم إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف
ولا اضطراب وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم لا يبتغي منهم أجرا ولا يطلب منهم جعلا بل هو مخلص لله عزوجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه ولهذا (قال يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون) [ هود: 51 ] أي مالكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين الذي تشهد به فطركم التي خلقتم عليها وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحا وأهلك من خالفه من الخلق وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرا عليه بل أبتغي ذلك عند الله مالك الضر والنفع ولهذا قال مؤمن يس (اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون.
ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) وقال قوم هود له فيما قالوا (يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) [ هود: 53 ] يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه وعندنا إنما أصابك هذا أن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك وهو قولهم (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) [ هود: 54 ] وهذا تحد منه لهم وتبر من آلهتم وتنقص منه لها وبيان أنها لا تنفع شيئا ولا تضر وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله.
فان كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا برئ منها لاعن لها (فكيدوني ثم لا تنظرون) أنتم جميعا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه (1) ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين فإني لا أبالي بكم ولا أفكر فيكم ولا أنظر إليكم
__________
(1) (قوله فكيدوني لا تنظرون، من أعلام النبوة، وهو أن يكون الرسول وحده، مع كثرة أعدائه يدل على الثقة بنصر
(إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) [ هود: 56 ] أي أنا متوكل على الله ومتأيد به وواثق بجنابه الذي لا يضيع من لاذ به واستند إليه
فلست أبالي مخلوقا سواه ولست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه * وهذا وحده برهان قاطع على أن هودا عبد الله ورسوله وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله لانهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروها فدل على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه.
وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) [ يونس: 71 ].
وهكذا قال الخليل عليه السلام (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون.
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) [ الانعام: 80 - 83 ] * (وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) [ المؤمنون: 33 - 35 ] استبعدوا أن يبعث الله رسولا بشريا وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديما وحديثا كما قال تعالى (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس) [ يونس: 2 ] وقال تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا.
قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) [ الاسراء: 94 - 95 ] ولهذا قال لهم هود عليه السلام (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) [ الاعراف: 63 ] أي ليس هذا بعجيب فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون.
هيهات هيهات لما
__________
= الله، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش ; وقال نوح ص (فأجمعوا أمركم وشركاءكم).
وكان هود في علاقته بقومه الناصح الامين لهم ; ومرت هذه العلاقة ; بصبر هود واتزانه ورزانته ووقاره واخلاصه
والبعد عن الشوائب واسداء النصيحة الخالصة وتلطفه معهم وترغيبهم في الايمان.
أما قومه فقد ترقوا في عداوتهم لهود ; من رفضهم لنصائحه ودعواته ثم اتهامهم له في عقله إلى تحديه (فأتنا بما تعدنا - من العذاب).
وانذرهم هود بالهلاك ; واستحلال قوم غيرهم.
ولما لم تبق فائدة في النصيحة والدعوة والانذار..أحل الله تعالى بهم نقمته في الدنيا...
توعدون.
إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحي وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال ربي انصرني ] [ المؤمنون: 35 - 39 ] * استبعدوا المعاد وأنكروا قيام الاجساد بعد صيرورتها ترابا وعظاما وقالوا هيهات هيهات أي بعيد بعيد هذا الوعد إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحي وما نحن بمبعوثين أي يموت قوم ويحيى آخرون * وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة أرحام تدفع وأرض تبلع.
وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذه الدار بعد كل سنة وثلاثين ألف سنة وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل يستميل عقل الفجرة الكفرة من بني آدم الذين لا يعقلون ولا يهتدون كما قال تعالى (ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون) [ الانعام: 113 ] وقال لهم فيما وعظهم به (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) [ الشعراء: 128 ] يقول لهم أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور ونحوها تعبثون ببنائها لانه لا حاجة لكم فيه وما ذاك إلا لانهم كانوا يسكنون الخيام كما قال تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد) [ الفجر: 6 - 7 ] فعاد إرم هم عاد الاولى الذين كانوا يسكنون الاعمدة التي تحمل الخيام.
ومن زعم أن إرم مدينة من ذهب وفضة وهي تتنقل في البلاد فقد غلط وأخطأ وقال ما لا دليل عليه * وقوله (وتتخذون مصانع) قيل هي القصور * وقيل بروج الحمام * وقيل مآخذ
الماء (1) (لعلكم تخلدون) [ الشعراء: 129 ] أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة (وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون.
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون.
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 130 - 135 ] وقالوا له مما قالوا (أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين) [ الاعراف: 70 ] أي أجئتنا لنعبد الله وحده ونخالف أباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه * فإن كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك (2) كما قالوا (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.
إن هذا الا خلق الاولين.
وما نحن بمعذبين) [ الشعراء: 136 - 138 ] أما على قراءة فتح الخاء فالمراد به اختلاق الاولين أي أن هذا الذي جئت به إلا إختلاق منك وأخذته من كتب الاولين * هكذا فسره غير واحد من الصحابة والتابعين * وأما على قراءة ضم الخاء واللام فالمراد به الدين أي أن هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الآباء والاجداد من أسلافنا ولن نتحول عنه ولا نتغير ولا
__________
(1) في أحكام القرآن: قال الكلبي منازل.
وقال ابن عباس ومجاهد: حصون مشيدة.
(2) طلبوا منه بتحد العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه.
نزال متمسكين به.
ويناسب كلا القراءتين الاولى والثانية قولهم (وما نحن بمعذبين) قال (قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين) [ الاعراف: 71 ] أي قد استحقيتم بهذه المقالة الرجس والغضب من الله أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام أنتم نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان أي لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليلا ولا برهانا وإذا أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم وبأسه الذي لا يرد ونكاله الذي لا يصد وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فاخذتهم الصيحة
بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 26 ] وقال تعالى (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون.
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم.
تدمر كل شئ بامر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) [ الاحقاف: 22 ] وقد ذكر الله تعالى خبر إهلاكهم في غير ما أية كما تقدم مجملا ومفصلا كقوله (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) [ الاعراف: 72 ] وكقوله (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ.
وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا أن عادا كفروا ربهم الا بعدا لعاد قوم هود) [ هود: 58 - 60 ] وكقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 41 ] وقال تعالى (فكذبوه فأهلكناهم ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء 139 - 140 ].
وأما تفصيل إهلاكهم فلما قال تعالى (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما أستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم) [ الاحقاف: 24 ] كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا فرأوا عارضا في السماء وظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب.
ولهذا قال تعالى (بل هو ما استعجلتم به) أي من وقوع العذاب وهو قولهم (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) ومثلها في الاعراف.
وقد ذكر المفسرون وغيرهم ههنا الخبر الذي ذكره الامام محمد بن اسحق بن بشار (1) وقال فلما أبوا إلا الكفر بالله عزوجل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك قال وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه
__________
(1) كذا في الاصول بشار وهو تحريف والصواب يسار.
العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر (1) وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهدة ابنة الخيبري.
قال فبعث عاد وفدا (2) قريبا من سبعين رجلا ليستقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر يغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر.
فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا فيعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنيهم به فقال: ألا ياقيل ويحك قم فهينم * لعل الله يمنحنا (3) غماما فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم أياما (4) وإن الوحش يأتيهم جهارا * ولا يخشى لعادي سهاما وأنتم ههنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم تماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما قال فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل ابن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء [ ياقيل ] اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه اخترت رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا.
لا والدا يترك ولا ولدا.
إلا جعلته همدا إبلا بني اللودية الهمد (5) - قال وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال ومن بقي من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة - قال: وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها) أي كل شئ أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون
__________
(1) في الطبري: بكر بن معاوية.
وفي رواية ابن إسحاق عنده معاوية بن بكر.
(2) في الطبري: بعثوا قيل بن عثر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيك ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة بن الخيبري ثم بعثوا لقمان بن عاد بن.
بن.
بن عاد الاكبر مع رهط كل منهم حتى بلغوا سبعين رجلا.
(3) في الطبري يسقينا.
(4) في الطبري: عياما.
والايم: المرأة التي فارقت زوجها.
(5) في الطبري: اللوذية الهمداني وهم بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر.
امرأة من عاد يقال لها فهد (1) فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت.
فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا فهد (2) قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخر ها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك قال واعتزل هود عليه السلام فيما ذكر لي في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود ويلتذ الانفس وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والارض وتدمغهم بالحجارة * وذكر تمام القصة (3).
وقد روي الامام أحمد حديثا في مسنده (4) يشبه هذه القصة فقال حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث - وهو ابن حسان - ويقال ابن يزيد البكري قال: خرجت أشكو العلا بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال: فجلست قال: فدخل منزله - أو قال رحله - فأستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت.
فقال: " هل كان بينكم وبين بني تميم شئ ؟ " فقلت: نعم.
وكانت لنا الدبرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب.
فأذن
لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء فإنها كانت لنا قال ; فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك قال: فقلت: إن مثلي ما قال الاول (معزى حملت حتفها) (5) حملت هذه الامة ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال هيه وما وافد عاد وهو أعلم بالحديث منه (1) ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر ويغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة (6) فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه.
اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأمي إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا قال فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في
__________
(1) في الطبري: مهدد.
(2) روى الطبري الخبر في تاريخه 1 / 113 بتغيير طفيف في التعابير والالفاظ.
(3) مسند أحمد ج 3 / 482 وتاريخ الطبري ج 1 / 111، وروى الترمذي نحوه وقال: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن سلام بن أبي المنذر عن عاصم، وعن أبي وائل عن الحارث بن حسان ويقال له: ابن يزيد.
(4) في الطبري: حيفا.
(5) في الطبري: قلت: على الخبير سقطت قال: وهو يستطعمني الحديث.
(6) في الطبري: مهرة.
خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا.
قال أبو وائل وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وفدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد وهكذا رواه الترمذي عن عبد ين حميد بن زيد بن الحباب به ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجة.
وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره * وقد يكون هذا السياق لاهلاك عاد الآخرة، فإن فيما ذكره ابن اسحاق وغيره ذكر لمكة، ولمن تبن
إلا بعد إبراهيم الخليل حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي وعاد الاولى قبل الخليل وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الاولى، لا يشبه كلام المتقدمين.
وفيه أن في تلك السحابة شرر نار، وعاد الاولى إنما أهلكوا بريح صرصر.
وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين هي الباردة والعاتية الشديدة الهبوب (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) [ الحاقة: 7 ] أي كوامل متتابعات * قيل كان أولها الجمعة وقيل الاربعاء (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) شبههم بأعجاز النخل التي لا رؤس لها وذلك لان الريح كانت تجئ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس كما قال (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر) [ القمر: 19 ] أي في يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم (تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) [ القمر: 20 ] ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الاربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرآن فإنه قال في الآية الاخرى (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات) [ فصلت: 16 ] ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الايام السبعة المندرجة فيها مشؤمة وهذا لا يقوله أحد وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم وقال تعالى (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) [ الذاريات: 41 ] أي التي لا تنتج خيرا فإن الريح المفردة لا تنثر سحابا ولا تلقح شجرا بل هي عقيم لا نتيجة خير لها ولهذا قال (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) [ الذاريات: 42 ] أي كالشئ البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالكلية * وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " (1) * وأما قوله تعالى (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [ الاحقاف: 21 ] فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الاولى فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وهم الاولى.
ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية.
ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 15 / 26 / 1035 الفتح ; وفي أكثر من رواية وراوه مسلم في صحيحه 9 / 4 / 17 وأحمد في منسده 1 / 23 - 324 - 341 - 355 - 373.
قال ابن حجر: الصبا يقال لها القبول لانها تقابل الكعبة لان مهبها من مشرق الشمس، والدبور ضد الصبا.
من الحديث عن عائشة رضي الله عنها * وأما قوله (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) فإن عادا لما رأو هذا العارض وهو الناشئ في الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر قال الله تعالى (بل هو ما استجعلتم به) أي من العذاب ثم فسره بقوله (ريح فيها عذاب أليم) يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة فكما منوا بقوتهم وشدتهم وقالوا من أشد منا قوة سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم وهو الريح العقيم * ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الامر سحابة ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم وغياث لمن بقي منهم فأرسلها الله عليهم شررا ونارا كما ذكره غير واحد ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار وهو أشد ما يكون من العذاب بالاشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي: حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس، حدثنا ابن فضل (1) عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والارض فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها (قالوا هذا عارض ممطرنا) فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة ".
وقد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن اسماعيل بن زكريا الكوفي، عن أبي مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما فتح الله على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم.
ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أو ديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا ".
قال: عتت على خزائنها (2) حتى خرجت من خلال الابواب.
قلت: وقال غيره: خرجت بغير حساب.
والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر.
ثم اختلف فيه على مسلم الملائي، وفيه نوع اضطراب والله أعلم * وظاهر الآية أنهم رأوا عارضا والمفهوم منه (3) لمعة السحاب كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري ان جعلناه مفسرا لهذه القصة.
وأصرح منه في ذلك ما رواه
__________
(1) كذا بالاصل والصواب ابن فضيل وهو محمد بن فضيل بن غزوان، ثقة مشهور، قال ابن سعد: بعضهم لا يحتج به، المغني في الضعفاء (2 / 624 / 5907) تقريب التهذيب (2 / 200 / 628).
(2) في قصص الانبياء لابن كثير: خزانها وهو الصواب.
(3) لمعة تحريف، وما في قصص الانبياء لابن كثير: لغة.
هو الصواب.
مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب [ قال ] سمعت بن جريح يحدثنا عن عطاء بن أبي رياح، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به " قالت: وإذا عببت (1) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه (2) فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال لعله يا عائشة كما قال قوم عاد (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) [ الاحقاف: 24 ] (3) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج.
طريق أخرى * قال الامام أحمد (4) حدثنا هرون بن معروف أنبأنا عبد الله بن وهب، أنبأنا عمرو وهو ابن الحارث، أن أبا النضر، حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم.
وقالت كان إذا
رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب.
قد عذب قوم نوح بالريح.
وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا " * فهذا الحديث كالصريح في تغاير القصتين كما أشرنا إليه أولا.
فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الاحقاف خبرا عن قوم عاد الثانية.
وتكون بقية السياقات في القرآن خبرا عن عاد الاولى والله أعلم بالصواب * وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف وأخرجه البخاري وأبو داود من حديث ابن وهب * وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام.
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن.
وذكر آخرون أنه بدمشق وبجامعها مكان في حائطة القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم.
__________
(1) كذا في الاصول.
وعند مسلم تخيلت.
قال أبو عبيدة وغيره: تخيلت من المخيلة بفتح الميم: وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه انها ماطرة.
(2) سري عنه: انكشف عنه الهم.
قال صاحب النهاية: وقد تكرر ذكر هذه اللفظة في الحديث، وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه.
وكلها بمعنى الكشف والازالة.
يقال: سروت الثوب، وسريته إذا خلعته.
والتشديد فيه للمبالغة.
(3) أخرجه مسلم في 9 كتاب صلاة الاستسقاء (3 باب) ح 15 ص 2 / 616.
(4) مسند أحمد ج 6 / 66 وصحيح مسلم 9 كتاب صلاة الاستسقاء (3 باب) 16 ح ص 2 / 616.
ولهواته: جمع لهاة.
وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك.
قاله الاصمعي.
قصة صالح نبي ثمود عليه السلام (1) وهم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك.
وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه وكانوا بعد قوم عاد وكانوا
يعبدون الاصنام كأولئك فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبد الله ورسوله صالح بن عبد بن ماسح (2) بن عبيد بن حاجر ابن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الاصنام والانداد ولا يشركوا به شيئا فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى في سورة الاعراف (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم.
هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون من الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون.
قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون.
فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [ الاعراف: 73 - 79 ] وقال تعالى في سورة هود (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب.
قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله ان عصيته فما تزيدونني غير تحسير.
ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب.
فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.
فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ.
إن ربك هو القوي العزيز.
وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود)
__________
(1) ذكر اسم صالح في القرآن تسع مرات، في سورة الاعراف: 73 - 75 - 77 وفي سورة هود في الآيات: 61 -
62 - 66 - 89، وفي سورة الشعراء: 142.
(2) في الطبري: صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح.
[ هود: 61 - 67 ] وقال تعالى في سورة الحجر (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين.
وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين.
وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين.
فأخذتهم الصيحة مصبحين.
فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) [ الحجر: 70 - 84 ] وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون.
وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) [ الاسراء: 59 ] وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت ثمود المرسلين.
إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون.
إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
أتتركون فيما هاهنا آمنين في جنات وعيون.
وزروع ونخل طلعها هضيم.
وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين.
فاتقوا الله وأطيعون.
ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون.
قالوا إنما أنت من المسحرين.
ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين.
قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم.
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم.
فعقروها فأصبحوا نادمين.
فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 141 - 159 ] وقال تعالى في سورة النمل (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون.
قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون.
قالوا اطيرنا بك وبمن معك.
قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون.
وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون.
قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون.
ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ النمل: 45 - 53 ]
وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون.
ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ فصلت: 17 - 18 ] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت ثمود بالنذر.
فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه انا إذا لفي ضلال وسعر.
أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر.
سيعلمون غدا من الكذاب الاشر.
انا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر.
ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر.
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر.
انا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 23 - 32 ] وقال تعالى (كذبت ثمود بطغواها إذا انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها.
فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [ الشمس: 11 - 15 ] وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود كما في سورة براءة وابراهيم والفرقان وسورة صلى الله عليه وآله وسورة (ق) والنجم والفجر * ويقال إن هاتين الامتين لا يعرف خبرهما
أهل الكتاب وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر عنهما كما قال تعالى في سورة ابراهيم (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فان الله لغني حميد.
ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ] [ ابراهيم: 8 - 9 ] الآية.
الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه ولكن لما كان هاتان الامتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا ولا اعتنوا بحفظه وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى عليه السلام * وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير متقصيا ولله الحمد والمنة.
والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم وكيف نجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام * قد قدمنا أنهم كانوا عربا وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم * ولهذا قال لهم نبيهم
عليه السلام (أعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين) [ الاعراف: 73 - 74 ] أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم وتعملوا بخلاف عملهم وأباح لكم هذه الارض تبنون في سهولها القصور وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته فإن عاقبة ذلك وخيمة ولهذا وعظهم بقوله (اتتركون فيما ههنا آمنين.
في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم) [ الشعراء: 146 - 148 ] أي متراكم كثير حسن بهي ناضج (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين.
الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون) [ الشعراء 149 - 152 ] وقال لهم أيضا (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها) [ هود: 61 ] أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الارض وجعلكم عمارها أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار فهو الخالق الرزاق فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه (فاستغفروه ثم توبوا إليه) أي أقلعوا عما أنتم فيه (1) وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم (إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) [ هود: 62 ] أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة (2) وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد
__________
(1) أي سلوه المغفرة من عبادة الاصنام.
(2) في أحكام القرآن: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة، وكانوا يرجون رجوع دينهم..وانقطع رجاؤهم لما دعاهم إلى الله.
العبادة وترك ما كنا نعبده من الانداد والعدول عن دين الآباء والاجداد ولهذا قالوا (اتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب - قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي
وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير) [ هود: 63 ] وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير أي فما ظنكم إن كان الامر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ماذا عذركم عند الله وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعاءكم إلى طاعته وأنا لا يمكنني هذا لانه واجب علي ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له حتى يحكم الله بيني وبينكم وقالوا له أيضا (إنما أنت من المسحرين) [ الشعراء: 153 ] أي من المسحورين يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده وخلع ما سواه من الانداد وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين * وقيل من المسحرين أي ممن له سحر وهي الرئة كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر والاول أظهر لقولهم بعد هذا ما أنت إلا بشر مثلنا * وقولهم (فأت بآية إن كنت من الصادقين) [ هود: 154 ] سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم) [ هود: 156 ] وقال (قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) [ الاعراف: 73 ] وقال تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) [ الاسراء: 59 ].
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافا سموها ونعتوها وتعنتوا (1) فيها وأن تكون عشراء (2) طويلة من صفتها كذا وكذا فقال لهم النبي صالح عليه السلام أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به.
قالوا نعم فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عزوجل ما قدر له ثم دعا ربه عزوجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما ومنظرا هائلا وقدرة
باهرة ودليلا قاطعا وبرهانا ساطعا (3) فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم
__________
(1) تعنتوا: تشددوا.
(2) عشراء: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو هي كالنفساء من النساء.
(3) قال الرازي في تفسيره ج 18 / 19: وأعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه: الاول: انه تعالى خلقها من الصخرة.
الثاني: انه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل.
ولهذا قال (فظلموا بها) أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها أي أكثرهم.
وكان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس.
وكان من رؤسائهم وهم بقية الاشراف بالاسلام قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر بن جمس ودعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة وكان من اشرافهم فهم بالاسلام فنهاه أولئك فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله: وكانت عصبة من آل عمرو * إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا * فهم بأن يجيب ولو أجابا لاصبح صالح فينا عزيزا * وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر * تولوا بعد رشدهم ذابا (1) ولهذا قال لهم صالح عليه السلام (هذه ناقة الله لكم آية) [ هود: 64 ] أضافها الله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم كقوله بيت الله وعبد الله لكم آية أي دليلا على صدق ما جئتكم به (فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) [ هود: 64 ] فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يوما بعد يوم وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ولهذا (قال لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) ولهذا
قال تعالى (أنا مرسلوا الناقة فتنة لهم) [ القمر: 27 ] أي اختبارا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون والله أعلم بما يفعلون (فارتقبهم) أي انتظر ما يكون من امرهم (واصطبر) على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية (ونبئهم ان الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) [ القمر: 28 ] فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم وزين لهم الشيطان أعمالهم قال الله تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين) [ الاعراف - 77 ] وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم قدار بن سالف بن جندع وكان أحمر أزرق أصهب وكان يقال أنه ولد زانية ولد على فراش سالف وهو ابن رجل يقال له صيبان.
وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم فلهذا نسب الفعل إلى جميعهم كلهم (2) *
__________
الثالث: انه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر.
الرابع: خلقها دفعة واحدة من غير ولادة الخامس: ما روي انه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر.
السادس: كان يحصل منها لبن كثير يكفي لخلق عظيم.
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: ذبابا.
(2) وفي نسخة قصص الانبياء لابن كثير: إليهم كلهم.
وهو مناسب.
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين (1) أن امرأتين من ثمود اسم احداهما صدوق ابنة المحيا ابن زهير بن المختار وكانت ذات حسب ومال وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته فدعت ابن عم لها يقال له مصرع بن مهرج بن المحيا وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة واسم الاخرى عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى أم عثمان وكانت عجوزا كافرة لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو احد الرؤساء فعرضت بناتها الاربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء فانتدب هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة وهم
المذكورون في قوله تعالى (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون) [ النمل: 48 ] وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك فانطلقوا يرصدون الناقة فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الارض ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقيها وهو فصيلها فصعد جبلا منيعا ودعا (2) ثلاثا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن أنه قال يا رب أين أمي ثم دخل في صخرة فغاب فيها ويقال بل اتبعوه فعقروه أيضا قال الله تعالى (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر) [ القمر: 29 - 30 ] وقال تعالى (إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها) [ الشمس: 12 - 13 ] أي احذروها (فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [ الشمس: 14 - 15 ].
قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هاشم - هو أبو عزرة - عن أبيه عبد الله بن زمعة (3) قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال (إذ انبعثت أشقاها) انبعث لها رجل من عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة (4).
أخرجاه من حديث هشام بن (5) عارم أي شهم عزيز أي رئيس منيع أي مطاع في قومه * وقال محمد بن اسحاق حدثني
__________
(1) تاريخ الطبري، وروح المعاني للالوسي.
(2) كذا في الاصل، وفي قصص الانبياء لابن كثير: ورغا.
وهو المناسب.
(3) في المسند 4 / 17: عن ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة.
وهشام بن عروة ; وأبو عزرة تحريف / عن مسلم.
(4) رواه مسلم في 51 كتاب / 13 باب / ح 49 بزيادة: ذكر النساء فوعظ فيهم ثم قال: إلام يجلد أحدكم امرأته.
ورواه البخاري في الفتح: 65 / 91 / 4942 بزيادة " ذكر النساء..وعارم: قال أهل اللغة: هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوي الشرس.
(5) كذا بالاصول والنسخ المطبوعة: وفي قصص الانبياء لابن كثير: من حديث هشام به.
يزيد بن محمد بن خيثم عن محمد بن كعب عن محمد بن خيثم عن يزيد عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " ألا أحدثك بأشقى الناس " قال: بلى.
قال: " رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي بضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته ".
رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين) [ الاعراف: 77 ] فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه: منها انهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الاكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين * أحدهما الشرط عليهم في قوله (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) وفي آية " عظيم " وفي الاخرى " أليم " والكل حق * والثاني استعجالهم على ذلك.
ومنها أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه وهم يعلمون ذلك علما جازما ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم * قال الله تعالى (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام (1) ذلك وعد غير مكذوب) [ هود: 65 ] وذكروا نهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الارض ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقيها وهو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك ورغا ثلاث مرات فلهذا قال لهم صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الاكيد بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) [ النمل: 48 ] أي لنكسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ثم نجحدن قتله وننكرن ذلك أن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: (ثم لنقولن لوليه ما شهدنا
مهلك أهله وإنا لصادقون) [ النمل: 48 ] قال الله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ النمل: 50 - 53 ] وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبحت ثمود يوم الخميس وهو اليوم الاول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح عليه السلام فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل.
وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال ابن عباس: انه تعالى لما امهلهم تلك الايام الثلاثة فقد رغبهم في الايمان، وذلك لانهم لما عقروا الناقة انذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب..
أمسوا نادوا ألا قد مضى الاجل فلما كان صبيحة يوم الاحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الارواح وزهقت النفوس وسكنت الحركات وخشعت الاصوات وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها.
قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة - ابنت السلق - ويقال لها الذريعة وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شئ فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى (كأن لم يغنوا فيها) أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) [ هود: 60 ] أي نادى عليهم لسان القدر بهذا.
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم،
عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج (فعتوا عن أمر ربهم فعقروها).
وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله.
فقالوا من هو يا رسول الله قال: " هو أبو رغال.
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " (1).
وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شئ من الكتب الستة والله أعلم.
وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر، أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: " أتدرون من هذا " قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: " هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله [ من ] عذاب الله.
فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ههنا، ودفن معه غصن من ذهب.
فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن " * قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف * هذا مرسل من هذا الوجه * وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن اسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير، [ قال ] سمعت عبد الله بن عمرو، [ يقول ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: " إن هذا قبر أبي رغال.
وهو أبو ثقيف ; وكان من ثمود ; وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان
__________
(1) مسند أحمد ج 3 / 396 وتفرد به.
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم، صدوق مشهور، اعتمده مسلم وروى له البخاري متابعة.
قال ابن حجر: صدوق إلا انه يدلس.
تقريب التقريب (2 / 207 / 697) المغني في الضعفاء للذهبي / 2 - 632).
فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه.
فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن " وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن اسحق به * قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله هذا حديث حسن عزيز.
قلت تفرد به بجير بن أبي بجير هذا
ولا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يرو عنه سوى اسماعيل بن أمية * قال شيخنا فيحتمل أنه وهم في رفعه وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه والله أعلم.
قلت لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضا شاهد له * والله أعلم.
وقوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [ الاعراف: 79 ] إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم (يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم) أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي (ولكن لا تحبون الناصحين) أي لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الاليم المستمر بكم المتصل إلى الابد وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ولكن الله يفعل ما يريد.
وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال: وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من أخر الليل فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، وقال لهم فيما قال: " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقتني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم " فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا فقال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون).
وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله * ويقال إن صالحا عليه السلام إنتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات.
قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ".
قال وادي عسفان قال: " لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق " (1) * إسناد حسن * وقد تقدم في قصة نوح
عليه السلام من رواية الطبراني وفيه نوح وهود وإبراهيم.
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 232 وفيه زمعة بن صالح الجندي، اليماني، نزيل مكة، أبو وهب ضعيف / تقريب التهذيب / 1 - 293 - 65.
مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور فأمرهم رسول الله فاهراقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ] إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم (1) * وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم (2) * أخرجاه في الصحيحين من غير وجه * وفي بعض الروايات أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين وفي رواية فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم * صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون، حدثنا المسعودي، عن اسمعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الانباري عن أبيه واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد رضي الله عنه قال لما كان في غزوة تبوك فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل تعجب منهم يا رسول الله قال أفلا أرئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم
شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا * إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم فنحتوا لهم بيوتا في الجبال.
وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سبب هلاكهم ذلك وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه فكانوا على ذلك دهرا طويلا وانقرض جيل وأتى جيل آخر.
فلما كان في بعض الاعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه 53 / 1 / 2981 وأحمد في مسنده.
(2 / 72 - 91) والبخاري في الفتح 65 / 15 - 2 / 4702 والحميدي في مسنده وابن هشام في السيرة والواقدي في المغازي 1 / 397.
(2) مسند أحمد ج 2 / 66.
آخر مثله في الرياسة فزوجه فولد بينهما عاقر الناقة وهو قدار بن سالف فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجديه فيهم فنشأ تشأة سريعة فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من اشرافهم وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام.
فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة وبلغ ذلك صالحا عليه السلام جاءهم باكيا عليها فتلقوه يعتذرون إليه ويقولون إن هذا لم يقع عن ملا منا وإنما فعل هذا هؤلاء الاحداث فينا.
فيقال إنه أمرهم باستدراك سقبها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع فلا يناله الطير وبكى الفصيل حتى سالت دموعه.
ثم استقبل صالحا عليه السلام ودعا (1) ثلاثا فعندها قال صالح تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وذلك وعد غير مكذوب وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا ثم تحمر وجوههم في الثاني وفي اليوم الثالث تسود وجوههم * فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة فأخذتهم فأصبحوا في دارهم (2) جاثمين * وفي بعض هذا السياق نظر
ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (3) قصة إبراهيم خليل الرحمن هو إبراهيم بن تسارخ " 250 " بن ناحور " 148 " بن ساروغ " 230 " بن راعو " 239 " ابن فالغ " 439 " بن عابر " 464 " بن شالح " 433 " بن أرفخشذ " 438 " بن سام " 600 " ابن نوح عليه السلام (4) * هذا نص أهل الكتاب في كتابهم، وقد اعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته * وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة ابراهيم الخليل من تاريخه عن اسحق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب " المبتدأ " ان اسم أم ابراهيم " أميلة " * ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال
__________
(1) في الطبري والكامل: ورغا ثلاثا.
فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم.
(2) في الطبري: ديارهم.
(3) نقل الخبر الطبري في تاريخه 1 / 117 - 118 دار القاموس.
والفصيل: ولد الناقة.
(4) نسبه الموجود في التوراة والتواريخ هو: إبراهيم بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفكشاذ بن سام بن نوح عليه السلام وفي تهذيب ابن عساكر (2 / 136 - 137): إبراهيم بن ازار وهو تارخ بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن شالح بن أرفشخد بن سام بن نوح ويكنى بأبي الضيفان.
وكما هو ملاحظ فأكثر الاسماء مخالفة لما في الاصل الذي نعتمده.
الكلبي اسمها " بونا " بنت كربنا بن كرثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح (1) وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان (2).
قالوا ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام وناحور وهاران
وولد لهاران لوط * وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الاوسط وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل * وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ (3) والاخبار وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر بعد ما روى من طريق هشام بن عمار عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن ابن عباس قال ولد ابراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون * ثم قال والصحيح أنه ولد ببابل.
وإنما نسب إليه هذا المقام لانه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام.
قالوا فتزوج ابراهيم سارة (4) وناحور ملكا ابنة هاران يعنون بابنة اخيه.
قالوا وكانت سارة عاقرا لا تلد قالوا وانطلق تارخ بابنة إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة (5) وهذا يدل على أنه لم يولد بحران وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها * ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين * وهي بلاد بيت المقدس فأقاموا بحران وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا وكانوا يعبدون الكواكب السبعة.
والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال * ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها ويعملون لها أعيادا وقرابين * وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والاصنام وكل من كان على وجه الارض كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال فان الله سبحانه وتعالى أتاه رشده في صغره وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره قال تعالى) (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) [ الانبياء: 51 ] أي كان أهلا لذلك.
__________
(1) في الطبري: عن غير واحد من أهل العلم: اسمها أنموتا من ولد افراهم بن أرغو بن فالغ..من ولد سام.
وقيل اسمها: انمتلى بنت يكفور.
(2) تاريخ ابن عساكر 12 / 141 التهذيب.
(3) قال الطبري: اختلف في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه ; قالوا بالسوس من أرض الاهواز - بابل - بناحية كوثى من السواد - بالوركاء بناحية الزوابى - حران ونقله منها أبوه إلى بابل (1 / 119 والكامل لابن الاثير 1 / 94) (4) في سارة أقوال: في رواية للطبري ولابن الاثير: انها ابنة عمه هاران وفي رواية أخرى عنده عن السدي: انها ابنة ملك حران وقد طعنت في دين قومها وآمنت بالله تعالى مع إبراهيم.
(5) وفي المسعودي: مائتان وستين سنة 1 / 40.
وقال تعالى (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون.
وان تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير.
قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.
ان الله على كل شئ قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون.
وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير.
والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم.
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فانجاه الله من النار.
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين.
فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي انه هو العزيز الحكيم.
ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 16 - 27 ] ثم ذكر تعالى مناظرته لابيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكان أول دعوته لابيه، وكان أبوه ممن يعبد الاصنام لانه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى (واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا.
إذ قال لابيه.
يا أبت لم تعبد ما لا
يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا.
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا.
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا.
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا.
قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا.
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) [ مريم: 41 - 48 ].
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة.
وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الاوثان التى لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر ؟ * ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه (يا أبت إنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك (1) فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال (أراغب أنت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لارجمنك) قيل بالمقال وقيل
__________
(1) قال في أحكام القرآن: أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة.
11 / 111 وقوله: يا أبت دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب../ الرازي 21 / 226 /.
بالفعال (1) (واهجرني مليا) أي واقطعني وأطل هجراني.
فعندها قال له ابراهيم (سلام عليك) أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى بل أنت سالم من ناحيتي وزاده خيرا فقال (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) * قال ابن عباس وغيره أي لطيفا يعني في أن هداني لعبادته والاخلاص له ولهذا قال (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) (2).
وقد استغفر له ابراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته.
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى (وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ابراهيم لاواه حليم) (3)
وقال البخاري: حدثنا اسمعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن أبن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الابعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين.
ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقي في النار " (4) هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا.
وقال في التفسير وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذؤيب (5) عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة * وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن ابراهيم بن طهمان به.
وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وفي سياقه غرابة.
ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال تعالى (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة اني أراك وقومك في ضلال مبين) [ الانعام: 74 ] هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر وجمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده إسمه آزر * وقال ابن جرير والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر
__________
(1) قال الحسن: يعنى بالحجارة وقال الضحاك: بالقول أي لاشتمنك ; وقال ابن عباس: لاضربنك ; وقيل لاظهرن أمرك / القرطبي 11 / 111 ; وقال الرازي في الرجم قولان: الرجم باللسان - والرجم باليد.
(2) في القرطبي: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه ; (ومفارقته إياهم).
وقال في تفسير الرازي: في الرجم.
(3) سورة التوبة الآية 114.
(4) فتح الباري 60 / 8 / 3350 ورواه ابن عساكر في 2 / 137 التهذيب.
(5) كذا في الاصول وهو تحريف وفي البخاري ابن أبي ذئب ; وقد تقدم قبل قليل.
علم.
وهذا الذي قاله محتمل والله أعلم (1) * ثم قال تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت
__________
(1) يقول الدكتور النجار في قصص الانبياء معللا ص 70 - 71: " هو أبراهيم خليل الله بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عامر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح عليه السلام.
هذا هو نسبه الموجود في التوراة والتواريخ.
وقد جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة).
اختلف المفسرون في اسم أبي إبراهيم - فقال بعضهم أن لفظ " آزر " في الآية بدل من لفظ " أب " في " أبيه " ويكون مقول القول " أتتخذ أصناما آلهة) ألخ وقال آخرون اسمه " تارح " وان لفظ " آزر " كلمة ذم في لغته ومعناه " أعرج " قاله السهيلي في التكلمة.
وقال آخرون أن معناه الخاطئ والخرف وفي التكلمة " يا مخطئ يا خرف " وقيل معناه " يا شيخ " أو هي كلمة زجر عن الباطل " راجع ص 12 ج 3 تاج العروس ".
أقول: بعيد في نظري أن يكون إبراهيم عليه السلام قد واجه آباه بكلمات فيها تحقير أو عيب أو زجر كأعرج وخرف ومخطئ لان والد إبراهيم عليه السلام لما هدده بقوله (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) لم يكن له جواب على هذه الجفوة القاسية وهذا التهديد العنيف إلا أن قال لابيه (سلام عليك سأستغفر لك ربي أنه كان بي حفيا).
وقال آخرون: أن تارح اسمه العلم، وان آزر وصف له كما قال البيضاوي.
أقول: إذا صح أن والد إبراهيم كان له اسم علمي واسم وصفي، يكون معناه القوي أو الناصر أو المعين ; لان لفظ آزر من الازر أي القوة والنصر والعون ومنه الوزير أي المعين " تاج العروس ص 11 ج 3 " وهي كذلك في اللغات السامية التي منها لغة إبراهيم، ومن ذلك عازر وعزير وعازر في العبرية.
فإن هذه المادة تفيد التقوية والنصرة والاعانة في تلك اللغة كما هي في اللغة العربية.
قال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه.
الخ) ومعلوم أن العين والهمزة يتعاوران على موضع واحد.
وفي أسماء ملوك الاشوريين " اسرحدون " ولفظا " اسر " و " ازر " في غاية القرب.
وفيهم أيضا " توخلات
أبال ازار " وعلى ذلك فلا يبعد عن علماء الفيلولوجيا وعلماء اللغات السامية على الخصوص أن يثبتوا النسب بين هذه الالفاظ في اللغات السامية وقد جاء في دائرة المعارف الاسلامية ما نصه: " آزر " اسم أبي إبراهيم في القرآن - سورة الانعام الآية 74 - ويظهر أن في هذا بعض الخلط لان اسم أزر لم يرد مطلقا على أنه أبو إبراهيم في غير هذا الموضع.
كما أن تارح أو تارخ قد ورد في روايات بعض المؤرخين والمفسرين من المسلمين على أنه أبو إبراهيم أيضا.
ولذلك لجئوا إلى التحاليل للتوفيق بين هاتين الروايتين.
ولكن هذا التحايل لا قيمة له.
ويقول مراتشي Prodrani Maracci، ج 4 - ص 90 " ان صيغة آزر نشأت عن قراءة خاطئة Agae التي وردت في =
السموات والارض وليكون من الموقنين.
فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين.
فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين.
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم) [ الانعام: 75 - 83 ] وهذا المقام مقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الاجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للالوهية ولا أن تعبد مع الله عزوجل لانها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم والرب تعالى لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه فبين لهم اولا عدم صلاحية الكواكب.
قبل هو الزهرة لذلك ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها.
ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الاجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء فبين أنها
مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة كما قال تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [ فصلت: 37 ] ولهذا قال (فلما رأى الشمس بازغة) أي طالعة (قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين.
وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) [ الانعام: 78 - 80 ] أي لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل بل هي مربوبة ومسخرة كالكواكب ونحوها أو مصنوعة منحوتة منجورة.
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لاهل حران فإنهم كانوا يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن اسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار اسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق * وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الاصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم وأهانها وبين بطلانها كما قال تعالى (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا.
ثم يوم القيامة بكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا.
ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) [ العنكبوت: 25 ] وقال في سورة الانبياء (ولقد
__________
تاريخ الكنيسة ليوز بيوس ; إلا أنه لم يعين لا هو ولا من نقلوا عنه الفقرة التي ورد فيها هذا الاسم.
اضف إلى ذلك أن هذا المؤرخ قد ذكر في مواضع متعددة.
ومهما يكن من شئ فإن ما ذهب إليه مراتشي بعيد الاحتمال ".
آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين.
إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.
قالوا وجدنا أباءنا لها عابدين.
قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين.
قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين.
قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين.
فجعلهم جذاذا الا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون.
قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين.
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له
إبراهيم.
قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم.
قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون.
ثم نكسوا على رؤسهم.
لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.
قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون.
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين.
قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) [ الانبياء: 51 - 70 ] وقال في سورة الشعراء (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون.
قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين.
قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون.
قالوا بل وجدنا أباءنا كذلك يفعلون.
قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون.
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين.
الذي خلقني فهو يهدين.
والذي هو يطعمني ويسقين.
وإذا مرضت فهو يشفين.
والذي يميتني ثم يحيين.
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما والحقني بالصالحين) [ الشعراء: 69 - 83 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم.
إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون.
ائفكا آلهة دون الله تريدون.
فما ظنكم برب العالمين.
فنظر نظرة في النجوم.
فقال إني سقيم.
فتولوا عنه مدبرين.
فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون.
فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون.
قال أتعبدون ما تنحتون.
والله خلقكم وما تعملون.
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين) [ الصافات: 83 - 98 ] يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام أنه أنكر على قومه عبادة الاوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا (وجدنا آبائنا لها عابدين) ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والاجداد وما كانوا عليه من عبادة الانداد (قال لقد كنتم.
أنتم وأباؤكم في ضلال مبين) [ الانبياء: 52 ] كما قال تعالى (إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون.
أئفكا آلهة دون الله تريدون.
فما ظنكم برب العالمين) قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم
غيره وقال لهم (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون.
قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الاباء الجهال ولهذا قال لهم (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وأباؤكم الاقدمون فانهم عدو لي إلا رب العالمين) وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما
ادعوه من الاصنام لانه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لاثرت فيه (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) يقولون هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا (قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين) يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شئ فاطر السموات والارض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وقوله (وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) أقسم ليكيدن هذه الاصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.
قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه (1) بعضهم، وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره (2) فقال إني سقيم كما قال تعالى (فنظر نظرة في النجوم.
فقال إني سقيم).
عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الاصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الاهانة * فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم (راغ إلى آلهتهم) أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا إليها (فقال) لها على سبيل التهكم والازدراء (ألا تأكلون.
ما لكم لا تنطقون.
فراغ عليهم ضربا باليمين) لانها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم (3) في يده كما قال تعالى (فجعلهم جذاذا) أي حطاما كسرها كلها (إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون) قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير (4) إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار.
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم (قالوا من فعل هذا
بآلهتنا إنه لمن الظالمين).
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين.
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها.
وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) أي في الملا الاكبر على رؤس الاشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم
__________
(1) قال الطبري: فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم.
وفي الكامل: لم يخرج معهم ; لانه كان يتوقع فرصة ينتهى بها ليفعل بأصنامهم ذلك (أي تكسيرها).
(2) في الكامل والطبري 1 / 122: سمعه ضعفي الناس ومن هو في آخرهم 1 / 96.
(3) في الطبري: حديدة - وفي الكامل: بفأس في يده ; وهي كذلك في رواية للطبري.
(4) أما في الطبري والكامل: فربط الفأس بيده.
(الصنم الاعظم).
فيقيم على جميع عباد الاصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى عليه السلام لفرعون (موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) [ طه: 59 ] فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم.
قال بل فعله كبيرهم هذا) قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها (1) وإنما عرض لهم في القول (فاسئلوهم إن كانوا ينطقون) [ الانبياء: 62 - 63 ] وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها (ثم نكسوا على رؤسهم) قال السدي أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله إنكم أنتم الظالمون أي في عبادتها * وقال قتادة أدركت
القوم حيرة سوء أي فاطرقوا ثم قالوا (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيأ ولا يضركم.
أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) [ البقرة: 258 ] كما قال (فأقبلوا إليه يزفون) قال مجاهد يسرعون * قال (أتعبدون ما تنحتون) أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون (والله خلقكم وما تعملون) وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي قمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الاصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين) [ الصافات: 97 - 98 ].
عدلوا عن الجدال والمناظرة (2) لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.
قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) [ الانبياء: 68 - 70 ].
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الاماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرآة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق ابراهيم * ثم عمدوا إلى جوبة (3) عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط * ثم وضعوا ابراهيم عليه السلام في كفة منجنيق
__________
(1) قال إبراهيم ساخرا منهم: ان هذا الكبير، الصنم الكبير، غضب من أن تعبدوا معه هذه الصفار وهو أكبر منها فكسرها.
ويتابع الطبري قائلا: فارعوا ورجعوا عنه فيما ادعوه عليه.
ج 1 / 122.
(2) أي فلما أعيتهم الحيلة فيه ووجدت موعظته منهم قلوبا غلقا وأذانا صما، عمدوا إلى ما يلجأ إليه القوي الجبار الذي لاحق معه بإزاء المحق الضعيف.
(3) الجوبة: الحفرة.
صنعه لهم رجل من الاكراد يقال له هزن (1) وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قيل له (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا.
وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) [ آل عمران: 173 ] الآية.
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا اسحق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم: " لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الارض واحد أعبدك " (2).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا * ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) [ الانبياء: 69 ] قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لاذى إبراهيم بردها * وقال كعب الاحبار لم ينتفع أهل الارض يومئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه * وقال الضحاك يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شئ غيره * وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل.
وصار ابراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا ابراهيم * وروى ابن عساكر (3) عن عكرمة أن أم ابراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يا بني إني أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك.
فقال نعم فأقبلت إليه لا
يمسها شئ من حر النار.
فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت * وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن ابراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا.
قال الله تعالى (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) وفي الآية الاخرى (الاسفلين) ففازوا بالخسارة والسفال هذا في
__________
(1) في الطبري والكامل: هيزن.
(2) ورواه ابن عساكر في تاريخه 2 / 147.
(3) في رواية مطولة تراجع في تاريخه 2 / 145.
الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بل هي كما قال تعالى (إنها ساءت مستقرا ومقاما).
قال البخاري حدثنا عبد الله (1) بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ (2)، وقال: " وكان ينفخ على ابراهيم " * ورواه مسلم من حديث ابن جريج * وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به * وقال أحمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ".
قال فكانت عائشة تقتلهن * وقال احمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الاوزاغ.
ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن ابراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه * تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة (3) مولاة الفاكه بن
المغيرة قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الاوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: " أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الارض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله (4) " * ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.
ذكر مناظرة ابراهيم الخليل مع من ادعى الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء قال الله تعالى (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر.
والله لا يهدي القوم الظالمين) [ البقرة: 258 ] يذكر تعالى مناظرة
__________
(1) في البخاري عبيد الله.
(2) الوزغ: حشرة يقال لكبيرها: سام أبرص.
(3) في المسند: سائبة روت عن عائشة وروى عنها نافع وابن عمر وذكرها ابن حبان في الثقات الكاشف ج 3 / 427.
(4) رواه أحمد في مسنده ج 6 / 83 - 200 والبخاري في الفتح 60 / 8 / 3359 ومسلم في صحيحه 7 / 41 وأبو داود في سننه كتاب الادب - باب قتل الاوزاغ وابن عساكر في تاريخه 2 / 146 تهذيب.
بوجوه مختلفة.
خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي أدعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله وبين كثرة جهله وقلة عقله وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والاخبار وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قاله مجاهد.
وقال غيره نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال مجاهد وغيره وكان أحد ملوك الدنيا فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران.
فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان.
والكافران النمرود وبختنصر وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا * ولما دعاه
إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية.
فلما قال الخليل ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال قتادة والسدي ومحمد بن اسحق يعني أنه إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
وهذا ليس بمعارضة للخليل بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة بل هو تشغيب محض وهو انقطاع في الحقيقة فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها [ هذا دليل ] (1) على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها ولهذا (قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت) فقول هذا الملك الجاهل أنا أحي وأميت إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن اسحق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل.
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة (قال فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها.
وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شئ * فان كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فات بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شئ ودان له كل شئ فان كنت كما تزعم فافعل هذا فإن لم تفعله فلست كما زعمت وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شئ من هذا بل أنت أعجز وأقل
__________
(1) زيادة اقتضاها السياق، ليستقيم بها المعنى.
من أن تخلق بعوضة أو تنصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت ولهذا قال (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار ولم يكن إجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة * وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطي الناس، بل خرج وليس معه شئ من الطعام * فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملا منه عدليه وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما * فلما أستيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه الله عزوجل * قال زيد بن أسلم وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالايمان بالله فأبى عليه.
ثم دعاه الثانية فأبى عليه.
ثم الثالثة فأبى عليه.
وقال اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.
هجرة الخليل إلى بلاد الشام ثم الديار المصرية واستقراره في الارض المقدسة قال الله: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم.
ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 26 - 27 ] وقال تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين.
ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين.
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) [ الانبياء: 71 - 73 ] لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الاولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الانبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عزوجل ودعوة الخلق إليه والارض التي قصدها بالهجرة أرض الشام وهي التي قال الله عزوجل (إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين)
قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم * وروى العوفي عن ابن عباس قوله (إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين) مكة ألم تسمع إلى قوله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين).
وزعم كعب الاحبار أنها حران * وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة ابراهيم سارة وامرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها.
وقال السدي انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقي ابراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير (1) وهو غريب * والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيلي عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة وقال بلا علم وادعى أن تزويج بنت الاخ كان إذا ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل.
ولو فرض أن هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فان الانبياء لا تتعاطاه والله أعلم * ثم المشهور أن ابراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم.
وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه إني جاعل هذه الارض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه
النعمة وضرب قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا إلى التيمن وأنه كان جوع أي قحط وشدة وغلاء فارتحلوا إلى مصر وذكروا قصة سارة مع ملكها وان إبراهيم قال لها قولي أنا أخته وذكروا خدام الملك إياها هاجر.
ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن يعني أرض بيت المقدس وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال.
وقد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه وسأله عنها فقال من هذه قال أختي فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتني بإنسان وإنما أتيتني بشيطان فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم فقالت رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر * قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء
__________
(1) تاريخ الطبري ج 1 / 125.
السماء (1) تفرد به من هذا الوجه موقوفا * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له إنه قد نزل ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس.
فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي فلما رجع إليها قال إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وإنك أختي فلا تكذبيني عنده فأنطلق بها فلما ذهب يتناولها أخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك
فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها.
فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمة فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر (2).
وأخرجاه من حديث هشام * ثم قال البزار لا نعلم أسنده عن محمد عن أبي هريرة إلا هشام ورواه غيره موقوفا.
وقال الامام أحمد حدثنا علي بن حفص عن ورقاء هو ابن عمر اليشكري، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله لسارة (انها أختي) قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس قال فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك قال أختي قال فأرسل بها قال فأرسل بها إليه وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنك أختي إن على الارض مؤمن غيري وغيرك فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركض برجله * قال أبو الزناد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة إنها قالت اللهم إن يمت يقال هي قتله قال فأرسل قال: ثم قام إليها قال فقامت تتوضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبي هريرة انها قالت اللهم ان يمت يقل هي قتلته قال فأرسل قال فقال في الثالثة أو الرابعة ما أرسلتم إلي إلا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر قال فرجعت فقالت
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (60 / 8 / 3358 الفتح) ورواه مسلم في صحيحه (43 كتاب - ح 154) ورواه أبو داود في سننه والترمذي وأحمد في مسنده 1 / 281 - 295، 2 / 403، 3 / 244 وأبو داود الطيالسي في مسنده (2711).
ومحمد: هو ابن سيرين.
قال الحافظ ابن حجر: ان ابن سيرين كان غالبا لا يصرح برفع كثير من حديثه.
(2) روى ابن عساكر نحوه في تاريخه 2 / 143، وانظر ما تقدم من تعليق في الحديث الذي قبله.
لابراهيم أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة * تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح * وقد رواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في كلمات ابراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل (1) بها عن دين الله فقال إني سقيم وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي فقوله في الحديث هي أختي أي في دين الله وقوله لها إنه ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبي عليه السلام وقوله لها لما رجعت إليه مهيم معناه ما الخبر فقالت إن الله رد كيد الكافرين.
وفي رواية الفاجر وهو الملك وأخدم جارية وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عزوجل ويسأله أن يدفع عن أهله وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء وهكذا فعلت هي أيضا فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها ودعت الله عزوجل بما تقدم من الدعاء العظيم ولهذا قال تعالى (واستعينوا بالصبر والصلوة) [ البقرة: 45 ] فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام * والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن * ورأيت في بعض الآثار أن الله عزوجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه وكان مشاهدا لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها أحسن منها رضي الله عنها * ولله الحمد والمنة (2).
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم وكان عاملا لاخيه على مصر (3) * ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج (4) بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح.
وذكر ابن هشام في التيجان أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ وكان على مصر نقله السهيلي فالله أعلم.
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن وهي الارض المقدسة التي
__________
(1) ماحل: جادل ودافع.
(2) استغل اليهود هذه الحادثة للطعن على إبراهيم عليه السلام كما طعنوا على لوط وداود عليهما السلام.
(3) ذكره الكامل لابن الاثير: 1 / 101 والطبري في رواية 1 / 151.
(4) في الكامل لابن الاثير: عولج وفي الطبري فكالاصل.
كان فيها ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل وصحبتهم هاجر القبطية المصرية ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الاموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم (1) وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وبشره بأن هذه الارض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الارض * وهذه البشارة اتصلت بهذه الامة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الامة المحمدية * يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله زوي لي الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها " (2).
قالوا ثم أن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ (3) أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شرقي دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة وأظن مقام إبراهيم إنما سمي لانه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين
واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر مولد اسماعيل عليه السلام من هاجر قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة وأن الله بشره بذلك وأنه لما كان لابراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لابراهيم عليه السلام إن الرب قد أحرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقني منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام فحين دخل بها حملت منه قالوا فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فشكت ذلك إلى إبراهيم فقال لها افعلي بها ما شئت فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك فقال لها ملك من الملائكة لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا
__________
(1) في الطبري: 1 / 127: ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع (من أرض فلسطين) على مسيرة يوم وليلة ; وفي رواية أخرى 1 / 151: نزل الاردن.
وبعثه الله نبيا على المدائن الخمس: سدوم، وعمورا، وادموتا، وصاعورا وصابورا (المسعودي 1 / 42) ونزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين / الطبري - الكامل.
(2) أخرجه الطبراني عن سلمان وجابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 6 / 527 عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان وفيه زيادة قال: وأعطيت الكنزين الاحمر والابيض وأني سألت ربي عزوجل لامتي ألا يهلكها بسنة عامة..زوي: جمع.
وسنة: قحط وجدب.
(3) سقط في الكلام ; وفي قصص الانبياء لابن كثير: فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنقذ لوطا عليه السلام واسترجع أمواله..
وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل ويكون وحش الناس يده على الكل ويد الكل به ويملك جميع بلاد إخوته فشكرت الله عزوجل على ذلك.
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي سادت به العرب وملكت جميع البلاد غربا وشرقا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الامم قبلهم وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به وعموم بعثته لجميع أهل
الارض.
ولما رجعت هاجر وضعت اسماعيل عليه السلام قالوا وولدته ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد اسحق بثلاث عشرة سنة * ولما ولد اسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره باسحق من سارة فخر لله ساجدا وقال له قد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته (1) جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما * وأجعله رئيسا لشعب عظيم وهذه أيضا بشارة بهذه الامة العظيمة وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون اثنا عشر أميرا " ثم قال كلمة لم افهمها فسألت أبي ما قال قال " كلهم من قريش " أخرجاه في الصحيحين (2).
وفي رواية لا يزال هذا الامر قائما وفي رواية عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
فهؤلاء منهم الائمة الاربع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا.
ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقا بل لابد من وجودهم وليس المراد الائمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون فان أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وإبنه الحسن بن علي حين ترك القتال وسلم الامر لمعاوية وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحروب بين المسلمين والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الامة في أمر من الامور * وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذاك هوس في الرؤوس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها اسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا فلما تركهما هناك وولي ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا ههنا وليس معنا ما يكفينا فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له، الله أمرك بهذا ؟ قال: نعم.
قالت فإذا لا يضيعنا * وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر أن سارة تغضبت على هاجر فخلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها
__________
(1) كذا في النسخ المطبوعة، ونسخ قصص الانبياء لابن كثير ; ولعله ويمنته وهي أكثر مناسبة للسياق.
(2) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 6 / 519 والبخاري في 93 كتاب الاحكام 51 باب الاستخلاف ومسلم في 33 كتاب الامارة (1) باب الناس تبع لقريش ص 1452.
وأبو داود في أول كتاب المهدي، وأحمد في المسنده 5 / 92.
الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها فتبر قسمها (1) * قال السهيلي فكانت أول من اختنن من النساء وأول من ثقبت أذنها منهن وأول من طولت ذيلها.
ذكر مهاجرة ابراهيم بابنه اسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي ارض مكة وبنائه البيت العتيق قال البخاري قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم اسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها اسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم اسماعيل فقالت يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شئ، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا، قال: نعم.
قالت إذا لا يضيعنا.
ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال (ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) [ ابراهيم: 37 ] وجعلت أم اسماعيل ترضع اسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الارض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا
حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الانسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضا ; فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث.
فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا.
وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف * قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم " أو قال: " لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا " فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت
__________
(1) أورده الطبري في تاريخه 1 / 130 وابن الاثير في الكامل 1 / 103 وفيهما فمن ثم خفص النساء.
مرتفعا من الارض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا " (1) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم اسمعيل عند الماء فقالوا تأذنين لنا أن ننزل عندك، قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم * قال عبد الله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فألقى ذلك أم اسمعيل وهي تحب الانس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (2) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم (3) وماتت أم اسمعيل فجاء ابراهيم بعد ما تزوج اسمعيل يطالع تركته فلم يجد اسمعيل فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا.
ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه * قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء اسمعيل، كأنه آنس شيئا، فقال: هل
جاءكم من أحد ؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة.
قال فهل أوصاك بشئ فقالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك قال ذاك أبي وأمرني أن أفارقك، فالحق بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (4) ولبث عنهم ابراهيم ما شاء الله * ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم ؟ قالت: اللحم قال فما شرابكم قالت: الماء.
قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب (5).
ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه " [ قال: ] فهما لا يخلو عليهما أحد بعين مكة إلا لم يوافقاه (6).
قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء اسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن، قال الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشئ قالت: نعم هو
__________
(1) عائفا: باحثا عن الماء.
(2) أنفسهم: زاحمهم في النفاسة وعلو الهمة.
(3) وهي جداء بنت سعد، امرأة من جرهم وهي التي امره أبوه بتطليقها.
(4) وهي رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وقيل اسمها السيدة.
(5) حب، بكسر الحاء، إناء من فخار يحفظ فيه الماء.
(6) كذا العبارة في الاصول والمعنى وغير مكتمل ; وفي العرائس للثعلبي ما يكتمل به المعنى: " فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت مكة أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا ".
(انظر الكامل لابن الاثير 1 / 104، الطبري 1 / 132).
يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأمرني أن أمسكك * ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك اسمعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه
فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد * ثم قال يا اسمعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل اسمعيل يأتي بالحجارة وابراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني واسمعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم) [ البقرة: 127 ] قال وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) ثم قال حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من ابراهيم وأهله ما كان خرج باسمعيل وأم اسمعيل ومعهم شنة فيها ماء * وذكر تمامه بنحر ما تقدم وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الاسرائيليات * وفيه أن اسمعيل كان رضيعا إذ ذاك * وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده اسمعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره فيكون عمر اسمعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وهذا امتثال لامر الله عزوجل في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " أختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " * تابعه عبد الرحمن بن إسحق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة * وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به * وفي بعض الالفاظ اختتن ابراهيم بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم.
والقدوم هو الآلة وقيل موضع.
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين.
والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اختتن ابراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ".
رواه ابن حبان في صحيحه.
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وانه اسمعيل ولم يذكر في قد مات (1) ابراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج إسمعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد، على ما ذكر إلى حين تزويجه، لا ينظر في حالهم.
وقد ذكر أن الارض كانت تطوى له وقيل: إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة
__________
(1) قد مات: المرات التي قدمها إبراهيم إلى ولده.
* ]
والحاجة الاكيدة * وكأن بعض هذا السياق متلقى من الاسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح وقد دللنا (1) على أن الذبيح هو إسمعيل على الصحيح في سورة الصافات.
قصة الذبيح قال الله تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين.
رب هب لي من الصالحين.
فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين.
فلما أسلما وتله للجبين.
وناديناه ان يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين.
ان هذا لهو البلاء المبين.
وفديناه بذبح عظيم.
وتركنا عليه في الآخرين.
سلام على إبراهيم.
كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين.
وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين.
وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 113 ].
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام لانه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل.
وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لانه أول ولده وبكره وقوله (فلما بلغ معه السعي) أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد (فلما بلغ معه السعي) أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا رئى ابراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده * هذا.
وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا " رؤيا الانبياء وحي " (2) * قاله عبيد بن عمير أيضا وهذا اختبار من الله عزوجل لخليله في أن
يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر وقد طعن في السن بعدما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه، فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا (قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) [ الصافات: 102 ] فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين) * وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى (فلما أسلما وتله للجبين) قيل أسلما أي استسلما لامر الله وعزما على ذلك.
وقيل هذا من المقدم والمؤخر والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه.
قيل أراد أن يذبحه من قفاه
__________
(1) في تفسير ابن كثير ; راجع سورة الصافات.
وسيأتي الحديث عنه في الفصل القادم.
(2) الحديث في البخاري في رواية طويلة (4 / 5 / 138 فتح الباري).
لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.
وقيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقا بالارض ((واسلما) أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت * قال السدي وغيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم.
فعند ذلك نودي من الله عزوجل (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى (إن هذا لهو البلاء المبين) أي الاختبار الظاهر البين وقوله (وفديناه بذبح عظيم) أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير.
قال الثوري
عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا وقال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر (1).
وعن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه (2).
رواه ابن أبي حاتم.
قال مجاهد فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام.
فأما ما روي عن ابن عباس أنه كان وعلا وعن الحسن أنه كان تيسا من الاروى.
واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما * ثم غالب ماههنا من الآثار مأخوذ من الاسرائيليات * وفي القرآن كفاية عما جرى من الامر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدى ذبح عظيم وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا.
قال الامام أحمد، حدثنا سفيان، حدثنا منصور عن خاله نافع (3)، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني إمرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة - إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (4) فخمرهما فانه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يشغل المصلي.
قال: سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (5).
__________
(1) العهن: الصوف.
(2) الخبر في الطبري ج 1 / 141 - 142.
(3) في المسند: مسافح.
(4) تخمرهما: تغطيهما.
(5) الحديث في مسند أحمد ج 4 / 68، 5 / 380.
وفيه: - صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية حدثت عن عائشة وأم حبيبة.
وفي البخاري صرع بسماعها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر الدارقطني ذلك.
(تقريب التهذيب 2 / 603) الكاشف 3 / 429.
وهذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس.
وهذا وحده
دليل على أن الذبيح اسمعيل لانه كان هو المقيم بمكة.
واسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو اسمعيل لانه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين) [ الصافات: 112 [ ومن جعله حالا (1) فقد تكلف، ومستنده أنه إسحق إنما هو اسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما ههنا قطعا لا محيد عنه، فان عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة من المعربة بكره اسحق فلفظة اسحق ههنا مقحمة مكذوبة مفتراة لانه ليس هو الوحيد ولا البكر [ انما ] ذاك اسمعيل.
وإنما حملهم على هذا حسد العرب فإن إسمعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسحق والد يعقوب وهو اسرائيل الذين ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وقد قال بأنه اسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم (2).
وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الاحبار أو صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لاجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه اسمعيل.
وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه اسمعيل وليس باسحق من قوله (فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحق يعقوب) [ هود: 71 ] قال: فكيف تقع البشارة باسحق ؟ وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحق، وهو صغير، قبل أن يولد له، هذا لا يكون لانه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم.
وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله (فبشرناها باسحاق) جملة تامة وقوله (ومن وراء إسحاق يعقوب) جملة أخرى ليست في حيز البشارة.
قال لانه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن
__________
= منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجي المكي، وهو ابن صفية بنت شيبة ثقة.
تقريب التهذيب 2 / 276 قال أبو حاتم: صالح الحديث مات سنة 137 ه (الكاشف ج 3 / 156).
(1) أي من جعل كلمة - نبيا - حال من إسحاق فيكون التبشير به - بإسحاق - تبشيرا بنبوته لا بولادته.
(2) قال القرطبي 15 / 99: واختلف العلماء في المأمور بذبحه ; فقال أكثرهم: الذبيح اسحق.
وممن قال بذلك: العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله - ابن عباس - ابن مسعود - حماد بن زيد - جابر بن عبد الله - عبد الله بن عمر - عمر بن الخطاب - (هؤلاء من الصحابة) ومن التابعين وغيرهم: علقمة الشعبي مجاهد وسعيد بن جبير وكعب الاحبار وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والسدي والزهري ومالك بن أنس.
وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح، وهذا مذهب ثالث.
أما المذهب الثاني ; فهم من قال: انه إسماعيل.
هو بعده عمرو حتى يقال ومن بعده بعمر.
وقال فقوله (ومن وراء إسحق يعقوب) منصوب بفعل مضمر تقديره (ووهبنا لاسحق يعقوب) وفي هذا الذي قاله نظر.
ورجح أنه اسحاق واحتج بقوله (فلما بلغ معه السعي) قال واسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي * وهذا أيضا فيه نظر لانه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الاوقات راكبا البراق إلى مكة يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله أعلم * فمن حكى القول عنه بأنه اسحق كعب الاحبار * وروي عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمر وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط وهو اختيار ابن جرير وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه اسماعيل عليه السلام.
قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس هو اسماعيل عليه السلام وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى اسماعيل وزعمت اليهود أنه اسحق وكذبت اليهود * وقال عبد الله بن الامام احمد عن أبيه هو اسماعيل * وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح فقال الصحيح أنه اسماعيل عليه
السلام.
قال ابن أبي حاتم وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا الذبيح هو اسماعيل عليه السلام * وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمر بن العلاء * قلت وروي عن معاوية (1) وجاء عنه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول لا شك في هذا.
وقال محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، يعني استدلاله بقوله بعد العصمة (2) (فبشرناه باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب) فقال له عمر إن هذا الشئ ما كنت أنظر فيه وإني لاراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه
__________
(1) روى الخبر الحاكم في مستدركه (2 / 551) من طريق عبد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد عن الصنابحي.
قال الذهبي في الرواية: " قلت اسناده واه ".
وعلق عليه ابن كثير في التفسير: هذا حديث غريب جدا.
(2) " بعد العصمة " في النسخ المطبوعة وهو تحريف والصواب: بعد ذكر القصة.
وكان يرى أنه من علمائهم قال فسأله عمر بن عبد العزيز أي ابني ابراهيم أمر بذبحه فقال اسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن اليهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل والذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحق لان إسحق أبوهم * وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
مولد اسحاق
قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين.
وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد كانت البشارة به من الملائكة لابراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه ان شاء الله تعالى قال الله تعالى (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 69 - 73 ] وقال تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون.
قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون.
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين.
قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [ الحجر: 51 - 56 ].
وقال تعالى (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين.
إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون.
فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.
فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم.
فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم.
قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم) [ الذاريات: 24 - 30 ].
يذكر تعالى أن الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل لما وردوا على الخليل حسبهم أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الاكل بالكلية، وذلك لان الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام (فنكرهم) ابراهيم (وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) [ هود: 70 ] أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم وكانت قائمة على رؤس الاضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم فلما ضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى
(فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) أي بشرتها الملائكة بذلك (فأقبلت امرأته في صرة) أي في صرخة (فصكت وجهها) [ الذاريات: 29 ] أي كما يفعل النساء عند التعجب (وقالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا) [ هود: 72 ] أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضا وهذا بعلي - أي زوجي - شيخا تعجبت من وجود ولد والحالة هذه.
ولهذا قالت (إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 72 - 73 ] وكذلك تعجب ابراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها (قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون.
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين) [ الحجر: 55 54 ] أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما (بغلام عليم) [ الحجر: 53 ].
وهو اسحق وأخوه اسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر.
وقال في الآية الاخرى (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو اسماعيل وأن اسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده.
وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ، وهو المشوي (1)، رغيفا من مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن.
وعندهم أنهم أكلوا، وهذا غلط محض * وقيل كانوا يودون (2) أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء.
وعندهم أن الله تعالى قال لابراهيم أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه، فخر ابراهيم على وجهه - يعني ساجدا - وضحك قائلا في نفسه أبعد مائة سنة (3) يولد لي غلام أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة.
وقال ابراهيم لله تعالى ليت إسماعيل يعيش قدامك فقال الله لابراهيم بحقي ان امرأتك سارة تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحق إلى مثل هذا الحين من قابل وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده وقد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكبرته ونميته جدا وكثيرا ويولد له أثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم * وقد تكلمنا على هذا بما
تقدم والله أعلم.
فقوله تعالى (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ثم من بعده بولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده.
ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحق فائدة ولما عين بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله وقال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا) [ الانعام: 84 ] وقال تعالى (فلما اعتزلهم وما
__________
(1) قال الطبري: التحناذ: الانضاج.
(2) كذا في النسخ المطبوعة يودون ; وما في قصص ابن كثير يرون وهو مناسب أكثر.
(3) في المسعودي: عشرين ومائة سنة وفي الطبري 120 سنة.
يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب) [ مريم: 49 ] وهذا ان شاء الله ظاهر قوي ويؤيده ما ثبت في الصحيحين (1) من حديث سليمان بن مهران الاعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع [ في الارض ] (2) أول ؟ قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي ؟ قال: " المسجد الاقصى ".
قلت كم بينهما ؟ قال: " أربعون سنة " قلت: ثم أي ؟ قال: " ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد ".
وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الاقصى وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله * وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو اسرائيل عليه السلام بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود اسحق لان إبراهيم عليه السلام لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الاصنام.
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس من تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم.
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من
شئ في الارض ولا في السماء.
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء.
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) [ ابراهيم: 35 - 41 ].
وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا كما ذكرناه عند قوله (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ الحج: 26 - 27 ] وكما سنورده في قصته فالمراد من ذلك والله أعلم أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.
بناء البيت العتيق قال الله تعالى (وإذ بوءنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود.
وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) [ الحج: 26 - 27 ] وقال تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين.
فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا.
ولله على الناس حج البيت من
__________
(1) في صحيح مسلم (5) كتاب المساجد ح 1 / 520 ص 1 / 370.
والبخاري ح رقم 1589.
(2) من مسلم.
وأول: بضم اللام، وهي ضمة بناء، لقطعه عن الاضافة.
مثل قبل وبعد.
والتقدير أول كل شئ.
استطاع إليه سببلا.
ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) [ آل عمران: 96 - 97 ] وقال تعالى (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن.
قال إني جاعلك للناس اماما.
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين.
واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير.
واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) [ البقرة: 124 - 126 ].
يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الانبياء [ إبراهيم ] عليه أفضل صلاة وتسليم أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه وبوأه الله مكانه أي ارشده إليه ودله عليه * وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله عزوجل.
وقد قدمنا في صفة خلق السموات أن الكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها وكذلك معابد السموات السبع، كما قال بعض السلف إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء وهو فيها كالكعبة لاهل الارض فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتا يكون لاهل الارض كتلك المعابد لملائكة السموات وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السموات والارض كما ثبت في الصحيحين (1): " أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ".
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام * ومن تمسك في هذا بقوله مكان البيت فليس بناهض ولا ظاهر لان المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الانبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم * وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت وأن السفينة طافت به أربعين (2) يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الاخبار عن بني اسرائيل * وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة.
وقد قال الله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) [ آل عمران: 96 ] أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة * قيل مكة وقيل محل الكعبة (فيه آيات بينات) [ آل عمران - 97 ] أي على أنه بناء الخليل والد الانبياء من بعده
__________
(1) مسلم في 15 كتاب الحج 81 - 82 تحريم مكة ح 445 / 1353 ص 2 / 986 من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس.
والبخاري حديث رقم 710.
(2) في الطبري: أسبوعا.
وفي تاريخ مكة للازرقي فكالاصل.
وإمام الحنفاء من ولده (1) الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته ولهذا قال (مقام إبراهيم) أي الحجر الذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء كما تقدم في حديث ابن عباس الطويل.
وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى (2) فأنزل الله (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) [ البقرة: 135 ] وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الاسلام وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة.
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق لبر في حراء ونازل (3) وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذ اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ ابراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة ولهذا قال تعالى (وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) أي في حال قولهما (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) [ البقرة: 128 ] فهما في غاية الاخلاص والطاعة لله عزوجل وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) [ البقره: 128 ].
والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع ودعا لاهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الاشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وآمنا
محتما فاستجاب الله وله الحمد له مسألته ولبى دعوته وأتاه طلبته فقال تعالى (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) [ العنكبوت: 67 ] وقال تعالى (أو لم نمكن لهم حرمنا آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا) [ القصص: 57 ] وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الاولى والاخرى.
وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا وأي رسول ختم به
__________
(1) قال مجاهد في قوله تعالى: (فيه آيات بينات): أثر قدميه في المقام.
(2) رواه البخاري في صحيحه: فتح الباري 8 / 128 وأحمد في مسنده وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 118 ورواه ابن كثير في تفسيره مطولا.
(3) ثور: الجبل الذي فيه الغار، وقال الجوهري: جبل بمكة.
أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعم بدعوته أهل الارض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الاقطار والامصار والاعصار إلى يوم القيامة.
كان هذا من خصائصه من بين سائر الانبياء لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به وشرف بقعته وفصاحة لغته وكمال شفقته على أمته ولطفه ورحمته وكريم محتده (1) وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده ولهذا استحق ابراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني الكعبة لاهل الارض أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات، ورفيع الدرجات، عند البيت المعمور الذي هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه.
ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور، وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت وما ورد في ذلك من الاخبار والآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثم ولله الحمد.
فمن ذلك ما قال السدي لما أمر الله إبراهيم واسماعيل أن يبنيا البيت ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول واتبعاها بالمعاول يحفران، حتى وضعا الاساس، وذلك حين يقول تعالى
(وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت) [ الحج: 26 ] فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال ابراهيم لاسماعيل يا بني اطلب لي [ حجرا حسنا أضعه هاهنا وقال: يا أبت إني كسلان تعب.
قال: على ذلك فانطلق.
وجاءه جبريل بالحجر ] (3) الاسود من الهند وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة (3) وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن.
فقال يا أبتي من جاءك بهذا ؟ قال: جاء به من هو أنشط منك فبنيا وهما يدعوان الله: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجبل (4) وأن ذا القرنين وكان ملك الارض إذ ذاك مر بهما وهما يبنيانه فقال من أمركما بهذا فقال إبراهيم: الله أمرنا به فقال وما يدريني بما تقول فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق.
وذكر الازرقي أنه طاف مع الخليل بالبيت (5).
وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه
__________
(1) محتده: أصله ونسبه.
(2) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة، واستدركناها - كما يقتضي السياق - من قصص الانبياء لابن كثير وفي رواية الازرقي: أن إسماعيل ذهب يطوف في الجبال..وفي رواية أخرى: ان إسماعيل اتاه بحجر فلم يرضه إبراهيم فجاءه جبريل بهذا الحجر.
وعن عبد الله بن عمرو أن جبريل جاء بالحجر من الجنة.
(3) في الاصول النعامة وهو تحريف والصواب الثغامة: وهو نبات أبيض.
(4) في تاريخ مكة: قال قتادة ذكر لنا انه بناه من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا ولبنان والجودي وحرا.
1 / 63.
(5) تاريخ مكة 1 / 74.
اليوم * وفي الصحيحين من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال " ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد ابراهيم " فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد ابراهيم ؟ فقال: " لولا حدثان
قومك " وفي رواية: " لولا أن قومك حديث (1) عهد بجاهلية " - أو قال بكفر - لانفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالارض ولادخلت فيها الحجر " (2) * وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين عنه فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه فأمر بردها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الاحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية كما هو مشاهد إلى اليوم ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين، ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك * ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور، استشار الامام مالك بن أنس، في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة - يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد - فاستقر الامر على ما هي عليه اليوم.
ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله ابراهيم قال الله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما.
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) [ البقرة: 124 ].
ولما وفى ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه وسأل الله أن يكون هذه الامامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام.
وسلمت إليه الامامة بزمام واستثني من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون.
كما قال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب.
وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 27 ] * وقال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين.
وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين.
واسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين.
ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
__________
(1) في البخاري: حديثو.
(2) أخرجه البخاري في 25 / 42 / 1573 فتح الباري وبرواية أخرى في 60 / 10 / 3368 فتح الباري ورواه مسلم في صحيحه 15 / 69 / 1333 ورواه النسائي وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده 6 / 113 - 177 - 247.
مستقيم) [ الانعام: 84 - 87 ] فالضمير في قوله ومن ذريته عائد على إبراهيم على المشهور.
ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبا.
وهذا هو الحامل للقائل الآخر إن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته والله أعلم.
وقال تعالى (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: 26 ] الآية.
فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الانبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته.
وهذه خلعة سنية لا تضاهي ومرتبة عليه لا تباهى.
وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان اسمعيل من هاجر ثم إسحق من سارة وولد لهذا يعقوب وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني اسرائيل وأما اسمعيل عليه السلام فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى ولم يوجد من سلالته من الانبياء سوى خاتمهم على الاطلاق وسيدهم وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطه العقد الفاخرة وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع ويغبطه الاولون والآخرون يوم القيامة.
وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال: " سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم " (1) فمدح ابراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق.
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: " أن أباكما كان يعوذ بهما اسمعيل وإسحق.
أعوذ بكلمات الله التامة.
من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ".
ورواه أهل السنن (1) من حديث منصور به وقال تعالى (وإذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ثم ادعهن يأتينك سعيا.
وأعلم أن الله عزيز حكيم) [ البقرة: 260 ] ذكر المفسرون لهذا السؤال اسبابا بسطناها في التفسير (2).
وقررناها بأتم تقرير * والحاصل أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور واختلفوا في تعينها على أقوال (3) والمقصود
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه 60 / 337110 فتح الباري ; وفي كتاب خلق أفعال العباد بروايات متعددة ; وأحمد في مسنده (2 / 181 - 290 - 375، 5 / 430، 6 / 6) ورواه الترمذي وأبو داود والدارمي ومالك في الموطأ.
(2) راجع تفسير ابن كثير الجزء الاول.
تفسير سورة البقرة.
(3) قال ابن إسحاق هي: الديك والطاووس والحمام والغراب وقال ابن عباس: الكركي والنسر بدل الحمام والغراب.
حاصل على كل تقدير فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه وكل ريشة تأتي إلى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشئ كن فيكون فآتين إليه سعيا ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا * ويقال إنه أمر أن يأخذ رؤوسهن في يده فجعل كل طائر يأتي فيلقي رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله إلا الله، وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله * وقال تعالى (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده أفلا تعقلون.
ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم
به علم.
فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين.
إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) [ ال عمران: 65 - 68 ] ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله ((وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده) أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ولهذا قال (أفلا تعقلون) إلى أن قال (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين).
فبين أنه كان على دين الله الحنيف وهو القصد إلى الاخلاص، والانحراف وعمدا عن الباطل، إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية.
كما قال تعالى (ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين.
ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي.
قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم واسمعيل واسحق إلها واحدا
__________
(1) اختلف الناس في سؤال إبراهيم ربه (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.
) هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ; وقال الحسن: سأله ليزداد يقينا إلى يقينه.
والشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لاحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن إبراهيم ; والمتأمل سؤاله وسائر الفاظ الآية ; فالاستفهام بكيف إنما هو عن حالة شئ موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، فإنما السؤال عن حال من أحواله.
وكيف هنا إنما هي استفهام عن هيئة الاحياء، والاحياء متقرر.
قال الرازي: انه إنما سأل ذلك لقومه، والمقصود أن يشاهده فيزول الانكار عن قلوبهم.
(التفسير الكبير للرازي - القرطبي أحكام القرطبي في تفسير سورة البقرة).
ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد أهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم.
صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون.
قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون.
أم يقولون إن ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [ البقرة: 130 - 140 ].
فنزه الله عزوجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا وبين أنه إنما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين ولهذا قال تعالى (إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه) [ آل عمران: 68 ].
يعني الذين كانوا على ملته من اتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم (وهذا النبي) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرعه للخليل وكمله الله تعالى له وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله.
كما قال تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [ الانعام: 161 - 163 ] وقال تعالى (إن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين.
شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.
وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين.
ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) [ النحل: 120 - 123 ].
وقال البخاري حدثنا ابراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسمعيل بإيديهما الازلام فقال قاتلهم الله والله إن (1) يستقسما بالازلام قط (2) لم يخرجه
مسلم * وفي بعض ألفاظ البخاري قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط (3).
فقوله (أمة) أي قدوة إماما مهتديا داعيا إلى الخير يقتدى به فيه (قانتا لله) أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته (حنيفا) أي مخلصا على بصيرة (ولم يك من المشركين.
شاكرا
__________
(1) أي لم يستقسما بالازلام قط، وإن هنا نافية.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 / 8 / 3352 فتح الباري، وأخرجه أبو داود في سننه (1 / 467 حلبي) وفيه: ما استقسما بها قط.
وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 334 - 365.
(3) في الصحيح 25 / 54 / 1601 فتح الباري عن ابن عباس وفيه: لم يستقسما بها قط. =
==============ج333333333333========================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
ج3. كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
لانعمه) أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله (اجتباه) أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة وقال تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا) [ النساء: 125 ].
يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم.
وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال (وابراهيم الذي وفى) [ النجم - 27 ] ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم.
قد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا وهكذا نال هذه المنزلة (1) خاتم الانبياء وسيد الرسل (2) محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ".
وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله " (3).
أخرجاه من حديث أبي سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلى
بهم الصبح فقرأ: واتخذ الله إبراهيم خليلا.
فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا اسمعيل بن أحمد ابن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما.
وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله.
فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى كليمه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك.
ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي
__________
(1) وفي نسخة: المرتبة.
(2) وفي نسخة: المرسلين.
(3) أخرجه البخاري في 63 / 45 / 1904 فتح الباري و 62 / 5 / 3656 في رواية طويلة والدارمي في سننه، وابن ماجة في سننه مقدمه 11 / 93، وأحمد في مسنده 1 / 270 - 359، 3 / 18 - 478، 4 / 4 - 5، 5 / 212.
وأخرجه الترمذي ومسلم في 44 / 1 / 2 / 7.
فقراء المؤمنين وأنا أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر " * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم (1) * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد المسلمي، حدثنا الوليد، عن اسحاق بن بشار (2) قال: لما اتخذ الله ابراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء، وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم
عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد احدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال: من هو فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت ! قال: أنا، قال: نعم قال: فبم اتخذني ربي خليلا قال بأنك تعطي الناس ولا تسألهم.
رواه ابن أبي حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين (3) موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتي الاحزاب والشورى وهما قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقوله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه) [ الشورى: 13 ] الآية.
ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمير عن أنس في حديث الاسراء من أن ابراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الاول.
__________
(1) أخرج القسم الاخير منه البيهقي بروايات مختلفة راجع دلائل النبوة ج 5 / 478 وما بعدها.
(2) بشار تحريف والصواب يسار.
(3) ذكر اسم إبراهيم في القرآن في: البقرة: 124 - 125 - 126 - 127 - 130 - 132 - 133 - 135 - 136 - 140 - 258 - 260، وآل عمران: 33 - 35 - 67 - 68 - 84 - 95 - 97، النساء: 54 - 125 - 163، الانعام: 74 - 75 - 83 - 151، التوبة: 70 - 114، هود: 69 - 74 - 75 - 83 - 151، يوسف: 6 - 38، ابراهيم: 36، الحجر: 51، النحل: 120 - 123 -، مريم: 41 - 46 - 58، الانبياء: 51 - 60 -
62 - 69.
الحج: 26 - 43 - 78.
الشعراء: 69، العنكبوت: 16 - 31، الاحزاب: 7، الصافات: 83 - 104 - 109 ص: 45، الشورى: 13، الزخرف: 26، الذاريات: 24، النجم: 37، الحديد: 26، الممتحنة: 4، الاعلى: 19.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سملة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم خليل الرحمن ".
تفرد به احمد (1).
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم " رواه مسلم (2) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ثم ذكر إستشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم ابراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها أنا لها " الحديث.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله، حدثني سعيد (3) عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يارسول الله من أكرم (4) الناس ؟ قال: " أتقاهم ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فعن معادن (5) العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا " (6) وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر أربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم
يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم خليل الله ".
تفرد به أحمد * وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 322.
وأخرج بنحوه البخاري 6 / 19 / 3290 وأحمد من رواية ابن عمر 2 / 96.
(2) أخرجه مسلم في 6 / 48 / 273 من حديث طويل ج 1 / 561 - 562.
وأخرجه أحمد في مسنده ج 5 / 127 - 129.
(3) في البخاري:.
حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، وعبيدالله هو - بن سعيد.
(4) أكرم الناس: قال العلماء: أصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الاخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب وكونه نبيا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين ; وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه وسياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة.
(5) معادن العرب: أصولها.
(6) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (60) - باب 14 ح 3374.
ومسلم في 43 / كتاب الفضائل - 43 باب ح 168 / 2378 ص 4 / 1846.
ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن اسحق بن ابراهيم ".
تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " (1) ثم قرأ (كما بدأنا أول خلق نعيده) [ الانبياء: 104 ] فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والاخرون * وأما الحديث الآخر الذي قال الامام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية
فقال: " ذاك ابراهيم " (2) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء " وقال: " لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ " * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم (3) وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم ".
ولما كان ابراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا يارسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك " قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد " وقال تعالى (وإبراهيم الذي وفى) [ النجم: 37 ] قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن) [ البقرة: 124 ]
__________
(1) أخرجه البخاري في 60 كتاب المناقب باب (8) ح 3349 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 51 / 14 / 58 ورواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده ج 5 / 3 والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي.
(2) أخرجه مسلم في 43 كتاب الفضائل 41 / 150 وأبو داود في سننه وأحمد في مسنده ج 3 / 178 - 184.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
(4) مسلم في 4 كتاب الصلاة 17 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 66 / 406 ص 1 / 305 والحديث في البخاري رقم 1591.
قال إبتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الاظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبي حاتم * وقال وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك قلت: وفي الصحيحين (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " وفي صحيح مسلم (2) وأهل السنن من حديث وكيع عن ذكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي عن طلق بن حبيب العتري عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك وإستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم (3) ونتف الابط وحلق العانة وإنتقاص الماء " - يعني الاستنجاء - وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عزوجل وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (4) أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم (وإبراهيم الذي وفى).
قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي، ومحمد بن موسى القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة قصرا أحسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا ".
قال البزار وحدثناه أحمد بن جميل المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا.
قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط
الصحيح.
ولم يخرجوه.
__________
(1) مسلم في صحيحه 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة ح 50 ص 1 / 222.
وفي البخاري ح رقم 2291 ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده.
(2) في 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة حديث 56 / 261 ص 1 / 223.
(3) البراجم: جمع برجمة وهي عقد الاصابع ومفاصلها كلها.
(4) قلح: صفرة الاسنان وسوادها.
صفة ابراهيم عليه السلام قال الامام أحمد حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض علي الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت ابراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية.
تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ (1) * وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا اسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى ابن مريم وموسى وابراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر - وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا له فابراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعني نفسه * وقال البخاري حدثنا بنان (2) بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و (ك ف ر) فقال لم اسمعه ولكنه قال صلى الله عليه وسلم: " أما ابراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل احمر مخطوم بخلبه كأني انظر إليه انحدر في الوادي ".
ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به * وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به.
وفاة ابراهيم وما قيل في عمره
ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذي يقال انه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم * وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا.
وذكروا أن طلع نجم اخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود.
فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه.
فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وانبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى (3) وتقدم عن ابن عباس أنه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 324 ومسلم في صحيحه 1 / 74 / 271 وفيه زيادة: ورأيت جبرائيل عليه السلام فإذا أقرب ما رأيت به شبها دحية.
وقبله..رأيت إبراهيم..شبها بصاحبكم (يعني نفسه).
(2) في البخاري: بيان بن عمرو.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
ولد ببرزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران ثم إلى أرض الشام وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا وولد له إسماعيل واسحق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها ابراهيم عليه السلام ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه اسحق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الابل قالوا ثم تزوج ابراهيم عليه السلام قنطورا (1) فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح (2).
وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.
وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم
بصحتها * وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.
قالوا ثم مرض إبراهيم عليه السلام ومات عن مائة وخمس وسبعين * وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي عند إمرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي وتولى دفنه اسمعيل واسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي.
(3) سنة كما قاله ابن الكلبي وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن ابراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة " (4) وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفا.
ثم قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد نيست (5) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتت عليه ثمانون سنة.
ثم روى ابن حبان عن
__________
(1) قطورا بنت يقطن من الكنعانيين ابن الاثير في الكامل والطبري في تاريخه.
وقيل تزوج بعدها حجورا بنت أهير.
(2) ذكر المسعودي 1 / 43 الاسماء كالتالي: مرق - نفس - مدن - مدين - سنان وسرح.
وفي الطبري: يقسان، زمران مديان، يسبق، سوح، بسر.
(3) في الكامل وتاريخ الطبري: مائتي سنة - وعند المسعودي: مائة وخمس وتسعين.
(4) رواه ابن عساكر في تاريخه ج 2 / 149 تهذيب.
(5) هكذا في الاصول ; ولم أجد فيما لدي من مراجع من تسمى من الرجال بهذا الاسم، وقد ورد محمد بن عبد الله بن نمير ممن روى عن قتيبة ولم يعرف غيره.
عبد الرزاق أنه قال القدوم اسم القرية.
قلت الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة * وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم * وقال محمد بن اسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم.
وقال مالك (1) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أول من أضاف (2) الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه (3) وأول الناس رأى الشيب، فقال يا رب ما هذا ؟ فقال الله [ تبارك وتعالى ] " وقار [ يا ابراهيم ] " فقال يا رب زدني وقارا.
وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل * فقبره وقبر ولده اسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد " حبرون " وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بني اسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا.
فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها * وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال وجد عند قبر ابراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة.
الهي جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخر * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أول من ولد له: اسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين (4) فولدت له خمسة كيسان
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ - باب ما جاء في السنة في الفطرة ح 1667 / ص 510.
(2) عند مالك: أول الناس ضيف الضيف.
(3) عند مالك: الشارب.
(4) في الكامل لابن الاثير: حجون بنت أهير.
وسورج واميم ولوطان ونافس * وهكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام ".
ومما وقع في حياة ابراهيم خليل من الامور العظيمة، قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة الغميمة (1) وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكأن أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك من خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الاعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
ما سبقكم بها أحد من العالمين.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون.
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون.
فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [ الاعراف: 80 - 84 ].
وقال تعالى في سورة هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحاق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك.
وإنهم آتاهم عذاب غير مردود.
ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
وجاءه قومه يهرعون إليه.
ومن قبل كانوا يعملون السيئات.
قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.
قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن
__________
(1) وفي نسخة العميمة ; أي الشاملة.
شديد.
قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا إمرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 69 - 83 ].
وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم
تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين.
إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين.
فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون.
قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون.
فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
وجاء أهل المدينة يستبشرون.
قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أولم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين.
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون.
فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم.
إن في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 51 - 77 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 160 - 175 ].
وقال تعالي في سورة النمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ النمل: 54 - 58 ].
وقال تعالي في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون
الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب
الله إن كنت من الصادقين.
قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية * إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين * ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 28 - 35 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين.
الا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * إنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 133 - 137 ] وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم (قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين.
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين.
وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 31 - 38 ].
وقال في سورة الانشقاق (كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر.
نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *) [ القمر: 33 - 40 ].
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها (1) مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن ايراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من
الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعو (2) عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم [ واستضعفوه وكثروا منه ] (3) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا (أخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون) [ النمل: 56 ] فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته وأخرجهم منها أحسن اخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في
__________
(1) غير ما تقدم ذكر اسم لوط في: الانعام 86، الانبياء: 71 - 74، الحج: 43، الصافات: 133 ص: 13، ق: 12، التحريم: 10.
(2) وفي نسخة: ولم يرعووا.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ ارتكاب ] (1) الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا (2) * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرقيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) [ العنكبوت: 29 ] فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث
رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل ابراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الامر الجسيم والخطب العميم (قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا انا ارسلنا إلى قوم مجرمين.
لنرسل عليهم حجارة من طين.
مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 31 - 34 ] وقال (ولما جائت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين.
قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين) [ العنكبوت: 31 - 34 ] وقال الله تعالى (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [ هود: 74 ].
وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا.
ولهذا قال تعالى (إن ابراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) [ هود: 75 ] أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به، من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن اسحاق أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن اسحق إلى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: من العالمين.
عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى (وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان
اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن اسحق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق أمامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم: فيما قال [ والله ] (1) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حيت كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لاهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت (2) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك (3) فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [ هود: 77 ] أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) [ هود: 78 ] يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لان النبي للامة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [ الاخزاب: 6 ] وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم.
وهذا كقوله (أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) [ الشعراء: 165 - 166 ]
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحق
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) وفي نسخة: شفقة عليهم ; وفي الكامل: خافت عليهم.
(3) في الكامل: أدرك.
وهو الصواب.
والقول الاخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا إثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) [ هود: 78 ] نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء.
فجرة أقوياء.
كفرة أغبياء.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد.
مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما تريد) [ هود: 79 ] يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يالوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا [ من غير النساء ] (1).
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم.
ذي العذاب الاليم.
ولهذا قال عليه السلام (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [ هود: 80 ] ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من ابراهيم، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي " (2) ورواه أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة * وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (يعني الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " (3).
وقال تعالى
(وجاء أهل المدينة يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أو لم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين) [ الحجر: 67 - 71 ] فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم (4) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون.
ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون.
وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [ الحجر: 72 ] وقال تعالى (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر.
ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) [ القمر - 36 - 38 ] ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 كتاب المناقب باب 11 ح 3372 فتح الباري وروى ابن ماجة نحوه ورواه أحمد في مسنده 2 / 326 - 332 - 350.
(3) انظر الدر المنثور ج 2 / 185.
(4) هكذا في الاصول وفي نسخة من قصص الانبياء لابن كثير: كلما نهاهم.
يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال ] (1): لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لاحللت.
بكم النكال * قالت الملائكة (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) [ هود: 81 ] وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان.
ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بأن يسري هو
وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم * وقوله (إلا امرأتك) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها.
ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك.
أي فانها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم.
ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الاول أظهر في المعنى والله أعلم.
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة.
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [ هود: 81 ] فلما خرج لوط عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن إمرأته خرجت معه فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد.
ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد * وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غورزغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 82 - 83 ] قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن وكن سبع مدن (2) بمن فيهن من الامم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة.
قيل أربعة آلاف (3) نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في الطبري والكامل والمسعودي: خمس قرى، ذكر المسعودي المدائن الخمس وهي: سدوم، عمورا، وادموتا، وصاعورا، وصابورا.
(3) وفي نسخة: أربعة آلاف ألف نسمة.
والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شر فاتها (وأمطرة عليهم حجارة من سجيل) [ الحجر: 74 ] والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال (مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 34 ] وكما قال تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ الشعراء: 173 ] وقال تعالى (والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى) [ النجم: 53 - 54 يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها * ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ] أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه.
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما.
فإن الله لا يقدر على نبي آن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط * ومن قال خلاف هذا فقد اخطأ خطأ كبيرا.
قال الله تعالى في قصة الافك: لما انزل براءة ام المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول اله صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [ النور: 15 - 16 ] أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة * وقوله ههنا (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما
هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (1) وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 2 / 468 والترمذي في سننه 15 / 24 / 1456 وابن ماجة.
وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: لينه ابن معين، وقال أحمد: ما به بأس.
وقال أبو داود: ليس بالقوي.
وفي تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم 2 / 75 / 642.
لقوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد).
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينفع بمائها ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها لردائتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه.
ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات.
وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى (ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: * - 9 ] وقال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم.
ان في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 73 - 77 ] أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامرة.
هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين).
وقوله (وانها لبسبيل مقيم) [ الحجر: 76 ] أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 137 ] وقال تعالى (ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 35 ] وقال تعالى (فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 35 - 37 ] أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم: فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به عزوجل ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال.
والجواري من السراري ذوات الجمال.
وإياه أن يتبع كل شيطان مريد.
فيحق عليه الوعيد.
ويدخل في قوله تعالى (وما هي من الظالمين ببعيد).
__________
(1) سنن الترمذي 48 / 16 / 3127 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، وقال في المتوسمين.
المتفرسين.
ورواه ابن حجر في لسان الميزان (5 / 1154) والقرطبي في أحكامه (1 / 43) ورواه الاصفهاني في حلية الاولياء 4 / 94 والسيوطي في الدر المنثور 4 / 103 والذهبي في الطب النبوي ص 112.
والطبراني في المعجم الكبير 8 / 121.
قصة مدين قوم شعيب عليه السلام (1) قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم فاوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين.
ولا تقعدوا بكل صراط توعدون.
وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.
وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة
لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد أفترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما.
على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين.
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 83 - 95 ].
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.
وما أنا عليكم بحفيظ.
قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
إنك لانت الحليم الرشيد.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد.
واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.
قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز.
قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط.
ويا قوم اعملوا على
__________
(1) ذكر شعيب في القرآن في: الاعراف: 85 - 88 - 90 - 92 وفي سورة هود: 84 - 87 - 90 - 95، وفي الشعراء: 177 وفي العنبكوت: 36.
مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 84 - 95 ].
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا.
(وإن كان أصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبامام مبين) [ الحجر: 78 - 79 ] وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم (كذب أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول امين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم.
ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الاولين.
قالوا انما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين.
فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال ربي أعلم بما تعملون.
فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 176 - 191 ].
كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية (1) من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط.
وكانوا بعدهم بمدة قريبة.
ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة (2) وهم من بني مدين بن مديان بن إبرهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (3) بن يشجن ذكره ابن اسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (4) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن ابراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (5) بن ثابت بن مدين بن ابراهيم وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام.
ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي [ انه ]: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة فقال: " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم
__________
(1) وفي نسخة قريبة ; وهو الصواب.
(2) وفي نسخة أخرى: مدينة عرفت بها القبيلة ; وهو الصواب.
(3) في الطبري 1 / 167: ميكائيل.
(4) في الطبري: يثرون.
(5) في الطبري: بن صيفون بن عنقا.
شعيب وأختان (1) موسى ".
فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من (2) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فإن هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمي شعيبا خطيب الانبياء يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته * وقد روى ابن اسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء " وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الايكة وهي شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد وهو الولي الحميد.
كما قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا.
قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم) [ الشعراء: 85 ] أي دلالة وحجة
واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وإنه أرسلني وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها) [ الاعراف: 85 ] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط) [ الاعراف: 86 ] أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال اسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعني يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك (وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا) [ الاعراف: 86 ] فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الاخرى (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم
__________
(1) أختان موسى: أصهار موسى.
وفي الاستيعاب: وأحبار موسى.
(2) وفي نسخة: صهر موسى.
محيط) [ هود: 84 ] أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق (1) الله بركة ما في أيديكم (2) ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة.
فنهاهم أولا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الاليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف.
ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) [ هود: 86 ] قال
ابن عباس والحسن البصري (بقيت الله خير لكم) أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الريح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف.
قال وقد روي هذا عن ابن عباس وهذا الذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبتك كثرة الخبيث) [ المائدة: 100 ] يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فإن الحلال مبارك وإن قل والحرام ممحوق وإن كثر كما قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [ البقرة: 276 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل " رواه أحمد (3) أي إلى قلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل والحرام لا يجدي وإن كثر ولهذا قال نبي الله شعيب (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) وقوله (وما أنا عليكم بحفيظ) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لاراكم أنا وغيري (قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 78 ] يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ونترك ما يعبد أباؤنا الاقدمون وأسلافنا الاولون (5) ؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟، (انك لانت الحليم الرشيد) قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
(قال يا قوم أر أيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما
__________
(1) يمحق: يمحي.
(2) وفي نسخة: ما بأيديكم.
(3) مسند أحمد ج 1 / 395 و 424.
(4) ورواه الحاكم في المستدرك 2 / 37، 4 / 317، وصححه ووافقه الذهبي، وابن ماجة في سننه رقم 2279.
وأحمد في مسنده ج 2 / 183.
(5) رواه مسلم في 21 / 43 / 47 والبخاري في 34 / 19 - 42 - 43 فتح الباري وأحمد في مسنده 3 / 402 - 403 - 434 ورواه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي.
ورواه مالك في الموطأ.
أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [ هود: 88 ] هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم: " أرأيتم " أيها المكذبون (ان كنت على بينة من ربي) أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم (ورزقني منه رزقا حسنا) يعني النبوة والرسالة يعني وعمى عليكم معرفتها فأي حيلة لي بكم.
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) أي لست آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول من يتركه وهذه في الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بني اسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [ البقرة: 44 ] وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى النار فتندلق أقتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى.
كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " * وهذه صفة مخالفي الانبياء من الفجار والاشقياء فأما السادة من النجباء والالباء من العلماء، والذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت) أي ما أريد في جميع أمري إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي (وما توفيقي) أي في جميع أحوالي (إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب) أي عليه أتوكل في سائر الامور واليه مرجعي ومصيري في كل أمري وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
[ هود: 89 ] أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله (وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان.
وقيل في الصفات والافعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الاقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) [ هود: 90 ] أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما نقول وإنا لنراك فينا ضعيفا) [ هود: 91 ] روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا كان ضرير
البصر * وقد روي في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمي فرد الله عليه بصره.
وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك إلى الجنة فقال: بل من محنتك فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي فأوحى الله إليه هنيئا لك يا شعيب لقاني فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار عن أبي عبد الله محمد بن اسحق التربلي (1)، عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أمين (2)، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [ هود: 91 ] وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا (ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهمه ولا نتعقله لانا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا
عاملون) [ فصلت: 5 ] وقولهم (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي مضطهدا مهجورا (ولولا رهطك) أي قبيلتك وعشيرتك فينا (لرجمناك وما أنت علينا بعزيز).
(قال يا قوم ارهطي أعز عليكم من الله) [ هود: 92 ] أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم، ولا تخافون جنبة (3) الله ولا تراعوني لاني رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي جانب الله وراء ظهوركم (إن ربي بما تعملون محيط) [ هود: 92 ] أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
(ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا اني معكم رقيب) [ هود: 93 ] وهذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.
ومن يحل عليه الهلاك والبوار (من يأتيه عذاب يخزيه) أي في هذه الحياة الدنيا (ويحل عليه عذاب مقيم) أي في الاخرى (ومن هو كاذب) أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر (وارتقبوا اني معكم رقيب) وهذا كقوله (وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي ارسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) [ الاعراف: 87 ] (قال الملا (4) الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها الا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [ الاعراف:
__________
(1) وفي نسخه الرملي.
(2) ابن امين تحريف، وفي نسخة ابن أوس.
(3) وفي نسخة: عذاب الله.
(4) الملا: أشراف القوم وسادتهم وكبراؤهم.
88 - 89 ] طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه
فقال: (أو لو كنا كارهين) أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وإنما يعودون إليه إن عادوا اضطرارا مكرهين، وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لاحد منه.
ولهذا قال (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا) أي فهو كافينا وهو العاصم لنا وإليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) أي الحاكمين، فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ورسوله خالفوه.
ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون (وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 90 ] قال الله تعالى: (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) [ الاعراف: 91 ] ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات وظلة أرسل عيلهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الاعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) فقابل الارجاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لانهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص (أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 87 ] فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا
الرسول الكريم الامين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة اسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة.
وكان إجابة لما طلبوا.
وتقريبا إلى ما إليه رغبوا.
فإنهم قالوا (إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال رب أعلم بما تعملون) [ الشعراء: 185 - 188 ] قال الله تعالى (وهو السميع العليم فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 189 ] ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: (كذب
أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب) ولم يقل أخوهم كما قال: (وإلى مدين أخاهم شعيبا).
والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الاول أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: (كذب أصحاب الايكة المرسلين) لانه وصفهم بعبادة الايكة فلا يناسب ذكر الاخوة ههنا ولما نسبهم إلى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما إحتجاجهم بيوم الظلة فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيأ من هذا الشأن * فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي عليه السلام ".
فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني اسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من
الخطاب.
وقوله (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الاسراب فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليسظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح.
(فاصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 91 - 92 ].
(ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين)، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 94 - 95 ].
وقال تعالى (وقال الملا من قومه لئن إتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 90 - 92 ].
وهذا في مقابلة قولهم (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 93 ] ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 93 ] أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم) أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح
الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه فلم ينفعكم ذلك لان الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون إليه ولا تلتفون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لاحد أريد به عنه ولا مناص منه.
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام.
وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.
باب ذرية ابراهيم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم وما آل إليه أمره عليه السلام والتحية والاكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط.
وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها إقتداء بالقرآن العظيم * ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية ابراهيم عليه السلام لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده.
اسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر ابراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل * ومن قال إن الذبيح هو إسحق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل * فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر * وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة * وإنما ولد اسحق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة * أما في الصورة فلانه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه.
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل فهذا هو الولد
الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر وأين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه
ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل * وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والامر بها لاهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب * قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى.
قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [ الصافات: 101 - 102 ] فطاوع أباه على ما إليه دعاه.
ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) [ مريم: 54 - 55 ] وقال تعالى (واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص: 45 - 48 ] وقال تعالى (واسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ النساء: 163 ] الآية.
وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] الآية.
ونظيرتها من السورة الاخرى.
وقال تعالى (أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) [ البقرة: 140 ] الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها.
وقد قال سعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث
أبيكم اسماعيل " وكانت هذه العراب وحشا (2) فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الاموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة " فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها * قال الاموي هي
__________
(1) وفي نسخة: بالعلم.
(2) وفي نسخة: وحوشا.
عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي * ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وقيل هذه ثالثة فولدت له إثني عشر ولدا ذكرا.
وقد سماهم محمد بن اسحق رحمه الله وهم نابت وقيذر (1) وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصاوارر ويطور ونبش وطيما وقيذما * وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم.
وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم.
وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه * ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه اسحق وزوج ابنته نسمة (2) من ابن أخيه العيص بن اسحق فولدت له الروم.
ويقال لهم بنو الاصفر لصفرة كانت في العيص * وولدت له اليونان في أحد الاقوال * ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا * وتوقف ابن جرير رحمه الله.
ودفن اسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة * وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال شكى اسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه تجري عليك روحها إلى يوم
القيامة وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار * وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن اسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم * وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم انبيائهم ومحقق أنبائهم * ثم نذكر ما كان في زمن بني اسرائيل * ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الامم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
اسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة (3) بعد أخيه اسماعيل بأربع عشر سنة.
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين (4) سنة قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى
__________
(1) قال الطبري: وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الالفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي ادبيل ادبال وفي ميشا ميشام.
وانظر التعليق حول هذا الموضوع في أخبار العرب ; الجزء الثاني من البداية والنهاية.
(2) في الطبري: بسمة.
(3) في الطبري والكامل: مائة وعشرين سنة.
(4) في الكامل لابن الاثير: سبعون سنة.
اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز * وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ابراهيم ".
وذكر أهل الكتاب أن إسحق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت
عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو وهو الذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم * والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو اسرائيل الذي ينتسب إليه بنو اسرائيل قالوا وكان إسحق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكره وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لانه الاصغر قالوا فلما كبر إسحق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغي ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه إليه قال من أنت قال ولدك فضمه إليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس (1) والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه فقال له ما هذا يا بني قال هذا الطعام الذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وأن يجعل لذريته عليظ الارض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته.
وقالت لزوجها إسحق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم (2) فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الارض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا
الموضع معبد الله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر
__________
(1) في الطبري: المس.
(2) في الطبري: فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل
فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمي ذلك الموضع بين إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما.
وأجملهما [ فطلب يعقوب الصغرى من خاله ] (1) فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لا بان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف إليه ليلا ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر.
فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لم غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان احببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها فعمل سبع سنين وادخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة * وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته لانه معصوم * ووهب لابان لكل واحدة من إبنتيه جارية فوهب لليا جارية إسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى * وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالي فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب عليه السلام فولدت له جاد (2) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (3) * ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب * ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله ندائها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما (4) عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض
حران (5) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله اني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع (6) وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح (7) ببياض وكل أجلح (8) أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من الطبري وقصص الانبياء لابن كثير.
(2) كذا في الاصل وفي رواية للطبري ; وفي رواية أخرى عنده سماه: حادر.
(3) في الطبري: يسحر.
(4) في الطبري: ولدت راحيل ليعقوب بعد اليأس يوسف وأخاه بنيامين، وفي رواية أخرى عنده ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين.
(5) في الطبري: بأرض بابل.
(6) أبقع: ما فيه بقع بيض وسود.
(7) الاملح: ما يخالط بياضه سواد.
(8) اجلح: ما لا قرن له.
من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقي الغنم من المياه لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل (1) أصنام أبيها فلما جاوزوا
وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وامائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم وأعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين إلى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك ودعا الله عزوجل وصلى الله وتضرع إليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لاخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذا الذي بعده ويقول كل منهم وهو جائي بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا اسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما أسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل
__________
(1) في الطبري: فقالت امرأة يعقوب، ولم يذكر اسمها، وعلى الارجح فيما رواه الطبري انها ليا ; لانه اعتبر في نفس الرواية ان راحيل قد ماتت.
1 / 165.
بنو اسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة رجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم إليه وأحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوا به ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله اسرائيل وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه * وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا.
وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وأخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فإنا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذ قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل (1) فولدت غلاما وهو بنيامين إلا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم * وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون
ولاوى ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين (2) ومن أمة راحيل دان ونفتالي ومن أمة ليا حاد واشير عليهم السلام وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن ابراهيم ثم مرض اسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه ابناه العيص ويعقوب مع أبيه ابراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا.
__________
(1) في رواية الطبري ان راحيل قد ولدت بنيامين وهم في ديار أبيها قبل خروجهم إلى أرض فلسطين.
راجع التعليق قبل قليل.
(2) زاد ابن قتيبة في المعارف: وأخوات لهما، ولم يذكر اسماءهن.
ما وقع من الامور العجيبة في حياة اسرائيل فمن ذلك قصة يوسف (1) بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 1 - 3 ] قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر ههنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي انزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلي يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان.
بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين
حكما (2) وأعدل حكما.
فهو كما قال تعالى (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) [ الانعام: 115 ].
يعني صدقا في الاخبار، عدلا في الاوامر والنواهي ولهذا قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 3 ] أي بالنسبة إلى ما أوحى اليك فيه كما قال تعالى (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور) [ الشورى: 52 - 53 ].
وقال تعالى (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق.
وقد آتيناك من لدنا ذكرا.
من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا.
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) [ طه: 99 - 101 ] يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي مرفوعا وموقوفا
__________
(1) ذكر اسم يوسف في 26 آية من الكتاب الكريم: 24 آية في سورة يوسف وآية في الانعام (84) وآية في غافر (34) وقد ذكرت قصته مطولة في سورة يوسف.
وقال النسفي في سبب نزول هذه السورة: ان كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم اليهود: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف.
فنزلت.
(2) وفي نسخة: حكمة.
" من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ".
وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد (1) عن الشعبي عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال: " أتتهوكون (2) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (3) إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم
موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الامم وأنا حظكم من النبيين " (4) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف.
وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون.
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا (إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين.
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم) [ يوسف: 4 - 6 ] قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله (قالوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] وزعم أن هؤلاء هم الاسباط فليس استدلاله بقوي (5) لان المراد بالاسباط شعوب بني اسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم.
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا: عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن
__________
(1) في المسند: عن هشيم عن مجالد.
(2) في المسند: أمتهوكون ; والتهوك: التحير.
(3) مسند أحمد: ج 3 / 388.
(4) مسند أحمد: ج 3 / 471.
(5) وفي نسخة: بالقوي.
ابراهيم " (1) " انفرد به البخاري ; فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة بن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنه * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن (أحد عشر كوكبا) وهم اشارة إلى بقية اخوته (والشمس والقمر) وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود "، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا وهو غلط منهم (وكذلك يجتبيك ربك) أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها (يجتبيك ربك) أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة (ويعلمك من تأويل الاحاديث) أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك (ويتم نعمته عليك) أي بالوحي إليك (وعلى آل يعقوب) آي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة (كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم وإسحق) أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحق ووالد جدك إبراهيم الخليل (إن ربك عليم حكيم) كما قال تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أكرم قال: " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " (2) وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير (3) وقد ضعفه الائمة - عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال: يا محمد أخبرني عن
الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها.
قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها قال فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان والطارق.
والديال وذو الكتفان.
وقابس.
ووثاب.
وعمردان (4) والفيلق.
والمصبح.
والضروح.
وذو الفرع.
والضياء.
والنور " فقال اليهودي أي والله إنها لاسماؤها.
وعند أبي يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه.
(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين.
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم تخريجه فليراجع.
(3) الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد وكنية أبيه أبو ليلى ; متروك.
اتهمه ابن معين تقريب التهذيب 1 / 485 / 191.
(4) في نسخة: عمودان.
منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين.
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين.
قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين) [ يوسف: - 10 ].
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات.
ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه يعنون شقيقه لامه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين (إن أبانا لفي ضلال مبين) أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض (1) محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالؤا على ذلك وتوافقوا عليه (قال قائل منهم) قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن اسحق هو أكبرهم روبيل (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة) أي
المارة من المسافرين (ان كنتم فاعلين) ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون.
قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون.
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) [ يوسف: 11 - 14 ] طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.
يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
(قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم.
وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده (فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابت (2) الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاؤا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين.
وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
والله المستعان على ما تصفون) [ يوسف: 15 - 18 ] لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال
__________
(1) تتمحض المحبة: تكون خالصة لهم.
(2) غيابة الجب: غوره.
واجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه
فيه أوحى الله إليه أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك (وهم لا يشعرون).
قال مجاهد وقتادة وهم لا يشعرون بايحاء الله إليه ذلك * وعن ابن عباس وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم.
ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا) أي ثيابنا (فأكله الذئب) أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
(وجاؤا على قميصه بدم كذب) أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا إلى سخلة (1) ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا أن يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه وأعدموه وغيبوه عن عينيه جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤن ولهذا (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة.
فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف.
فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على إبنه أياما كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم
في التعبير والتصوير [ وقال تعالى ]: (وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه.
قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون.
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ونتخذه ولدا.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث.
والله غالب على أمره ولكن أكثر
__________
(1) سخلة: ولد الشاة.
الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [ يوسف: 19 - 22 ] يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة أي مسافرون.
قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه (1) يوسف فلما رآه ذلك الرجل (قال يا بشرى) أي يا بشارتي (هذا غلام وأسروه بضاعة) أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم (والله عليم بما يعملون) أي هو عالم بما تمالا عليه أخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر مما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه ازمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف (دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين).
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف اليكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين.
وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما.
وقال عكرمة ومحمد بن اسحق أربعون درهما فالله أعلم (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمي مثواه) أي أحسني إليه (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) وهذا من لطف
الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
قالوا وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الذي [ تكون ] الخزائن مسلمة إليه * قال ابن اسحق وإسمه اطفير (2) بن روجيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل.
وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها.
وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن أبي هشام (3) الرفاعي.
وقال محمد بن اسحق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كان اسم الذي باعه بمصر يعني الذي جلبه إليها مالك بن ذعر بن نويب بن عفقا (4) بن مديان بن ابراهيم فالله أعلم.
وقال ابن اسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته اكرمي مثواه والمرأة التي قالت لابيها عن موسى (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
__________
(1) في نسخة: تعلق به.
(2) في رواية للطبري عن ابن عباس اسمه قطفير ; وفي رواية أخرى قطين وكان عمره يوم اشتروه سبع عشرة سنة.
(3) في نسخة: ابن هشام.
(4) في الطبري: مالك بن دعر بن بويب بن عفقان.
القوي الامين) [ القصص: 26 ] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا.
وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا.
فالله أعلم وقوله (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر (ولنعلمه من تأويل الاحاديث) أي فهمها.
وتعبير الرؤيا من ذلك (والله غالب على أمره) أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وامورا لا يهتدي إليها العباد ولهذا قال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين).
فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد.
وهو حد الاربعين الذي يوحي الله
فيه إلى عبادة النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم.
وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال ابن عباس ومجاهد: وقتادة ثلاث وثلاثون سنة.
وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) [ الاحقاف: 15 ].
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب.
وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر والفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم.
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين.
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [ يوسف: 23 - 29 ].
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلقت الابواب عليها وعليه وتهيأت له، وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها، وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن اسحق: وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء.
وحماه عن مكر النساء.
فهو سيد السادة النجباء السبعة الاتقياء.
المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء.
في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه.
ورجلان تحابا في الله إجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " (1).
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال (معاذ الله إنه ربي) يعني زوجها صاحب المنزل سيدي (أحسن مثواي) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده (إنه لا يفلح الظالمون) وقد تكلمنا على قوله (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) بما فيه كفاية ومقنع في التفسير (2).
وأكثر أقوال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين.
واستبقا الباب) أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره (والفيا) أي وجدا (سيدها) أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب اليم).
اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام (هي راودتني عن نفسي) إحتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة (وشهد شاهد من أهلها) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير.
وروي فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها.
وقيل قريبا إليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن اسحاق وزيد بن أسلم فقال (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين) أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه (وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) أي لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) أي هذا الذي جرى من
مكركن أنت (3) راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال (يوسف أعرض عن هذا) أي لا تذكره لاحد لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 10 / 36 / 660 و 24 / 26 و 81 / 24 وأخرجه مسلم في صحيحه 12 / 30 / 91 والترمذي في سننه 37 / 53 / 2391 والنسائي ومالك في الموطأ 51 / 5 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 439.
(2) يراجع تفسير ابن كثير ; تفسير سورة يوسف.
(3) في نسخة: أنت الذي راودتيه عن نفسه.
ثم اتهمتيه بالباطل.
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لانها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) (1).
(وقال (2) نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين.
فلما سمعت بمكرهن أرسلت اليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن.
فلما رأينه أكبرنه وقطعن إيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين.
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين.
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) [ يوسف: 30 - 34 ] * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء (3) في الطعن على إمرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن (إنا لنراها في ضلال مبين) أي في وضعها الشئ في غير محله (فلما سمعت بمكرهن) أي بتشنيعهن
عليها والتنقص لها والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها.
واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وأتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه (4) الحالة.
فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
(فلما رأينه أكبرنه) أي اعظمنه وأجللنه وهبنه (5) وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه
__________
(1) سورة يوسف الآية 29 وفيها: (واستغفري..) رجح الرازي أن يكون القائل هو الشاهد ; ويحتمل أن يكون المراد طلب المغفرة من الزوج أي طلب العفو والصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله.
لان أولئك الاقوام كانوا يثبتون الصانع ; إلا انهم كانوا يعبدون الاوثان.
(2) قوله (وقال نسوة) قال الرازي في تفسيره: لم يقل: وقالت نسوة لوجهين: - إن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنبته غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.
الثاني - قال الواحدي تقدم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
(3) قال في تفسير الرازي: قال الكلبي هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب سجنه - وامرأة صاحب دوابه.
وزاد مقاتل: وامرأة الحاجب.
(4) في نسخة: في هذه.
(5) في قول للرازي: أكبرن بمعنى حضن، قال الازهري يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت ; وهو أن المرأة إذا خافت = وفزعت فربما اسقطت ولدها ; وربما حاضت.
حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في إيديهن بتلك الساكين ولا يشعرن بالجراح (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم).
وقد جاء في حديث الاسراء: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ".
قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى، ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة إمرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس.
ولهذا لما قام عذر (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى، من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) ثم مدحته بالعصمة (2) التامة فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء.
ونأى لانه من سلالة الانبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين (رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين) يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين.
ودخل معه السجن فتيان.
قال احدهما إني أراني أعصر خمرا.
وقال الآخر إني أراني احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.
واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار.
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا
__________
= وقال: وعندي يحتمل انهن إنما أكبرنه لانهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام.
وحمل الآية على هذا الوجه أولى.
18 / 127 - 128.
(1) في نسخة عذرن ; وهو مناسب أكثر.
(2) في نسخة بالعفة.
وفي نسخة أخرى: بالعصمة والعفة.
إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 34 - 41 ].
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لامرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا.
وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم.
ومخالطتهم * ومن ههنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد.
قال الله (ودخل معه السجن فتيان) قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل " بنو " (1).
والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه وهو الذي يقول له الترك " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " (2) كان الملك قد اتهمهما في بعض الامور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السل الاعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا (إنا نراك من المحسنين) فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فأني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى (وانبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم) [ آل عمران: 49 ] وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لاني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا) أي بأن هدانا لهذا (وعلى الناس) أي بأن امرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) * ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل وصغر أمر الاوثان وحقرها وضعف أمرها.
فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله) [ يوسف: 39 - 40 ] أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (أمر أن لا تعبدوا إلا أياه) أي وحده لا شريك له و (ذلك الدين القيم) أي المستقيم والصراط القويم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لان نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول
__________
(1) في نسخة نبوا وفي الطبري نبو.
(2) في الطبري: محلب.
بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد إلى ما أرشد إليه قال (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) قالوا وهو الساقي (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) قالوا وهو الخباز (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ".
وقد روي عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما (قضي الامر الذي فيه تستفتيان.
وقال للذي ظن أنه ناج منها اذكرني عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [ يوسف: 42 ] يخبر تعالى أن يوسف عليه
السلام قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي (أذكرني عند ربك) يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الاسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الارباب.
وقوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي فانسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام * قاله مجاهد ومحمد بن اسحق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع * وقيل إلى السبع * وقيل إلى الخمس * وقيل ما دون العشرة.
حكاها الثعلبي * ويقال بضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف.
وقال الله تعالى (فلبث في السجن بضع سنين) وقال تعالى (في بضع سنين) [ الروم: 2 ] وهذا رد لقوله * قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين * وفي الصحيح: " الايمان بضع وستون " وفي رواية وسبعون شعبة، أعلاها (1) قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الاذى عن الطريق " (2).
ومن قال إن الضمير في قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن جرير (3) في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (4) المكي وهو
__________
(1) في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 2 / 3 ورواه مسلم في 1 / 57 / 58 وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده 2 / 144 - 379 - 445.
(3) تاريخ الطبري ج 1 / 177 وفي إسناده: عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار..(4) في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي.
نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز وليس منسوبا إلى خوزستان.
وهو أبو إسماعيل المكي، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب 1 / 46.
متروك.
ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا ههنا بطريق الاولى والاخرى والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في صحيحه، [ عند ] ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث، أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها.
والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم.
(وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين.
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون.
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون.
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) [ يوسف: 43 - 49 ] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن، ثم ملن عليهن، فأكلنهن فاستيقظ مذعورا.
ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع
أخر دقاق يابسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل (قالوا أضغاث أحلام) أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك، ولهذا قالوا (وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين) فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا.
وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى (وقال الذي نجا منهما وأدكر) أي تذكر (بعد أمة) أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك (وأدكر بعد أمة) أي بعد نسيان وقرأها مجاهد (بعد أمة) باسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.
امهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يزري بالعقول.
فقال لقومه وللملك (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي إستدعاه إلى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عرفه هؤلاء الجهلة الثيران، من قراى وربان (1).
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم إلى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب (2) * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية (وفيه يعصرون) يعني ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم.
وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الاول في سنبله إلا ما يرصد بسبب الاكل ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على
الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
(وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم.
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي أن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) [ يوسف: 50 - 53 ].
لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا (قال ارجع إلى ربك) يعني الملك (فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم) قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الامر الذي ليس برشيد ولا سديد.
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر وما كان منه من الامر الحميد (وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) فعند ذلك (قالت امرأة العزيز) وهي زليخا (الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) أي فيما يقوله من أنه برئ وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما
__________
(1) في نسخة: من فرى وهذيان وفي أخرى: من افتراء وهذيان ; وما في النسخ المطبوعة تحريف.
(2) فالسمان المخاصيب والعجاف هن السنون المحول الجدوب.
وعدوانا وزورا وبهتانا.
وقوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قيل إنه من كلام يوسف أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب.
وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الامر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك
ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الاول.
(وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الاولين.
وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.
قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين.
ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) [ يوسف: 54 - 57 ].
لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه (قال ائتوني به استخلصه لنفسي) أي اجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله (قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي ذو مكانة وأمانة (قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم) طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما (1) بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه إمرأة عظيمة الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل (2) إنه لما مات زوجه إمرأته زليخا فوجدها عذراء لان زوجها كان لا يأتي النساء فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل (3) ذلك يجاويه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء) أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق
__________
(1) في نسخة: فيها بعد.
(2) في الطبري: أن أطفير (قطفير) مات في تلك الليالي أي بعد عزله مباشرة عن عمله.
(3) في نسخة: وفي كل.
الركاب بديار مصر (يتبوأ منها حيث يشاء) أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما (نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
وهذا قال (ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) ويقال إن أطفير زوج زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه إمرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن اسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم.
وقد قال بعضهم.
وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين.
فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون.
وقال لفتيانه إجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [ يوسف: 58 - 62 ] يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه إلى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لانهم لم يخطر ببالهم (1) ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في
القول: وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] لتأخذوا خير بلادي.
فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا، ونحن بنو أب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا، فقال: لابد أن أستعلم أمركم * وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالاخ الآخر.
وفي بعض هذا نظر.
قال الله تعالى (فلما جهزهم بجهازهم) أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان
__________
(1) في عدم معرفتهم له وجوه: انه أمر حجابه أن يوقفوهم بعيدا عنه ولم يتكلم معهم إلا بالواسطة مع مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف.
- تغيره بعد إلقائه في الجب منذ زمن بعيد - قيل أربعون سنة.
- حصول العرفان والتذكر، لعله تعالى ما خلق ذلك في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنهم وهذا من معجزات يوسف عليه السلام.
حمل بعير لا يزيده عليه (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا إثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم (ألا ترون أنى أوف الكيل وأنا خير المنزلين) أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال: (فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدي إليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب (قالوا سنراود عنه أباه) أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن (وإنا لفاعلون) أي وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم.
وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية.
وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون.
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم.
قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.
قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم.
فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون.
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [ يوسف: 63 - 68 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم * وقولهم له (منع منا الكيل) أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي) أي أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا (ونمير أهلنا) أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم (ونحفظ أخانا ونزداد) بسببه (كيل بعير) قال الله تعالى (ذلك كيل يسير) أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتتني به إلا أن يحاط بكم) أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به (1) (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما تقول وكيل) أكد المواثيق وقرر
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان:
العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغني حذر من قدر.
ولولا حاجته (1) وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الاقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء
وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة.
قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لانهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر.
قاله إبراهيم النخعي.
والاول أظهر ولهذا قال (وما أغني عنكم من الله من شئ) وقال تعالى (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الاولى وعوضا آخر (2) (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون.
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذون أيتها العير إنكم لسارقون.
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون.
قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم.
قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين.
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين.
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم.
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون.
قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) [ يوسف: 69 - 79 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وأيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه * ثم
__________
= - معناه الهلال: قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي.
- ما ذكره قتادة: إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين.
فلا تقدرون على الرجوع.
(1) في بعثه بنيامين معهم ; وقصة يوسف لا تزال حية في ضميره ; وجوه: - انهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح.
- انه كان يشاهد انه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد ما كان بينهم وبين يوسف.
- ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك.
- لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.
راجع الرازي ج 18 / 170.
(2) في نسخة: وعرضا آخر وفي نسخة أخرى: وعوضوا آخر.
احتال على أخذه منهم وتركه (1) إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته.
وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته (2) في متاع بنيامين.
ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادى لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين) يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين.
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين).
وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق (3) منه ولهذا قالوا (كذلك نجزي الظالمين).
قال الله تعالى (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي لولا إعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر (إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء) أي في العلم (وفوق كل ذي علم عليم) وذلك لان يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه فلما عاينوا إستخراج الصواع من حمل بنيامين (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره.
وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق
ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له.
وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل غير ذلك فلهذا (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه) وهي كلمته بعدها وقوله (وأنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ.
هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف إليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف لن أبرح الارض حتى يأذن لى أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
__________
(1) في نسخة: وتركهم إياه.
(2) في نسخة: عن غرة.
(3) قال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ; والمعنى جزاء هذا الجرم هو استعباد الشخص الذي يوجد المسروق في رحله ; إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا.
إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون.
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم.
وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو أكون من الهالكين.
قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون.
يا بني إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) [ يوسف: 80 - 87 ].
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به (فلن أبرح الارض) أي لا أزال مقيما ههنا (حتى يأذن لي أبي) في القدوم عليه (أو يحكم الله لي) بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي (وهو خير الحاكمين.
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن إبنك سرق) أي اخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لانه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك (وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمر فصبر جميل) أي ليس الامر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا [ هو ] (1) خلقه وإنما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
قال ابن اسحق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) يعني يوسف وبنيامين وروبيل (إنه هو العليم) أي بحالي وما أنا فيه من فراق الاحبة (الحكيم) فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة (وتولى عنهم) أي أعرض عن بنيه (وقال يا أسفى على يوسف) ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر (2): لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (3)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) القائل: متمم بن نويرة.
(3) الدموع السوافك: المذروفة بغزارة.
فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (1) فقلت له إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله (وابيضت عيناه من الحزن) أي من كثرة البكاء (فهو كظيم) أي مكظم (2) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق (قالوا) له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه (تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) يقول لبنيه لست أشكوا إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو إلى الله عزوجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال: (واعلم من الله ما لا تعلمون) ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما.
(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين.
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) [ يوسف: 88 - 93 ].
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة
عليهم رد أخيهم بنيامين إليهم (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن بتجاوز عنا.
قيل كانت دراهم رديئة.
وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك.
وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) قيل بقبولها قاله السدي.
وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم
__________
(1) اللوى والدكادك: موضعان.
(2) في نسخة: مكمد.
عن أمر ربه وربهم.
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا) وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو (أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي) يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله (وهذا أخي) تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال (قد من الله علينا) أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم الينا وطاعتنا وبرنا لابينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا (إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا (وإن كنا لخاطئين).
أي فيما أسدينا إليك (1) وها نحن بين يديك (قال لا تثريب عليكم اليوم) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال (اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف
والصحيح الاول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فانه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين (2) إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الامور.
(فلما فصلت العير قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون.
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا.
قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون.
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين.
قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [ يوسف: 94 - 98 ].
قال عبد الرزاق أنبأنا اسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس يقول: فلما فصلت العير قال: لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف (فقال إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (3).
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان (4) به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما
__________
(1) قال أبو علي الجبائي: لم يعتذروا إليه من أقدامهم على إلقائه في الجب، وإنما اعتذروا من حيث انهم أخطأوا لانهم لم يظهروا لابيهم ما فعلوه.
قال الرازي وهذا الكلام ضعيف تفسير الفخر الرازي 18 / 205.
(2) قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ; وقال مسروق: ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
تفسير الرازي 18 / 207.
وفي الطبري 1 / 187: كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله.
(3) في نسخة: ثلاثة أيام.
(4) في نسخة: أبي سعد.
وفي الطبري: ابن سنان.
مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله (لولا أن تفندون) أي تقولون إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون.
وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) قال
قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة (1).
قال الله تعالى (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) أي بمجرد ما جاء (2) ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك (ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيريني فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه.
ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا (سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم).
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن ادريس سمعت عبد الرحمن بن اسحق يذكر عن محارب بن دثار قال كان عمر يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول " اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فاطعت وهذا السحر فاغفر لي " قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله (سوف أستغفر لكم ربي) وقد قال الله تعالى (والمستغفرين بالاسحار) [ آل عمران: 17 ] وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له " (4) وقد ورد في حديث ": أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة " قال ابن جرير (5) حدثني المثني.
ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقي حدثنا الوليد (6) أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول لله صلى الله عليه وسلم (سوف أستغفر لكم ربي) يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه.
وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي
__________
(1) زاد قتادة: ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ; والمراد بقولهم: حبك القديم ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه، وما تكابد من الاحزان والشقاء على يوسف.
(2) جمهور المفسرين البشير هو: يهودا.
وفي رواية للطبري 1 / 185: البشير: يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى
يعقوب.
(3) وفي النسخ المطبوعة: الصحيح وهو تحريف.
(4) صحيح مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين باب 23 / ح 166 / 757 ص 1 / 521 عن جابر بن عبد الله.
(5) تاريخ الطبري ج 1 / 186.
(6) وهو الوليد بن مسلم.
رفعه نظر والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه.
(فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [ يوسف: 99 - 101 ].
هذا إخبار عن حال إجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن.
وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة.
وقال محمد بن اسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد إل تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الاولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين.
وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاؤا كلهم (فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه) اجتمع بهما (2) خصوصا وحدهما دون إخوته (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام.
ثم لما اقتربوا من باب
مصر (قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قاله السدي.
ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو اقيموا بها (إن شاء الله آمنين) لكان صحيحا مليحا أيضا.
وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو اسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف
__________
(1) في نسخة: يدعون.
(2) المراد بقوله أبويه: قولان: - المراد أبوه وأمه، وعلى هذا تكون أمه لا تزال حية إلى ذلك الوقت، وقيل انها كانت قد ماتت وأن الله تعالى احياها من قبرها.
- المراد أبوه وخالته، لان أمه - كما مر - ماتت في النفاس بأخيه بنيامين وقد تزوج أبوه بخالته فسماها الله بأحد الابوين.
تفسير الرازي 18 / 210.
وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا.
وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانا.
قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم (1).
قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش) قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت
خالته ليا والخالة بمنزلة الام.
وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم (2).
ورفعهما على العرش أي اجلسهما معه على سريره (وخروا له سجدا) أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا (3).
(وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وجاء بكم من البدو) أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي فيما كان منهم إلي من الامر الذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال (إن ربي لطيف لما يشاء) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته (إنه هو العليم) أي بجميع الامور (الحكيم) في خلقه وشرعه وقدره.
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم التعليق فليراجع.
(3) قال الرازي: في سجود يعقوب ليوسف واستجازته له وجوه: - لاجل وجدانه سجدا لله تعالى، إن ذلك السجود كان سجودا للشكر فالمسجود له هو الله.
- جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه كما يقال: صلبت للكعبة.
- قد يسمى التواضع سجودا، إلا أن هذا شكل لانه تعالى قال: (وخروا له سجدا).
- الضمير في قوله (وخروا له) غير عائد للابوين وإلا لقال: وخروا له ساجدين بل الضمير عائد إلى إخوته.
- لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو السجود، والمقصود التعظيم وهذا بعيد.
- لعل يعقوب علم أن إخوته لن يسجدوا له على سبيل التواضع، ففعل هو ذلك السجود مع جلالة قدره وعظم حقه حتى يصير عمله سببا لزوال الانفة والنفرة عن قلوبهم.
- لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية.
بإختصار تفسير الرازي 18 / 212 - 213.
وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والاثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده (1).
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة (2) حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
وقال الشافعي قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عند وإنك لابن حرة.
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت وشمله قد إجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شئ فيها ومن عليها فان.
وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله.
وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الاسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين.
وهكذا كما يقال في الدعاء " اللهم احينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال: " اللهم في الرفيق الاعلى " ثلاثا ثم قضى (3).
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف.
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " (4) وفي الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم عليها السلام (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا
منسيا) [ مريم: 23 ] وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد
__________
(1) هو ما كانوا يسمونه في مصر نظام المزارعة، وقد بقي معمولا بعقود هذا النظام إلى وقت متأخر.
(2) عام الرمادة: لما صدر الناس عن الحج سنة ثماني عشرة أصاب الناس جهد شديد وأجدبت البلاد وأهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا.
سمي ذلك العالم عام الرمادة لان الارض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر.
طبقات ابن سعد 3 / 310.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 208 عن عائشة ورواه البخاري في الصحيح عن بشر بن محمد بن مبارك ح 4435 في 64 كتاب المغازي 83 باب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة فتح الباري 8 / 136.
(4) الحديث رواه الترمذي في سننه 48 / 39 / 3235 وقال: هذا الحديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في المسند 1 / 368، 4 / 66، 5 / 243، 5 / 427.
القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الاهوال.
فأما في حال الرفاهية ؟ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (1) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند إحضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن اسحق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق.
قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة.
وعندهم أنه أقام
بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [ البقرة: 133 ] يوصي بنيه بالاخلاص وهو دين الاسلام الذي بعث الله به الانبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم إستأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان إشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر.
ثم
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 75 / 19، 80 / 30، 81 / 7 ورواه مسلم في 48 / 10 - 13 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في سننهم ; وأحمد في مسنده: 2 / 263 - 309 - 316 - 350، 3 / 100 - 104 - 163 - 171 - 195 - 208 - 247، 5 / 109 - 110 - 111 - 112، 6 / 339 - 395.
حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة.
ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة *
وقال غيره أوصى إليه أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.
قصة نبي الله ايوب قال ابن اسحق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح (1) بن العيص بن إسحق ابن إبراهيم الخليل.
وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن اسحق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه.
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام.
وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه والمشهور الاول لانه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون) الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب) الآية.
فالصحيح أنه من سلالة العيص بن اسحق وإمرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم (2).
وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب.
وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.
ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [ الانبياء: 83 - 84 ] وقال تعالى في سورة ص (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.
أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب.
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 41 - 44 ] وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس.
ثم نوح.
ثم إبراهيم.
ثم إسماعيل.
ثم إسحق.
ثم يعقوب.
ثم يوسف.
ثم لوط.
ثم هود.
ثم صالح.
ثم شعيب.
ثم موسى وهرون.
ثم إلياس.
ثم اليسع.
ثم عرفى بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن
__________
(1) في الطبري: رازح.
وفي المعارف لابن قتيبة: بن صوص بن رعويل.
(2) في الطبري: افرائيم بن يوسف بن يعقوب.
يعقوب.
ثم يونس بن متى من بني يعقوب.
ثم أيوب بن زراح (1) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن اسحق بن إبراهيم.
وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والاراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران (2).
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه.
يذكر الله عزوجل بها وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر، لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس بلاء الانبياء.
ثم الصالحون.
ثم الامثل فالامثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " (3).
ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في
مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة (4) لبني اسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.
__________
(1) وفي نسخة: راذح، وفي الطبري: رازح.
(2) في الطبري: وكان لايوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان له بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ولكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان اتان لكل اتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك.
(3) أحمد في مسنده 1 / 172 - 174 - 180 - 185 والترمذي في سننه 37 / 56 / 2398 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي وابن ماجة في سننيهما.
(4) في الطبري: كناسة خارج القرية لبني إسرائيل لا يقربه أحد إلا زوجته.
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة.
وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [ الانبياء: 83 ].
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن خازم، عن عبد الله بن
عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شئ قط قال (اللهم ان كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني) فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الاعلى، انبئنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق ".
قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ ص: 42 ] فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو.
قال وكان له أندر
للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الدهب حتى فاض وأفرغت الاخرى في أندر (1) الشعير الورق حتى فاض.
هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه إبن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به.
هذا
غريب رفعه جدا.
والاشبه أن يكون موقوفا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن اسمعيل حدثنا حماد أنبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه.
أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك (2) قربانا واستغفر لهم فانهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع.
قال يا رب ومن يشبع من رحمتك " (3).
وهكذا رواه الامام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي عن إسحق بن راهوية عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك ؟ (4).
هذا موقوف.
وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب
__________
(1) الاندر: الكدس من القمح خاصة.
(2) ذكر الطبري ان ثلاثة نفر (فقط) قد اتبعوه على دينه يقال للاول: يلدد، والآخر: اليفز، والثالث صافر.
ووردت في التوراة: بلدد الشوحي، أليفار اليماني، صوفر النعماني.
وفي تعليله لاشفائه: ان هؤلاء بكتوه في بلائه ; فأقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم.
(3) رواه أحمد في مسنده 2 / 511 وأبو داود الطيالسي في مسنده 2 / 83 / 2302.
(4) مسند أحمد ج 2 / 243 - 304.
فجعل أيوب يحشي في ثوبه، فناداه ربه عزوجل (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك " (1).
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
وقوله (أركض برجلك) أي اضرب الارض برجلك فامتثل ما أمر به فانبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها، ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الالم والاذى والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حيت صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا (2) من ذهب وأخلف الله له أهله كما قال تعالى (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) [ الانبياء: 84 ].
فقيل أحياهم الله بأعيانهم.
وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله (رحمة من عندنا) أي رفعنا عنه شدته (وكشفنا ما به من ضر) رحمة منا به ورأفة وإحسانا (وذكرى للعابدين) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع (3).
وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 44 ] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حلفه
ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها.
وقيل لانه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط.
فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا (4) وهو كالعثكال (5) الذي يجمع الشماريخ (6) فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث.
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضي الله عنها.
ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله (إنا وجدناه صابرا
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 314 والبخاري في صحيحه 5 / 20 - 60 / 20 و 97 / 35.
(2) جراد: آنية.
(3) النزع.
النبت، (4) الضغث: قبضة من قضبان مختلفة، يجمعها أصل واحد مثل الاسل.
(5) العثكال: ما علق من عهن أو صوف أو زينة فتذبذب في الهواء.
(6) الشماريخ: واحدها شمراخ، وشماريخ العثكال اغصانه.
وأصله في العذق.
نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام عند الوصول إليه أن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة.
وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء وبيوسف عليه السلام على الارقاء وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالامر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم.
ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما
يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليهما السلام.
قصة ذي الكفل (1) الذي زعم قوم انه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الانبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص 45 - 48 ] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم.
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه امرهم ويقتضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل.
وروى ان جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي
__________
(1) قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضا النصيب.
بثلاث استخلفه.
يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (1).
قال: فقام رجل تزدريه العين (2)، فقال: أنا.
فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في
صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم * قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (3) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح.
فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لاغضبنك، [ فعصمك الله مني ] (4) فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفى به.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق.
وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الاخنس قال سمعت الاشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
__________
(1) زاد في القرطبي: ولا يغضب وهو يقضي.
(2) في القرطبي: رجل من ذرية العيص.
(3) الرواح: قيل الرواح العشي، وقيل: الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل.
(4) الزيادة من القرطبي.
قال: قال أبو موسى الاشعري، فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد (1): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله.
عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [ أ ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط.
ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (2).
ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن.
وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا.
وفي إسناده نظر فإن سعدا (3) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى الآية) [ القصص: 43 ].
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض غير القرية التى مسخوا قردة.
ألم تر أن الله تعالى يقول: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) ورفعه البزار في رواية له.
والاشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام: فمنهم:
اصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا.
وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا) [ الفرقان: 38 - 39 ] وقال تعالى في صورة ق (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 23.
(2) رواه الترمذي الحكيم في نوادر الاصول.
ورواه الترمذي أبو عيسى في سننه كتاب صفة القيامة (38) باب 48 ح / 2496.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الاعمش ونحو هذا ورفعوه.
وروى بعضهم عن الاعمش ولم يرفعه.
(3) سعد ويقال طلحة، عن ابن عمر، وعنه عبد الله (الرازي) وثقة الكاشف (1 / 280) أو سعيد ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة تقريب التهذيب 1 / 290.
وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 12 - 14 ] وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك.
وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج (1)، لان أولئك عند ابن اسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضا.
وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس (2) ; أهل قرية من قرى ثمود.
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الاحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الارض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد
بالاحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله عزوجل، فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم (3).
وروى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان.
وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها (4).
وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين.
وقال قتادة فلج من قرى اليمامة قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا * وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير.
وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعا وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم (5) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن
__________
(1) قال تعالى: (قتل أصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود (4 - 6).
(2) الرس: في كلام العرب البئر التي تكون مطوية والجمع رساس.
وفي الصحاح: الرس بئر كانت لبقية من ثمود.
والرس أيضا عند العرب: الدفن.
(3) تاريخ ابن عساكر 1 / 15 تهذيب.
(4) عن عكرمة: دفنوه حيا.
(5) في نسخة: فأخبرهم، وهو مناسب أكثر.
عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له قال السهيلي وكان يوحي إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه
وألقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الانس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1) فلا يسمع ببقاعهم لا عزيف الجن وزئير الاسد (2) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعني - ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الاسود.
ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك (3) لبئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها، ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون * ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام (4) فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته، ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع * ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه * قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل فيقولون له ما تدري حتى قبض الله النبي عليه لسلام وأهب (5) الاسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ".
فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر.
ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء، على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن قال لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم (6).
__________
(1) في نسخة: والوحش.
(2) في نسخة: والاسود.
(3) في نسخة: تلك.
(4) في نسخة: فنام.
(5) في الرازي والقرطبي: وهب.
(6) قال الرازي: وأعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن.
ولا بخبر قوي الاسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبره الله تعالى عنهم انهم أهلكوا بسبب كفرهم 24 / 83.
اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم.
ثم اختار أنهم أصحاب الاخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم.
قصة قوم يس وهم (1) اصحاب القرية قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون.
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون.
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون.
وما علينا إلا البلاغ المبين.
قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنك وليمسنكم منا عذاب أليم.
قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني إليه ترجعون.
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون.
إني إذا لفي ضلال مبين.
إني آمنت بربكم فاسمعون.
قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 13 - 29 ].
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية.
رواه ابن اسحق فيما بلغه عن
ابن عباس وكعب الاحبار ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن اسحق فيما بلغه عن ان ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا: وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الاصنام.
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم.
وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين (2) الاوليين
__________
= وفي القرطبي تعليقا على قول ابن جرير.
قال الثعلبي: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس، لان الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم.
ج 13 / 33.
(1) في نسخة: ومنهم أصحاب القرية.
(2) في نسخة: الرسولين.
قال القرطبي هذا قول الطبري وقال غيره: شمعون ويوحنا، وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا وصدوقا.
شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا: لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك.
فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله أعلم.
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولان ظاهر سياق القرآن يقتضي من هؤلاء الرسل من عند الله.
قال الله تعالى (واضرب لهم
مثلا) يعني لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني المدينة (إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الامم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وأنتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي تشائمنا بما جئتمونا به (1) (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الاول قوله (وليمسنكم منا عذاب أليم) فوعدوهم بالقتل والاهانة.
(قالوا طائركم معكم) أي مردود عليكم (أأن ذكرتم) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والاهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني لنصرة الرسل وأظهار الايمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا (2) ولا في الآخرة (أني إذا لفي ضلال مبين) أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه * ثم قال مخاطبا للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم.
وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني يرسل الله جهرة.
فعند ذلك.
__________
(1) قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم، القرطبي 15 / 16.
(2) قال وهب: وكان حبيب مجذوما، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة كان ينحث الاصنام وكان عكف على عبادة الاصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ; فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله ; وأن هذه لا تنفع شيئا ولا تضر.
فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به.
القرطبي 15 / 18
قتلوه.
قيل رجما.
وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه * وحكى ابن اسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته [ من دبره ] (1).
وقد روى الثوري عن عاصم الاحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا.
وقيل إسكافا.
وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم.
وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه.
ولهذا قال تعالى: (إدخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.
قال ابن عباس نصح قومه في حياته (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقي غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وقوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن اسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود * قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والاول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال (وما كنا منزلين) أي وما كنا نحتاج (3) في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).
قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لان هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة
__________
(1) من القرطبي.
وقصبته: أمعاؤه.
وقيل في قتله: عن الحسن: حرقوه حرقا.
(2) في نسخة: أشياخه.
(3) في نسخة: محتاجين.
آمنت بالمسيح * فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الاشقري (1) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (2) فإنه حديث لا يثبت لان حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم.
قصة يونس قال الله تعالى في سورة يونس (فلولا كانت قرية آمنت فتفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] وقال تعالى في سورة والصافات (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) [ الصافات: 139 - 148 ].
وقال تعالى في سورة نون (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) [ القلم: 47 - 50 ].
قال أهل التفسير بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، من أرض الموصل، فدعاهم
إلى الله عزوجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث (3).
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا (4) إلى الله عزوجل وصرخوا وتضرعوا
__________
(1) في نسخة: الاشقر وفي أخرى: الاصفر وهو تحريف.
(2) رواه الطبراني في 3 / 111 / 2.
قال البخاري في الاشقري: ضعيف جدا.
وقال العقيلي: عن البخاري قال فيه: فيه نظر (الضعفاء 90).
(3) في تفسير الرازي بعد أربعين ليلة.
وعند القرطبي فكالاصل.
(4) عجوا: معناها هنا: تضرعوا.
إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات (1) وجأرت الانعام والدواب والمواشي فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) [ سبأ: 34 ].
وقوله (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين ; الاظهر من السياق نعم.
والله أعلم.
كما قال تعالى (لما آمنوا) وقال تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى
حين).
وهذا المتاع إلى حين لا يفني أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف * وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [ الصافات: 147 ] قال: " يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب * وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين ألفا.
وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا هل كان ارساله إليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون * قالوا فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر (2) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.
ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الامر العظيم.
قال الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين.
إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين.
فالتقمه الحوت وهو مليم) [ الصافات: 139 - 142 ].
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عزوجل
__________
(1) في النسخ المطبوعة: الامهاب وهو تحريف.
(2) في نسخة: فتشمر.
حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه * قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا
وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله.
وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه.
فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه (1).
والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الاجاجي (2) فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى * فعند ذلك وهنالك قال ما قال: بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين (وذا النون إذ ذهب) إلى أهله (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق * وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما يقدر يكن فلك الامر (3) (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر (4).
وقوله تعالى (فلولا أنه
__________
(1) في القرطبي: قال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما.
الضحاك: عشرين يوما.
عطاء سبعة أيام.
مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام وقيل ساعة واحدة.
15 / 123.
(2) الاجاجي: نسبة إلى الاجاج: الملح.
(3) في القرطبي: أنشد ثعلب: ولا عائد ذالك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر (4) قال الماوردي: انه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة.
كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [ الصافات: 143 - 144 ] قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة.
ولبعث من جوف ذلك الحوت.
هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
وقيل معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: " يا غلام إني معلمك كلمات إحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (1) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قالت ] سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ [ ه ] ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما [ فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ] فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر * قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا [ ضعيفا ] بأرض غريبة، قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر * قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل " كما قال الله (وهو سقيم) هذا لفظ ابن
جرير إسنادا ومتنا (3) * ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد كذا قال.
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن، أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: يا رب ومن هو ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة، قالوا: يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء * ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم * قال: أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا احدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 293 - 307.
(2) ما بين معكوفين من الطبري 2 / 45.
الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية (1) وحشية تأكل من خشاش (2) الارض أو قال هشاش الارض.
قال فتنفشخ (3) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (فنبذناه) أي القيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شئ من الاشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش * وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي
حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شئ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو القرع.
قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك (4).
وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الاروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية.
وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا * قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها.
ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: * قال أبو خالد: أحسبه
__________
(1) أروية: جمع أروى وهي أنثى الوعل الحيوان للجاحظ 3 / 498.
(2) خشاش: حشرات.
(3) في نسخة: فتفسح ; وفي الطبري: فتفسح.
(4) يحتوي اليقطين على الحديد والكلس، يستفاد منه في تناول بذوره لطرد الدودة الوحيدة من الامعاء.
عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا بدعاء يونس أستجيب له " قال أبو سعيد الاشج يريد به (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد.
وثالث أحسن منهما.
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي اسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد، وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شئ قال: لا، وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام.
قال ما فعلت.
قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت.
قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إليه أنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الارض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو إسحق ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة.
ثم جاء هذا الاعرابي فشغلك.
قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له " (1) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به.
فضل يونس قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين) وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به * وقال البخاري
أيضا حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه " (3).
ورواه
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 170 والترمذي في جامعه 49 / 82 / 3505 وقال أبو عيسى: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن سعد ولم يذكر فيه عن أبيه.
(2) مسند أحمد ج 1 / 205 وأخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 65 / 37 / 1 / 4804.
(3) صحيح البخاري (فتح الباري 65 / 46 / 4630) وأخرجه أحمد في المسند 1 / 242، 342 ومسلم في صحيحه
أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها * وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (1) تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا اسرائيل، عن أبي يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين (3).
قال البخاري في آخره: " ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى " أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس * والقول الآخر لا ينبغي لاحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الاحاديث لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى * وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله
والمرسلين.
قصة موسى الكليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر (4) بن لاوى بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا.
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 51 - 53 ] وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن * وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من إبتدائها
__________
= 43 / 43 / 167 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو داود السجستاني في سننه.
والبيهقي في الدلائل ج 5 / 495 وفيه: ونسبه إلى أمه بدل أبيه.
(1) مسند أحمد 1 / 291.
(2) صحيح البخاري ج 4631 ومسلم ح 166 (المرجع السابق) أحمد في مسنده 2 / 405.
(3) رواه أبو داود في سننه - كتاب السنة ح 4671 ص 4 / 217.
(4) سقط عازر من عمود نسب موسى عند الطبري وابن قتيبة في المعارف.
وزاد ابن قتيبة ولم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبي حتى كان موسى.
إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الاثار المنقولة من الاسرائيليات التي (1) ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون.
إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين.
ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 1 - 6 ] يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر
موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الاعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الارض * وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردأها وأدناها ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) [ القصص: 4 ] وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم، ما يأثرونه (2) عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة إمرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها * وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عن ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة (3) عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو (4) بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل * فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة، والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك
__________
(1) في نسخة: كما.
(2) يأثرونه يحفظونه.
(3) وهو مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي ثقة عابد تقريب التهذيب 2 / 1007 ذكره ابن معين والعجلي في الثقات روى عن ابن مسعود وعمر الكاشف ج 3 / 116.
(4) في نسخة: من جهة بيت المقدس، وفي الطبري: من بيت المقدس.
أهل مصر.
على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (1) ولهذا قال الله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) [ القصص: 5 ] وهم بنو إسرائيل (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 6 ] أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني اسرائيل كما قال تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) [ الاعراف: 137 ] الآية * وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [ الشعراء: 57 - 59 ] سيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالي ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد إمرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان (2) لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى.
هذا والقدر يقول يا أيها ذا (3) الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه وإتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا بعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربية وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين تكذيبك ما أوحى إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والارض هو
الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الابناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الابناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا
__________
(1) رواه الطبري (ج 1 / 200 القاموس الحديث).
(2) في نسخة: كان يقتل الغلمان أولا.
(3) في نسخة: يا أيها.
واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت الهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به (1).
قال الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.
وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) [ القصص: 7 - 9 ] هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية) [ النحل: 68 - 69 ] وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الاول كما حكاه أبو الحسن الاشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا.
وقيل أياذخت (2) * والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك.
وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط في طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون) قال الله تعالى (ليكون لهم عدوا وحزنا) قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه * وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم * ويقوى هذا التقدير الثاني قوله (إن فرعون وهامان) [ القصص: 8 ] وهو الوزير السوء (وجنودهما) المتابعين لهما (كانوا خاطئين) أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف * وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى * وقيل بل كانت عمته، حكاه السهيلي فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 1 / 200.
(2) في الطبري: يوخابد وقيل كان اسمها أناحيد ; وفي القرطبي: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب.
وفي المعارف لابن قتيبة: أباحثة، وفي التوراة اسمها: يوخابث بنت لاوى بن يعقوب.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة * فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلالا بتلك الانوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته، ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا * فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها (عسى أن ينفعنا) [ القصص: 9 ] وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أو تتخذه ولدا) وذلك أنهما تبنياه لانه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى
(وهم لا يشعرون) أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم (1) لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده [ وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى " دربتة " إبنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عزوجل ] (2) (وأصبح فؤاد آم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) [ القصص: 10 - 13 ] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فأرغا) أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لاخته وهي ابنتها الكبيرة (3) قصيه أي اتبعي أثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب * قال مجاهد عن بعد * وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده * ولهذا قال (وهم لا يشعرون) وذلك لان موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) * قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها
__________
(1) في النسخ المطبوعة: أن قيضهم وهو تحريف.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
(3) جاء في تفسير القرطبي: اسمها: مريم بنت عمران ; وقال الضحاك: كلثمة.
وقال السهيلي: كلثوم.
النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال هل فيما قال له (ولقد متنا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني) [ طه: 37 - 39 ] [ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه ] (1) (ولتصنع على عيني) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الامور التي لا يقدر عليها غيري (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [ طه: 40 ] وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
(ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين.
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [ القصص: 14 - 17 ] لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وإمتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى هو إحتكام الخلق والخلق وهو سن الاربعين في قول الاكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر
وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الاجل وانقضى الامد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.
قال تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار * وعن ابن عباس بين العشائين (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتضاربان ويتهاوشان (هذا من شيعته) أي إسرائيلي (وهذا من عدوه) أي قبطي.
قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) * قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه *
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
وقال قتادة بعصا كانت معه (فقضى عليه) أي فمات منها * وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه مع هذا (قال) موسى (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم.
قال رب بما أنعمت علي) أي من العز والجاه (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين.
فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى.
أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين.
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) [ القصص: 18 - 21 ] يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى
منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفا يترقب) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الاسرائيلي الذي استنصره بالامس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له (إنك لغوي مبين) * ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) قل بعضهم إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي إطلع على ما كان صنع موسى بالامس وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي إعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الامر الذي كان وقع بالامس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون.
وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه ورأى من سجيته إنتصارا جيدا للاسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالامس أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالامس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعيا إليه مشفقا عليه (1) فقال (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي من هذه البلدة (إني لك من الناصحين) أي فيما أقوله لك قال الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب) أي فخرج من مدينة مصر من فوره
__________
(1) قال في تفسير القرطبي: قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون.
على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا (رب نجني من القوم الظالمين.
ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [ القصص: 21 - 24 ].
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لانه لم يخرج من مصر قبلها (ولما توجه تلقاء مدين) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل).
أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود * وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئرا يستقون منها * ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الايكة وهم قوم شعيب عليه السلام * وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قول العلماء * (ولما ورد الماء) المذكور (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي تكفكفان [ عنهما ] غنمهما أن تختلط بغنم الناس * وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى إثنتان منهن.
وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء (1) لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى (فسقى لهما).
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده.
ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان * قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة [ رجال ] وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر (2) * روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل (3) جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة * قال عطاء بن السائب لما (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) اسمع المرأة (فجاءته إحداهما
__________
(1) الرعاء: جمع راع.
(2) السمر: جمع السمرة وهي شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.
(3) معنى العبارة ركيك وغير مقبول عقليا ; وفي تفسير القرطبي عن ابن عباس: - ولعله أقرب للواقع - وكان قد بلغ به الجوع، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه.
تمشي على استحياء قالت ان أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين.
قالت إحداهما يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين.
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين.
قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [ القصص: 25 - 28 ] لما جلس موسى عليه السلام في الظل و (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) سمعته المرأتان (1) فيما قيل فذهبتا إلى ابيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشى الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا * صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة.
وهذا من تمام حيائها وصيانتها، فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها (قال له) ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب عليه السلام.
وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس.
وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا إسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس يالنبي صاحب مدين * وقيل إنه
ابن أخي شعيب * وقيل ابن عمه * وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب * وقيل رجل إسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها * قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله إسمه يثرون.
زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب.
زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لابيها (يأ أبت إستأجره) أي لرعي (2) غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو بن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه
__________
(1) قيل إحداهما: ليا.
والاخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام وقيل غير ذلك.
(2) إشارة إلى مشروعية نظام الاجارة، وانها كانت عندهم في نظام حياتهم الاقتصادية، وإشارة إلى انها ضرورة للخليقة ومصلحة التعامل بين الناس.
تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق (1) قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين * وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [ القصص: 27 ] استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله إحدى ابنتي هاتين * وفي هذا نظر لان هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة وأستأنسوا
بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [ عليه ] (2) في كتابه " باب إستئجار الاجير على طعام بطنه " حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الدر (3) يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " (4) وهذا من هذا الوجه لا يصح لان مسلمة بن على الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الائمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني أبن لهيعة وحدثنا أبورزعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة
__________
(1) إشارة إلى خلق موسى وتحرجه من النظر إلى ادبار النساء.
قال في تفسير القرطبي: فهبت ريح ضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من النظر إليها ; فقال ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك..ودليني على الطريق يمينا ويسارا.
وكان هذا سبب وصفها له بالامانة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) الدر تحريف، وفي ابن ماجة الندر.
(4) سنن ابن ماجة في: 16 / 5 / 2444.
وفيه: أو عشرا في إسناده ضعف لان فيه بقية (الزاوئد) بقية بن الوليد الحمصي المحدث المشهور قال أحمد: له مناكير وقال ابن حجر: كان كثيرا لتدليس عن الضعفاء والمجهولين.
- مسلم بن علي الخشني الشامي قال فيه البخاري: منكر الحديث وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة - الضعفاء والمتروكين (70) تقريب التهذيب (1 / 107) ميزان الاعتدال (109 / 4).
فرجه وطعمة بطنه " * ثم قال تعالى (ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله
على ما نقول وكيل) [ القصص: 28 ] يقول إن موسى قال لصهره الامر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الاجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الافطس (1)، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الاجلين قضى موسى ؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي (2) عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل أي الاجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما (3) * وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عزوجل فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأتمهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي
__________
(1) سالم الافطس وهو ابن عجلان الجزري ; أبو محمد الحراني قال ابن حجر: شامي ثقة ليس له في الصحيح سوى حديثين: هذا الحديث وآخر في الطب.
فتح الباري 52 / 28 / 2684 من السادسة قتل صبرا سنة اثنين
وثلاثين / تقريب التهذيب 1 / 281.
(2) الحميدي: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر ثقة حافظ فقيه.
قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره تقريب التهذيب أحد الاعلام.
قال الفسوي: ما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه مات سنة 219 تقريب التهذيب 1 / 415 الكاشف للذهبي 2 / 77.
(2) تاريخ الطبري: 1 / 206.
حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن الندر أن رسول الله قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " * فلما وفى الاجل قيل يا رسول الله أي الاجلين قال: " أبرهما وأوفاهما " * فلما أراد فراق شعيب سأل إمرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (1) من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها * ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال فأتمئت وآنثت (2) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ".
قال ابن لهيعة الفشوش: واسعة الشخب (3)، والضبوب ; طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة الشخب (4)، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر * وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال (5) فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن [ كلهن ] (6) ذلك
العام وهذا إسناد [ جيد ] (6) رجاله ثقات والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم.
[ قال الله تعالى ] (6).
(فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون.
فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
وأن ألق عصاك
__________
(1) أي على غير لون أمها.
(2) في نسخة فأغنت وانثت.
وفي أخرى اتأمت وألبنت.
اتمئت: ولدت توأما.
انثت: ولدت انثى.
وألبنت: أي كثر لبنها.
(3) الشخب: اللبن الذي ينزل، والمقصود انها تشخب كثيرا عند حلبها في المرة الواحدة.
(4) أي تحلب حلبا قصيرا.
(5) في نسخة: في الموضعين: الحبال.
(6) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين.
أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 29 - 32 ].
تقدم أن موسى قضى أتم الاجلين وأكملهما وقد يؤحذ هذا من قوله (فلما قضى موسى الاجل) وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها.
وقوله (وسار بأهله) أي من عند صهره زاعما (1) فيما ذكره غير واحد من المفسرين - وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في
طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يرى (2) شيئا واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا وكأنه، - والله أعلم - رآها دونهم لان هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الاخرى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [ طه: 9 - 10 ] فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق * وجمع الكل في سورة النمل في قوله (إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) [ النمل: 7 ].
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور.
قال الله تعالى (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ].
وقال في النمل (فلما جاءها نودى أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) [ النمل: 8 ] أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) [ النمل: 9 ] وقال في سورة طه (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى.
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) [ طه: 11 - 16 ].
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (3) وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة
__________
(1) في نسخة ذاهبا وما أثبتناه مناسب أكثر.
(2) في النسخ المطبوعة: فلا يورى وما أثبتناه مناسب للسياق.
وفي تفسير القرطبي عن وهب بن منبه: فقدح موسى النار فلم تور المقدحة شيئا.
(3) العوسج: الشوك.
في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) [ القصص: 44 ] وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له (إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ] (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [ طه: 14 ] أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها (لتجزى كل نفس بما تسعى) [ طه: 15 ] أي من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ الذي يقول للشئ كن فيكون.
(وما تلك بيمينك يا موسى) [ طه: 17 ] أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قال هي عصاي أتؤكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) [ طه: 18 ] أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال القها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 19 - 20 ].
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [ هو الذي ] يقول للشئ كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا [ صادقا ] (1) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عزوجل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الارض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 20 ] فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها
فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الاخرى (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) [ النمل: 10 ] أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك (2) وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات * يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام (ولى مدبرا) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (3) (فناداه ربه) قائلا (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: تصطك.
(3) في تفسير القرطبي: عن مجاهد: لم يرجع.
[ القصص: 21 ] فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها.
(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى) [ طه: 21 ] فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين (1) فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه.
ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق.
ولهذا قال (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) [ القصص: 32 ] قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصا به إلا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء وقال في سورة النمل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ النمل: 12 ] أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله (فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 32 ] ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة
سبحان حيث يقول تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذا جاءهم فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا.
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) [ الاسراء: 101 - 102 ] وهي المبسوطة في سورة الاعراف في قوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 130 - 133 ] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشرة من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون.
قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [ القصص: 33 - 35 ].
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عزوجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر
__________
1) في الطبري عن وهب بن منبه: ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها.
2) في تفسير الرازي: قال العزيزي في غريب القرآن: اسلك يدك في جيبك: أدخلها فيه.
فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون).
أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم
فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا * قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) أي برهانا (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا.
وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه (اذهب إلى فرعون انه طغى.
قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [ طه: 24 - 28 ] قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد إختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم أنه يعيب به الكليم (ولا يكاد يبين) [ الزخرف: 52 ] أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده * ثم قال موسى عليه السلام (واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) [ طه: 32 - 36 ] أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عزوجل حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى (وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ] وقال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 53 ] وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لاناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه قال الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) قال تعالى في سورة الشعراء (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون.
قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون.
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون.
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا نبي إسرائيل.
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء: 10 - 19 ] تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا
وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) [ الشعراء: 18 ] أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر (1) وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء ; 19 ] أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (2) (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) [ الشعراء: 20 ] أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) [ الشعراء: 21 ] ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) [ الشعراء: 22 ] أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك (قال فرعون وما رب العالمين.
قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين.
قال لمن حوله ألا تستمعون.
قال ربكم ورب آبائكم الاولين.
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 23 - 28 ].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقيلة المعنوية ثم الحسية.
وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد
الصانع تبارك وتعالى.
وزعم أنه الاله (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى) [ النازعات: 23 - 24 ] (وقال يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) [ القصص: 38 ].
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الاله الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [ النمل: 14 ] ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الانكار لرسالته والاظهار أنه ماثم رب أرسله (وما رب العالمين) [ الشعراء: 23 ] لانهما قالا له (إنا رسول رب العالمين) [ الشعراء: 16 ] فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابعتثكما فأجابه موسى قائلا (رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين) [ الشعراء 24 ] يعني رب العالمين خالق هذه السموات والارض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة (3) من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد
__________
(1) كان بين خروج موسى حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر القرطبي 13 / 95.
(2) نعمتنا: أي نعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والاحسان إليك.
(3) في النسخ المطبوعة " المتجددة " وما أثبتناه مناسب للمعنى.
ومحدث وخالق.
وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
(قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ألا تسمعون يعني كلامه هذا قال موسى مخاطبا له ولهم (ربكم ورب آبائكم الاولين) [ الشعراء: 26 ] أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والاجداد والقرون السالفة في الآباد فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين.
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [ فصلت: 53 ] ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق
والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 27 - 28 ] أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة (1).
المسير للافلاك الدائرة.
خالق الظلام والضياء.
ورب الارض والسماء رب الاولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفلك يسبحون يتعاقبون في سائر الاوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته (2) (قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين.
قال أولو جئتك بشئ مبين.
قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) [ الشعراء: 29 - 33 ] وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد.
وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والابصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد (3) وخوف عظيم بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال * وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الابصار فإذا أعادها إلى جيبه [ واستخرجها ] (4) رجعت إلى صفتها الاولى.
ومع هذا كله لم ينتفع
__________
(1) في نسخة: المنيرة.
وفي أخرى: النيرة: (2) قطع فرعون المحاورة مع موسى، لما انقطعت عنده الحجة ; ولم يقل له ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك لان فيه الاعتراف بأن ثم إلها آخر غيره ; فتوعده بالسجن، وفي ذلك ضعف منه وتراجع ; ولم يخفه موسى بل كان في منتهى اللطف به والطمع في إيمانه قال: أولو جئتك بشئ مبين.
لكنه كما قال مالك: دعاه إلى الاسلام أربعين سنة.
(3) في نسخة: أخذته رجفة شديدة.
وفي أخرى: أخذه رعبه.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
فرعون - لعنه الله - بشئ من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن [ هم ] (1) في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [ طه: 40 - 46 ].
يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدا لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين (ثم جئت على قدر) أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري (واصطنعتك لنفسي) أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) [ طه: 45 ] يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه (2) فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وإهداء (3) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الاحاديث يقول الله تعالى " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه " (4) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية) [ الانفال: 45 ] ثم قال تعالى (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 43 ] وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: عليه.
(3) في نسخة: وأداء.
(4) الحديث أخرجه الترمذي في 49 كتاب الدعوات 119 باب ح 3580 عن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن أبي دوس اليحصبي عن ابن عائذ اليحصبي عن عمارة بن زعكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم..وفيه زيادة (يعني عند القتال).
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ليس اسناده بالقوي.
وعفير: ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: لا يشتغل به / تقريب التهذيب 2 / 25
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55**جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
لانعمه) أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله (اجتباه) أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة وقال تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا) [ النساء: 125 ].
يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم.
وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال (وابراهيم الذي وفى) [ النجم - 27 ] ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم.
قد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا وهكذا نال هذه المنزلة (1) خاتم الانبياء وسيد الرسل (2) محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ".
وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله " (3).
أخرجاه من حديث أبي سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلى
بهم الصبح فقرأ: واتخذ الله إبراهيم خليلا.
فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا اسمعيل بن أحمد ابن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما.
وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله.
فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى كليمه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك.
ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي
__________
(1) وفي نسخة: المرتبة.
(2) وفي نسخة: المرسلين.
(3) أخرجه البخاري في 63 / 45 / 1904 فتح الباري و 62 / 5 / 3656 في رواية طويلة والدارمي في سننه، وابن ماجة في سننه مقدمه 11 / 93، وأحمد في مسنده 1 / 270 - 359، 3 / 18 - 478، 4 / 4 - 5، 5 / 212.
وأخرجه الترمذي ومسلم في 44 / 1 / 2 / 7.
فقراء المؤمنين وأنا أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر " * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم (1) * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد المسلمي، حدثنا الوليد، عن اسحاق بن بشار (2) قال: لما اتخذ الله ابراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء، وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم
عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد احدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال: من هو فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت ! قال: أنا، قال: نعم قال: فبم اتخذني ربي خليلا قال بأنك تعطي الناس ولا تسألهم.
رواه ابن أبي حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين (3) موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتي الاحزاب والشورى وهما قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقوله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه) [ الشورى: 13 ] الآية.
ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمير عن أنس في حديث الاسراء من أن ابراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الاول.
__________
(1) أخرج القسم الاخير منه البيهقي بروايات مختلفة راجع دلائل النبوة ج 5 / 478 وما بعدها.
(2) بشار تحريف والصواب يسار.
(3) ذكر اسم إبراهيم في القرآن في: البقرة: 124 - 125 - 126 - 127 - 130 - 132 - 133 - 135 - 136 - 140 - 258 - 260، وآل عمران: 33 - 35 - 67 - 68 - 84 - 95 - 97، النساء: 54 - 125 - 163، الانعام: 74 - 75 - 83 - 151، التوبة: 70 - 114، هود: 69 - 74 - 75 - 83 - 151، يوسف: 6 - 38، ابراهيم: 36، الحجر: 51، النحل: 120 - 123 -، مريم: 41 - 46 - 58، الانبياء: 51 - 60 -
62 - 69.
الحج: 26 - 43 - 78.
الشعراء: 69، العنكبوت: 16 - 31، الاحزاب: 7، الصافات: 83 - 104 - 109 ص: 45، الشورى: 13، الزخرف: 26، الذاريات: 24، النجم: 37، الحديد: 26، الممتحنة: 4، الاعلى: 19.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سملة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم خليل الرحمن ".
تفرد به احمد (1).
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم " رواه مسلم (2) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ثم ذكر إستشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم ابراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها أنا لها " الحديث.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله، حدثني سعيد (3) عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يارسول الله من أكرم (4) الناس ؟ قال: " أتقاهم ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فعن معادن (5) العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا " (6) وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر أربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم
يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم خليل الله ".
تفرد به أحمد * وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 322.
وأخرج بنحوه البخاري 6 / 19 / 3290 وأحمد من رواية ابن عمر 2 / 96.
(2) أخرجه مسلم في 6 / 48 / 273 من حديث طويل ج 1 / 561 - 562.
وأخرجه أحمد في مسنده ج 5 / 127 - 129.
(3) في البخاري:.
حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، وعبيدالله هو - بن سعيد.
(4) أكرم الناس: قال العلماء: أصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الاخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب وكونه نبيا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين ; وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه وسياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة.
(5) معادن العرب: أصولها.
(6) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (60) - باب 14 ح 3374.
ومسلم في 43 / كتاب الفضائل - 43 باب ح 168 / 2378 ص 4 / 1846.
** مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة **ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن اسحق بن ابراهيم ".تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " (1) ثم قرأ (كما بدأنا أول خلق نعيده) [ الانبياء: 104 ] فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والاخرون * وأما الحديث الآخر الذي قال الامام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية
فقال: " ذاك ابراهيم " (2) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء " وقال: " لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ " * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم (3) وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم ".
ولما كان ابراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا يارسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك " قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد " وقال تعالى (وإبراهيم الذي وفى) [ النجم: 37 ] قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن) [ البقرة: 124 ]
__________
(1) أخرجه البخاري في 60 كتاب المناقب باب (8) ح 3349 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 51 / 14 / 58 ورواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده ج 5 / 3 والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي.
(2) أخرجه مسلم في 43 كتاب الفضائل 41 / 150 وأبو داود في سننه وأحمد في مسنده ج 3 / 178 - 184.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
(4) مسلم في 4 كتاب الصلاة 17 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 66 / 406 ص 1 / 305 والحديث في البخاري رقم 1591.
قال إبتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الاظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبي حاتم * وقال وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك قلت: وفي الصحيحين (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " وفي صحيح مسلم (2) وأهل السنن من حديث وكيع عن ذكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي عن طلق بن حبيب العتري عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك وإستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم (3) ونتف الابط وحلق العانة وإنتقاص الماء " - يعني الاستنجاء - وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عزوجل وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (4) أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم (وإبراهيم الذي وفى).
قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي، ومحمد بن موسى القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة قصرا أحسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا ".
قال البزار وحدثناه أحمد بن جميل المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا.
قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط
الصحيح.
ولم يخرجوه.
__________
(1) مسلم في صحيحه 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة ح 50 ص 1 / 222.
وفي البخاري ح رقم 2291 ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده.
(2) في 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة حديث 56 / 261 ص 1 / 223.
(3) البراجم: جمع برجمة وهي عقد الاصابع ومفاصلها كلها.
(4) قلح: صفرة الاسنان وسوادها.
صفة ابراهيم عليه السلام قال الامام أحمد حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض علي الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت ابراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية.
تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ (1) * وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا اسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى ابن مريم وموسى وابراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر - وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا له فابراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعني نفسه * وقال البخاري حدثنا بنان (2) بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و (ك ف ر) فقال لم اسمعه ولكنه قال صلى الله عليه وسلم: " أما ابراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل احمر مخطوم بخلبه كأني انظر إليه انحدر في الوادي ".
ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به * وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به.
وفاة ابراهيم وما قيل في عمره
ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذي يقال انه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم * وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا.
وذكروا أن طلع نجم اخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود.
فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه.
فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وانبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى (3) وتقدم عن ابن عباس أنه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 324 ومسلم في صحيحه 1 / 74 / 271 وفيه زيادة: ورأيت جبرائيل عليه السلام فإذا أقرب ما رأيت به شبها دحية.
وقبله..رأيت إبراهيم..شبها بصاحبكم (يعني نفسه).
(2) في البخاري: بيان بن عمرو.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
ولد ببرزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران ثم إلى أرض الشام وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا وولد له إسماعيل واسحق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها ابراهيم عليه السلام ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه اسحق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الابل قالوا ثم تزوج ابراهيم عليه السلام قنطورا (1) فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح (2).
وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.
وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم
بصحتها * وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.
قالوا ثم مرض إبراهيم عليه السلام ومات عن مائة وخمس وسبعين * وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي عند إمرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي وتولى دفنه اسمعيل واسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي.
(3) سنة كما قاله ابن الكلبي وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن ابراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة " (4) وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفا.
ثم قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد نيست (5) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتت عليه ثمانون سنة.
ثم روى ابن حبان عن
__________
(1) قطورا بنت يقطن من الكنعانيين ابن الاثير في الكامل والطبري في تاريخه.
وقيل تزوج بعدها حجورا بنت أهير.
(2) ذكر المسعودي 1 / 43 الاسماء كالتالي: مرق - نفس - مدن - مدين - سنان وسرح.
وفي الطبري: يقسان، زمران مديان، يسبق، سوح، بسر.
(3) في الكامل وتاريخ الطبري: مائتي سنة - وعند المسعودي: مائة وخمس وتسعين.
(4) رواه ابن عساكر في تاريخه ج 2 / 149 تهذيب.
(5) هكذا في الاصول ; ولم أجد فيما لدي من مراجع من تسمى من الرجال بهذا الاسم، وقد ورد محمد بن عبد الله بن نمير ممن روى عن قتيبة ولم يعرف غيره.
عبد الرزاق أنه قال القدوم اسم القرية.
قلت الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة * وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم * وقال محمد بن اسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم.
وقال مالك (1) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أول من أضاف (2) الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه (3) وأول الناس رأى الشيب، فقال يا رب ما هذا ؟ فقال الله [ تبارك وتعالى ] " وقار [ يا ابراهيم ] " فقال يا رب زدني وقارا.
وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل * فقبره وقبر ولده اسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد " حبرون " وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بني اسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا.
فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها * وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال وجد عند قبر ابراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة.
الهي جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخر * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أول من ولد له: اسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين (4) فولدت له خمسة كيسان
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ - باب ما جاء في السنة في الفطرة ح 1667 / ص 510.
(2) عند مالك: أول الناس ضيف الضيف.
(3) عند مالك: الشارب.
(4) في الكامل لابن الاثير: حجون بنت أهير.
وسورج واميم ولوطان ونافس * وهكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام ".
ومما وقع في حياة ابراهيم خليل من الامور العظيمة، قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة الغميمة (1) وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكأن أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك من خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الاعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
ما سبقكم بها أحد من العالمين.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون.
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون.
فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [ الاعراف: 80 - 84 ].
وقال تعالى في سورة هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحاق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك.
وإنهم آتاهم عذاب غير مردود.
ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
وجاءه قومه يهرعون إليه.
ومن قبل كانوا يعملون السيئات.
قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.
قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن
__________
(1) وفي نسخة العميمة ; أي الشاملة.
شديد.
قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا إمرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 69 - 83 ].
وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم
تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين.
إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين.
فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون.
قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون.
فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
وجاء أهل المدينة يستبشرون.
قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أولم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين.
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون.
فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم.
إن في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 51 - 77 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 160 - 175 ].
وقال تعالي في سورة النمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ النمل: 54 - 58 ].
وقال تعالي في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون
الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب
الله إن كنت من الصادقين.
قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية * إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين * ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 28 - 35 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين.
الا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * إنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 133 - 137 ] وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم (قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين.
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين.
وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 31 - 38 ].
وقال في سورة الانشقاق (كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر.
نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *) [ القمر: 33 - 40 ].
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها (1) مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن ايراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من
الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعو (2) عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم [ واستضعفوه وكثروا منه ] (3) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا (أخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون) [ النمل: 56 ] فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته وأخرجهم منها أحسن اخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في
__________
(1) غير ما تقدم ذكر اسم لوط في: الانعام 86، الانبياء: 71 - 74، الحج: 43، الصافات: 133 ص: 13، ق: 12، التحريم: 10.
(2) وفي نسخة: ولم يرعووا.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ ارتكاب ] (1) الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا (2) * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرقيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) [ العنكبوت: 29 ] فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث
رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل ابراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الامر الجسيم والخطب العميم (قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا انا ارسلنا إلى قوم مجرمين.
لنرسل عليهم حجارة من طين.
مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 31 - 34 ] وقال (ولما جائت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين.
قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين) [ العنكبوت: 31 - 34 ] وقال الله تعالى (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [ هود: 74 ].
وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا.
ولهذا قال تعالى (إن ابراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) [ هود: 75 ] أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به، من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن اسحاق أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن اسحق إلى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: من العالمين.
عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى (وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان
اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن اسحق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق أمامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم: فيما قال [ والله ] (1) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حيت كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لاهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت (2) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك (3) فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [ هود: 77 ] أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) [ هود: 78 ] يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لان النبي للامة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [ الاخزاب: 6 ] وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم.
وهذا كقوله (أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) [ الشعراء: 165 - 166 ]
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحق
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) وفي نسخة: شفقة عليهم ; وفي الكامل: خافت عليهم.
(3) في الكامل: أدرك.
وهو الصواب.
والقول الاخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا إثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) [ هود: 78 ] نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء.
فجرة أقوياء.
كفرة أغبياء.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد.
مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما تريد) [ هود: 79 ] يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يالوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا [ من غير النساء ] (1).
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم.
ذي العذاب الاليم.
ولهذا قال عليه السلام (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [ هود: 80 ] ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من ابراهيم، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي " (2) ورواه أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة * وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (يعني الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " (3).
وقال تعالى
(وجاء أهل المدينة يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أو لم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين) [ الحجر: 67 - 71 ] فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم (4) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون.
ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون.
وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [ الحجر: 72 ] وقال تعالى (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر.
ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) [ القمر - 36 - 38 ] ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 كتاب المناقب باب 11 ح 3372 فتح الباري وروى ابن ماجة نحوه ورواه أحمد في مسنده 2 / 326 - 332 - 350.
(3) انظر الدر المنثور ج 2 / 185.
(4) هكذا في الاصول وفي نسخة من قصص الانبياء لابن كثير: كلما نهاهم.
يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال ] (1): لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لاحللت.
بكم النكال * قالت الملائكة (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) [ هود: 81 ] وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان.
ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بأن يسري هو
وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم * وقوله (إلا امرأتك) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها.
ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك.
أي فانها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم.
ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الاول أظهر في المعنى والله أعلم.
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة.
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [ هود: 81 ] فلما خرج لوط عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن إمرأته خرجت معه فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد.
ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد * وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غورزغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 82 - 83 ] قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن وكن سبع مدن (2) بمن فيهن من الامم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة.
قيل أربعة آلاف (3) نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في الطبري والكامل والمسعودي: خمس قرى، ذكر المسعودي المدائن الخمس وهي: سدوم، عمورا، وادموتا، وصاعورا، وصابورا.
(3) وفي نسخة: أربعة آلاف ألف نسمة.
والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شر فاتها (وأمطرة عليهم حجارة من سجيل) [ الحجر: 74 ] والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال (مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 34 ] وكما قال تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ الشعراء: 173 ] وقال تعالى (والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى) [ النجم: 53 - 54 يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها * ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ] أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه.
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما.
فإن الله لا يقدر على نبي آن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط * ومن قال خلاف هذا فقد اخطأ خطأ كبيرا.
قال الله تعالى في قصة الافك: لما انزل براءة ام المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول اله صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [ النور: 15 - 16 ] أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة * وقوله ههنا (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما
هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (1) وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 2 / 468 والترمذي في سننه 15 / 24 / 1456 وابن ماجة.
وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: لينه ابن معين، وقال أحمد: ما به بأس.
وقال أبو داود: ليس بالقوي.
وفي تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم 2 / 75 / 642.
لقوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد).
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينفع بمائها ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها لردائتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه.
ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات.
وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى (ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: * - 9 ] وقال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم.
ان في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 73 - 77 ] أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامرة.
هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين).
وقوله (وانها لبسبيل مقيم) [ الحجر: 76 ] أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 137 ] وقال تعالى (ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 35 ] وقال تعالى (فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 35 - 37 ] أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم: فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به عزوجل ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال.
والجواري من السراري ذوات الجمال.
وإياه أن يتبع كل شيطان مريد.
فيحق عليه الوعيد.
ويدخل في قوله تعالى (وما هي من الظالمين ببعيد).
__________
(1) سنن الترمذي 48 / 16 / 3127 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، وقال في المتوسمين.
المتفرسين.
ورواه ابن حجر في لسان الميزان (5 / 1154) والقرطبي في أحكامه (1 / 43) ورواه الاصفهاني في حلية الاولياء 4 / 94 والسيوطي في الدر المنثور 4 / 103 والذهبي في الطب النبوي ص 112.
والطبراني في المعجم الكبير 8 / 121.
قصة مدين قوم شعيب عليه السلام (1) قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم فاوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين.
ولا تقعدوا بكل صراط توعدون.
وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.
وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة
لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد أفترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما.
على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين.
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 83 - 95 ].
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.
وما أنا عليكم بحفيظ.
قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
إنك لانت الحليم الرشيد.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد.
واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.
قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز.
قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط.
ويا قوم اعملوا على
__________
(1) ذكر شعيب في القرآن في: الاعراف: 85 - 88 - 90 - 92 وفي سورة هود: 84 - 87 - 90 - 95، وفي الشعراء: 177 وفي العنبكوت: 36.
مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 84 - 95 ].
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا.
(وإن كان أصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبامام مبين) [ الحجر: 78 - 79 ] وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم (كذب أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول امين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم.
ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الاولين.
قالوا انما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين.
فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال ربي أعلم بما تعملون.
فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 176 - 191 ].
كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية (1) من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط.
وكانوا بعدهم بمدة قريبة.
ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة (2) وهم من بني مدين بن مديان بن إبرهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (3) بن يشجن ذكره ابن اسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (4) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن ابراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (5) بن ثابت بن مدين بن ابراهيم وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام.
ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي [ انه ]: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة فقال: " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم
__________
(1) وفي نسخة قريبة ; وهو الصواب.
(2) وفي نسخة أخرى: مدينة عرفت بها القبيلة ; وهو الصواب.
(3) في الطبري 1 / 167: ميكائيل.
(4) في الطبري: يثرون.
(5) في الطبري: بن صيفون بن عنقا.
شعيب وأختان (1) موسى ".
فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من (2) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فإن هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمي شعيبا خطيب الانبياء يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته * وقد روى ابن اسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء " وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الايكة وهي شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد وهو الولي الحميد.
كما قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا.
قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم) [ الشعراء: 85 ] أي دلالة وحجة
واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وإنه أرسلني وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها) [ الاعراف: 85 ] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط) [ الاعراف: 86 ] أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال اسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعني يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك (وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا) [ الاعراف: 86 ] فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الاخرى (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم
__________
(1) أختان موسى: أصهار موسى.
وفي الاستيعاب: وأحبار موسى.
(2) وفي نسخة: صهر موسى.
محيط) [ هود: 84 ] أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق (1) الله بركة ما في أيديكم (2) ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة.
فنهاهم أولا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الاليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف.
ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) [ هود: 86 ] قال
ابن عباس والحسن البصري (بقيت الله خير لكم) أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الريح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف.
قال وقد روي هذا عن ابن عباس وهذا الذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبتك كثرة الخبيث) [ المائدة: 100 ] يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فإن الحلال مبارك وإن قل والحرام ممحوق وإن كثر كما قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [ البقرة: 276 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل " رواه أحمد (3) أي إلى قلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل والحرام لا يجدي وإن كثر ولهذا قال نبي الله شعيب (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) وقوله (وما أنا عليكم بحفيظ) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لاراكم أنا وغيري (قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 78 ] يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ونترك ما يعبد أباؤنا الاقدمون وأسلافنا الاولون (5) ؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟، (انك لانت الحليم الرشيد) قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
(قال يا قوم أر أيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما
__________
(1) يمحق: يمحي.
(2) وفي نسخة: ما بأيديكم.
(3) مسند أحمد ج 1 / 395 و 424.
(4) ورواه الحاكم في المستدرك 2 / 37، 4 / 317، وصححه ووافقه الذهبي، وابن ماجة في سننه رقم 2279.
وأحمد في مسنده ج 2 / 183.
(5) رواه مسلم في 21 / 43 / 47 والبخاري في 34 / 19 - 42 - 43 فتح الباري وأحمد في مسنده 3 / 402 - 403 - 434 ورواه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي.
ورواه مالك في الموطأ.
أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [ هود: 88 ] هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم: " أرأيتم " أيها المكذبون (ان كنت على بينة من ربي) أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم (ورزقني منه رزقا حسنا) يعني النبوة والرسالة يعني وعمى عليكم معرفتها فأي حيلة لي بكم.
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) أي لست آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول من يتركه وهذه في الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بني اسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [ البقرة: 44 ] وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى النار فتندلق أقتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى.
كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " * وهذه صفة مخالفي الانبياء من الفجار والاشقياء فأما السادة من النجباء والالباء من العلماء، والذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت) أي ما أريد في جميع أمري إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي (وما توفيقي) أي في جميع أحوالي (إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب) أي عليه أتوكل في سائر الامور واليه مرجعي ومصيري في كل أمري وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
[ هود: 89 ] أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله (وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان.
وقيل في الصفات والافعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الاقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) [ هود: 90 ] أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما نقول وإنا لنراك فينا ضعيفا) [ هود: 91 ] روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا كان ضرير
البصر * وقد روي في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمي فرد الله عليه بصره.
وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك إلى الجنة فقال: بل من محنتك فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي فأوحى الله إليه هنيئا لك يا شعيب لقاني فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار عن أبي عبد الله محمد بن اسحق التربلي (1)، عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أمين (2)، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [ هود: 91 ] وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا (ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهمه ولا نتعقله لانا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا
عاملون) [ فصلت: 5 ] وقولهم (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي مضطهدا مهجورا (ولولا رهطك) أي قبيلتك وعشيرتك فينا (لرجمناك وما أنت علينا بعزيز).
(قال يا قوم ارهطي أعز عليكم من الله) [ هود: 92 ] أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم، ولا تخافون جنبة (3) الله ولا تراعوني لاني رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي جانب الله وراء ظهوركم (إن ربي بما تعملون محيط) [ هود: 92 ] أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
(ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا اني معكم رقيب) [ هود: 93 ] وهذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.
ومن يحل عليه الهلاك والبوار (من يأتيه عذاب يخزيه) أي في هذه الحياة الدنيا (ويحل عليه عذاب مقيم) أي في الاخرى (ومن هو كاذب) أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر (وارتقبوا اني معكم رقيب) وهذا كقوله (وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي ارسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) [ الاعراف: 87 ] (قال الملا (4) الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها الا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [ الاعراف:
__________
(1) وفي نسخه الرملي.
(2) ابن امين تحريف، وفي نسخة ابن أوس.
(3) وفي نسخة: عذاب الله.
(4) الملا: أشراف القوم وسادتهم وكبراؤهم.
88 - 89 ] طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه
فقال: (أو لو كنا كارهين) أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وإنما يعودون إليه إن عادوا اضطرارا مكرهين، وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لاحد منه.
ولهذا قال (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا) أي فهو كافينا وهو العاصم لنا وإليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) أي الحاكمين، فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ورسوله خالفوه.
ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون (وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 90 ] قال الله تعالى: (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) [ الاعراف: 91 ] ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات وظلة أرسل عيلهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الاعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) فقابل الارجاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لانهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص (أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 87 ] فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا
الرسول الكريم الامين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة اسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة.
وكان إجابة لما طلبوا.
وتقريبا إلى ما إليه رغبوا.
فإنهم قالوا (إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال رب أعلم بما تعملون) [ الشعراء: 185 - 188 ] قال الله تعالى (وهو السميع العليم فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 189 ] ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: (كذب
أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب) ولم يقل أخوهم كما قال: (وإلى مدين أخاهم شعيبا).
والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الاول أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: (كذب أصحاب الايكة المرسلين) لانه وصفهم بعبادة الايكة فلا يناسب ذكر الاخوة ههنا ولما نسبهم إلى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما إحتجاجهم بيوم الظلة فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيأ من هذا الشأن * فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي عليه السلام ".
فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني اسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من
الخطاب.
وقوله (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الاسراب فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليسظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح.
(فاصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 91 - 92 ].
(ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين)، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 94 - 95 ].
وقال تعالى (وقال الملا من قومه لئن إتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 90 - 92 ].
وهذا في مقابلة قولهم (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 93 ] ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 93 ] أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم) أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح
الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه فلم ينفعكم ذلك لان الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون إليه ولا تلتفون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لاحد أريد به عنه ولا مناص منه.
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام.
وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.
باب ذرية ابراهيم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم وما آل إليه أمره عليه السلام والتحية والاكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط.
وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها إقتداء بالقرآن العظيم * ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية ابراهيم عليه السلام لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده.
اسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر ابراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل * ومن قال إن الذبيح هو إسحق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل * فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر * وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة * وإنما ولد اسحق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة * أما في الصورة فلانه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه.
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل فهذا هو الولد
الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر وأين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه
ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل * وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والامر بها لاهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب * قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى.
قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [ الصافات: 101 - 102 ] فطاوع أباه على ما إليه دعاه.
ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) [ مريم: 54 - 55 ] وقال تعالى (واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص: 45 - 48 ] وقال تعالى (واسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ النساء: 163 ] الآية.
وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] الآية.
ونظيرتها من السورة الاخرى.
وقال تعالى (أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) [ البقرة: 140 ] الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها.
وقد قال سعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث
أبيكم اسماعيل " وكانت هذه العراب وحشا (2) فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الاموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة " فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها * قال الاموي هي
__________
(1) وفي نسخة: بالعلم.
(2) وفي نسخة: وحوشا.
عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي * ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وقيل هذه ثالثة فولدت له إثني عشر ولدا ذكرا.
وقد سماهم محمد بن اسحق رحمه الله وهم نابت وقيذر (1) وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصاوارر ويطور ونبش وطيما وقيذما * وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم.
وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم.
وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه * ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه اسحق وزوج ابنته نسمة (2) من ابن أخيه العيص بن اسحق فولدت له الروم.
ويقال لهم بنو الاصفر لصفرة كانت في العيص * وولدت له اليونان في أحد الاقوال * ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا * وتوقف ابن جرير رحمه الله.
ودفن اسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة * وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال شكى اسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه تجري عليك روحها إلى يوم
القيامة وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار * وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن اسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم * وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم انبيائهم ومحقق أنبائهم * ثم نذكر ما كان في زمن بني اسرائيل * ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الامم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
اسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة (3) بعد أخيه اسماعيل بأربع عشر سنة.
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين (4) سنة قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى
__________
(1) قال الطبري: وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الالفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي ادبيل ادبال وفي ميشا ميشام.
وانظر التعليق حول هذا الموضوع في أخبار العرب ; الجزء الثاني من البداية والنهاية.
(2) في الطبري: بسمة.
(3) في الطبري والكامل: مائة وعشرين سنة.
(4) في الكامل لابن الاثير: سبعون سنة.
اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز * وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ابراهيم ".
وذكر أهل الكتاب أن إسحق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت
عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو وهو الذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم * والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو اسرائيل الذي ينتسب إليه بنو اسرائيل قالوا وكان إسحق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكره وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لانه الاصغر قالوا فلما كبر إسحق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغي ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه إليه قال من أنت قال ولدك فضمه إليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس (1) والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه فقال له ما هذا يا بني قال هذا الطعام الذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وأن يجعل لذريته عليظ الارض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته.
وقالت لزوجها إسحق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم (2) فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الارض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا
الموضع معبد الله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر
__________
(1) في الطبري: المس.
(2) في الطبري: فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل
فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمي ذلك الموضع بين إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما.
وأجملهما [ فطلب يعقوب الصغرى من خاله ] (1) فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لا بان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف إليه ليلا ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر.
فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لم غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان احببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها فعمل سبع سنين وادخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة * وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته لانه معصوم * ووهب لابان لكل واحدة من إبنتيه جارية فوهب لليا جارية إسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى * وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالي فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب عليه السلام فولدت له جاد (2) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (3) * ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب * ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله ندائها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما (4) عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض
حران (5) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله اني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع (6) وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح (7) ببياض وكل أجلح (8) أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من الطبري وقصص الانبياء لابن كثير.
(2) كذا في الاصل وفي رواية للطبري ; وفي رواية أخرى عنده سماه: حادر.
(3) في الطبري: يسحر.
(4) في الطبري: ولدت راحيل ليعقوب بعد اليأس يوسف وأخاه بنيامين، وفي رواية أخرى عنده ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين.
(5) في الطبري: بأرض بابل.
(6) أبقع: ما فيه بقع بيض وسود.
(7) الاملح: ما يخالط بياضه سواد.
(8) اجلح: ما لا قرن له.
من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقي الغنم من المياه لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل (1) أصنام أبيها فلما جاوزوا
وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وامائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم وأعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين إلى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك ودعا الله عزوجل وصلى الله وتضرع إليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لاخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذا الذي بعده ويقول كل منهم وهو جائي بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا اسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما أسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل
__________
(1) في الطبري: فقالت امرأة يعقوب، ولم يذكر اسمها، وعلى الارجح فيما رواه الطبري انها ليا ; لانه اعتبر في نفس الرواية ان راحيل قد ماتت.
1 / 165.
بنو اسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة رجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم إليه وأحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوا به ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله اسرائيل وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه * وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا.
وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وأخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فإنا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذ قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل (1) فولدت غلاما وهو بنيامين إلا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم * وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون
ولاوى ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين (2) ومن أمة راحيل دان ونفتالي ومن أمة ليا حاد واشير عليهم السلام وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن ابراهيم ثم مرض اسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه ابناه العيص ويعقوب مع أبيه ابراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا.
__________
(1) في رواية الطبري ان راحيل قد ولدت بنيامين وهم في ديار أبيها قبل خروجهم إلى أرض فلسطين.
راجع التعليق قبل قليل.
(2) زاد ابن قتيبة في المعارف: وأخوات لهما، ولم يذكر اسماءهن.
ما وقع من الامور العجيبة في حياة اسرائيل فمن ذلك قصة يوسف (1) بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 1 - 3 ] قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر ههنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي انزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلي يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان.
بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين
حكما (2) وأعدل حكما.
فهو كما قال تعالى (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) [ الانعام: 115 ].
يعني صدقا في الاخبار، عدلا في الاوامر والنواهي ولهذا قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 3 ] أي بالنسبة إلى ما أوحى اليك فيه كما قال تعالى (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور) [ الشورى: 52 - 53 ].
وقال تعالى (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق.
وقد آتيناك من لدنا ذكرا.
من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا.
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) [ طه: 99 - 101 ] يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي مرفوعا وموقوفا
__________
(1) ذكر اسم يوسف في 26 آية من الكتاب الكريم: 24 آية في سورة يوسف وآية في الانعام (84) وآية في غافر (34) وقد ذكرت قصته مطولة في سورة يوسف.
وقال النسفي في سبب نزول هذه السورة: ان كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم اليهود: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف.
فنزلت.
(2) وفي نسخة: حكمة.
" من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ".
وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد (1) عن الشعبي عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال: " أتتهوكون (2) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (3) إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم
موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الامم وأنا حظكم من النبيين " (4) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف.
وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون.
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا (إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين.
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم) [ يوسف: 4 - 6 ] قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله (قالوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] وزعم أن هؤلاء هم الاسباط فليس استدلاله بقوي (5) لان المراد بالاسباط شعوب بني اسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم.
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا: عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن
__________
(1) في المسند: عن هشيم عن مجالد.
(2) في المسند: أمتهوكون ; والتهوك: التحير.
(3) مسند أحمد: ج 3 / 388.
(4) مسند أحمد: ج 3 / 471.
(5) وفي نسخة: بالقوي.
ابراهيم " (1) " انفرد به البخاري ; فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة بن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنه * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن (أحد عشر كوكبا) وهم اشارة إلى بقية اخوته (والشمس والقمر) وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود "، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا وهو غلط منهم (وكذلك يجتبيك ربك) أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها (يجتبيك ربك) أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة (ويعلمك من تأويل الاحاديث) أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك (ويتم نعمته عليك) أي بالوحي إليك (وعلى آل يعقوب) آي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة (كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم وإسحق) أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحق ووالد جدك إبراهيم الخليل (إن ربك عليم حكيم) كما قال تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أكرم قال: " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " (2) وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير (3) وقد ضعفه الائمة - عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال: يا محمد أخبرني عن
الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها.
قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها قال فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان والطارق.
والديال وذو الكتفان.
وقابس.
ووثاب.
وعمردان (4) والفيلق.
والمصبح.
والضروح.
وذو الفرع.
والضياء.
والنور " فقال اليهودي أي والله إنها لاسماؤها.
وعند أبي يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه.
(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين.
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم تخريجه فليراجع.
(3) الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد وكنية أبيه أبو ليلى ; متروك.
اتهمه ابن معين تقريب التهذيب 1 / 485 / 191.
(4) في نسخة: عمودان.
منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين.
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين.
قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين) [ يوسف: - 10 ].
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات.
ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه يعنون شقيقه لامه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين (إن أبانا لفي ضلال مبين) أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض (1) محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالؤا على ذلك وتوافقوا عليه (قال قائل منهم) قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن اسحق هو أكبرهم روبيل (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة) أي
المارة من المسافرين (ان كنتم فاعلين) ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون.
قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون.
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) [ يوسف: 11 - 14 ] طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.
يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
(قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم.
وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده (فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابت (2) الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاؤا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين.
وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
والله المستعان على ما تصفون) [ يوسف: 15 - 18 ] لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال
__________
(1) تتمحض المحبة: تكون خالصة لهم.
(2) غيابة الجب: غوره.
واجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه
فيه أوحى الله إليه أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك (وهم لا يشعرون).
قال مجاهد وقتادة وهم لا يشعرون بايحاء الله إليه ذلك * وعن ابن عباس وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم.
ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا) أي ثيابنا (فأكله الذئب) أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
(وجاؤا على قميصه بدم كذب) أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا إلى سخلة (1) ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا أن يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه وأعدموه وغيبوه عن عينيه جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤن ولهذا (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة.
فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف.
فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على إبنه أياما كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم
في التعبير والتصوير [ وقال تعالى ]: (وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه.
قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون.
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ونتخذه ولدا.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث.
والله غالب على أمره ولكن أكثر
__________
(1) سخلة: ولد الشاة.
الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [ يوسف: 19 - 22 ] يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة أي مسافرون.
قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه (1) يوسف فلما رآه ذلك الرجل (قال يا بشرى) أي يا بشارتي (هذا غلام وأسروه بضاعة) أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم (والله عليم بما يعملون) أي هو عالم بما تمالا عليه أخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر مما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه ازمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف (دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين).
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف اليكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين.
وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما.
وقال عكرمة ومحمد بن اسحق أربعون درهما فالله أعلم (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمي مثواه) أي أحسني إليه (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) وهذا من لطف
الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
قالوا وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الذي [ تكون ] الخزائن مسلمة إليه * قال ابن اسحق وإسمه اطفير (2) بن روجيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل.
وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها.
وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن أبي هشام (3) الرفاعي.
وقال محمد بن اسحق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كان اسم الذي باعه بمصر يعني الذي جلبه إليها مالك بن ذعر بن نويب بن عفقا (4) بن مديان بن ابراهيم فالله أعلم.
وقال ابن اسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته اكرمي مثواه والمرأة التي قالت لابيها عن موسى (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
__________
(1) في نسخة: تعلق به.
(2) في رواية للطبري عن ابن عباس اسمه قطفير ; وفي رواية أخرى قطين وكان عمره يوم اشتروه سبع عشرة سنة.
(3) في نسخة: ابن هشام.
(4) في الطبري: مالك بن دعر بن بويب بن عفقان.
القوي الامين) [ القصص: 26 ] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا.
وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا.
فالله أعلم وقوله (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر (ولنعلمه من تأويل الاحاديث) أي فهمها.
وتعبير الرؤيا من ذلك (والله غالب على أمره) أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وامورا لا يهتدي إليها العباد ولهذا قال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين).
فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد.
وهو حد الاربعين الذي يوحي الله
فيه إلى عبادة النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم.
وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال ابن عباس ومجاهد: وقتادة ثلاث وثلاثون سنة.
وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) [ الاحقاف: 15 ].
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب.
وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر والفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم.
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين.
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [ يوسف: 23 - 29 ].
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلقت الابواب عليها وعليه وتهيأت له، وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها، وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن اسحق: وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء.
وحماه عن مكر النساء.
فهو سيد السادة النجباء السبعة الاتقياء.
المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء.
في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه.
ورجلان تحابا في الله إجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " (1).
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال (معاذ الله إنه ربي) يعني زوجها صاحب المنزل سيدي (أحسن مثواي) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده (إنه لا يفلح الظالمون) وقد تكلمنا على قوله (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) بما فيه كفاية ومقنع في التفسير (2).
وأكثر أقوال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين.
واستبقا الباب) أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره (والفيا) أي وجدا (سيدها) أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب اليم).
اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام (هي راودتني عن نفسي) إحتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة (وشهد شاهد من أهلها) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير.
وروي فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها.
وقيل قريبا إليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن اسحاق وزيد بن أسلم فقال (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين) أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه (وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) أي لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) أي هذا الذي جرى من
مكركن أنت (3) راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال (يوسف أعرض عن هذا) أي لا تذكره لاحد لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 10 / 36 / 660 و 24 / 26 و 81 / 24 وأخرجه مسلم في صحيحه 12 / 30 / 91 والترمذي في سننه 37 / 53 / 2391 والنسائي ومالك في الموطأ 51 / 5 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 439.
(2) يراجع تفسير ابن كثير ; تفسير سورة يوسف.
(3) في نسخة: أنت الذي راودتيه عن نفسه.
ثم اتهمتيه بالباطل.
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لانها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) (1).
(وقال (2) نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين.
فلما سمعت بمكرهن أرسلت اليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن.
فلما رأينه أكبرنه وقطعن إيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين.
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين.
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) [ يوسف: 30 - 34 ] * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء (3) في الطعن على إمرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن (إنا لنراها في ضلال مبين) أي في وضعها الشئ في غير محله (فلما سمعت بمكرهن) أي بتشنيعهن
عليها والتنقص لها والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها.
واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وأتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه (4) الحالة.
فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
(فلما رأينه أكبرنه) أي اعظمنه وأجللنه وهبنه (5) وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه
__________
(1) سورة يوسف الآية 29 وفيها: (واستغفري..) رجح الرازي أن يكون القائل هو الشاهد ; ويحتمل أن يكون المراد طلب المغفرة من الزوج أي طلب العفو والصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله.
لان أولئك الاقوام كانوا يثبتون الصانع ; إلا انهم كانوا يعبدون الاوثان.
(2) قوله (وقال نسوة) قال الرازي في تفسيره: لم يقل: وقالت نسوة لوجهين: - إن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنبته غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.
الثاني - قال الواحدي تقدم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
(3) قال في تفسير الرازي: قال الكلبي هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب سجنه - وامرأة صاحب دوابه.
وزاد مقاتل: وامرأة الحاجب.
(4) في نسخة: في هذه.
(5) في قول للرازي: أكبرن بمعنى حضن، قال الازهري يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت ; وهو أن المرأة إذا خافت = وفزعت فربما اسقطت ولدها ; وربما حاضت.
حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في إيديهن بتلك الساكين ولا يشعرن بالجراح (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم).
وقد جاء في حديث الاسراء: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ".
قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى، ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة إمرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس.
ولهذا لما قام عذر (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى، من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) ثم مدحته بالعصمة (2) التامة فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء.
ونأى لانه من سلالة الانبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين (رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين) يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين.
ودخل معه السجن فتيان.
قال احدهما إني أراني أعصر خمرا.
وقال الآخر إني أراني احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.
واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار.
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا
__________
= وقال: وعندي يحتمل انهن إنما أكبرنه لانهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام.
وحمل الآية على هذا الوجه أولى.
18 / 127 - 128.
(1) في نسخة عذرن ; وهو مناسب أكثر.
(2) في نسخة بالعفة.
وفي نسخة أخرى: بالعصمة والعفة.
إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 34 - 41 ].
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لامرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا.
وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم.
ومخالطتهم * ومن ههنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد.
قال الله (ودخل معه السجن فتيان) قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل " بنو " (1).
والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه وهو الذي يقول له الترك " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " (2) كان الملك قد اتهمهما في بعض الامور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السل الاعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا (إنا نراك من المحسنين) فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فأني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى (وانبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم) [ آل عمران: 49 ] وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لاني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا) أي بأن هدانا لهذا (وعلى الناس) أي بأن امرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) * ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل وصغر أمر الاوثان وحقرها وضعف أمرها.
فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله) [ يوسف: 39 - 40 ] أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (أمر أن لا تعبدوا إلا أياه) أي وحده لا شريك له و (ذلك الدين القيم) أي المستقيم والصراط القويم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لان نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول
__________
(1) في نسخة نبوا وفي الطبري نبو.
(2) في الطبري: محلب.
بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد إلى ما أرشد إليه قال (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) قالوا وهو الساقي (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) قالوا وهو الخباز (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ".
وقد روي عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما (قضي الامر الذي فيه تستفتيان.
وقال للذي ظن أنه ناج منها اذكرني عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [ يوسف: 42 ] يخبر تعالى أن يوسف عليه
السلام قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي (أذكرني عند ربك) يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الاسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الارباب.
وقوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي فانسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام * قاله مجاهد ومحمد بن اسحق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع * وقيل إلى السبع * وقيل إلى الخمس * وقيل ما دون العشرة.
حكاها الثعلبي * ويقال بضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف.
وقال الله تعالى (فلبث في السجن بضع سنين) وقال تعالى (في بضع سنين) [ الروم: 2 ] وهذا رد لقوله * قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين * وفي الصحيح: " الايمان بضع وستون " وفي رواية وسبعون شعبة، أعلاها (1) قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الاذى عن الطريق " (2).
ومن قال إن الضمير في قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن جرير (3) في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (4) المكي وهو
__________
(1) في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 2 / 3 ورواه مسلم في 1 / 57 / 58 وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده 2 / 144 - 379 - 445.
(3) تاريخ الطبري ج 1 / 177 وفي إسناده: عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار..(4) في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي.
نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز وليس منسوبا إلى خوزستان.
وهو أبو إسماعيل المكي، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب 1 / 46.
متروك.
ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا ههنا بطريق الاولى والاخرى والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في صحيحه، [ عند ] ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث، أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها.
والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم.
(وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين.
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون.
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون.
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) [ يوسف: 43 - 49 ] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن، ثم ملن عليهن، فأكلنهن فاستيقظ مذعورا.
ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع
أخر دقاق يابسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل (قالوا أضغاث أحلام) أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك، ولهذا قالوا (وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين) فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا.
وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى (وقال الذي نجا منهما وأدكر) أي تذكر (بعد أمة) أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك (وأدكر بعد أمة) أي بعد نسيان وقرأها مجاهد (بعد أمة) باسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.
امهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يزري بالعقول.
فقال لقومه وللملك (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي إستدعاه إلى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عرفه هؤلاء الجهلة الثيران، من قراى وربان (1).
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم إلى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب (2) * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية (وفيه يعصرون) يعني ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم.
وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الاول في سنبله إلا ما يرصد بسبب الاكل ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على
الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
(وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم.
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي أن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) [ يوسف: 50 - 53 ].
لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا (قال ارجع إلى ربك) يعني الملك (فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم) قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الامر الذي ليس برشيد ولا سديد.
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر وما كان منه من الامر الحميد (وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) فعند ذلك (قالت امرأة العزيز) وهي زليخا (الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) أي فيما يقوله من أنه برئ وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما
__________
(1) في نسخة: من فرى وهذيان وفي أخرى: من افتراء وهذيان ; وما في النسخ المطبوعة تحريف.
(2) فالسمان المخاصيب والعجاف هن السنون المحول الجدوب.
وعدوانا وزورا وبهتانا.
وقوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قيل إنه من كلام يوسف أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب.
وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الامر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك
ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الاول.
(وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الاولين.
وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.
قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين.
ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) [ يوسف: 54 - 57 ].
لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه (قال ائتوني به استخلصه لنفسي) أي اجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله (قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي ذو مكانة وأمانة (قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم) طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما (1) بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه إمرأة عظيمة الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل (2) إنه لما مات زوجه إمرأته زليخا فوجدها عذراء لان زوجها كان لا يأتي النساء فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل (3) ذلك يجاويه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء) أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق
__________
(1) في نسخة: فيها بعد.
(2) في الطبري: أن أطفير (قطفير) مات في تلك الليالي أي بعد عزله مباشرة عن عمله.
(3) في نسخة: وفي كل.
الركاب بديار مصر (يتبوأ منها حيث يشاء) أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما (نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
وهذا قال (ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) ويقال إن أطفير زوج زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه إمرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن اسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم.
وقد قال بعضهم.
وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين.
فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون.
وقال لفتيانه إجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [ يوسف: 58 - 62 ] يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه إلى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لانهم لم يخطر ببالهم (1) ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في
القول: وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] لتأخذوا خير بلادي.
فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا، ونحن بنو أب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا، فقال: لابد أن أستعلم أمركم * وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالاخ الآخر.
وفي بعض هذا نظر.
قال الله تعالى (فلما جهزهم بجهازهم) أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان
__________
(1) في عدم معرفتهم له وجوه: انه أمر حجابه أن يوقفوهم بعيدا عنه ولم يتكلم معهم إلا بالواسطة مع مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف.
- تغيره بعد إلقائه في الجب منذ زمن بعيد - قيل أربعون سنة.
- حصول العرفان والتذكر، لعله تعالى ما خلق ذلك في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنهم وهذا من معجزات يوسف عليه السلام.
حمل بعير لا يزيده عليه (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا إثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم (ألا ترون أنى أوف الكيل وأنا خير المنزلين) أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال: (فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدي إليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب (قالوا سنراود عنه أباه) أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن (وإنا لفاعلون) أي وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم.
وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية.
وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون.
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم.
قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.
قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم.
فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون.
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [ يوسف: 63 - 68 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم * وقولهم له (منع منا الكيل) أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي) أي أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا (ونمير أهلنا) أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم (ونحفظ أخانا ونزداد) بسببه (كيل بعير) قال الله تعالى (ذلك كيل يسير) أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتتني به إلا أن يحاط بكم) أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به (1) (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما تقول وكيل) أكد المواثيق وقرر
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان:
العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغني حذر من قدر.
ولولا حاجته (1) وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الاقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء
وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة.
قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لانهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر.
قاله إبراهيم النخعي.
والاول أظهر ولهذا قال (وما أغني عنكم من الله من شئ) وقال تعالى (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الاولى وعوضا آخر (2) (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون.
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذون أيتها العير إنكم لسارقون.
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون.
قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم.
قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين.
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين.
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم.
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون.
قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) [ يوسف: 69 - 79 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وأيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه * ثم
__________
= - معناه الهلال: قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي.
- ما ذكره قتادة: إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين.
فلا تقدرون على الرجوع.
(1) في بعثه بنيامين معهم ; وقصة يوسف لا تزال حية في ضميره ; وجوه: - انهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح.
- انه كان يشاهد انه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد ما كان بينهم وبين يوسف.
- ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك.
- لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.
راجع الرازي ج 18 / 170.
(2) في نسخة: وعرضا آخر وفي نسخة أخرى: وعوضوا آخر.
احتال على أخذه منهم وتركه (1) إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته.
وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته (2) في متاع بنيامين.
ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادى لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين) يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين.
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين).
وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق (3) منه ولهذا قالوا (كذلك نجزي الظالمين).
قال الله تعالى (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي لولا إعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر (إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء) أي في العلم (وفوق كل ذي علم عليم) وذلك لان يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه فلما عاينوا إستخراج الصواع من حمل بنيامين (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره.
وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق
ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له.
وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل غير ذلك فلهذا (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه) وهي كلمته بعدها وقوله (وأنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ.
هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف إليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف لن أبرح الارض حتى يأذن لى أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
__________
(1) في نسخة: وتركهم إياه.
(2) في نسخة: عن غرة.
(3) قال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ; والمعنى جزاء هذا الجرم هو استعباد الشخص الذي يوجد المسروق في رحله ; إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا.
إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون.
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم.
وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو أكون من الهالكين.
قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون.
يا بني إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) [ يوسف: 80 - 87 ].
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به (فلن أبرح الارض) أي لا أزال مقيما ههنا (حتى يأذن لي أبي) في القدوم عليه (أو يحكم الله لي) بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي (وهو خير الحاكمين.
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن إبنك سرق) أي اخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لانه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك (وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمر فصبر جميل) أي ليس الامر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا [ هو ] (1) خلقه وإنما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
قال ابن اسحق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) يعني يوسف وبنيامين وروبيل (إنه هو العليم) أي بحالي وما أنا فيه من فراق الاحبة (الحكيم) فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة (وتولى عنهم) أي أعرض عن بنيه (وقال يا أسفى على يوسف) ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر (2): لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (3)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) القائل: متمم بن نويرة.
(3) الدموع السوافك: المذروفة بغزارة.
فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (1) فقلت له إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله (وابيضت عيناه من الحزن) أي من كثرة البكاء (فهو كظيم) أي مكظم (2) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق (قالوا) له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه (تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) يقول لبنيه لست أشكوا إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو إلى الله عزوجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال: (واعلم من الله ما لا تعلمون) ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما.
(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين.
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) [ يوسف: 88 - 93 ].
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة
عليهم رد أخيهم بنيامين إليهم (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن بتجاوز عنا.
قيل كانت دراهم رديئة.
وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك.
وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) قيل بقبولها قاله السدي.
وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم
__________
(1) اللوى والدكادك: موضعان.
(2) في نسخة: مكمد.
عن أمر ربه وربهم.
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا) وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو (أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي) يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله (وهذا أخي) تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال (قد من الله علينا) أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم الينا وطاعتنا وبرنا لابينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا (إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا (وإن كنا لخاطئين).
أي فيما أسدينا إليك (1) وها نحن بين يديك (قال لا تثريب عليكم اليوم) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال (اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف
والصحيح الاول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فانه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين (2) إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الامور.
(فلما فصلت العير قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون.
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا.
قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون.
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين.
قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [ يوسف: 94 - 98 ].
قال عبد الرزاق أنبأنا اسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس يقول: فلما فصلت العير قال: لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف (فقال إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (3).
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان (4) به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما
__________
(1) قال أبو علي الجبائي: لم يعتذروا إليه من أقدامهم على إلقائه في الجب، وإنما اعتذروا من حيث انهم أخطأوا لانهم لم يظهروا لابيهم ما فعلوه.
قال الرازي وهذا الكلام ضعيف تفسير الفخر الرازي 18 / 205.
(2) قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ; وقال مسروق: ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
تفسير الرازي 18 / 207.
وفي الطبري 1 / 187: كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله.
(3) في نسخة: ثلاثة أيام.
(4) في نسخة: أبي سعد.
وفي الطبري: ابن سنان.
مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله (لولا أن تفندون) أي تقولون إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون.
وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) قال
قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة (1).
قال الله تعالى (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) أي بمجرد ما جاء (2) ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك (ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيريني فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه.
ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا (سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم).
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن ادريس سمعت عبد الرحمن بن اسحق يذكر عن محارب بن دثار قال كان عمر يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول " اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فاطعت وهذا السحر فاغفر لي " قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله (سوف أستغفر لكم ربي) وقد قال الله تعالى (والمستغفرين بالاسحار) [ آل عمران: 17 ] وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له " (4) وقد ورد في حديث ": أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة " قال ابن جرير (5) حدثني المثني.
ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقي حدثنا الوليد (6) أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول لله صلى الله عليه وسلم (سوف أستغفر لكم ربي) يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه.
وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي
__________
(1) زاد قتادة: ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ; والمراد بقولهم: حبك القديم ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه، وما تكابد من الاحزان والشقاء على يوسف.
(2) جمهور المفسرين البشير هو: يهودا.
وفي رواية للطبري 1 / 185: البشير: يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى
يعقوب.
(3) وفي النسخ المطبوعة: الصحيح وهو تحريف.
(4) صحيح مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين باب 23 / ح 166 / 757 ص 1 / 521 عن جابر بن عبد الله.
(5) تاريخ الطبري ج 1 / 186.
(6) وهو الوليد بن مسلم.
رفعه نظر والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه.
(فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [ يوسف: 99 - 101 ].
هذا إخبار عن حال إجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن.
وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة.
وقال محمد بن اسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد إل تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الاولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين.
وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاؤا كلهم (فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه) اجتمع بهما (2) خصوصا وحدهما دون إخوته (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام.
ثم لما اقتربوا من باب
مصر (قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قاله السدي.
ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو اقيموا بها (إن شاء الله آمنين) لكان صحيحا مليحا أيضا.
وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو اسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف
__________
(1) في نسخة: يدعون.
(2) المراد بقوله أبويه: قولان: - المراد أبوه وأمه، وعلى هذا تكون أمه لا تزال حية إلى ذلك الوقت، وقيل انها كانت قد ماتت وأن الله تعالى احياها من قبرها.
- المراد أبوه وخالته، لان أمه - كما مر - ماتت في النفاس بأخيه بنيامين وقد تزوج أبوه بخالته فسماها الله بأحد الابوين.
تفسير الرازي 18 / 210.
وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا.
وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانا.
قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم (1).
قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش) قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت
خالته ليا والخالة بمنزلة الام.
وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم (2).
ورفعهما على العرش أي اجلسهما معه على سريره (وخروا له سجدا) أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا (3).
(وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وجاء بكم من البدو) أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي فيما كان منهم إلي من الامر الذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال (إن ربي لطيف لما يشاء) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته (إنه هو العليم) أي بجميع الامور (الحكيم) في خلقه وشرعه وقدره.
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم التعليق فليراجع.
(3) قال الرازي: في سجود يعقوب ليوسف واستجازته له وجوه: - لاجل وجدانه سجدا لله تعالى، إن ذلك السجود كان سجودا للشكر فالمسجود له هو الله.
- جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه كما يقال: صلبت للكعبة.
- قد يسمى التواضع سجودا، إلا أن هذا شكل لانه تعالى قال: (وخروا له سجدا).
- الضمير في قوله (وخروا له) غير عائد للابوين وإلا لقال: وخروا له ساجدين بل الضمير عائد إلى إخوته.
- لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو السجود، والمقصود التعظيم وهذا بعيد.
- لعل يعقوب علم أن إخوته لن يسجدوا له على سبيل التواضع، ففعل هو ذلك السجود مع جلالة قدره وعظم حقه حتى يصير عمله سببا لزوال الانفة والنفرة عن قلوبهم.
- لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية.
بإختصار تفسير الرازي 18 / 212 - 213.
وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والاثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده (1).
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة (2) حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
وقال الشافعي قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عند وإنك لابن حرة.
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت وشمله قد إجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شئ فيها ومن عليها فان.
وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله.
وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الاسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين.
وهكذا كما يقال في الدعاء " اللهم احينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال: " اللهم في الرفيق الاعلى " ثلاثا ثم قضى (3).
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف.
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " (4) وفي الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم عليها السلام (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا
منسيا) [ مريم: 23 ] وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد
__________
(1) هو ما كانوا يسمونه في مصر نظام المزارعة، وقد بقي معمولا بعقود هذا النظام إلى وقت متأخر.
(2) عام الرمادة: لما صدر الناس عن الحج سنة ثماني عشرة أصاب الناس جهد شديد وأجدبت البلاد وأهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا.
سمي ذلك العالم عام الرمادة لان الارض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر.
طبقات ابن سعد 3 / 310.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 208 عن عائشة ورواه البخاري في الصحيح عن بشر بن محمد بن مبارك ح 4435 في 64 كتاب المغازي 83 باب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة فتح الباري 8 / 136.
(4) الحديث رواه الترمذي في سننه 48 / 39 / 3235 وقال: هذا الحديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في المسند 1 / 368، 4 / 66، 5 / 243، 5 / 427.
القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الاهوال.
فأما في حال الرفاهية ؟ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (1) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند إحضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن اسحق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق.
قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة.
وعندهم أنه أقام
بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [ البقرة: 133 ] يوصي بنيه بالاخلاص وهو دين الاسلام الذي بعث الله به الانبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم إستأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان إشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر.
ثم
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 75 / 19، 80 / 30، 81 / 7 ورواه مسلم في 48 / 10 - 13 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في سننهم ; وأحمد في مسنده: 2 / 263 - 309 - 316 - 350، 3 / 100 - 104 - 163 - 171 - 195 - 208 - 247، 5 / 109 - 110 - 111 - 112، 6 / 339 - 395.
حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة.
ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة *
وقال غيره أوصى إليه أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.
قصة نبي الله ايوب قال ابن اسحق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح (1) بن العيص بن إسحق ابن إبراهيم الخليل.
وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن اسحق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه.
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام.
وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه والمشهور الاول لانه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون) الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب) الآية.
فالصحيح أنه من سلالة العيص بن اسحق وإمرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم (2).
وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب.
وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.
ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [ الانبياء: 83 - 84 ] وقال تعالى في سورة ص (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.
أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب.
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 41 - 44 ] وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس.
ثم نوح.
ثم إبراهيم.
ثم إسماعيل.
ثم إسحق.
ثم يعقوب.
ثم يوسف.
ثم لوط.
ثم هود.
ثم صالح.
ثم شعيب.
ثم موسى وهرون.
ثم إلياس.
ثم اليسع.
ثم عرفى بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن
__________
(1) في الطبري: رازح.
وفي المعارف لابن قتيبة: بن صوص بن رعويل.
(2) في الطبري: افرائيم بن يوسف بن يعقوب.
يعقوب.
ثم يونس بن متى من بني يعقوب.
ثم أيوب بن زراح (1) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن اسحق بن إبراهيم.
وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والاراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران (2).
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه.
يذكر الله عزوجل بها وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر، لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس بلاء الانبياء.
ثم الصالحون.
ثم الامثل فالامثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " (3).
ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في
مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة (4) لبني اسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.
__________
(1) وفي نسخة: راذح، وفي الطبري: رازح.
(2) في الطبري: وكان لايوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان له بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ولكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان اتان لكل اتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك.
(3) أحمد في مسنده 1 / 172 - 174 - 180 - 185 والترمذي في سننه 37 / 56 / 2398 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي وابن ماجة في سننيهما.
(4) في الطبري: كناسة خارج القرية لبني إسرائيل لا يقربه أحد إلا زوجته.
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة.
وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [ الانبياء: 83 ].
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن خازم، عن عبد الله بن
عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شئ قط قال (اللهم ان كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني) فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الاعلى، انبئنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق ".
قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ ص: 42 ] فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو.
قال وكان له أندر
للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الدهب حتى فاض وأفرغت الاخرى في أندر (1) الشعير الورق حتى فاض.
هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه إبن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به.
هذا
غريب رفعه جدا.
والاشبه أن يكون موقوفا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن اسمعيل حدثنا حماد أنبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه.
أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك (2) قربانا واستغفر لهم فانهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع.
قال يا رب ومن يشبع من رحمتك " (3).
وهكذا رواه الامام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي عن إسحق بن راهوية عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك ؟ (4).
هذا موقوف.
وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب
__________
(1) الاندر: الكدس من القمح خاصة.
(2) ذكر الطبري ان ثلاثة نفر (فقط) قد اتبعوه على دينه يقال للاول: يلدد، والآخر: اليفز، والثالث صافر.
ووردت في التوراة: بلدد الشوحي، أليفار اليماني، صوفر النعماني.
وفي تعليله لاشفائه: ان هؤلاء بكتوه في بلائه ; فأقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم.
(3) رواه أحمد في مسنده 2 / 511 وأبو داود الطيالسي في مسنده 2 / 83 / 2302.
(4) مسند أحمد ج 2 / 243 - 304.
فجعل أيوب يحشي في ثوبه، فناداه ربه عزوجل (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك " (1).
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
وقوله (أركض برجلك) أي اضرب الارض برجلك فامتثل ما أمر به فانبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها، ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الالم والاذى والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حيت صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا (2) من ذهب وأخلف الله له أهله كما قال تعالى (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) [ الانبياء: 84 ].
فقيل أحياهم الله بأعيانهم.
وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله (رحمة من عندنا) أي رفعنا عنه شدته (وكشفنا ما به من ضر) رحمة منا به ورأفة وإحسانا (وذكرى للعابدين) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع (3).
وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 44 ] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حلفه
ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها.
وقيل لانه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط.
فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا (4) وهو كالعثكال (5) الذي يجمع الشماريخ (6) فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث.
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضي الله عنها.
ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله (إنا وجدناه صابرا
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 314 والبخاري في صحيحه 5 / 20 - 60 / 20 و 97 / 35.
(2) جراد: آنية.
(3) النزع.
النبت، (4) الضغث: قبضة من قضبان مختلفة، يجمعها أصل واحد مثل الاسل.
(5) العثكال: ما علق من عهن أو صوف أو زينة فتذبذب في الهواء.
(6) الشماريخ: واحدها شمراخ، وشماريخ العثكال اغصانه.
وأصله في العذق.
نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام عند الوصول إليه أن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة.
وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء وبيوسف عليه السلام على الارقاء وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالامر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم.
ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما
يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليهما السلام.
قصة ذي الكفل (1) الذي زعم قوم انه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الانبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص 45 - 48 ] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم.
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه امرهم ويقتضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل.
وروى ان جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي
__________
(1) قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضا النصيب.
بثلاث استخلفه.
يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (1).
قال: فقام رجل تزدريه العين (2)، فقال: أنا.
فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في
صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم * قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (3) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح.
فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لاغضبنك، [ فعصمك الله مني ] (4) فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفى به.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق.
وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الاخنس قال سمعت الاشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
__________
(1) زاد في القرطبي: ولا يغضب وهو يقضي.
(2) في القرطبي: رجل من ذرية العيص.
(3) الرواح: قيل الرواح العشي، وقيل: الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل.
(4) الزيادة من القرطبي.
قال: قال أبو موسى الاشعري، فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد (1): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله.
عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [ أ ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط.
ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (2).
ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن.
وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا.
وفي إسناده نظر فإن سعدا (3) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى الآية) [ القصص: 43 ].
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض غير القرية التى مسخوا قردة.
ألم تر أن الله تعالى يقول: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) ورفعه البزار في رواية له.
والاشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام: فمنهم:
اصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا.
وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا) [ الفرقان: 38 - 39 ] وقال تعالى في صورة ق (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 23.
(2) رواه الترمذي الحكيم في نوادر الاصول.
ورواه الترمذي أبو عيسى في سننه كتاب صفة القيامة (38) باب 48 ح / 2496.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الاعمش ونحو هذا ورفعوه.
وروى بعضهم عن الاعمش ولم يرفعه.
(3) سعد ويقال طلحة، عن ابن عمر، وعنه عبد الله (الرازي) وثقة الكاشف (1 / 280) أو سعيد ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة تقريب التهذيب 1 / 290.
وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 12 - 14 ] وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك.
وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج (1)، لان أولئك عند ابن اسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضا.
وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس (2) ; أهل قرية من قرى ثمود.
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الاحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الارض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد
بالاحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله عزوجل، فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم (3).
وروى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان.
وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها (4).
وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين.
وقال قتادة فلج من قرى اليمامة قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا * وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير.
وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعا وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم (5) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن
__________
(1) قال تعالى: (قتل أصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود (4 - 6).
(2) الرس: في كلام العرب البئر التي تكون مطوية والجمع رساس.
وفي الصحاح: الرس بئر كانت لبقية من ثمود.
والرس أيضا عند العرب: الدفن.
(3) تاريخ ابن عساكر 1 / 15 تهذيب.
(4) عن عكرمة: دفنوه حيا.
(5) في نسخة: فأخبرهم، وهو مناسب أكثر.
عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له قال السهيلي وكان يوحي إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه
وألقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الانس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1) فلا يسمع ببقاعهم لا عزيف الجن وزئير الاسد (2) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعني - ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الاسود.
ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك (3) لبئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها، ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون * ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام (4) فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته، ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع * ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه * قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل فيقولون له ما تدري حتى قبض الله النبي عليه لسلام وأهب (5) الاسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ".
فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر.
ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء، على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن قال لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم (6).
__________
(1) في نسخة: والوحش.
(2) في نسخة: والاسود.
(3) في نسخة: تلك.
(4) في نسخة: فنام.
(5) في الرازي والقرطبي: وهب.
(6) قال الرازي: وأعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن.
ولا بخبر قوي الاسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبره الله تعالى عنهم انهم أهلكوا بسبب كفرهم 24 / 83.
اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم.
ثم اختار أنهم أصحاب الاخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم.
قصة قوم يس وهم (1) اصحاب القرية قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون.
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون.
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون.
وما علينا إلا البلاغ المبين.
قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنك وليمسنكم منا عذاب أليم.
قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني إليه ترجعون.
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون.
إني إذا لفي ضلال مبين.
إني آمنت بربكم فاسمعون.
قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 13 - 29 ].
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية.
رواه ابن اسحق فيما بلغه عن
ابن عباس وكعب الاحبار ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن اسحق فيما بلغه عن ان ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا: وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الاصنام.
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم.
وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين (2) الاوليين
__________
= وفي القرطبي تعليقا على قول ابن جرير.
قال الثعلبي: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس، لان الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم.
ج 13 / 33.
(1) في نسخة: ومنهم أصحاب القرية.
(2) في نسخة: الرسولين.
قال القرطبي هذا قول الطبري وقال غيره: شمعون ويوحنا، وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا وصدوقا.
شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا: لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك.
فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله أعلم.
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولان ظاهر سياق القرآن يقتضي من هؤلاء الرسل من عند الله.
قال الله تعالى (واضرب لهم
مثلا) يعني لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني المدينة (إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الامم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وأنتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي تشائمنا بما جئتمونا به (1) (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الاول قوله (وليمسنكم منا عذاب أليم) فوعدوهم بالقتل والاهانة.
(قالوا طائركم معكم) أي مردود عليكم (أأن ذكرتم) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والاهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني لنصرة الرسل وأظهار الايمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا (2) ولا في الآخرة (أني إذا لفي ضلال مبين) أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه * ثم قال مخاطبا للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم.
وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني يرسل الله جهرة.
فعند ذلك.
__________
(1) قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم، القرطبي 15 / 16.
(2) قال وهب: وكان حبيب مجذوما، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة كان ينحث الاصنام وكان عكف على عبادة الاصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ; فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله ; وأن هذه لا تنفع شيئا ولا تضر.
فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به.
القرطبي 15 / 18
قتلوه.
قيل رجما.
وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه * وحكى ابن اسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته [ من دبره ] (1).
وقد روى الثوري عن عاصم الاحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا.
وقيل إسكافا.
وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم.
وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه.
ولهذا قال تعالى: (إدخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.
قال ابن عباس نصح قومه في حياته (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقي غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وقوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن اسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود * قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والاول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال (وما كنا منزلين) أي وما كنا نحتاج (3) في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).
قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لان هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة
__________
(1) من القرطبي.
وقصبته: أمعاؤه.
وقيل في قتله: عن الحسن: حرقوه حرقا.
(2) في نسخة: أشياخه.
(3) في نسخة: محتاجين.
آمنت بالمسيح * فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الاشقري (1) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (2) فإنه حديث لا يثبت لان حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم.
قصة يونس قال الله تعالى في سورة يونس (فلولا كانت قرية آمنت فتفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] وقال تعالى في سورة والصافات (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) [ الصافات: 139 - 148 ].
وقال تعالى في سورة نون (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) [ القلم: 47 - 50 ].
قال أهل التفسير بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، من أرض الموصل، فدعاهم
إلى الله عزوجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث (3).
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا (4) إلى الله عزوجل وصرخوا وتضرعوا
__________
(1) في نسخة: الاشقر وفي أخرى: الاصفر وهو تحريف.
(2) رواه الطبراني في 3 / 111 / 2.
قال البخاري في الاشقري: ضعيف جدا.
وقال العقيلي: عن البخاري قال فيه: فيه نظر (الضعفاء 90).
(3) في تفسير الرازي بعد أربعين ليلة.
وعند القرطبي فكالاصل.
(4) عجوا: معناها هنا: تضرعوا.
إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات (1) وجأرت الانعام والدواب والمواشي فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) [ سبأ: 34 ].
وقوله (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين ; الاظهر من السياق نعم.
والله أعلم.
كما قال تعالى (لما آمنوا) وقال تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى
حين).
وهذا المتاع إلى حين لا يفني أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف * وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [ الصافات: 147 ] قال: " يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب * وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين ألفا.
وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا هل كان ارساله إليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون * قالوا فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر (2) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.
ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الامر العظيم.
قال الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين.
إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين.
فالتقمه الحوت وهو مليم) [ الصافات: 139 - 142 ].
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عزوجل
__________
(1) في النسخ المطبوعة: الامهاب وهو تحريف.
(2) في نسخة: فتشمر.
حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه * قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا
وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله.
وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه.
فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه (1).
والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الاجاجي (2) فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى * فعند ذلك وهنالك قال ما قال: بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين (وذا النون إذ ذهب) إلى أهله (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق * وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما يقدر يكن فلك الامر (3) (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر (4).
وقوله تعالى (فلولا أنه
__________
(1) في القرطبي: قال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما.
الضحاك: عشرين يوما.
عطاء سبعة أيام.
مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام وقيل ساعة واحدة.
15 / 123.
(2) الاجاجي: نسبة إلى الاجاج: الملح.
(3) في القرطبي: أنشد ثعلب: ولا عائد ذالك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر (4) قال الماوردي: انه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة.
كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [ الصافات: 143 - 144 ] قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة.
ولبعث من جوف ذلك الحوت.
هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
وقيل معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: " يا غلام إني معلمك كلمات إحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (1) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قالت ] سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ [ ه ] ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما [ فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ] فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر * قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا [ ضعيفا ] بأرض غريبة، قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر * قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل " كما قال الله (وهو سقيم) هذا لفظ ابن
جرير إسنادا ومتنا (3) * ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد كذا قال.
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن، أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: يا رب ومن هو ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة، قالوا: يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء * ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم * قال: أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا احدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 293 - 307.
(2) ما بين معكوفين من الطبري 2 / 45.
الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية (1) وحشية تأكل من خشاش (2) الارض أو قال هشاش الارض.
قال فتنفشخ (3) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (فنبذناه) أي القيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شئ من الاشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش * وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي
حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شئ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو القرع.
قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك (4).
وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الاروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية.
وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا * قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها.
ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: * قال أبو خالد: أحسبه
__________
(1) أروية: جمع أروى وهي أنثى الوعل الحيوان للجاحظ 3 / 498.
(2) خشاش: حشرات.
(3) في نسخة: فتفسح ; وفي الطبري: فتفسح.
(4) يحتوي اليقطين على الحديد والكلس، يستفاد منه في تناول بذوره لطرد الدودة الوحيدة من الامعاء.
عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا بدعاء يونس أستجيب له " قال أبو سعيد الاشج يريد به (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد.
وثالث أحسن منهما.
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي اسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد، وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شئ قال: لا، وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام.
قال ما فعلت.
قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت.
قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إليه أنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الارض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو إسحق ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة.
ثم جاء هذا الاعرابي فشغلك.
قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له " (1) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به.
فضل يونس قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين) وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به * وقال البخاري
أيضا حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه " (3).
ورواه
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 170 والترمذي في جامعه 49 / 82 / 3505 وقال أبو عيسى: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن سعد ولم يذكر فيه عن أبيه.
(2) مسند أحمد ج 1 / 205 وأخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 65 / 37 / 1 / 4804.
(3) صحيح البخاري (فتح الباري 65 / 46 / 4630) وأخرجه أحمد في المسند 1 / 242، 342 ومسلم في صحيحه
أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها * وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (1) تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا اسرائيل، عن أبي يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين (3).
قال البخاري في آخره: " ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى " أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس * والقول الآخر لا ينبغي لاحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الاحاديث لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى * وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله
والمرسلين.
قصة موسى الكليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر (4) بن لاوى بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا.
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 51 - 53 ] وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن * وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من إبتدائها
__________
= 43 / 43 / 167 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو داود السجستاني في سننه.
والبيهقي في الدلائل ج 5 / 495 وفيه: ونسبه إلى أمه بدل أبيه.
(1) مسند أحمد 1 / 291.
(2) صحيح البخاري ج 4631 ومسلم ح 166 (المرجع السابق) أحمد في مسنده 2 / 405.
(3) رواه أبو داود في سننه - كتاب السنة ح 4671 ص 4 / 217.
(4) سقط عازر من عمود نسب موسى عند الطبري وابن قتيبة في المعارف.
وزاد ابن قتيبة ولم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبي حتى كان موسى.
إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الاثار المنقولة من الاسرائيليات التي (1) ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون.
إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين.
ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 1 - 6 ] يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر
موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الاعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الارض * وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردأها وأدناها ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) [ القصص: 4 ] وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم، ما يأثرونه (2) عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة إمرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها * وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عن ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة (3) عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو (4) بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل * فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة، والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك
__________
(1) في نسخة: كما.
(2) يأثرونه يحفظونه.
(3) وهو مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي ثقة عابد تقريب التهذيب 2 / 1007 ذكره ابن معين والعجلي في الثقات روى عن ابن مسعود وعمر الكاشف ج 3 / 116.
(4) في نسخة: من جهة بيت المقدس، وفي الطبري: من بيت المقدس.
أهل مصر.
على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (1) ولهذا قال الله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) [ القصص: 5 ] وهم بنو إسرائيل (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 6 ] أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني اسرائيل كما قال تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) [ الاعراف: 137 ] الآية * وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [ الشعراء: 57 - 59 ] سيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالي ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد إمرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان (2) لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى.
هذا والقدر يقول يا أيها ذا (3) الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه وإتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا بعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربية وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين تكذيبك ما أوحى إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والارض هو
الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الابناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الابناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا
__________
(1) رواه الطبري (ج 1 / 200 القاموس الحديث).
(2) في نسخة: كان يقتل الغلمان أولا.
(3) في نسخة: يا أيها.
واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت الهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به (1).
قال الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.
وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) [ القصص: 7 - 9 ] هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية) [ النحل: 68 - 69 ] وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الاول كما حكاه أبو الحسن الاشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا.
وقيل أياذخت (2) * والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك.
وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط في طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون) قال الله تعالى (ليكون لهم عدوا وحزنا) قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه * وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم * ويقوى هذا التقدير الثاني قوله (إن فرعون وهامان) [ القصص: 8 ] وهو الوزير السوء (وجنودهما) المتابعين لهما (كانوا خاطئين) أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف * وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى * وقيل بل كانت عمته، حكاه السهيلي فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 1 / 200.
(2) في الطبري: يوخابد وقيل كان اسمها أناحيد ; وفي القرطبي: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب.
وفي المعارف لابن قتيبة: أباحثة، وفي التوراة اسمها: يوخابث بنت لاوى بن يعقوب.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة * فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلالا بتلك الانوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته، ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا * فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها (عسى أن ينفعنا) [ القصص: 9 ] وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أو تتخذه ولدا) وذلك أنهما تبنياه لانه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى
(وهم لا يشعرون) أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم (1) لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده [ وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى " دربتة " إبنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عزوجل ] (2) (وأصبح فؤاد آم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) [ القصص: 10 - 13 ] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فأرغا) أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لاخته وهي ابنتها الكبيرة (3) قصيه أي اتبعي أثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب * قال مجاهد عن بعد * وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده * ولهذا قال (وهم لا يشعرون) وذلك لان موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) * قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها
__________
(1) في النسخ المطبوعة: أن قيضهم وهو تحريف.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
(3) جاء في تفسير القرطبي: اسمها: مريم بنت عمران ; وقال الضحاك: كلثمة.
وقال السهيلي: كلثوم.
النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال هل فيما قال له (ولقد متنا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني) [ طه: 37 - 39 ] [ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه ] (1) (ولتصنع على عيني) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الامور التي لا يقدر عليها غيري (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [ طه: 40 ] وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
(ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين.
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [ القصص: 14 - 17 ] لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وإمتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى هو إحتكام الخلق والخلق وهو سن الاربعين في قول الاكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر
وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الاجل وانقضى الامد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.
قال تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار * وعن ابن عباس بين العشائين (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتضاربان ويتهاوشان (هذا من شيعته) أي إسرائيلي (وهذا من عدوه) أي قبطي.
قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) * قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه *
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
وقال قتادة بعصا كانت معه (فقضى عليه) أي فمات منها * وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه مع هذا (قال) موسى (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم.
قال رب بما أنعمت علي) أي من العز والجاه (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين.
فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى.
أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين.
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) [ القصص: 18 - 21 ] يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى
منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفا يترقب) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الاسرائيلي الذي استنصره بالامس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له (إنك لغوي مبين) * ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) قل بعضهم إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي إطلع على ما كان صنع موسى بالامس وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي إعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الامر الذي كان وقع بالامس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون.
وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه ورأى من سجيته إنتصارا جيدا للاسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالامس أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالامس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعيا إليه مشفقا عليه (1) فقال (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي من هذه البلدة (إني لك من الناصحين) أي فيما أقوله لك قال الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب) أي فخرج من مدينة مصر من فوره
__________
(1) قال في تفسير القرطبي: قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون.
على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا (رب نجني من القوم الظالمين.
ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [ القصص: 21 - 24 ].
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لانه لم يخرج من مصر قبلها (ولما توجه تلقاء مدين) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل).
أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود * وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئرا يستقون منها * ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الايكة وهم قوم شعيب عليه السلام * وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قول العلماء * (ولما ورد الماء) المذكور (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي تكفكفان [ عنهما ] غنمهما أن تختلط بغنم الناس * وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى إثنتان منهن.
وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء (1) لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى (فسقى لهما).
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده.
ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان * قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة [ رجال ] وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر (2) * روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل (3) جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة * قال عطاء بن السائب لما (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) اسمع المرأة (فجاءته إحداهما
__________
(1) الرعاء: جمع راع.
(2) السمر: جمع السمرة وهي شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.
(3) معنى العبارة ركيك وغير مقبول عقليا ; وفي تفسير القرطبي عن ابن عباس: - ولعله أقرب للواقع - وكان قد بلغ به الجوع، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه.
تمشي على استحياء قالت ان أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين.
قالت إحداهما يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين.
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين.
قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [ القصص: 25 - 28 ] لما جلس موسى عليه السلام في الظل و (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) سمعته المرأتان (1) فيما قيل فذهبتا إلى ابيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشى الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا * صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة.
وهذا من تمام حيائها وصيانتها، فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها (قال له) ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب عليه السلام.
وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس.
وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا إسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس يالنبي صاحب مدين * وقيل إنه
ابن أخي شعيب * وقيل ابن عمه * وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب * وقيل رجل إسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها * قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله إسمه يثرون.
زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب.
زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لابيها (يأ أبت إستأجره) أي لرعي (2) غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو بن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه
__________
(1) قيل إحداهما: ليا.
والاخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام وقيل غير ذلك.
(2) إشارة إلى مشروعية نظام الاجارة، وانها كانت عندهم في نظام حياتهم الاقتصادية، وإشارة إلى انها ضرورة للخليقة ومصلحة التعامل بين الناس.
تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق (1) قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين * وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [ القصص: 27 ] استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله إحدى ابنتي هاتين * وفي هذا نظر لان هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة وأستأنسوا
بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [ عليه ] (2) في كتابه " باب إستئجار الاجير على طعام بطنه " حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الدر (3) يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " (4) وهذا من هذا الوجه لا يصح لان مسلمة بن على الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الائمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني أبن لهيعة وحدثنا أبورزعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة
__________
(1) إشارة إلى خلق موسى وتحرجه من النظر إلى ادبار النساء.
قال في تفسير القرطبي: فهبت ريح ضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من النظر إليها ; فقال ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك..ودليني على الطريق يمينا ويسارا.
وكان هذا سبب وصفها له بالامانة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) الدر تحريف، وفي ابن ماجة الندر.
(4) سنن ابن ماجة في: 16 / 5 / 2444.
وفيه: أو عشرا في إسناده ضعف لان فيه بقية (الزاوئد) بقية بن الوليد الحمصي المحدث المشهور قال أحمد: له مناكير وقال ابن حجر: كان كثيرا لتدليس عن الضعفاء والمجهولين.
- مسلم بن علي الخشني الشامي قال فيه البخاري: منكر الحديث وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة - الضعفاء والمتروكين (70) تقريب التهذيب (1 / 107) ميزان الاعتدال (109 / 4).
فرجه وطعمة بطنه " * ثم قال تعالى (ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله
على ما نقول وكيل) [ القصص: 28 ] يقول إن موسى قال لصهره الامر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الاجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الافطس (1)، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الاجلين قضى موسى ؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي (2) عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل أي الاجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما (3) * وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عزوجل فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأتمهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي
__________
(1) سالم الافطس وهو ابن عجلان الجزري ; أبو محمد الحراني قال ابن حجر: شامي ثقة ليس له في الصحيح سوى حديثين: هذا الحديث وآخر في الطب.
فتح الباري 52 / 28 / 2684 من السادسة قتل صبرا سنة اثنين
وثلاثين / تقريب التهذيب 1 / 281.
(2) الحميدي: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر ثقة حافظ فقيه.
قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره تقريب التهذيب أحد الاعلام.
قال الفسوي: ما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه مات سنة 219 تقريب التهذيب 1 / 415 الكاشف للذهبي 2 / 77.
(2) تاريخ الطبري: 1 / 206.
حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن الندر أن رسول الله قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " * فلما وفى الاجل قيل يا رسول الله أي الاجلين قال: " أبرهما وأوفاهما " * فلما أراد فراق شعيب سأل إمرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (1) من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها * ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال فأتمئت وآنثت (2) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ".
قال ابن لهيعة الفشوش: واسعة الشخب (3)، والضبوب ; طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة الشخب (4)، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر * وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال (5) فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن [ كلهن ] (6) ذلك
العام وهذا إسناد [ جيد ] (6) رجاله ثقات والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم.
[ قال الله تعالى ] (6).
(فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون.
فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
وأن ألق عصاك
__________
(1) أي على غير لون أمها.
(2) في نسخة فأغنت وانثت.
وفي أخرى اتأمت وألبنت.
اتمئت: ولدت توأما.
انثت: ولدت انثى.
وألبنت: أي كثر لبنها.
(3) الشخب: اللبن الذي ينزل، والمقصود انها تشخب كثيرا عند حلبها في المرة الواحدة.
(4) أي تحلب حلبا قصيرا.
(5) في نسخة: في الموضعين: الحبال.
(6) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين.
أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 29 - 32 ].
تقدم أن موسى قضى أتم الاجلين وأكملهما وقد يؤحذ هذا من قوله (فلما قضى موسى الاجل) وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها.
وقوله (وسار بأهله) أي من عند صهره زاعما (1) فيما ذكره غير واحد من المفسرين - وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في
طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يرى (2) شيئا واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا وكأنه، - والله أعلم - رآها دونهم لان هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الاخرى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [ طه: 9 - 10 ] فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق * وجمع الكل في سورة النمل في قوله (إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) [ النمل: 7 ].
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور.
قال الله تعالى (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ].
وقال في النمل (فلما جاءها نودى أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) [ النمل: 8 ] أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) [ النمل: 9 ] وقال في سورة طه (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى.
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) [ طه: 11 - 16 ].
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (3) وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة
__________
(1) في نسخة ذاهبا وما أثبتناه مناسب أكثر.
(2) في النسخ المطبوعة: فلا يورى وما أثبتناه مناسب للسياق.
وفي تفسير القرطبي عن وهب بن منبه: فقدح موسى النار فلم تور المقدحة شيئا.
(3) العوسج: الشوك.
في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) [ القصص: 44 ] وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له (إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ] (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [ طه: 14 ] أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها (لتجزى كل نفس بما تسعى) [ طه: 15 ] أي من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ الذي يقول للشئ كن فيكون.
(وما تلك بيمينك يا موسى) [ طه: 17 ] أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قال هي عصاي أتؤكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) [ طه: 18 ] أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال القها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 19 - 20 ].
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [ هو الذي ] يقول للشئ كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا [ صادقا ] (1) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عزوجل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الارض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 20 ] فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها
فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الاخرى (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) [ النمل: 10 ] أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك (2) وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات * يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام (ولى مدبرا) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (3) (فناداه ربه) قائلا (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: تصطك.
(3) في تفسير القرطبي: عن مجاهد: لم يرجع.
[ القصص: 21 ] فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها.
(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى) [ طه: 21 ] فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين (1) فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه.
ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق.
ولهذا قال (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) [ القصص: 32 ] قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصا به إلا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء وقال في سورة النمل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ النمل: 12 ] أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله (فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 32 ] ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة
سبحان حيث يقول تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذا جاءهم فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا.
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) [ الاسراء: 101 - 102 ] وهي المبسوطة في سورة الاعراف في قوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 130 - 133 ] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشرة من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون.
قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [ القصص: 33 - 35 ].
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عزوجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر
__________
1) في الطبري عن وهب بن منبه: ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها.
2) في تفسير الرازي: قال العزيزي في غريب القرآن: اسلك يدك في جيبك: أدخلها فيه.
فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون).
أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم
فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا * قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) أي برهانا (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا.
وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه (اذهب إلى فرعون انه طغى.
قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [ طه: 24 - 28 ] قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد إختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم أنه يعيب به الكليم (ولا يكاد يبين) [ الزخرف: 52 ] أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده * ثم قال موسى عليه السلام (واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) [ طه: 32 - 36 ] أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عزوجل حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى (وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ] وقال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 53 ] وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لاناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه قال الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) قال تعالى في سورة الشعراء (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون.
قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون.
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون.
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا نبي إسرائيل.
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء: 10 - 19 ] تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا
وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) [ الشعراء: 18 ] أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر (1) وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء ; 19 ] أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (2) (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) [ الشعراء: 20 ] أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) [ الشعراء: 21 ] ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) [ الشعراء: 22 ] أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك (قال فرعون وما رب العالمين.
قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين.
قال لمن حوله ألا تستمعون.
قال ربكم ورب آبائكم الاولين.
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 23 - 28 ].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقيلة المعنوية ثم الحسية.
وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد
الصانع تبارك وتعالى.
وزعم أنه الاله (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى) [ النازعات: 23 - 24 ] (وقال يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) [ القصص: 38 ].
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الاله الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [ النمل: 14 ] ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الانكار لرسالته والاظهار أنه ماثم رب أرسله (وما رب العالمين) [ الشعراء: 23 ] لانهما قالا له (إنا رسول رب العالمين) [ الشعراء: 16 ] فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابعتثكما فأجابه موسى قائلا (رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين) [ الشعراء 24 ] يعني رب العالمين خالق هذه السموات والارض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة (3) من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد
__________
(1) كان بين خروج موسى حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر القرطبي 13 / 95.
(2) نعمتنا: أي نعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والاحسان إليك.
(3) في النسخ المطبوعة " المتجددة " وما أثبتناه مناسب للمعنى.
ومحدث وخالق.
وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
(قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ألا تسمعون يعني كلامه هذا قال موسى مخاطبا له ولهم (ربكم ورب آبائكم الاولين) [ الشعراء: 26 ] أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والاجداد والقرون السالفة في الآباد فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين.
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [ فصلت: 53 ] ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق
والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 27 - 28 ] أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة (1).
المسير للافلاك الدائرة.
خالق الظلام والضياء.
ورب الارض والسماء رب الاولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفلك يسبحون يتعاقبون في سائر الاوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته (2) (قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين.
قال أولو جئتك بشئ مبين.
قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) [ الشعراء: 29 - 33 ] وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد.
وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والابصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد (3) وخوف عظيم بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال * وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الابصار فإذا أعادها إلى جيبه [ واستخرجها ] (4) رجعت إلى صفتها الاولى.
ومع هذا كله لم ينتفع
__________
(1) في نسخة: المنيرة.
وفي أخرى: النيرة: (2) قطع فرعون المحاورة مع موسى، لما انقطعت عنده الحجة ; ولم يقل له ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك لان فيه الاعتراف بأن ثم إلها آخر غيره ; فتوعده بالسجن، وفي ذلك ضعف منه وتراجع ; ولم يخفه موسى بل كان في منتهى اللطف به والطمع في إيمانه قال: أولو جئتك بشئ مبين.
لكنه كما قال مالك: دعاه إلى الاسلام أربعين سنة.
(3) في نسخة: أخذته رجفة شديدة.
وفي أخرى: أخذه رعبه.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
فرعون - لعنه الله - بشئ من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن [ هم ] (1) في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [ طه: 40 - 46 ].
يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدا لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين (ثم جئت على قدر) أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري (واصطنعتك لنفسي) أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) [ طه: 45 ] يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه (2) فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وإهداء (3) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الاحاديث يقول الله تعالى " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه " (4) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية) [ الانفال: 45 ] ثم قال تعالى (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 43 ] وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: عليه.
(3) في نسخة: وأداء.
(4) الحديث أخرجه الترمذي في 49 كتاب الدعوات 119 باب ح 3580 عن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن أبي دوس اليحصبي عن ابن عائذ اليحصبي عن عمارة بن زعكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم..وفيه زيادة (يعني عند القتال).
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ليس اسناده بالقوي.
وعفير: ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: لا يشتغل به / تقريب التهذيب 2 / 25
===============ج222222222222222===============================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
ج2.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث * قال الحافظ الدارقطني وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله.
وهذه الاحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي.
فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالاقرار بالوحدانية فلم يجئ في الاحاديث الثابتة.
وتفسير الآية التي في سورة الاعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه هناك.
وذكرنا الاحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها.
فمن أراد تحريره فليراجعه ثم والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان (1) يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه.
ثم كلمهم قبلا قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا) إلى قوله (المبطلون) (2) فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم * رواه النسائي وابن جرير
والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزي به.
وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه إلا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروي عنه مرفوعا وموقوفا.
وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا.
وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله * وهذا أكثر وأثبت والله أعلم.
وهكذا روي عن عبد الله بن عمر موقوفا ومرفوعا والموقوف أصح * واستأنس القائلون بهذا القول وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور بما قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الارض من شئ أكنت مفتديا به قال فيقول نعم.
فيقول قد أردت منك ما هو
__________
(1) نعمان: واد إلى جنب عرفة.
وقال القرطبي في أحكامه 7 / 316: واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال: - ببطن نعمان قاله ابن عباس.
- برهبا - أرض بالهند الذي هبط فيه آدم عليه السلام (قاله ابن عباس).
بين مكة والطائف قاله الكلبي.
- في السماء الدنيا قاله السدي.
(2) سورة الاعراف الآية 172 - 173.
أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " أخرجاه من حديث شعبة به.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) (1) الآية والتي بعدها قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم.
(ألست بربكم قالوا بلى) الآية قال فإني أشهد عليكم
السموات السبع والارضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم ان لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا.
اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل اليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتابي - قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك * فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال: إني أحببت أن أشكر.
ورأى فيهم الانبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول الله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وهو الذي يقول (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) [ الروم: 30 ] وفي ذلك قال (هذا نذير من النذر الاولى) [ النجم: 56 ] وفي ذلك قال (وما وجدنا لاكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين) [ الاعراف: 102 ].
رواه الائمة عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردوية في تفاسيرهم من طريق أبي جعفر * وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الاحاديث وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الامر الالهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الالهية ونفاه عنها وأهبطه إلى الارض طريدا ملعونا شيطانا رجيما.
وقد قال الامام أحمد حدثنا وكيع.
ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسحود فعصيت فلي النار.
ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الاعمش به.
ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الارض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام يأكلان منها رغدا حيث شاآ فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من
__________
(1) سورة الاعراف الآية 172.
اللباس وأهبطا إلى الارض * وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها * واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وتقدم أيضا حديثه عنه وفيه (يعني) يوم الجمعة خلق آدم وفيه أخرج منها فإن كان اليوم الذي خلق فيه فيه أخرج وقلنا إن الايام الستة كهذه الايام فقد لبث بعض يوم من هذه.
وفي هذا نظر وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الايام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة.
قال ابن جرير ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين سنة وأقام في الجنة فبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر والله تعالى أعلم * وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبي رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الارض ورأسه في السماء فحطه الله إلى ستين ذراعا * وقد روى عن ابن عباس نحوه.
وفي هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " * وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس إن الله قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك.
وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قرية بعد ذلك.
وعنه أن أول طعام أكله آدم في الارض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال وما أصنع بهذا قال ابذره في الارض فبذره وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم
خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد وذلك قوله تعالى (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) (1).
وكان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ولحواء درعا وخمارا.
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شئ من الاولاد فقيل لم يولد لهما إلا في الارض * وقيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم (2).
وذكروا أنه كان يولد في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت
__________
(1) سورة طه الاية 117.
(2) في الطبري: ان آدم كان يغشى حواء في الجنة فحملت له بقين بن آدم وتوأمته.
وفي رواية أخرى عنده: ان آدم غشى حواء بعد مهبطهما إلى الارض بمائة فولدت له قابيل وتوأمته.
1 / 71.
معه والآخر بالاخرى وهلم جرا ولم يكن تحل أخت لاخيها الذي ولدت معه.
قصة قابيل وهابيل (1) قال الله تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين) (2) * قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.
ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك * فذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الاخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن (3) فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن
يقربا قربانا وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ السموات على بنيه فأبين والارضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك.
فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من ردى زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال (لاقتلنك) حتى لا تنكح أختي فقال (إنما يتقبل الله من المتقين) * وروي عن ابن عباس من وجوه أخر وعن عبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو وأيم الله إن كان المقتول لاشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده.
وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لانك دعوت له ولم تدع لي وتوعد أخاه فيما بينه وبينه.
فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك
__________
(1) اختلف في ابني آدم: قال الحسن البصري ليسا لصلبه ; كانا رجلين من بني إسرائيل ; ورد عليه ابن عطية قال: هذا وهم.
التفسير الكبير للفخر الرازي 11 / 204.
قال القرطبي: والصحيح انهما ابناه لصلبه، هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر 6 / 132.
لان القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الامر.
(2) سورة المائدة الآيات 27 - 31.
(3) ذكر القرطبي: اسم أخت قابيل اقليمياء وأخت هابيل اسمها ليوذا.
ولم يتقبل مني فقال (إنما يتقبل الله من المتقين).
فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله (1) * وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته * وقيل بل خنقه خنقا شديدا وعضا كما تفعل السباع فمات والله أعلم.
وقوله له لما توعده بالقتل (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين) (2) دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل
أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه " وقوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) (3) أي أني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أن تبوء بإثمي وإثمك أي تتحمل إثم قتلي مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض قال فان ابن جرير حكى الاجماع على خلاف ذلك.
وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما ترك القاتل على المقتول من ذنب " فلا أصل له ولا يعرف في شئ من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضا ولكن قد يتفق في بعض الاشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول إلى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح (4) في سائر المظالم والقتل من أعظمها والله أعلم.
وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد.
وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان ابن عفان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي " قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال: " كن كابن آدم ".
ورواه بن مردوية عن حذيفة بن اليمان مرفوعا وقال كن كخير ابني آدم.
وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبي ذر نحو هذا.
وأما الآخر فقد قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الاعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن
__________
(1) هذا بعيد، لان الحديد لم يكن معروفا في تلك الازمان البعيدة في القدم.
(2) سورة المائدة الآية 28.
(3) سورة المائدة الآية 29.
(4) ذكره الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص 364 وقال تعقيبا على كلام ابن كثير " ومعناه صحيح ": يعني كما أخرجه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: " إن السيف محاء للخطايا ".
آدم الاول كفل من دمها لانه كان أول من سن القتل * ورواه الجماعة سوى أبي داود من حديث الاعمش به وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي أنهما قالا مثل هذا سواء * وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله أعلم بصحة ذلك (1) * وقد ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير وقال إنه كان من الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهابيل، أنه استحلف هابيل ان هذا دمه فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس * وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا لم يترتب عليه حكم شرعي والله أعلم.
وقوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين) (2) ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة وقال آخرون حمله مائة (3) سنة ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين * قال السدي باسناده عن الصحابة أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الاخر فلما قتله عمد إلى الارض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه.
وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا (4) وأنه قال في ذلك شعرا وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح
(فأجيب آدم)
__________
(1) في القرطبي 6 / 139: قال ابن مسعود وابن عباس في ثور - جبل مكة - وقيل عند عقبة حراء - حكاه محمد بن جرير الطبري - وقال جعفر الصادق - رضي الله عنه - بالبصرة في موضع المسجد الاعظم.
ويقال قتله بأرض الهند.
ثم هرب إلى أرض عدن من اليمن وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة.
انظر تفسير الرازي 11 / 208.
(2) سورة المائدة الآية 31.
(3) في تفسير الكبير للرازي 11 / 209: حمله في جراب حتى تغير فبعث الله غرابا.
وفي القرطبي عن مجاهد: مائة سنة.
وقيل حتى أروح (أنتن).
(4) ومكث بعده مائة سنة لم يضحك قط.
وحزنه على ابنه فأمر طبيعي أما قوله الشعر فكلام غير مسلم به.
ويقال أن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه.
أبا هابيل قد قتلا جميعا * وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجابها يصيح وهذا الشعر فيه نظر وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته فألفه بعضهم إلى هذا وفيه أقوال والله أعلم (1) * وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلقت ساقه إلى فخذه وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لاخيه لابويه (2) * وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ".
والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة أن الله عزوجل أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نود في شرقي عدن وهم يسمونه قنين وأنه ولد له خنوخ ولخنوخ عند ر ولعندر محوايل ولمحوايل متوشيل ولمواشيل لامك وتزوج هذا امرأتين عدا وصلا فولدت عدا ولدا اسمه إبل وهو أول من سكن القباب واقتنى المال وولدت أيضا نوبل وهو أول من أخذ في
ضرب الونج والصنج وولدت صلا ولدا اسمه توبلقين وهو أول من صنع النحاس والحديد وبنتا اسمها نعمى وفيها أيضا أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه شيث (3) وقالت من أجل انه قد وهب لي خلفا من هابيل الذي قتله قابيل وولد لشيث أنوش قالوا وكان عمر أدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين.
وولد له بنون وبنات غير أنوش فولد
__________
(1) في قول آدم شعرا أكثر من قول: قال القشيري وغيره: قال ابن عباس: ما قال آدم الشعر، وإن محمدا والانبياء كلهم في النهي عن الشعراء سواء.
لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها إلى ابنه شيث.
فحفظت منه إلى زمن يعرب فترجمه وجهله شعرا يعرب بن قحطان.
وقال الالوسي: ذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحنا أو أقواء أو ارتكاب ضرورة والاولى عدم نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة الظاهرة.
وقال صاحب الكشاف: ويروى أنه (آدم) رثاه بشعر.
قال وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، والانبياء معصومون عن الشعر ; فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة.
(2) جاء في القرطبي 6 / 142: إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه.
وقيل دعا عليه آدم فانخسفت به الارض.
وقيل: أنه هرب إلى عدن من أرض اليمن ; واستوحش ولزم البرية وذكر المسعودي في المروج 1 / 34: وفي زمن انوش قتل قاين (قابيل) قاتل أخيه هابيل.
(انظر تفسير الفخر الرازي ج 11 / 208 - وانظر قصة هابيل وقابيل في التوراة وهي لا تخالف ما جاء في القرآن تقريبا).
(3) في القرطبي 6 / 139 بعد قتل هابيل بخمس سنين.
وتفسيره هبة الله.
لانوش قينان وله من العمر تسعون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين
سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له يرد وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له خنوخ وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلح وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمتوشلح مائة وسبع وثمانون سنة ولد له لامك وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له نوح وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة.
وولد له بنون وبنات فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون سام وحام ويافث هذا مضمون ما في كتابهم صريحا.
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك والظاهر أنها مقحمة فيها.
ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير.
وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه ان شاء الله تعالى * وقد ذكر الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا قاله ابن إسحاق وسماهم والله تعالى أعلم.
وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى.
أولهم قابيل وأخته قليما.
واخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث * ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا وامتدوا في الارض ونموا كما قال الله تعالى (يا أيها الناس اتقو ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) [ النساء: 1 ] الآية.
وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف (1) نسمة والله أعلم * وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين إليها فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) [ الاعراف: 189 ] الآيات فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ثم استطرد إلى الجنس وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى (ولقد خلقنا الانسان
من سلالة من طين.
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) [ المؤمنون: 12 ] وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) [ الملك: 5 ] ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها * فأما الحديث الذي رواه
__________
(1) في القرطبي عن ابن عباس: أربعين ألفا 6 / 135.
وفي المسعودي 1 / 33 أربعين ألفا.
الامام أحمد حدثنا عبد الصمد (1) حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة [ بن جندب ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فانه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ".
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردوية في تفاسيرهم عند هذه الآية وأخرجه الحاكم في مستدركه كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه * وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفا على الصحابي وهذا أشبه والظاهر أنه تلقاه من الاسرائيليات * وهكذا روي موقوفا على ابن عباس.
والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الاخبار ودونه والله أعلم * وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا.
فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه إلى غيره والله أعلم.
وأيضا فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد كما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا.
والمظنون بل المقطوع به ان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ والصواب وقفه والله أعلم * وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد.
نعم قد كان آدم وحواء أتقى لله مما ذكر عنهما في هذا.
فان آدم أبو البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شئ وأسكنه جنته * وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قالت يارسول الله كم الانبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا.
قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير (2).
قلت يارسول الله من
كان أولهم.
قال آدم.
قلت يارسول الله نبي مرسل قال: نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قيلا ".
وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا نافع بن هرمز عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الايام يوم الجمعة وأفضل الشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران * وهذا إسناد ضعيف فإن نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين وضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم.
وقال كعب الاحبار ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم.
لحيته سوداء إلى سرته.
وليس أحد يكنى في الجنة إلا آدم كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد * وقد روى ابن عدي من طريق
__________
(1) وهو عبد الصمد بن عبد الوارث.
(2) في الطبري: جما غفيرا.
ورواه عن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عن الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
سبح (2) ابن أبي خالد عن حماد بن سلمة بن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله مرفوعا أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد * ورواه ابن عدي أيضا من حديث علي بن أبي طالب وهو ضعيف من كل وجه والله أعلم.
وفي حديث الاسراء الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال: وإذا عن يمينه أسودة (2) وعن يساره اسودة.
فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى.
فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا آدم وهؤلاء نسم بنيه * فإذا نظر قبل أهل اليمين وهم أهل الجنة ضحك وإذا نظر قبل أهل الشمال وهم أهل النار بكى هذا معنى الحديث * وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال كان عقل أدم مثل عقل جميع ولده.
وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن " * قالوا
معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام * وهذا مناسب.
فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ونفخ فيه من روحه فما كان ليخلق إلا أحسن الاشباه * وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو أيضا موقوفا ومرفوعا إن الله تعالى لما خلق الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه فانك خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون.
فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.
وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم على صورته " وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم.
وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لانهما رزقاه بعد أن قتل هابيل (3) * قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف ".
على شيث خمسين صحيفة * قال محمد بن اسحاق ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات تلك الساعات وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك.
قال ويقال إن انتساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث.
وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا والله أعلم.
__________
(1) قوله سبح بن أبي خالد كذا بالاصل، ولم نجد فيما لدينا هذا الاسم.
وتحت يدنا: إسماعيل بن أبي خالد الكوفي الاحمسي الحافظ توفي عام 146 ه.
وإسماعيل بن أبي خالد الفدكي.
والاثنان لم يرويا عن حماد.
(2) أسودة: جمع من الناس.
(3) قال الطبري في تاريخه 1 / 76: بعد قتل هابيل قابيل بخمس سنين، وكان آدم عمره مائة وثلاثون سنة، وولده شيث ولدا فردا بغير توأم، هبة الله، خلف من هابيل.
واسمه بالعربية شث وبالسريانية شاث وبالعبرانية شيث.
ولما توفي آدم عليه السلام وكان ذلك يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله عز وجل من الجنة.
وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثا عليه السلام * قال ابن اسحاق وكسفت الشمس
والقمر سبعة أيام بلياليهن * وقد قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى هو ابن ضمرة السعدي قال رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبي بن كعب.
فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بني إني أشتهي من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفوس (1) والمساحي (2) والمكاتل (3) فقالوا لهم يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون أو ما تريدون وأين تطلبون قالوا أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك فخلي بيني وبين ملائكة ربي عزوجل فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له ولحدوه * وصلوا عليه.
ثم ادخلوه قبره فوضعوه في قبره.
ثم حثوا عليه.
ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم * إسناد صحيح إليه * وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كبرت الملائكة على آدم أربعا وكبر أبو بكر على فاطمة أربعا وكبر عمر على أبي بكر أربعا وكبر صهيب على عمر أربعا " * قال ابن عساكر ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر.
واختلفوا في موضع دفنه فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أهبط منه في الهند (4) وقيل بجيل أبي قبيس بمكة * ويقال إن نوحا عليه السلام لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت فدفنهما ببيت المقدس * حكى ذلك ابن جرير * وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس * وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة * واختلف في مقدار عمره عليه السلام.
فقدمنا في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة.
وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة لان قولهم هذا مطعون فيه مردود إذا خالف الحق الذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم * وأيضا فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث فإن ما في التوراة إن كان محفوظا محمول على مدة مقامه في الارض بعد الاهباط وذلك تسعمائة وثلاثون سنة شمسية وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون
*
__________
(1) الفوس: جمع فأس.
(2) المساحي: آلة كالمجرفة يجرف بها الطين وغيره.
(3) المكاتل: جمع مكتل: وهو الزنبيل الذي يحمل فيه التمر.
(4) عن ابن عباس: جبل بوذ.
طبري 1 / 82.
وعن ابن إسحاق: في مشارف الفردوس عند قرية هي أول قرية كانت في الارض طبري 1 / 80 وفي المسعودي ج 1 / 33: قبره بمنى في مسجد الخيف، ومنهم من قال في كهف في جبل أبي قبيس.
سنة ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الاهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره فيكون الجميع ألف سنة (1).
وقال عطاء الخراساني لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام * رواه ابن عساكر فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الامر بعده ولده شيث عليه السلام.
وكان نبيا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة.
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالامر بعده ثم بعده ولده قينن.
ثم من بعده ابنه مهلاييل (2) وهو الذي يزعم الاعاجم من الفرس أنه ملك الاقاليم السبعة وأنه أول من قطع الاشجار وبنى المدائن والحصون الكبار.
وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الاقصى.
وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الارض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان وكان له تاج عظيم وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة.
فلما مات قام بالامر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ (3) وهو إدريس عليه السلام على المشهور.
ادريس عليه السلام قال الله تعالى (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا) (4) فادريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب.
وكان أول بني آدم أعطى
النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام * وذكر ابن اسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين (5).
وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك " * ويزعم كثير من علماء التفسير والاحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة (6) ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الانبياء والعلماء
__________
(1) قال المسعودي في مروجه 1 / 33: توفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه، وكان عمره عليه السلام تسعماية سنة وثلاثون سنة.
(2) في الطبري: نسابو الفرس يسمونه أو شهنج وهو أول من استنبط الحديد 1 / 84.
(3) في الطبري والمسعودي أخنوخ ; الترجمة العربية لخنوخ اسمه في التوراة بالعبرية.
(4) سورة مريم الآية 56.
(5) جاء في الطبري: رواية أهل التوراة وكان عمره إلى أن رفع ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة.
وعند المسعودي ثلاث مائة سنة.
(6) قال القفطي في تاريخ الحكماء: اختلف الحكماء في مولده ومنشئه وعمن أخذ العلم قبل النبوة.
فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، =
والحكماء والاولياء * وقوله تعالى (ورفعناه مكانا عليا) هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة * وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الاعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الاعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لادريس (ورفعناه مكانا عليا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه اني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم (لعله من أهل زمانه) فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال [ له ]: ان الله أوحى إلي وكذا فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء
الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس ؟ قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب (1) بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الارض فقبض روحه هناك فذلك قول الله عزوجل (ورفعناه مكانا عليا).
ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها * وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري ؟ فسأله وهو معه كم بقي من عمره ؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر * وهذا من الاسرائيليات وفي بعضه نكارة.
وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله (ورفعناه مكانا عليا) قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الاحبار والله أعلم * وقال العوفي عن ابن عباس في قوله (ورفعناه مكانا عليا) رفع إلى السماء السادسة فمات بها.
وهكذا قال الضحاك.
والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد * وقال الحسن البصري (ورفعناه مكانا عليا) قال إلى الجنة * وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم * وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.
قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك *
__________
= ومولده بمنف ; وباليونانية أرميس وعرب بهرمس ومعنى أرميس عطارد.
وقال أخرون اسمه باليونانية طرميس..وسماه الله في كتابه المبين " إدريس " وقال هؤلاء أن معلمه اسمه الغوثا ذيمون، المصري، وسموه أيضا اورين الثاني وإدريس عندهم أورين الثالث.
وقالوا: وخرج هرمس من مصر وجاب الارض كلها ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، بعد 82 سنة من عمره.
وقالت فرقة إن إدريس ولد ببال ولها نشأ وأخذ بعلم شيث بن آدم وقال الشهرستاني: ان اغثاذيمون هو شيث.
مراجعة النجار: قصص الانبياء ص 25.
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: يا للعجب !
بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء: أنه لما مر به عليه السلام قال له: مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال (1) له * وهذا لا يدل ولابد لانه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا.
أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الابوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
قصة نوح عليه السلام (2) هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام (3).
كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما ذكره ابن جرير وغيره.
وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يارسول الله أنبي كان آدم ؟ قال: نعم مكلم.
قال: فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون.
قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام * فان كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالاسلام إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الاسلام لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الاسلام * وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم.
وان كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى (وكم أهلكنا من القرون من بعد
__________
(1) في قصص ابن كثير: قالا ; والخبر رواه ابن عساكر في تاريخه (1 / 382 تهذيب).
(2) ورد ذكر نوح في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم في: آل عمران 23، النساء 163، الانعام 84، الاعراف 59 - 69، التوبة 70، يونس 71، هود 25 - 32 - 36 - 42 - 45 - 46 - 48 - 89، إبراهيم 9، الاسراء 3 - 17، مريم 58، الانبياء 76، الحج 42،، المؤمنون 23، الفرقان 37، الشعراء 105 - 106 - 116، العنكبوت 14، الاحزاب 7، الصافات 75 - 79 ص 12، غافر 5 - 31، الشورى 13، ق 12، الذاريات 46، النجم 52، القمر 9، الحديد 26، التحريم 10، نوح 1 - 21 - 26.
(3) قال في قصص الانبياء: أشك كثيرا في نسق هذا النسب لاني آعتقد أن بين نوح وآدم أكثر من ذلك.
نوح) [ الاسراء: 37 ] وقوله (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) وقال تعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) (1) وقال (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) [ مريم: 74 ] وكقوله عليه السلام (خير القرون قرني) الحديث.
فقد كانا الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة * فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم.
وبالجملة فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الاصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث إلى أهل الارض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة * وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره.
واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة.
وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل ابن اربعمائة وثمانين سنة.
حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس.
وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز * ففي الاعراف ويونس وهود والانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصفات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة * فقال في سورة
الاعراف (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قال الملا من قومه انا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين.
أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون.
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون.
فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) [ الاعراف: 59 - 64 ] وقال في سورة يونس (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون.
فان توليتم فما سألتكم من أجر ان أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين.
فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) (1) وقال تعالى في سورة هود (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا الا الله أني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم اراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ان أجري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله أن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم
__________
(1) سورة يونس الآيات 71 - 73.
الغيب ولا أقول اني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين * قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون * أم يقولون افتراه قل ان افتريته
فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون * وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكانا من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين * ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين) [ هود: 25 - 49 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) [ الانبياء: 76 - 77 ].
وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون.
فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين * ان هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيينا ووحينا
فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين * ان في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) [ المؤمنون: 23 - 30 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون.
أني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر ان أجري إلا على رب العالمين.
فاتقوا الله وأطيعون.
قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون.
قال وما علمي بما كانوا يعملون * ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين.
إن أنا إلا نذير مبين.
قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
قال رب إن قومي كذبون.
فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين.
فانجيناه ومن معه في الفلك المشحون.
ثم أغرقنا بعد الباقين.
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 105 - 122 ].
وقال تعالى في سورة العنكبوت (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [ العنكبوت: 14 - 15 ] وقال تعالى في سورة الصافات (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون.
ونجيناه وأهله من الكرب العظيم.
وجعلنا ذريته هم الباقين.
وتركنا عليه في الآخرين.
سلام على نوح في العالمين.
إنا كذلك نجزي المحسنين.
إنه من عبادنا المؤمنين ثم اغرقنا الآخرين) [ الصافات: 75 - 82 ] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر.
فدعا ربه اني مغلوب فانتصر.
ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.
وفجرنا الارض عيونا
فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وحملناه على ذات ألواح ودسر.
تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر.
ولقد تركناها آية فهل من مدكر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 9 - 17 ] وقال تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم انا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم.
قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا.
وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا.
ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله انبتكم من الارض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الارض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب
انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) [ نوح السورة بتمامها ].
وقد تكلمنا على كل موضع من هذه [ السورة ] في التفسير وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الاماكن المتفرقة ومما دلت عليه الاحاديث والآثار وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه فقال تعالى في سورة النساء: " (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى
نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) [ النساء: 163 - 165 ] وقال في سورة الانعام (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين * واسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) [ الانعام: 83 - 87 ] الآيات.
وتقدمت قصته في الاعراف.
وقال في سورة براءة (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [ التوبة: 70 ] وتقدمت قصته في يونس وهود.
وقال في سورة ابراهيم (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) [ ابراهيم: 9 ].
وقال في سورة سبحان (ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا) [ الاسراء: 3 ] وقال فيها أيضا (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) [ الاسراء: 17 ] وتقدمت فصته في الانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت.
وقال في سورة الاحزاب (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقال في سورة صلى الله عليه وآله (كذبت
قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة أولئك الاحزاب.
ان كل الا كذب الرسل فحق عقاب) [ ص: 11 - 13 ] وقال في سورة غافر (كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب.
وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) [ غافر: 5 - 6 ] وقال في سورة الشورى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه * الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [ الشورى: 13 ] وقال تعالى في سورة (ق) (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 13 - 14 ] وقال في الذاريات (وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين) [ الذاريات: 46 ] وقال في النجم (وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم وأطغى) [ النجم: 52 ] وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة.
وقال تعالى في سورة الحديد (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) [ الحديد: 26 ] وقال تعالى في سورة التحريم (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ].
وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام رواه البخاري * وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف * ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الاصنام وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا.
ولا يغوث ويعوق نسرا) [ نوح: 23 ] قال: (هذه) أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون (فيها)
أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.
قال ابن عباس وصارت هذه الاوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد * وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن اسحاق.
وقال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم
الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم * وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه قال ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم وكان ود أكبرهم وأبرهم به.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر هو الباقر وهو قائم يصلي بزيد بن المهلب قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله.
قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا: نعم.
فصور لهم مثله.
قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه.
فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه.
قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به.
قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله " ود " الصنم الذي سموه ودا.
ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس * وقد ذكر أنه لما تطاولت
العهود والازمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون الله عزوجل * ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير.
ولله الحمد والمنة.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها (1) بأرض الحبشة، يقال لها مارية فذكرنا من حسنها وتصاوير فيها قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله عزوجل " (2).
والمقصود أن الفساد لما انتشر في الارض وعن البلاء بعبادة الاصنام فيها بعث الله عبده ورسوله نوحا عليه السلام يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان
__________
(1) قوله رأينها بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان، أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة.
(القسطلاني).
(2) فتح الباري 8 / 48 / 427، 434.
ومسلم في صحيحه.
وأخرجه النسائي في سننه وأحمد في مسنده (6 / 51 حلبي).
أول رسول بعثه الله إلى أهل الارض كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: " فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فيقول ربي قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله.
ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الارض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا إلى ربك عزوجل ؟ فيقول ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي " (1).
وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح.
فلما بعث الله نوحا عليه السلام دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) [ الصافات: 77 ] وقال فيه وفي إبراهيم (وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: 26 ] أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته.
وكذلك إبراهيم قال الله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [ النحل: 36 ] وقال تعالى (واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [ الزخرف: 45 ] وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [ الانبياء: 25 ] ولهذا قال نوح لقومه (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقال (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) وقال (يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون) وقال (يا قوم اني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون.
يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم اني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا.
فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا.
وقد خلقكم أطوارا) الآيات الكريمات.
فذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والاجهار بالترغيب تارة والترهيب أخرى وكل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، والبخاري.
وأبو داود والترمذي وأحمد في مسنده 2 / 398.
الاصنام والاوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به وتوعدوهم بالرجم والاخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم (قال الملا من قومه) أي السادة الكبراء منهم (انا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) أي لست كما تزعمون من أني ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين أي الذي يقول للشئ كن فيكون (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) [ الاعراف: 60 - 62 ] وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا أي فصيحا ناصحا أعلم الناس بالله عز وجل.
وقالوا له فيما قالوا: (ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) [ هود: 27 ] تعجبوا أن يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم (1) * وقد قيل: إنهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم كما قال هرقل وهم أتباع الرسل (2) وما ذاك إلا لانه لا مانع لهم من اتباع الحق وقولهم: (بادئ الرأي) (3) أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية وهذا الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضي الله عنهم فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دحا للصديق: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم " ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية، لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة رضي الله عنهم.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب الكتاب الذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه.
وقال: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " رضي الله عنه.
وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به.
(وما نرى لكم علينا من فضل) [ هود: 27 ] أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان ولا مزية علينا (بل نظنكم كاذبين.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) [ هود: 28 ].
وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة إلى الحق كما قال تعالى: (فقولا له قولا
__________
(1) أرادوا: اخساؤهم وسقطهم وسفلتهم.
قال النحاس: الاراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم والخسيسو
الصناعات.
قال القرطبي: الاراذل هنا: الفقراء والضعفاء.
(2) قال العلماء: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة عن الاشراف.
وصعوبة الانفكاك عنها، والانفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع.
فهو سريع إلى الاجابة والانقياد.
وهذا غالب أحوال أهل الدنيا.
(انظر أحكام القرطبي ج 9 / 23).
(3) بادي الرأي أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك وقال أبو عمرو بادئ الرأي بالهمز: أي أول الرأي: أي اتبعوك حين ابتدأوا ينظرون، ولو امعنوا النظر والفكر لم يتبعوك.
لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 44 ] وقال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [ النحل: 125 ] وهذا منه يقول لهم (أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) أي النبوة والرسالة (1) (فعميت عليكم) أي فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها (أنلزمكموها) أي انغضبكم بها ونجبركم عليها (2) (وأنتم لها كارهون) أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وأبقى مما تعطونني أنتم.
وقوله (وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون) كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك وقال (انهم ملاقوا ربهم) أي فأخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله عزوجل ولهذا قال (ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون) ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنه ضعغاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك كما بيناه في سورتي الانعام والكهف (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) أي بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ولا أقدر إلا على ما
أقدرني عليه ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) يعني من أتباعه (لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم اني إذا لمن الظالمين) [ هود: 31 ] أي لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قالوا في المواضع الاخر (أنؤمن لك واتبعك الارذلون.
قال وما علمي بما كانوا يعملون.
ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون.
وما أنا بطارد المؤمنين ان أنا إلا نذير مبين) [ الشعراء: 111 ].
وقد تطاول الزمان والمجادلة (3) بينه وبينهم كما قال تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) [ العنكبوت: 14 ] أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم وكان كل ما انقرض جبل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته * وكان
__________
(1) وقيل الهداية إلى الله بالبراهين، وقيل بالايمان والاسلام.
وقال الرازي في تفسيره الكبير: المراد بتلك الرحمة: إما النبوة، وإما المعجزة الدالة على النبوة.
ج 17 / 213.
(2) جاء في أحكام القرطبي: قيل شهادة أن لا إله إلا الله وقيل الهاء ترجع إلى الرحمة، وقيل إلى البينة، أي انلزمكم قبولها ؟ وهو استفهام بمعنى الانكار، أي لا يمكنني أن اضطركم إلى المعرفة بها ; وقصد نوح بهذا القول أن يرد عليهم.
ج 9 / 25 - 26.
(3) الجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة.
قال في أحكام القرآن: والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والانبياء قومهم حتى يظهر الحق ; فمن قبله الحج وأفلح، ومن رده خاب.
وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم.
9 / 28.
الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق ولهذا قال (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) ولهذا قالوا (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين) [ هود: 32: 33 ] أي إنما يقدر على ذلك الله عزوجل فإنه
الذي لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر بل هو الذي يقول للشئ كن فيكون (ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون) [ هود: 34 ] أي من يزد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية.
وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (وأوحى إلى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن) [ هود: 36 ] تسلية له عما كان منهم إليه (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم الا من قد آمن أي لا يسوأنك ما جرى فان النصر قريب والنبأ عجيب (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون) [ هود: 37 ] وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون.
ونجيناه وقومه من الكرب العظيم) [ الصافات: 75 ].
وقال تعالى (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) [ الانبياء: 76 ].
وقال تعالى (قال رب ان قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) [ الشعراء: 117 ] وقال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) [ القمر: 10 ] وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون) [ المؤمنون: 39 ] وقال تعالى (مما خطيأتهم أغرفوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا.
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفار) [ نوح: 25 - 27 ] فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك امره الله تعالى أن يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها.
وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره وحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال (ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه
ملا من قومه سخروا منه) [ هود: 38 ] أي يستهزئون به استبعادا لوقوع ما توعدهم به (قال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون) [ هود: 38 ] أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) [ هود: 39 ] وقد
كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول.
كما قال البخاري حدثنا موسى بن اسمعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجئ نوح عليه السلام وأمته فيقول الله عزوجل هل بلغت فيقول: نعم أي رب.
فيقول لامته: هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ " (1) وهو قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [ البقرة: 143 ] والوسط العدل.
فهذه الامة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحا بالحق وأنزل عليه الحق وأمره به وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به ولا شيئا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه * وهكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال وان كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم.
كما قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال سالم: قال ابن عمر: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله.
ثم ذكر الدجال فقال: " إني لانذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه.
لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور " وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه إنه أعور وانه يجئ معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر
به نوح قومه " (2) لفظ البخاري.
وقد قال بعض علماء السلف لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين (3) سنة فالله أعلم * قال محمد بن اسحق عن الثوري وكانت من خشب الساج * وقيل من الصنوبر.
وهو نص التوراة.
قال الثوري وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقار وان يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء * وقال قتادة كان طولها ثلثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا وهذا الذي في التوراة على ما رأيته.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه 60 / 3 / 3339 فتح الباري.
ورواه أحمد في مسنده 3 / 32 ورواه السيوطي في الفتح الكبير وقال: رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي.
(2) الحديث رواه مسلم في كتاب الفتن 52 / ح 109 / 2936 والبخاري ح رقم 1577 عن أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(3) قال الرازي في تفسيره: قيل اتخذها في سنتين (عن ابن عباس كما عند القرطبي) وقيل في أربع سنين.
وقال كعب، كما عند القرطبي، بناها في ثلاثين سنة، وقال ابن العربي: عملها في أربعين سنة.
التفسير الكبير - أحكام القرآن 9 / 31.
وقال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلثمائة وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع.
وقيل كان طولها ألفي ذراع وعرضها مائة ذراع.
قالوا كلهم وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات.
كل واحدة عشرة أذرع.
فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
قال الله تعالى (قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) [ المؤمنون: 26 - 27 ] أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب في صنعتها (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) [ المؤمنون 27 ] فتقدم إليه
بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيره لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم أي إلا من كان كافرا فانه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد كما قدمنا بيانه قبل.
والمراد بالتنور (1) عند الجمهور وجه الارض أي نبعت الارض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار.
وعن ابن عباس التنور عين في الهند وعن الشعبي بالكوفة وعن قتادة بالجزيرة * وقال علي بن أبي طالب المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر أي إشراقه وضياؤه أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وهذا قول غريب * وقوله تعالى (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) [ هود: 40 ] هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين وفي كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ومما لا يؤكل زوجين ذكرا وأنثى وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق (إثنين) إن جعلنا ذلك مفعولا به.
وأما إن جعلناه توكيدا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافي والله أعلم.
وذكر بعضهم ويروى عن ابن عباس أن أول ما دخل من الطيور الدرة (2) وآخر ما دخل من
__________
(1) قال الليث: التنور: لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار.
وقال الازهري: هذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير عربيا.
وتنور على بناء فعل لان أصل بنائه تنر وليس في كلام العرب نون قبل راء.
قاله صاحب أحكام القرآن وفي هامشه ورد: زنره: ملاه، وتزنر: دق والسنر: شراسة الخلق، وشنر عليه: عابه.
(2) قال ابن عباس: أول ما حمل: الاوزة.
والدرة: قال الدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى هي: الببغاء لمتقدمة وهو طائر لونه أخضر وهو في قدر الحمام يتخدها الناس للانتفاع بصوتها.
1 / 190 - 592.
الحيوانات الحمار * ودخل إبليس متعلقا بذنب الحمار.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الاسد فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الارض * ثم شكوا الفارة فقالوا الفويسقة (1) تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الاسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها " هذا مرسل * وقوله (وأهلك إلا من سبق عليه القول) أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر فكان منهم ابنه يام (2) الذي غرق كما سيأتي بيانه (ومن آمن) أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك قال الله تعالى (وما آمن معه إلا قليل) هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ودعوتهم الاكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى.
وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم.
وعن كعب الاحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا.
وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كانوا نوحا وبنيه الثلاثة وكنائنته الاربع بامرأة يام الذي انخزل وانعزل وسلل عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل.
وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية بل هي نص في أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به كما قال (ونجني ومن معي من المؤمنين) وقيل كانوا سبعة وأما امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم وهم حام وسام ويافث ويام وتسميه أهل الكتاب كعنان وهو الذي قد غرق وعابر وقد ماتت قبل الطوفان.
قيل إنها غرقت مع من غرق وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك أو أنها أنظرت ليوم القيامة والظاهر الاول قوله (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) قال الله تعالى (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين.
وقل رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) [ المؤمنون: 28 - 29 ] أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة فنجاه بها وفتح بينه وبين
قومه وأقر عينه ممن خالفه وكذبه كما قال تعالى (الذي خلق الازواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون.
لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [ الزخرف: 12 - 14 ].
وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الامور أن يكون على الخبر والبركة وأن تكون عاقبتها محمودة كما قال تعالى
__________
(1) الفويسقة: الفأرة وقيل سميت فويسقة لخروجها على الناس وإغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد.
(الدميري 2 / 399).
(2) في أحكام القرطبي: كنعان وامرأته واعلة.
وفي الطبري: كنعان وهو الذي تسميه العرب يام وهو الذي غرق في الطوفان.
لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [ الاسراء: 80 ] وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم) [ هود 41 ] أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه (إن ربي لغفور رحيم) أي وذو عقاب أليم مع كونه غفورا رحيما لا يرد بأسه عن القوم المجرمين كما أحل بأهل الارض الذين كفروا به وعبدوا غيره.
قال الله تعالى (وهي تجري بهم في موج كالجبال).
وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الارض قبله ولا تمطره بعده كان كأفواه القرب وأمر الارض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر.
ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.
وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وحملناه على ذات ألواح ودسر) [ القمر: 10 - 13 ].
والدسر السائر (1) (تجري بأعيننا) أي بحفظنا وكلا أتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها جزاء لمن كان كفر.
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب (2) في حساب القبط.
وقال تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) أي السفينة (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) [ الحاقة: 11 ] قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالارض خمسة عشر
ذراعا وهو الذي عند أهل الكتاب وقيل ثمانين ذراعا وعم جميع الارض طولها والعرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها.
ولم يبق على وجه الارض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف.
ولا صغير ولا كبير.
قال الامام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملاوا السهل والجبل * وقال عبد الرحمن (3) بن زيد بن أسلم (لم تكن بقعة في الارض إلا ولها مالك وحائز) رواهما ابن أبي حاتم (ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) [ هود: 42 - 43 ] وهذا الابن هو يام أخو سام وحام ويافث * وقيل اسمه كنعان.
__________
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: المسامير.
وهو قول قتادة والقرظي وابن زيد وابن جبير.
وقال الحسن وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج لانها تدسر الماء أي تدفعه.
وقال ابن عباس: الدسر كلكل (صدر السفينة).
وقال الليث: خيط من ليف تشد به ألواح السفينة واحده الدسار.
وفي الصحاح: خيوط.
وفي الطبري: مسامير الحديد.
(2) تاريخ الطبري ج 1 / 96 دار القاموس ; لعشر ليال مضين من رجب كما في الطبري والكامل.
وعند المسعودي لتسع عشرة ليلة خلت من آذار.
(3) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني، العدوي مولاهم، ضعيف من الثامنة مات سنة 182 له تفسير (تقريب التهذيب 1 / 480.
الكاشف 2 / 146).
وكان كافرا عمل عملا غير صالح فخالف أباه في دينه ومذهبه فهلك مع من هلك هذا، وقد نجا مع أبيه الاجانب في النسب لما كانوا موافقين في الدين والمذهب (وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) [ هود: 44 ] أي لما فرغ من أهل الارض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله عزوجل أمر الله
الارض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر (وغيض الماء) أي نقص (1) عما كان (وقضى الامر) أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره من إحلاله بهم ما حل بهم.
(وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي نودي عليهم بلسان القدرة بعدا لهم من الرحمة والمغفرة كما قال تعالى (فكذبوه فانجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوما عمين) [ الاعراف: 64 ] وقال تعالى (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) [ يونس: 73 ] وقال تعالى (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فاغرقناهم أجمعين) [ الانبياء: 77 ] وقال تعالى (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون.
ثم أغرقنا بعد الباقين.
ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 119 - 122 ] وقال تعالى (فانجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) وقال تعالى (ثم أغرقنا الآخرين) وقال (ولقد تركناها آية فهل من مدكر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 15 - 17 ] وقال تعالى (مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا.
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) [ نوح: 25 - 27 ] وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة - دعوته فلم يبق منهم عين تطرف.
وقد روى الامامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من طريق يعقوب ابن محمد الزهري عن قائد مولى عبد الله بن أبي رافع أن ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة اخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فلو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم ام الصبي " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة - يعني إلا خمسين عاما - وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر كيف تجري قال سوف تعلمون * فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا خرجت به إلى الجبل حتى بلغت
ثلثه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل.
فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " * وهذا حديث غريب * وقد روي عن كعب الاحبار
__________
(1) وغيض الماء: يقال غاض الشئ وغضته أنا، في المصباح المنير: غاض: نضب أي ذهب في الارض.
ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة (1) * وأحرى بهذا الحديث أن يكون موقوفا متلقى عن مثل كعب الاحبار والله أعلم.
والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق ويقال بن عناق كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا ويقولون كان لغير رشده بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصيعة التي لك ويستهزئ به * ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا انها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها * ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول.
اما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره وأبوه نبي الامة وزعيم أهل الايمان ولا يهلك عوج بن عنق ويقال عناق وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا.
وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعي الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.
وأما المنقول فقد قال الله تعالى (ثم أغرقنا الآخرين وقال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) [ نوح: 26 ].
ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".
فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) [ النجم: 4 ] أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى
يوم اخباره بذلك وهلم جرا إلى يوم القيامة.
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلافا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الانبياء والله أعلم.
ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده (2) وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام
__________
(1) رواه الطبري في تاريخه 1 / 90، ونقله القرطبي في أحكام القرآن قال: وحكي انه لما كثر الماء...وذكر القصة 9 / 41.
(2) قال تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال رب أن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) [ هود: 45 ] وكان نوح يعتقد في ظنه انه مؤمن، وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الايمان، فأوحى الله إليه: يا نوح انه ليس من
والاستكشاف ووجه السؤال أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق فأجيب بأنه ليس من أهلك أي الذين وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره ولهذا ساقته الاقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الايمان فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان * ثم قال تعالى (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [ هود: 48 ] هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الارض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي * وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال (بسلام منا وبركات) أي أهبط سالما مباركا عليك وعلى أمم من سيولد بعد أي من أولادك فان الله لم يجعل لاحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فكل من على وجه الارض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم " سام وحام ويافث.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الوهاب (1)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم " ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن عبد البر وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال والمراد بالروم هنا الروم الاول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطى بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام * ثم روى من حديث اسمعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: " ولد نوح ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم.
وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط والسودان والبربر " قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا ابراهيم بن هانئ وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم.
وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا
__________
= أهلك ولا من خاصة عشيرتك فقد سبقت له الشقاوة وحقت عليه كلمة الكفر.
فإياك بعدها أن تسألني عن شئ لا تعلمه أو تجادلني في أمر لا تدركه: (إني أعظك أن تكون من الجاهلية) [ سورة هود 46 ] (1) الخبر رواه ابن سعد في 1 / 42 وفيه عبد الوهاب بن عطاء العجلي، وأحمد في مسنده 5 / 8 وقال السيوطي في الفتح: رواه الحاكم في المستدرك وأحمد في المسند والترمذي عن سمرة.
والطبري 1 / 106 من طريق عثمان بن سعيد عن عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
خير فيهم * وولد لحام القبط والبربر والسودان " (1) ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا إلا من هذا الوجه.
تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه.
ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وإنما جعله من قول سعيد.
قلت وهذا
الذي ذكره أبو عمرو وهو المحفوظ عن سعيد قوله * وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم * ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه * وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الاولاد إلا بعد الطوفان وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق وعابر مات قبل الطوفان * والصحيح ان الاولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة * وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان * وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وان يكون أولاده عبيدا لاخوته.
وذكر الامام أبو جعفر بن جرير (2) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال (قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها.
قال فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه قال أتدرون ما هذا.
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال هذا كعب (3) حام بن نوح.
وقال وضرب الكثيب بعصاه وقال قم باذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه [ و ] قد شاب * فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت.
قال حدثنا عن سفينة نوح.
قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الانس وطبقة فيها الطير.
فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فاقبلا على الروث ولما وقع الفار يخرز السفينة بقرضه أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اضرب بين عيني الاسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.
فقال له عيسى كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.
قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها (4) فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت.
قال فقالوا: (5) يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا
__________
(1) رواه الطبري 1 / 106 وابن سعد في الطبقات 1 / 42 - 43.
(2) تاريخ الطبري 1 / 91.
(3) في الطبري: قبر.
(4) في الطبري: برجليها.
(5) في الطبري: فقال الحواريون.
قال كيف يتبعكم من لا رزق له.
قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا) وهذا أثر غريب جدا.
وروى غلباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما (1) وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين (2) يوما ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الارض فذهب فوقع على الجيف فابطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.
وقال قتادة وغيره ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب (3) فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودي شهرا.
وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم * وقد روى ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا وأنهم صاموا يومهم ذلك.
وقال الامام أحمد حدثا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الازدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال (مر النبي صلى الله عليه وسلم باناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: " ما هذا الصوم ؟ فقالوا هذا اليوم الذي نجا الله موسى وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عزوجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، [ فأمن أصحابه بالصوم ]
وقال لاصحابه: " من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه " (4).
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضا والله أعلم.
وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها واطحنوا الحبوب يومئذ واكتحلوا بالاثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة فكل هذا لا يصح فيه شئ وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني اسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقتدى بها والله أعلم.
وقال محمد بن اسحاق لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان - أرسل ريحا على وجه الارض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الارض، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك [ على الجودي ] فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السبع لسبع عشر ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رؤس الجبال * فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي
__________
(1) عند الطبري ستة أشهر ; وفي الكامل: كان بين إرسال الماء وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال.
(2) عند الطبري والكامل: أسبوعا.
(3) في المسعودي: يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من آذار ; وفي الطبري والكامل فكالاصل.
(4) مسند أحمد ج 2 / 359 - 360 وما بين معكوفين من المسند ج 5 / 359 عن أبي هريرة.
صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضت سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الارض * ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه فعلم نوح أن الارض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن ارسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الاول من سنة اثنين، برر وجه الارض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك * وهذا الذي ذكره ابن اسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب * قال ابن اسحق وفي الشهر الثاني
من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [ هود: 48 ] وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وجميع الدواب التي معك ولينموا وليكبروا (1) في الارض.
فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله عزوجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله عزوجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الارض.
وجعل تذكارا لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام وهو قوس وقزح الذي قدمنا عن إبن عباس أنه أمان من الغرق * قال بعضهم فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة.
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان واعترف به آخرون منهم وقالوا إنما كان بأرض بابل ولم يصل الينا.
قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر من لدن كيومرث يعنون آدم إلى زماننا هذا.
وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان.
وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجهل بليغ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الارض والسموات وقد أجمع أهل الاديان الناقلون عن رسل الرحمن مع ما تواتر عند الناس في سائر الازمان على وقوع الطوفان وأنه عم جميع البلاد (2) ولم يبق الله أحدا من كفرة العباد استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم وتنفيذا لما سبق في القدر المحتوم.
ذكر شئ من اخبار نوح عليه السلام قال الله تعالى (إنه كان عبدا شكورا) [ الاسراء: 3 ].
قيل إنه كان يحمد الله على طعامه
__________
(1) وفي نسخة: وليكثروا.
(2) في الطوفان مسائل عديدة أجاب عنها الدكتور النجار في قصص الانبياء ص 36 - 37: الاولى: هل عم طوفان نوح الكرة الارضية.
والجواب: أن بعض العلماء يميل إلى عمومه.
ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الاحياء التي لا تعيش إلا في الماء: وهذا يستدعي وجود طوفان على هذه الجبال بل عدد
من الطوفانات لوجود الاختلاف في عمر هذه البقايا، فلا مانع من أن يكون طوفان نوح أحدها ويكون قد =
__________
= عم.
ويستأنس لذلك بقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين).
ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عاما بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه.
وأما بقية بقاع الارض فلم يعمها هذا الطوفان، ويستأنس لذلك بأن الهند كانوا يزعمون أن عمران بلادهم يمتد في الماضي إلى تاريخ أبعد من الذي قدرته التوراة لنوح وطوفانه.
وأن عمرانهم متصل من أعمق أجبال التاريخ إلى اليوم.
وأنتم تعلمون أني غير واثق من التاريخ الذي تقدره التوراة ; فربما كان نوح أبعد من ذلك بعدا يشمل ما يدعيه أهل الهند.
وعلى كل حالة فالمسألة ليس فيها نص من القرآن، بل كل ما فيه من هذه الناحية أن قوم نوح كفروا وعصوا الرسول فاغرقهم الله بالطوفان ونجى نوحا ومن معه في الفلك وجعل ذريته الباقين ; فالعموم يحتمل والخصوص محتمل.
والذي أميل إليه أن يكون خاصا وأن النوع الانساني لم يكن منتشرا في جميع الكرة بل كانوا منحصرين في الناحية التي عمها الطوفان، وأنهم قد هلكوا وبقي نوح وذريته.
الثانية: ما ذنب الاطفال من قوم نوح حتى هلكوا مع الآثمين من آبائهم وأمهاتهم ؟ والجواب: أن الله سبحانه وتعالى جرت عادته بأن النقمة لا تصيب الذين ظلموا خاصة وفي علم الظالمين بهلاك أولادهم معهم زيادة تعذيب ونكال لهم ; على أننا في كل يوم نرى الاطفال يهلكون بمختلف الامراض وليس ذلك عقابا للاطفال على ذنوب ارتكبوها أو آثام اقترفوها.
ولكن ذلك من باب وجود المسبب عند وجود سببه.
وتلك الاسباب هي الامراض والعلل التي هي جند الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو) وبهذا لا نحتاج إلى ما تكلفه بعض العلماء والمفسرين: من أن الله تعالى أعقم أرحام نساء قوم نوح قبل الطوفان بأربعين سنة فلم يولد لهم في تلك المدة مولود، وبذلك اشترك جميع قومه في الاثم وهم مكلفون فحق عليهم العذاب وحاق بهم الهلاك.
على أننا نرى الزلازل تعمل عملها في الناس بلا تمييز بين البار والفاجر وتخسف الارض بسكانها كما حصل في سان فرنسيسكو بأمريكا في زلزالها المشهور وقد وقع في زماننا، وكما حصل في زلزال اليابان سنة 1923 وهو
قريب العهد منا جدا وكما يحصل في إيطاليا بسبب بركان " فيزوف " فقد تطغى حممه فتغطي البلاد القريبة منه فلا يشعر أهل القرية إلا بالحمم البركانية يسيل سيلها في طرق بلدهم فتهلكهم وتغطيها.
وهذا حاصل كثيرا.
وهذه الطيارات التي تسقط من الجو بأسباب مختلفة لا يهلك من هلك فيها بآثامهم ولا ينجو فيها الناجون ببرهم.
ولكن أحاظ قسمت وجدود.
وما حادثة المنطاد الانجليزي (ر 101) سنة 1930 منا ببعيدة، وكذلك البواخر الجبارة العظيمة الحجم والقوة " كتايتانك " التي غرقت منذ عشرين عاما والباخرة الانجليزية " لويزيتانيا " التي غرقت في أيام الحرب العظمى وكان في كلتيهما من العلماء والكتاب والاغنياء والمهندسين والمخترعين عدد عظيم، فقد هلكوا بآجالهم (إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
الثالثة: أين جبل الجودي الذي استوت عليه سفينه نوح ؟ والجواب: جبل الجودي في نواحي ديار بكر من بلاد الجزيرة، وهو يتصل بجبال أرمينية.
قال في القاموس المحيط: والجودي جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، ويسمى في التوراة " أراراط ".
الرابعة: ما حجم سفينة نوح ؟
وشرابه ولباسه وشأنه كله وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها " وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي أسامة.
والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية فإن الشكر (1) يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا صومه عليه السلام وقال ابن ماجة باب صيام نوح عليه السلام حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة عن أبي فراس، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر إلى يوم عيد الفطر ويوم الاضحى " هكذا رواه
ابن ماجه من طريق عبد الله بن لهيعة باسناده ولفظه (2) * وقد قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قتادة عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر الا يوم الفطر والاضحى وصام داود نصف الدهر وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر ".
حجه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن زمعة هو ابن أبي صالح، عن سلمة بن وهرام (3)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال: هذا وادي عسفان قال: " لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق " فيه غرابة.
__________
(1) قال الفخر الرازي في تفسيره ج 20 / 154: الشكور الموحد الذي لا يرى حصول شئ من النعم إلا من فضل الله.
(2) قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة..وذكره الالباني 4 / 459 في سلسلة الاحاديث الضعيفة.
وقال في أحكام القرآن ج 60 / 213: كان يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده.
(3) وفي نسخة دهران.
وهو سلمة بن وهرام اليماني وثقه ابن معين وغيره.
وضعفه أبو داود الكاشف ج 1 / 309.
وصيته لولده قال الامام أحمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب (1) بن زهير عن زيد بن أسلم قال حماد أظنه عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان (2) مزرورة بالديباج فقال: " ألا إن صاحبكم هذا قد
وضع كل فارس بن فارس أو قال يريد أن يضع كل فارس بن فارس ورفع كل راع بن راع " قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال: لا أرى عليك لباس من لا يعقل ! ؟ * ثم قال: " إن نبي الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فان السموات السبع والارضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله.
ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة فضمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده.
فإن بها صلات كل شئ وبها يرزق الخلق وأنهاك عن الشرك والكبر " قال: قلت - أو قيل - يارسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر أن يكون لاحدنا نعلان حسنان لهما شرا كان حسنان قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها ؟ قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا دابة يركبها ؟ قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال: " لا " * قلت - أو قيل يا رسول الله فما الكبر ؟ قال: " سفه الحق وغمض (3) الناس ".
وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه * ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن اسحق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " كان في وصية نوح لابنه أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين " فذكر نحوه * وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن اسحق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه * والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم.
ويزعم أهل الكتاب أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة * وقدمنا عن ابن عباس مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة.
وفي هذا القول نظر * ثم إن لم
__________
(1) كذا في الاصل والمسند، وفي الاسماء للبيهقي: المصعب.
(2) في الهيثمي: سنجاب.
وفي المسند سيجان: جمع اساج الطيلسان الاخضر: قيل هو الطيلسان المقور ينسخ كذلك.
(3) في المسند والهيثمي وغمص، غمط الناس وعمص الغمط والغمص الاستهانة والاحتقار.
أخرج الحديث في
المسند ج 2 / 169، 170 والاسماء والصفات للبيهقي 128 عن ابن عمر ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 / 219.
وقال: رواه كله أحمد ورواه الطبراني بنحوه وزاد في رواية: وأوصيك بالتسبيح فإنها عبادة الخلق وبالتكبير.
ورواه البزار من حديث ابن عمر.
ورجال أحد ثقات.
ص 220.
يمكن الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض فإن القرآن يقتضي أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك فإن كان ما ذكر محفوظا عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة.
وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والازرقي عن عبد الرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلا أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام.
وهذا أقوى وأثبت من الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك فيما ذكر والله أعلم.
قصة هود عليه السلام (1) وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام * ويقال إن هودا هو عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح.
ويقال هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود (2) بن عاد بن عوص بن ارم ابن سام بن نوح عليه السلام * ذكره ابن جرير وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح كانوا عربا يسكنون الاحقاف وهي جبال الرمل وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر (3) واسم واديهم مغيث * وكانوا كثيرا ما يسكنون الخيام ذوات الاعمدة الضخام كما قال تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) [ الفجر: 6 ] أي عاد إرم وهم عاد الاولى * وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتي بيان ذلك في موضعه * وأما عاد الاولى فهم عاد (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)
[ الفجر: 8 ] أي مثل القبيلة * وقيل مثل العمد.
والصحيح الاول كما بيناه في التفسير.
ومن زعم أن ارم مدينة تدور في الارض فتارة في الشام وتارة في اليمن وتارة في الحجاز وتارة في غيرها فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه ولا مستند يركن إليه * وفي
__________
(1) ذكر هود في القرآن الكريم سبع مرات.
فذكر في سورة الاعراف 65 وفي سورة هود: 50 - 53 - 58 - 60 - 89 وفي سورة الشعراء: 124.
(2) في الطبري الخلود وفي الكامل: الجلود.
(3) وهو قول القسطلاني ج 5 / 333.
وأرض الاحقاف تقع شمال حضرموت، وفي شمالها الربع الخالي وفي شرقها عمان.
فما في الاصل وما عند القسطلاني يخالف ما هو معروف ; لان الاحقاف في موقعها يجعل جنوبها مطل على المحيط الهندي.
صحيح بن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الانبياء والمرسلين قال فيه منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر * ويقال إن هودا عليه السلام أول من تكلم بالعربية * وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها * وقال غيره أول من تكلم بها نوح * وقيل آدم وهو الاشبه.
قبل غير ذلك والله أعلم.
ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام العرب العاربة وهم قبائل كثيرة منهم عاد * وثمود * وجرهم * وطسم * وجديس * وأميم * ومدين * وعملاق * وعبيل * وجاسم * وقحطان * وبنو يقطن * وغيرهم.
وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل * وكان اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه (1) إن شاء الله تعالى ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان.
وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمقصود أن عادا وهم عاد الاولى كانوا اول من عبد الاصنام بعد الطوفان.
وكان أصنامهم ثلاثة صدا وصمودا وهرا (2).
فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليه السلام فدعاهم إلى الله كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح وما كان من أمرهم في سورة الاعراف.
(والى عاد أخاهم هودا.
قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون.
قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين.
قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين.
أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين.
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة.
فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون.
قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب اتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) [ الاعراف: 65 - 72 ] وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود (والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدو الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون.
يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون.
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين.
قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء.
قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما
__________
(1) الجزء الثاني من البداية والنهاية - في أخبار العرب.
(2) في الطبري: هباء بدل هرا وفي الكامل: ضرا وضمور والهبا.
تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون.
إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ.
ولما جاء أمرنا نجينا
هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ.
وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) [ هود: 50 - 60 ] وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون بعد قصة قوم نوح (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون.
وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون.
هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين.
إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين.
قال رب انصرني بما كذبون.
قال عما قليل ليصبحن نادمين.
فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 31 - 41 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضا (كذبت عاد المرسلين.
إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون.
إني لكم رسول أمين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين.
أتبنون بكل ريع آية تعبثون.
وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون.
وإذا بطشتم بطشتم جبارين.
فاتقوا الله وأطيعون.
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون.
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون.
إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.
إن هذا إلا خلق الاولين.
وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 123 - 140 ].
وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة.
أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون.
فارسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) [ فصلت: 15 - 16 ]
وقال تعالى في سورة الاحقاف (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به إليكم ولكني أراكم قوما تجهلون.
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل
هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) [ الاحقاف: 21 - 25 ].
وقال تعالى في الذاريات (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شئ أنت عليه إلا جعلته كالرميم) [ الذاريات 41 - 42 ].
وقال تعالى في النجم (وأنه أهلك عادا الاولى وثمود فما أبقى.
وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى.
والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى) [ النجم 50 - 55 ].
وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر.
تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر 18 - 22 ].
وقال في الحاقة (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية.
سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية.
فهل يرى لهم من باقية) [ الحاقة: 6 - 8 ].
وقال في سورة الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد.
وثمود الذين جابو الصخر بالواد.
وفرعون ذي الاوتاد.
الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.
فنصب عليهم ربك سوط عذاب.
إن ربك لبالمرصاد) [ الفجر: 6 - 14 ].
وقد تكلمنا على كل من هذه القصص في أماكنها من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة وإبراهيم والفرقان والعنكبوت وفي سورة صلى الله عليه وآله وفي سورة (ق) ولنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه السياقات مع ما يضاف إلى ذلك من الاخبار * وقد قدمنا أنهم أول الامم (1) عبدوا الاصنام بعد الطوفان.
وذلك بين في قوله لهم (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة) [ الاعراف: 69 ] أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش.
وقال في المؤمنون (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) [ المؤمنون: 31 ] وهم قوم هود (2) على الصحيح * وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء) قالوا وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة (وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية) وهذا الذي قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية
__________
(1) في الطبري والكامل: كانوا أهل أوثان.
(2) في أحكام القرآن: هم قوم عاد، لانه ما كانت أمة أنشئت في أثر قوم نوح إلا عاد.
عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين أصحاب الايكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات * ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود.
والمقصود أن عادا كانوا عربا جفاة كافرين عتاة متمردين في عبادة الاصنام فأرسل الله فيهم رجلا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والاخلاص له فكذبوه وخالفوه وتنقصوه فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة (قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة) أي هذا الامر الذي تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الاصنام التى يرتجى منها النصر والرزق ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك (قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين) أي ليس الامر كما تظنون ولا ما تعتقدون (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين) والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ وعدم الزيادة فيه والنقص منه ويستلزم إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف
ولا اضطراب وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم لا يبتغي منهم أجرا ولا يطلب منهم جعلا بل هو مخلص لله عزوجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه ولهذا (قال يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون) [ هود: 51 ] أي مالكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين الذي تشهد به فطركم التي خلقتم عليها وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحا وأهلك من خالفه من الخلق وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرا عليه بل أبتغي ذلك عند الله مالك الضر والنفع ولهذا قال مؤمن يس (اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون.
ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) وقال قوم هود له فيما قالوا (يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) [ هود: 53 ] يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه وعندنا إنما أصابك هذا أن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك وهو قولهم (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) [ هود: 54 ] وهذا تحد منه لهم وتبر من آلهتم وتنقص منه لها وبيان أنها لا تنفع شيئا ولا تضر وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله.
فان كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا برئ منها لاعن لها (فكيدوني ثم لا تنظرون) أنتم جميعا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه (1) ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين فإني لا أبالي بكم ولا أفكر فيكم ولا أنظر إليكم
__________
(1) (قوله فكيدوني لا تنظرون، من أعلام النبوة، وهو أن يكون الرسول وحده، مع كثرة أعدائه يدل على الثقة بنصر
(إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) [ هود: 56 ] أي أنا متوكل على الله ومتأيد به وواثق بجنابه الذي لا يضيع من لاذ به واستند إليه
فلست أبالي مخلوقا سواه ولست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه * وهذا وحده برهان قاطع على أن هودا عبد الله ورسوله وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله لانهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروها فدل على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه.
وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) [ يونس: 71 ].
وهكذا قال الخليل عليه السلام (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون.
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) [ الانعام: 80 - 83 ] * (وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) [ المؤمنون: 33 - 35 ] استبعدوا أن يبعث الله رسولا بشريا وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديما وحديثا كما قال تعالى (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس) [ يونس: 2 ] وقال تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا.
قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) [ الاسراء: 94 - 95 ] ولهذا قال لهم هود عليه السلام (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) [ الاعراف: 63 ] أي ليس هذا بعجيب فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون.
هيهات هيهات لما
__________
= الله، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش ; وقال نوح ص (فأجمعوا أمركم وشركاءكم).
وكان هود في علاقته بقومه الناصح الامين لهم ; ومرت هذه العلاقة ; بصبر هود واتزانه ورزانته ووقاره واخلاصه
والبعد عن الشوائب واسداء النصيحة الخالصة وتلطفه معهم وترغيبهم في الايمان.
أما قومه فقد ترقوا في عداوتهم لهود ; من رفضهم لنصائحه ودعواته ثم اتهامهم له في عقله إلى تحديه (فأتنا بما تعدنا - من العذاب).
وانذرهم هود بالهلاك ; واستحلال قوم غيرهم.
ولما لم تبق فائدة في النصيحة والدعوة والانذار..أحل الله تعالى بهم نقمته في الدنيا...
توعدون.
إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحي وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال ربي انصرني ] [ المؤمنون: 35 - 39 ] * استبعدوا المعاد وأنكروا قيام الاجساد بعد صيرورتها ترابا وعظاما وقالوا هيهات هيهات أي بعيد بعيد هذا الوعد إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحي وما نحن بمبعوثين أي يموت قوم ويحيى آخرون * وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة أرحام تدفع وأرض تبلع.
وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذه الدار بعد كل سنة وثلاثين ألف سنة وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل يستميل عقل الفجرة الكفرة من بني آدم الذين لا يعقلون ولا يهتدون كما قال تعالى (ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون) [ الانعام: 113 ] وقال لهم فيما وعظهم به (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) [ الشعراء: 128 ] يقول لهم أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور ونحوها تعبثون ببنائها لانه لا حاجة لكم فيه وما ذاك إلا لانهم كانوا يسكنون الخيام كما قال تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد) [ الفجر: 6 - 7 ] فعاد إرم هم عاد الاولى الذين كانوا يسكنون الاعمدة التي تحمل الخيام.
ومن زعم أن إرم مدينة من ذهب وفضة وهي تتنقل في البلاد فقد غلط وأخطأ وقال ما لا دليل عليه * وقوله (وتتخذون مصانع) قيل هي القصور * وقيل بروج الحمام * وقيل مآخذ
الماء (1) (لعلكم تخلدون) [ الشعراء: 129 ] أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة (وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون.
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون.
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 130 - 135 ] وقالوا له مما قالوا (أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين) [ الاعراف: 70 ] أي أجئتنا لنعبد الله وحده ونخالف أباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه * فإن كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك (2) كما قالوا (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.
إن هذا الا خلق الاولين.
وما نحن بمعذبين) [ الشعراء: 136 - 138 ] أما على قراءة فتح الخاء فالمراد به اختلاق الاولين أي أن هذا الذي جئت به إلا إختلاق منك وأخذته من كتب الاولين * هكذا فسره غير واحد من الصحابة والتابعين * وأما على قراءة ضم الخاء واللام فالمراد به الدين أي أن هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الآباء والاجداد من أسلافنا ولن نتحول عنه ولا نتغير ولا
__________
(1) في أحكام القرآن: قال الكلبي منازل.
وقال ابن عباس ومجاهد: حصون مشيدة.
(2) طلبوا منه بتحد العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه.
نزال متمسكين به.
ويناسب كلا القراءتين الاولى والثانية قولهم (وما نحن بمعذبين) قال (قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين) [ الاعراف: 71 ] أي قد استحقيتم بهذه المقالة الرجس والغضب من الله أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام أنتم نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان أي لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليلا ولا برهانا وإذا أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم وبأسه الذي لا يرد ونكاله الذي لا يصد وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فاخذتهم الصيحة
بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 26 ] وقال تعالى (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون.
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم.
تدمر كل شئ بامر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) [ الاحقاف: 22 ] وقد ذكر الله تعالى خبر إهلاكهم في غير ما أية كما تقدم مجملا ومفصلا كقوله (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) [ الاعراف: 72 ] وكقوله (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ.
وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا أن عادا كفروا ربهم الا بعدا لعاد قوم هود) [ هود: 58 - 60 ] وكقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 41 ] وقال تعالى (فكذبوه فأهلكناهم ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء 139 - 140 ].
وأما تفصيل إهلاكهم فلما قال تعالى (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما أستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم) [ الاحقاف: 24 ] كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا فرأوا عارضا في السماء وظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب.
ولهذا قال تعالى (بل هو ما استعجلتم به) أي من وقوع العذاب وهو قولهم (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) ومثلها في الاعراف.
وقد ذكر المفسرون وغيرهم ههنا الخبر الذي ذكره الامام محمد بن اسحق بن بشار (1) وقال فلما أبوا إلا الكفر بالله عزوجل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك قال وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه
__________
(1) كذا في الاصول بشار وهو تحريف والصواب يسار.
العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر (1) وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهدة ابنة الخيبري.
قال فبعث عاد وفدا (2) قريبا من سبعين رجلا ليستقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر يغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر.
فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا فيعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنيهم به فقال: ألا ياقيل ويحك قم فهينم * لعل الله يمنحنا (3) غماما فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم أياما (4) وإن الوحش يأتيهم جهارا * ولا يخشى لعادي سهاما وأنتم ههنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم تماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما قال فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل ابن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء [ ياقيل ] اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه اخترت رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا.
لا والدا يترك ولا ولدا.
إلا جعلته همدا إبلا بني اللودية الهمد (5) - قال وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال ومن بقي من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة - قال: وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها) أي كل شئ أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون
__________
(1) في الطبري: بكر بن معاوية.
وفي رواية ابن إسحاق عنده معاوية بن بكر.
(2) في الطبري: بعثوا قيل بن عثر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيك ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة بن الخيبري ثم بعثوا لقمان بن عاد بن.
بن.
بن عاد الاكبر مع رهط كل منهم حتى بلغوا سبعين رجلا.
(3) في الطبري يسقينا.
(4) في الطبري: عياما.
والايم: المرأة التي فارقت زوجها.
(5) في الطبري: اللوذية الهمداني وهم بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر.
امرأة من عاد يقال لها فهد (1) فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت.
فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا فهد (2) قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخر ها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك قال واعتزل هود عليه السلام فيما ذكر لي في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود ويلتذ الانفس وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والارض وتدمغهم بالحجارة * وذكر تمام القصة (3).
وقد روي الامام أحمد حديثا في مسنده (4) يشبه هذه القصة فقال حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث - وهو ابن حسان - ويقال ابن يزيد البكري قال: خرجت أشكو العلا بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال: فجلست قال: فدخل منزله - أو قال رحله - فأستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت.
فقال: " هل كان بينكم وبين بني تميم شئ ؟ " فقلت: نعم.
وكانت لنا الدبرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب.
فأذن
لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء فإنها كانت لنا قال ; فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك قال: فقلت: إن مثلي ما قال الاول (معزى حملت حتفها) (5) حملت هذه الامة ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال هيه وما وافد عاد وهو أعلم بالحديث منه (1) ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر ويغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة (6) فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه.
اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأمي إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا قال فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في
__________
(1) في الطبري: مهدد.
(2) روى الطبري الخبر في تاريخه 1 / 113 بتغيير طفيف في التعابير والالفاظ.
(3) مسند أحمد ج 3 / 482 وتاريخ الطبري ج 1 / 111، وروى الترمذي نحوه وقال: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن سلام بن أبي المنذر عن عاصم، وعن أبي وائل عن الحارث بن حسان ويقال له: ابن يزيد.
(4) في الطبري: حيفا.
(5) في الطبري: قلت: على الخبير سقطت قال: وهو يستطعمني الحديث.
(6) في الطبري: مهرة.
خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا.
قال أبو وائل وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وفدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد وهكذا رواه الترمذي عن عبد ين حميد بن زيد بن الحباب به ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجة.
وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره * وقد يكون هذا السياق لاهلاك عاد الآخرة، فإن فيما ذكره ابن اسحاق وغيره ذكر لمكة، ولمن تبن
إلا بعد إبراهيم الخليل حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي وعاد الاولى قبل الخليل وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الاولى، لا يشبه كلام المتقدمين.
وفيه أن في تلك السحابة شرر نار، وعاد الاولى إنما أهلكوا بريح صرصر.
وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين هي الباردة والعاتية الشديدة الهبوب (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) [ الحاقة: 7 ] أي كوامل متتابعات * قيل كان أولها الجمعة وقيل الاربعاء (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) شبههم بأعجاز النخل التي لا رؤس لها وذلك لان الريح كانت تجئ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس كما قال (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر) [ القمر: 19 ] أي في يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم (تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) [ القمر: 20 ] ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الاربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرآن فإنه قال في الآية الاخرى (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات) [ فصلت: 16 ] ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الايام السبعة المندرجة فيها مشؤمة وهذا لا يقوله أحد وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم وقال تعالى (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) [ الذاريات: 41 ] أي التي لا تنتج خيرا فإن الريح المفردة لا تنثر سحابا ولا تلقح شجرا بل هي عقيم لا نتيجة خير لها ولهذا قال (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) [ الذاريات: 42 ] أي كالشئ البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالكلية * وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " (1) * وأما قوله تعالى (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [ الاحقاف: 21 ] فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الاولى فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وهم الاولى.
ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية.
ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 15 / 26 / 1035 الفتح ; وفي أكثر من رواية وراوه مسلم في صحيحه 9 / 4 / 17 وأحمد في منسده 1 / 23 - 324 - 341 - 355 - 373.
قال ابن حجر: الصبا يقال لها القبول لانها تقابل الكعبة لان مهبها من مشرق الشمس، والدبور ضد الصبا.
من الحديث عن عائشة رضي الله عنها * وأما قوله (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) فإن عادا لما رأو هذا العارض وهو الناشئ في الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر قال الله تعالى (بل هو ما استجعلتم به) أي من العذاب ثم فسره بقوله (ريح فيها عذاب أليم) يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة فكما منوا بقوتهم وشدتهم وقالوا من أشد منا قوة سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم وهو الريح العقيم * ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الامر سحابة ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم وغياث لمن بقي منهم فأرسلها الله عليهم شررا ونارا كما ذكره غير واحد ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار وهو أشد ما يكون من العذاب بالاشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي: حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس، حدثنا ابن فضل (1) عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والارض فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها (قالوا هذا عارض ممطرنا) فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة ".
وقد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن اسماعيل بن زكريا الكوفي، عن أبي مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما فتح الله على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم.
ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أو ديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا ".
قال: عتت على خزائنها (2) حتى خرجت من خلال الابواب.
قلت: وقال غيره: خرجت بغير حساب.
والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر.
ثم اختلف فيه على مسلم الملائي، وفيه نوع اضطراب والله أعلم * وظاهر الآية أنهم رأوا عارضا والمفهوم منه (3) لمعة السحاب كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري ان جعلناه مفسرا لهذه القصة.
وأصرح منه في ذلك ما رواه
__________
(1) كذا بالاصل والصواب ابن فضيل وهو محمد بن فضيل بن غزوان، ثقة مشهور، قال ابن سعد: بعضهم لا يحتج به، المغني في الضعفاء (2 / 624 / 5907) تقريب التهذيب (2 / 200 / 628).
(2) في قصص الانبياء لابن كثير: خزانها وهو الصواب.
(3) لمعة تحريف، وما في قصص الانبياء لابن كثير: لغة.
هو الصواب.
مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب [ قال ] سمعت بن جريح يحدثنا عن عطاء بن أبي رياح، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به " قالت: وإذا عببت (1) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه (2) فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال لعله يا عائشة كما قال قوم عاد (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) [ الاحقاف: 24 ] (3) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج.
طريق أخرى * قال الامام أحمد (4) حدثنا هرون بن معروف أنبأنا عبد الله بن وهب، أنبأنا عمرو وهو ابن الحارث، أن أبا النضر، حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم.
وقالت كان إذا
رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب.
قد عذب قوم نوح بالريح.
وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا " * فهذا الحديث كالصريح في تغاير القصتين كما أشرنا إليه أولا.
فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الاحقاف خبرا عن قوم عاد الثانية.
وتكون بقية السياقات في القرآن خبرا عن عاد الاولى والله أعلم بالصواب * وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف وأخرجه البخاري وأبو داود من حديث ابن وهب * وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام.
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن.
وذكر آخرون أنه بدمشق وبجامعها مكان في حائطة القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم.
__________
(1) كذا في الاصول.
وعند مسلم تخيلت.
قال أبو عبيدة وغيره: تخيلت من المخيلة بفتح الميم: وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه انها ماطرة.
(2) سري عنه: انكشف عنه الهم.
قال صاحب النهاية: وقد تكرر ذكر هذه اللفظة في الحديث، وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه.
وكلها بمعنى الكشف والازالة.
يقال: سروت الثوب، وسريته إذا خلعته.
والتشديد فيه للمبالغة.
(3) أخرجه مسلم في 9 كتاب صلاة الاستسقاء (3 باب) ح 15 ص 2 / 616.
(4) مسند أحمد ج 6 / 66 وصحيح مسلم 9 كتاب صلاة الاستسقاء (3 باب) 16 ح ص 2 / 616.
ولهواته: جمع لهاة.
وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك.
قاله الاصمعي.
قصة صالح نبي ثمود عليه السلام (1) وهم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك.
وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه وكانوا بعد قوم عاد وكانوا
يعبدون الاصنام كأولئك فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبد الله ورسوله صالح بن عبد بن ماسح (2) بن عبيد بن حاجر ابن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الاصنام والانداد ولا يشركوا به شيئا فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى في سورة الاعراف (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم.
هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون من الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون.
قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون.
فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [ الاعراف: 73 - 79 ] وقال تعالى في سورة هود (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب.
قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله ان عصيته فما تزيدونني غير تحسير.
ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب.
فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.
فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ.
إن ربك هو القوي العزيز.
وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود)
__________
(1) ذكر اسم صالح في القرآن تسع مرات، في سورة الاعراف: 73 - 75 - 77 وفي سورة هود في الآيات: 61 -
62 - 66 - 89، وفي سورة الشعراء: 142.
(2) في الطبري: صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح.
[ هود: 61 - 67 ] وقال تعالى في سورة الحجر (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين.
وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين.
وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين.
فأخذتهم الصيحة مصبحين.
فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) [ الحجر: 70 - 84 ] وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون.
وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) [ الاسراء: 59 ] وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت ثمود المرسلين.
إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون.
إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
أتتركون فيما هاهنا آمنين في جنات وعيون.
وزروع ونخل طلعها هضيم.
وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين.
فاتقوا الله وأطيعون.
ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون.
قالوا إنما أنت من المسحرين.
ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين.
قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم.
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم.
فعقروها فأصبحوا نادمين.
فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 141 - 159 ] وقال تعالى في سورة النمل (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون.
قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون.
قالوا اطيرنا بك وبمن معك.
قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون.
وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون.
قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون.
ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ النمل: 45 - 53 ]
وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون.
ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ فصلت: 17 - 18 ] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت ثمود بالنذر.
فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه انا إذا لفي ضلال وسعر.
أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر.
سيعلمون غدا من الكذاب الاشر.
انا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر.
ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر.
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر.
انا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 23 - 32 ] وقال تعالى (كذبت ثمود بطغواها إذا انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها.
فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [ الشمس: 11 - 15 ] وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود كما في سورة براءة وابراهيم والفرقان وسورة صلى الله عليه وآله وسورة (ق) والنجم والفجر * ويقال إن هاتين الامتين لا يعرف خبرهما
أهل الكتاب وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر عنهما كما قال تعالى في سورة ابراهيم (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فان الله لغني حميد.
ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ] [ ابراهيم: 8 - 9 ] الآية.
الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه ولكن لما كان هاتان الامتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا ولا اعتنوا بحفظه وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى عليه السلام * وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير متقصيا ولله الحمد والمنة.
والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم وكيف نجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام * قد قدمنا أنهم كانوا عربا وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم * ولهذا قال لهم نبيهم
عليه السلام (أعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين) [ الاعراف: 73 - 74 ] أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم وتعملوا بخلاف عملهم وأباح لكم هذه الارض تبنون في سهولها القصور وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته فإن عاقبة ذلك وخيمة ولهذا وعظهم بقوله (اتتركون فيما ههنا آمنين.
في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم) [ الشعراء: 146 - 148 ] أي متراكم كثير حسن بهي ناضج (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين.
الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون) [ الشعراء 149 - 152 ] وقال لهم أيضا (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها) [ هود: 61 ] أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الارض وجعلكم عمارها أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار فهو الخالق الرزاق فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه (فاستغفروه ثم توبوا إليه) أي أقلعوا عما أنتم فيه (1) وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم (إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) [ هود: 62 ] أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة (2) وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد
__________
(1) أي سلوه المغفرة من عبادة الاصنام.
(2) في أحكام القرآن: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة، وكانوا يرجون رجوع دينهم..وانقطع رجاؤهم لما دعاهم إلى الله.
العبادة وترك ما كنا نعبده من الانداد والعدول عن دين الآباء والاجداد ولهذا قالوا (اتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب - قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي
وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير) [ هود: 63 ] وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير أي فما ظنكم إن كان الامر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ماذا عذركم عند الله وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعاءكم إلى طاعته وأنا لا يمكنني هذا لانه واجب علي ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له حتى يحكم الله بيني وبينكم وقالوا له أيضا (إنما أنت من المسحرين) [ الشعراء: 153 ] أي من المسحورين يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده وخلع ما سواه من الانداد وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين * وقيل من المسحرين أي ممن له سحر وهي الرئة كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر والاول أظهر لقولهم بعد هذا ما أنت إلا بشر مثلنا * وقولهم (فأت بآية إن كنت من الصادقين) [ هود: 154 ] سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم) [ هود: 156 ] وقال (قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) [ الاعراف: 73 ] وقال تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) [ الاسراء: 59 ].
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافا سموها ونعتوها وتعنتوا (1) فيها وأن تكون عشراء (2) طويلة من صفتها كذا وكذا فقال لهم النبي صالح عليه السلام أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به.
قالوا نعم فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عزوجل ما قدر له ثم دعا ربه عزوجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما ومنظرا هائلا وقدرة
باهرة ودليلا قاطعا وبرهانا ساطعا (3) فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم
__________
(1) تعنتوا: تشددوا.
(2) عشراء: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو هي كالنفساء من النساء.
(3) قال الرازي في تفسيره ج 18 / 19: وأعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه: الاول: انه تعالى خلقها من الصخرة.
الثاني: انه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل.
ولهذا قال (فظلموا بها) أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها أي أكثرهم.
وكان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس.
وكان من رؤسائهم وهم بقية الاشراف بالاسلام قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر بن جمس ودعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة وكان من اشرافهم فهم بالاسلام فنهاه أولئك فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله: وكانت عصبة من آل عمرو * إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا * فهم بأن يجيب ولو أجابا لاصبح صالح فينا عزيزا * وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر * تولوا بعد رشدهم ذابا (1) ولهذا قال لهم صالح عليه السلام (هذه ناقة الله لكم آية) [ هود: 64 ] أضافها الله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم كقوله بيت الله وعبد الله لكم آية أي دليلا على صدق ما جئتكم به (فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) [ هود: 64 ] فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يوما بعد يوم وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ولهذا (قال لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) ولهذا
قال تعالى (أنا مرسلوا الناقة فتنة لهم) [ القمر: 27 ] أي اختبارا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون والله أعلم بما يفعلون (فارتقبهم) أي انتظر ما يكون من امرهم (واصطبر) على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية (ونبئهم ان الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) [ القمر: 28 ] فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم وزين لهم الشيطان أعمالهم قال الله تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين) [ الاعراف - 77 ] وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم قدار بن سالف بن جندع وكان أحمر أزرق أصهب وكان يقال أنه ولد زانية ولد على فراش سالف وهو ابن رجل يقال له صيبان.
وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم فلهذا نسب الفعل إلى جميعهم كلهم (2) *
__________
الثالث: انه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر.
الرابع: خلقها دفعة واحدة من غير ولادة الخامس: ما روي انه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر.
السادس: كان يحصل منها لبن كثير يكفي لخلق عظيم.
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: ذبابا.
(2) وفي نسخة قصص الانبياء لابن كثير: إليهم كلهم.
وهو مناسب.
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين (1) أن امرأتين من ثمود اسم احداهما صدوق ابنة المحيا ابن زهير بن المختار وكانت ذات حسب ومال وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته فدعت ابن عم لها يقال له مصرع بن مهرج بن المحيا وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة واسم الاخرى عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى أم عثمان وكانت عجوزا كافرة لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو احد الرؤساء فعرضت بناتها الاربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء فانتدب هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة وهم
المذكورون في قوله تعالى (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون) [ النمل: 48 ] وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك فانطلقوا يرصدون الناقة فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الارض ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقيها وهو فصيلها فصعد جبلا منيعا ودعا (2) ثلاثا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن أنه قال يا رب أين أمي ثم دخل في صخرة فغاب فيها ويقال بل اتبعوه فعقروه أيضا قال الله تعالى (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر) [ القمر: 29 - 30 ] وقال تعالى (إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها) [ الشمس: 12 - 13 ] أي احذروها (فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [ الشمس: 14 - 15 ].
قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هاشم - هو أبو عزرة - عن أبيه عبد الله بن زمعة (3) قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال (إذ انبعثت أشقاها) انبعث لها رجل من عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة (4).
أخرجاه من حديث هشام بن (5) عارم أي شهم عزيز أي رئيس منيع أي مطاع في قومه * وقال محمد بن اسحاق حدثني
__________
(1) تاريخ الطبري، وروح المعاني للالوسي.
(2) كذا في الاصل، وفي قصص الانبياء لابن كثير: ورغا.
وهو المناسب.
(3) في المسند 4 / 17: عن ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة.
وهشام بن عروة ; وأبو عزرة تحريف / عن مسلم.
(4) رواه مسلم في 51 كتاب / 13 باب / ح 49 بزيادة: ذكر النساء فوعظ فيهم ثم قال: إلام يجلد أحدكم امرأته.
ورواه البخاري في الفتح: 65 / 91 / 4942 بزيادة " ذكر النساء..وعارم: قال أهل اللغة: هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوي الشرس.
(5) كذا بالاصول والنسخ المطبوعة: وفي قصص الانبياء لابن كثير: من حديث هشام به.
يزيد بن محمد بن خيثم عن محمد بن كعب عن محمد بن خيثم عن يزيد عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " ألا أحدثك بأشقى الناس " قال: بلى.
قال: " رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي بضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته ".
رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين) [ الاعراف: 77 ] فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه: منها انهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الاكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين * أحدهما الشرط عليهم في قوله (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) وفي آية " عظيم " وفي الاخرى " أليم " والكل حق * والثاني استعجالهم على ذلك.
ومنها أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه وهم يعلمون ذلك علما جازما ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم * قال الله تعالى (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام (1) ذلك وعد غير مكذوب) [ هود: 65 ] وذكروا نهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الارض ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقيها وهو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك ورغا ثلاث مرات فلهذا قال لهم صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الاكيد بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) [ النمل: 48 ] أي لنكسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ثم نجحدن قتله وننكرن ذلك أن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: (ثم لنقولن لوليه ما شهدنا
مهلك أهله وإنا لصادقون) [ النمل: 48 ] قال الله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ النمل: 50 - 53 ] وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبحت ثمود يوم الخميس وهو اليوم الاول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح عليه السلام فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل.
وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال ابن عباس: انه تعالى لما امهلهم تلك الايام الثلاثة فقد رغبهم في الايمان، وذلك لانهم لما عقروا الناقة انذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب..
أمسوا نادوا ألا قد مضى الاجل فلما كان صبيحة يوم الاحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الارواح وزهقت النفوس وسكنت الحركات وخشعت الاصوات وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها.
قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة - ابنت السلق - ويقال لها الذريعة وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شئ فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى (كأن لم يغنوا فيها) أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) [ هود: 60 ] أي نادى عليهم لسان القدر بهذا.
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم،
عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج (فعتوا عن أمر ربهم فعقروها).
وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله.
فقالوا من هو يا رسول الله قال: " هو أبو رغال.
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " (1).
وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شئ من الكتب الستة والله أعلم.
وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر، أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: " أتدرون من هذا " قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: " هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله [ من ] عذاب الله.
فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ههنا، ودفن معه غصن من ذهب.
فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن " * قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف * هذا مرسل من هذا الوجه * وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن اسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير، [ قال ] سمعت عبد الله بن عمرو، [ يقول ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: " إن هذا قبر أبي رغال.
وهو أبو ثقيف ; وكان من ثمود ; وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان
__________
(1) مسند أحمد ج 3 / 396 وتفرد به.
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم، صدوق مشهور، اعتمده مسلم وروى له البخاري متابعة.
قال ابن حجر: صدوق إلا انه يدلس.
تقريب التقريب (2 / 207 / 697) المغني في الضعفاء للذهبي / 2 - 632).
فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه.
فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن " وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن اسحق به * قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله هذا حديث حسن عزيز.
قلت تفرد به بجير بن أبي بجير هذا
ولا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يرو عنه سوى اسماعيل بن أمية * قال شيخنا فيحتمل أنه وهم في رفعه وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه والله أعلم.
قلت لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضا شاهد له * والله أعلم.
وقوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [ الاعراف: 79 ] إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم (يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم) أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي (ولكن لا تحبون الناصحين) أي لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الاليم المستمر بكم المتصل إلى الابد وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ولكن الله يفعل ما يريد.
وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال: وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من أخر الليل فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، وقال لهم فيما قال: " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقتني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم " فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا فقال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون).
وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله * ويقال إن صالحا عليه السلام إنتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات.
قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ".
قال وادي عسفان قال: " لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق " (1) * إسناد حسن * وقد تقدم في قصة نوح
عليه السلام من رواية الطبراني وفيه نوح وهود وإبراهيم.
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 232 وفيه زمعة بن صالح الجندي، اليماني، نزيل مكة، أبو وهب ضعيف / تقريب التهذيب / 1 - 293 - 65.
مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور فأمرهم رسول الله فاهراقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ] إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم (1) * وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم (2) * أخرجاه في الصحيحين من غير وجه * وفي بعض الروايات أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين وفي رواية فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم * صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون، حدثنا المسعودي، عن اسمعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الانباري عن أبيه واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد رضي الله عنه قال لما كان في غزوة تبوك فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل تعجب منهم يا رسول الله قال أفلا أرئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم
شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا * إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم فنحتوا لهم بيوتا في الجبال.
وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سبب هلاكهم ذلك وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه فكانوا على ذلك دهرا طويلا وانقرض جيل وأتى جيل آخر.
فلما كان في بعض الاعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه 53 / 1 / 2981 وأحمد في مسنده.
(2 / 72 - 91) والبخاري في الفتح 65 / 15 - 2 / 4702 والحميدي في مسنده وابن هشام في السيرة والواقدي في المغازي 1 / 397.
(2) مسند أحمد ج 2 / 66.
آخر مثله في الرياسة فزوجه فولد بينهما عاقر الناقة وهو قدار بن سالف فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجديه فيهم فنشأ تشأة سريعة فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من اشرافهم وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام.
فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة وبلغ ذلك صالحا عليه السلام جاءهم باكيا عليها فتلقوه يعتذرون إليه ويقولون إن هذا لم يقع عن ملا منا وإنما فعل هذا هؤلاء الاحداث فينا.
فيقال إنه أمرهم باستدراك سقبها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع فلا يناله الطير وبكى الفصيل حتى سالت دموعه.
ثم استقبل صالحا عليه السلام ودعا (1) ثلاثا فعندها قال صالح تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وذلك وعد غير مكذوب وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا ثم تحمر وجوههم في الثاني وفي اليوم الثالث تسود وجوههم * فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة فأخذتهم فأصبحوا في دارهم (2) جاثمين * وفي بعض هذا السياق نظر
ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (3) قصة إبراهيم خليل الرحمن هو إبراهيم بن تسارخ " 250 " بن ناحور " 148 " بن ساروغ " 230 " بن راعو " 239 " ابن فالغ " 439 " بن عابر " 464 " بن شالح " 433 " بن أرفخشذ " 438 " بن سام " 600 " ابن نوح عليه السلام (4) * هذا نص أهل الكتاب في كتابهم، وقد اعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته * وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة ابراهيم الخليل من تاريخه عن اسحق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب " المبتدأ " ان اسم أم ابراهيم " أميلة " * ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال
__________
(1) في الطبري والكامل: ورغا ثلاثا.
فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم.
(2) في الطبري: ديارهم.
(3) نقل الخبر الطبري في تاريخه 1 / 117 - 118 دار القاموس.
والفصيل: ولد الناقة.
(4) نسبه الموجود في التوراة والتواريخ هو: إبراهيم بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفكشاذ بن سام بن نوح عليه السلام وفي تهذيب ابن عساكر (2 / 136 - 137): إبراهيم بن ازار وهو تارخ بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن شالح بن أرفشخد بن سام بن نوح ويكنى بأبي الضيفان.
وكما هو ملاحظ فأكثر الاسماء مخالفة لما في الاصل الذي نعتمده.
الكلبي اسمها " بونا " بنت كربنا بن كرثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح (1) وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان (2).
قالوا ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام وناحور وهاران
وولد لهاران لوط * وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الاوسط وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل * وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ (3) والاخبار وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر بعد ما روى من طريق هشام بن عمار عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن ابن عباس قال ولد ابراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون * ثم قال والصحيح أنه ولد ببابل.
وإنما نسب إليه هذا المقام لانه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام.
قالوا فتزوج ابراهيم سارة (4) وناحور ملكا ابنة هاران يعنون بابنة اخيه.
قالوا وكانت سارة عاقرا لا تلد قالوا وانطلق تارخ بابنة إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة (5) وهذا يدل على أنه لم يولد بحران وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها * ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين * وهي بلاد بيت المقدس فأقاموا بحران وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا وكانوا يعبدون الكواكب السبعة.
والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال * ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها ويعملون لها أعيادا وقرابين * وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والاصنام وكل من كان على وجه الارض كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال فان الله سبحانه وتعالى أتاه رشده في صغره وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره قال تعالى) (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) [ الانبياء: 51 ] أي كان أهلا لذلك.
__________
(1) في الطبري: عن غير واحد من أهل العلم: اسمها أنموتا من ولد افراهم بن أرغو بن فالغ..من ولد سام.
وقيل اسمها: انمتلى بنت يكفور.
(2) تاريخ ابن عساكر 12 / 141 التهذيب.
(3) قال الطبري: اختلف في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه ; قالوا بالسوس من أرض الاهواز - بابل - بناحية كوثى من السواد - بالوركاء بناحية الزوابى - حران ونقله منها أبوه إلى بابل (1 / 119 والكامل لابن الاثير 1 / 94) (4) في سارة أقوال: في رواية للطبري ولابن الاثير: انها ابنة عمه هاران وفي رواية أخرى عنده عن السدي: انها ابنة ملك حران وقد طعنت في دين قومها وآمنت بالله تعالى مع إبراهيم.
(5) وفي المسعودي: مائتان وستين سنة 1 / 40.
وقال تعالى (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون.
وان تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير.
قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.
ان الله على كل شئ قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون.
وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير.
والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم.
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فانجاه الله من النار.
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين.
فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي انه هو العزيز الحكيم.
ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 16 - 27 ] ثم ذكر تعالى مناظرته لابيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكان أول دعوته لابيه، وكان أبوه ممن يعبد الاصنام لانه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى (واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا.
إذ قال لابيه.
يا أبت لم تعبد ما لا
يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا.
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا.
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا.
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا.
قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا.
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) [ مريم: 41 - 48 ].
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة.
وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الاوثان التى لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر ؟ * ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه (يا أبت إنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك (1) فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال (أراغب أنت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لارجمنك) قيل بالمقال وقيل
__________
(1) قال في أحكام القرآن: أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة.
11 / 111 وقوله: يا أبت دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب../ الرازي 21 / 226 /.
بالفعال (1) (واهجرني مليا) أي واقطعني وأطل هجراني.
فعندها قال له ابراهيم (سلام عليك) أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى بل أنت سالم من ناحيتي وزاده خيرا فقال (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) * قال ابن عباس وغيره أي لطيفا يعني في أن هداني لعبادته والاخلاص له ولهذا قال (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) (2).
وقد استغفر له ابراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته.
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى (وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ابراهيم لاواه حليم) (3)
وقال البخاري: حدثنا اسمعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن أبن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الابعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين.
ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقي في النار " (4) هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا.
وقال في التفسير وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذؤيب (5) عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة * وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن ابراهيم بن طهمان به.
وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وفي سياقه غرابة.
ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال تعالى (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة اني أراك وقومك في ضلال مبين) [ الانعام: 74 ] هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر وجمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده إسمه آزر * وقال ابن جرير والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر
__________
(1) قال الحسن: يعنى بالحجارة وقال الضحاك: بالقول أي لاشتمنك ; وقال ابن عباس: لاضربنك ; وقيل لاظهرن أمرك / القرطبي 11 / 111 ; وقال الرازي في الرجم قولان: الرجم باللسان - والرجم باليد.
(2) في القرطبي: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه ; (ومفارقته إياهم).
وقال في تفسير الرازي: في الرجم.
(3) سورة التوبة الآية 114.
(4) فتح الباري 60 / 8 / 3350 ورواه ابن عساكر في 2 / 137 التهذيب.
(5) كذا في الاصول وهو تحريف وفي البخاري ابن أبي ذئب ; وقد تقدم قبل قليل.
علم.
وهذا الذي قاله محتمل والله أعلم (1) * ثم قال تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت
__________
(1) يقول الدكتور النجار في قصص الانبياء معللا ص 70 - 71: " هو أبراهيم خليل الله بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عامر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح عليه السلام.
هذا هو نسبه الموجود في التوراة والتواريخ.
وقد جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة).
اختلف المفسرون في اسم أبي إبراهيم - فقال بعضهم أن لفظ " آزر " في الآية بدل من لفظ " أب " في " أبيه " ويكون مقول القول " أتتخذ أصناما آلهة) ألخ وقال آخرون اسمه " تارح " وان لفظ " آزر " كلمة ذم في لغته ومعناه " أعرج " قاله السهيلي في التكلمة.
وقال آخرون أن معناه الخاطئ والخرف وفي التكلمة " يا مخطئ يا خرف " وقيل معناه " يا شيخ " أو هي كلمة زجر عن الباطل " راجع ص 12 ج 3 تاج العروس ".
أقول: بعيد في نظري أن يكون إبراهيم عليه السلام قد واجه آباه بكلمات فيها تحقير أو عيب أو زجر كأعرج وخرف ومخطئ لان والد إبراهيم عليه السلام لما هدده بقوله (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) لم يكن له جواب على هذه الجفوة القاسية وهذا التهديد العنيف إلا أن قال لابيه (سلام عليك سأستغفر لك ربي أنه كان بي حفيا).
وقال آخرون: أن تارح اسمه العلم، وان آزر وصف له كما قال البيضاوي.
أقول: إذا صح أن والد إبراهيم كان له اسم علمي واسم وصفي، يكون معناه القوي أو الناصر أو المعين ; لان لفظ آزر من الازر أي القوة والنصر والعون ومنه الوزير أي المعين " تاج العروس ص 11 ج 3 " وهي كذلك في اللغات السامية التي منها لغة إبراهيم، ومن ذلك عازر وعزير وعازر في العبرية.
فإن هذه المادة تفيد التقوية والنصرة والاعانة في تلك اللغة كما هي في اللغة العربية.
قال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه.
الخ) ومعلوم أن العين والهمزة يتعاوران على موضع واحد.
وفي أسماء ملوك الاشوريين " اسرحدون " ولفظا " اسر " و " ازر " في غاية القرب.
وفيهم أيضا " توخلات
أبال ازار " وعلى ذلك فلا يبعد عن علماء الفيلولوجيا وعلماء اللغات السامية على الخصوص أن يثبتوا النسب بين هذه الالفاظ في اللغات السامية وقد جاء في دائرة المعارف الاسلامية ما نصه: " آزر " اسم أبي إبراهيم في القرآن - سورة الانعام الآية 74 - ويظهر أن في هذا بعض الخلط لان اسم أزر لم يرد مطلقا على أنه أبو إبراهيم في غير هذا الموضع.
كما أن تارح أو تارخ قد ورد في روايات بعض المؤرخين والمفسرين من المسلمين على أنه أبو إبراهيم أيضا.
ولذلك لجئوا إلى التحاليل للتوفيق بين هاتين الروايتين.
ولكن هذا التحايل لا قيمة له.
ويقول مراتشي Prodrani Maracci، ج 4 - ص 90 " ان صيغة آزر نشأت عن قراءة خاطئة Agae التي وردت في =
السموات والارض وليكون من الموقنين.
فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين.
فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين.
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم) [ الانعام: 75 - 83 ] وهذا المقام مقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الاجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للالوهية ولا أن تعبد مع الله عزوجل لانها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم والرب تعالى لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه فبين لهم اولا عدم صلاحية الكواكب.
قبل هو الزهرة لذلك ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها.
ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الاجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء فبين أنها
مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة كما قال تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [ فصلت: 37 ] ولهذا قال (فلما رأى الشمس بازغة) أي طالعة (قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين.
وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) [ الانعام: 78 - 80 ] أي لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل بل هي مربوبة ومسخرة كالكواكب ونحوها أو مصنوعة منحوتة منجورة.
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لاهل حران فإنهم كانوا يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن اسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار اسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق * وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الاصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم وأهانها وبين بطلانها كما قال تعالى (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا.
ثم يوم القيامة بكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا.
ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) [ العنكبوت: 25 ] وقال في سورة الانبياء (ولقد
__________
تاريخ الكنيسة ليوز بيوس ; إلا أنه لم يعين لا هو ولا من نقلوا عنه الفقرة التي ورد فيها هذا الاسم.
اضف إلى ذلك أن هذا المؤرخ قد ذكر في مواضع متعددة.
ومهما يكن من شئ فإن ما ذهب إليه مراتشي بعيد الاحتمال ".
آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين.
إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.
قالوا وجدنا أباءنا لها عابدين.
قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين.
قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين.
قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين.
فجعلهم جذاذا الا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون.
قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين.
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له
إبراهيم.
قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم.
قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون.
ثم نكسوا على رؤسهم.
لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.
قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون.
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين.
قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) [ الانبياء: 51 - 70 ] وقال في سورة الشعراء (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون.
قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين.
قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون.
قالوا بل وجدنا أباءنا كذلك يفعلون.
قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون.
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين.
الذي خلقني فهو يهدين.
والذي هو يطعمني ويسقين.
وإذا مرضت فهو يشفين.
والذي يميتني ثم يحيين.
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما والحقني بالصالحين) [ الشعراء: 69 - 83 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم.
إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون.
ائفكا آلهة دون الله تريدون.
فما ظنكم برب العالمين.
فنظر نظرة في النجوم.
فقال إني سقيم.
فتولوا عنه مدبرين.
فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون.
فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون.
قال أتعبدون ما تنحتون.
والله خلقكم وما تعملون.
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين) [ الصافات: 83 - 98 ] يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام أنه أنكر على قومه عبادة الاوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا (وجدنا آبائنا لها عابدين) ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والاجداد وما كانوا عليه من عبادة الانداد (قال لقد كنتم.
أنتم وأباؤكم في ضلال مبين) [ الانبياء: 52 ] كما قال تعالى (إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون.
أئفكا آلهة دون الله تريدون.
فما ظنكم برب العالمين) قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم
غيره وقال لهم (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون.
قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الاباء الجهال ولهذا قال لهم (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وأباؤكم الاقدمون فانهم عدو لي إلا رب العالمين) وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما
ادعوه من الاصنام لانه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لاثرت فيه (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) يقولون هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا (قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين) يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شئ فاطر السموات والارض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وقوله (وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) أقسم ليكيدن هذه الاصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.
قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه (1) بعضهم، وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره (2) فقال إني سقيم كما قال تعالى (فنظر نظرة في النجوم.
فقال إني سقيم).
عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الاصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الاهانة * فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم (راغ إلى آلهتهم) أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا إليها (فقال) لها على سبيل التهكم والازدراء (ألا تأكلون.
ما لكم لا تنطقون.
فراغ عليهم ضربا باليمين) لانها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم (3) في يده كما قال تعالى (فجعلهم جذاذا) أي حطاما كسرها كلها (إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون) قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير (4) إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار.
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم (قالوا من فعل هذا
بآلهتنا إنه لمن الظالمين).
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين.
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها.
وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) أي في الملا الاكبر على رؤس الاشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم
__________
(1) قال الطبري: فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم.
وفي الكامل: لم يخرج معهم ; لانه كان يتوقع فرصة ينتهى بها ليفعل بأصنامهم ذلك (أي تكسيرها).
(2) في الكامل والطبري 1 / 122: سمعه ضعفي الناس ومن هو في آخرهم 1 / 96.
(3) في الطبري: حديدة - وفي الكامل: بفأس في يده ; وهي كذلك في رواية للطبري.
(4) أما في الطبري والكامل: فربط الفأس بيده.
(الصنم الاعظم).
فيقيم على جميع عباد الاصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى عليه السلام لفرعون (موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) [ طه: 59 ] فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم.
قال بل فعله كبيرهم هذا) قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها (1) وإنما عرض لهم في القول (فاسئلوهم إن كانوا ينطقون) [ الانبياء: 62 - 63 ] وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها (ثم نكسوا على رؤسهم) قال السدي أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله إنكم أنتم الظالمون أي في عبادتها * وقال قتادة أدركت
القوم حيرة سوء أي فاطرقوا ثم قالوا (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيأ ولا يضركم.
أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) [ البقرة: 258 ] كما قال (فأقبلوا إليه يزفون) قال مجاهد يسرعون * قال (أتعبدون ما تنحتون) أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون (والله خلقكم وما تعملون) وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي قمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الاصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين) [ الصافات: 97 - 98 ].
عدلوا عن الجدال والمناظرة (2) لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.
قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) [ الانبياء: 68 - 70 ].
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الاماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرآة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق ابراهيم * ثم عمدوا إلى جوبة (3) عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط * ثم وضعوا ابراهيم عليه السلام في كفة منجنيق
__________
(1) قال إبراهيم ساخرا منهم: ان هذا الكبير، الصنم الكبير، غضب من أن تعبدوا معه هذه الصفار وهو أكبر منها فكسرها.
ويتابع الطبري قائلا: فارعوا ورجعوا عنه فيما ادعوه عليه.
ج 1 / 122.
(2) أي فلما أعيتهم الحيلة فيه ووجدت موعظته منهم قلوبا غلقا وأذانا صما، عمدوا إلى ما يلجأ إليه القوي الجبار الذي لاحق معه بإزاء المحق الضعيف.
(3) الجوبة: الحفرة.
صنعه لهم رجل من الاكراد يقال له هزن (1) وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قيل له (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا.
وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) [ آل عمران: 173 ] الآية.
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا اسحق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم: " لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الارض واحد أعبدك " (2).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا * ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) [ الانبياء: 69 ] قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لاذى إبراهيم بردها * وقال كعب الاحبار لم ينتفع أهل الارض يومئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه * وقال الضحاك يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شئ غيره * وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل.
وصار ابراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا ابراهيم * وروى ابن عساكر (3) عن عكرمة أن أم ابراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يا بني إني أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك.
فقال نعم فأقبلت إليه لا
يمسها شئ من حر النار.
فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت * وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن ابراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا.
قال الله تعالى (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) وفي الآية الاخرى (الاسفلين) ففازوا بالخسارة والسفال هذا في
__________
(1) في الطبري والكامل: هيزن.
(2) ورواه ابن عساكر في تاريخه 2 / 147.
(3) في رواية مطولة تراجع في تاريخه 2 / 145.
الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بل هي كما قال تعالى (إنها ساءت مستقرا ومقاما).
قال البخاري حدثنا عبد الله (1) بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ (2)، وقال: " وكان ينفخ على ابراهيم " * ورواه مسلم من حديث ابن جريج * وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به * وقال أحمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ".
قال فكانت عائشة تقتلهن * وقال احمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الاوزاغ.
ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن ابراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه * تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة (3) مولاة الفاكه بن
المغيرة قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الاوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: " أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الارض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله (4) " * ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.
ذكر مناظرة ابراهيم الخليل مع من ادعى الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء قال الله تعالى (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر.
والله لا يهدي القوم الظالمين) [ البقرة: 258 ] يذكر تعالى مناظرة
__________
(1) في البخاري عبيد الله.
(2) الوزغ: حشرة يقال لكبيرها: سام أبرص.
(3) في المسند: سائبة روت عن عائشة وروى عنها نافع وابن عمر وذكرها ابن حبان في الثقات الكاشف ج 3 / 427.
(4) رواه أحمد في مسنده ج 6 / 83 - 200 والبخاري في الفتح 60 / 8 / 3359 ومسلم في صحيحه 7 / 41 وأبو داود في سننه كتاب الادب - باب قتل الاوزاغ وابن عساكر في تاريخه 2 / 146 تهذيب.
بوجوه مختلفة.
خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي أدعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله وبين كثرة جهله وقلة عقله وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والاخبار وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قاله مجاهد.
وقال غيره نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال مجاهد وغيره وكان أحد ملوك الدنيا فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران.
فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان.
والكافران النمرود وبختنصر وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا * ولما دعاه
إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية.
فلما قال الخليل ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال قتادة والسدي ومحمد بن اسحق يعني أنه إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
وهذا ليس بمعارضة للخليل بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة بل هو تشغيب محض وهو انقطاع في الحقيقة فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها [ هذا دليل ] (1) على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها ولهذا (قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت) فقول هذا الملك الجاهل أنا أحي وأميت إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن اسحق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل.
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة (قال فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها.
وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شئ * فان كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فات بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شئ ودان له كل شئ فان كنت كما تزعم فافعل هذا فإن لم تفعله فلست كما زعمت وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شئ من هذا بل أنت أعجز وأقل
__________
(1) زيادة اقتضاها السياق، ليستقيم بها المعنى.
من أن تخلق بعوضة أو تنصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت ولهذا قال (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار ولم يكن إجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة * وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطي الناس، بل خرج وليس معه شئ من الطعام * فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملا منه عدليه وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما * فلما أستيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه الله عزوجل * قال زيد بن أسلم وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالايمان بالله فأبى عليه.
ثم دعاه الثانية فأبى عليه.
ثم الثالثة فأبى عليه.
وقال اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.
هجرة الخليل إلى بلاد الشام ثم الديار المصرية واستقراره في الارض المقدسة قال الله: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم.
ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 26 - 27 ] وقال تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين.
ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين.
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) [ الانبياء: 71 - 73 ] لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الاولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الانبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عزوجل ودعوة الخلق إليه والارض التي قصدها بالهجرة أرض الشام وهي التي قال الله عزوجل (إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين)
قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم * وروى العوفي عن ابن عباس قوله (إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين) مكة ألم تسمع إلى قوله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين).
وزعم كعب الاحبار أنها حران * وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة ابراهيم سارة وامرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها.
وقال السدي انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقي ابراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير (1) وهو غريب * والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيلي عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة وقال بلا علم وادعى أن تزويج بنت الاخ كان إذا ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل.
ولو فرض أن هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فان الانبياء لا تتعاطاه والله أعلم * ثم المشهور أن ابراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم.
وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه إني جاعل هذه الارض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه
النعمة وضرب قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا إلى التيمن وأنه كان جوع أي قحط وشدة وغلاء فارتحلوا إلى مصر وذكروا قصة سارة مع ملكها وان إبراهيم قال لها قولي أنا أخته وذكروا خدام الملك إياها هاجر.
ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن يعني أرض بيت المقدس وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال.
وقد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه وسأله عنها فقال من هذه قال أختي فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتني بإنسان وإنما أتيتني بشيطان فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم فقالت رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر * قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء
__________
(1) تاريخ الطبري ج 1 / 125.
السماء (1) تفرد به من هذا الوجه موقوفا * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له إنه قد نزل ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس.
فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي فلما رجع إليها قال إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وإنك أختي فلا تكذبيني عنده فأنطلق بها فلما ذهب يتناولها أخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك
فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها.
فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمة فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر (2).
وأخرجاه من حديث هشام * ثم قال البزار لا نعلم أسنده عن محمد عن أبي هريرة إلا هشام ورواه غيره موقوفا.
وقال الامام أحمد حدثنا علي بن حفص عن ورقاء هو ابن عمر اليشكري، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله لسارة (انها أختي) قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس قال فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك قال أختي قال فأرسل بها قال فأرسل بها إليه وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنك أختي إن على الارض مؤمن غيري وغيرك فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركض برجله * قال أبو الزناد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة إنها قالت اللهم إن يمت يقال هي قتله قال فأرسل قال: ثم قام إليها قال فقامت تتوضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبي هريرة انها قالت اللهم ان يمت يقل هي قتلته قال فأرسل قال فقال في الثالثة أو الرابعة ما أرسلتم إلي إلا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر قال فرجعت فقالت
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (60 / 8 / 3358 الفتح) ورواه مسلم في صحيحه (43 كتاب - ح 154) ورواه أبو داود في سننه والترمذي وأحمد في مسنده 1 / 281 - 295، 2 / 403، 3 / 244 وأبو داود الطيالسي في مسنده (2711).
ومحمد: هو ابن سيرين.
قال الحافظ ابن حجر: ان ابن سيرين كان غالبا لا يصرح برفع كثير من حديثه.
(2) روى ابن عساكر نحوه في تاريخه 2 / 143، وانظر ما تقدم من تعليق في الحديث الذي قبله.
لابراهيم أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة * تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح * وقد رواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في كلمات ابراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل (1) بها عن دين الله فقال إني سقيم وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي فقوله في الحديث هي أختي أي في دين الله وقوله لها إنه ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبي عليه السلام وقوله لها لما رجعت إليه مهيم معناه ما الخبر فقالت إن الله رد كيد الكافرين.
وفي رواية الفاجر وهو الملك وأخدم جارية وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عزوجل ويسأله أن يدفع عن أهله وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء وهكذا فعلت هي أيضا فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها ودعت الله عزوجل بما تقدم من الدعاء العظيم ولهذا قال تعالى (واستعينوا بالصبر والصلوة) [ البقرة: 45 ] فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام * والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن * ورأيت في بعض الآثار أن الله عزوجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه وكان مشاهدا لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها أحسن منها رضي الله عنها * ولله الحمد والمنة (2).
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم وكان عاملا لاخيه على مصر (3) * ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج (4) بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح.
وذكر ابن هشام في التيجان أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ وكان على مصر نقله السهيلي فالله أعلم.
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن وهي الارض المقدسة التي
__________
(1) ماحل: جادل ودافع.
(2) استغل اليهود هذه الحادثة للطعن على إبراهيم عليه السلام كما طعنوا على لوط وداود عليهما السلام.
(3) ذكره الكامل لابن الاثير: 1 / 101 والطبري في رواية 1 / 151.
(4) في الكامل لابن الاثير: عولج وفي الطبري فكالاصل.
كان فيها ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل وصحبتهم هاجر القبطية المصرية ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الاموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم (1) وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وبشره بأن هذه الارض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الارض * وهذه البشارة اتصلت بهذه الامة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الامة المحمدية * يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله زوي لي الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها " (2).
قالوا ثم أن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ (3) أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شرقي دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة وأظن مقام إبراهيم إنما سمي لانه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين
واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر مولد اسماعيل عليه السلام من هاجر قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة وأن الله بشره بذلك وأنه لما كان لابراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لابراهيم عليه السلام إن الرب قد أحرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقني منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام فحين دخل بها حملت منه قالوا فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فشكت ذلك إلى إبراهيم فقال لها افعلي بها ما شئت فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك فقال لها ملك من الملائكة لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا
__________
(1) في الطبري: 1 / 127: ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع (من أرض فلسطين) على مسيرة يوم وليلة ; وفي رواية أخرى 1 / 151: نزل الاردن.
وبعثه الله نبيا على المدائن الخمس: سدوم، وعمورا، وادموتا، وصاعورا وصابورا (المسعودي 1 / 42) ونزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين / الطبري - الكامل.
(2) أخرجه الطبراني عن سلمان وجابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 6 / 527 عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان وفيه زيادة قال: وأعطيت الكنزين الاحمر والابيض وأني سألت ربي عزوجل لامتي ألا يهلكها بسنة عامة..زوي: جمع.
وسنة: قحط وجدب.
(3) سقط في الكلام ; وفي قصص الانبياء لابن كثير: فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنقذ لوطا عليه السلام واسترجع أمواله..
وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل ويكون وحش الناس يده على الكل ويد الكل به ويملك جميع بلاد إخوته فشكرت الله عزوجل على ذلك.
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي سادت به العرب وملكت جميع البلاد غربا وشرقا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الامم قبلهم وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به وعموم بعثته لجميع أهل
الارض.
ولما رجعت هاجر وضعت اسماعيل عليه السلام قالوا وولدته ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد اسحق بثلاث عشرة سنة * ولما ولد اسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره باسحق من سارة فخر لله ساجدا وقال له قد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته (1) جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما * وأجعله رئيسا لشعب عظيم وهذه أيضا بشارة بهذه الامة العظيمة وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون اثنا عشر أميرا " ثم قال كلمة لم افهمها فسألت أبي ما قال قال " كلهم من قريش " أخرجاه في الصحيحين (2).
وفي رواية لا يزال هذا الامر قائما وفي رواية عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
فهؤلاء منهم الائمة الاربع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا.
ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقا بل لابد من وجودهم وليس المراد الائمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون فان أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وإبنه الحسن بن علي حين ترك القتال وسلم الامر لمعاوية وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحروب بين المسلمين والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الامة في أمر من الامور * وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذاك هوس في الرؤوس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها اسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا فلما تركهما هناك وولي ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا ههنا وليس معنا ما يكفينا فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له، الله أمرك بهذا ؟ قال: نعم.
قالت فإذا لا يضيعنا * وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر أن سارة تغضبت على هاجر فخلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها
__________
(1) كذا في النسخ المطبوعة، ونسخ قصص الانبياء لابن كثير ; ولعله ويمنته وهي أكثر مناسبة للسياق.
(2) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 6 / 519 والبخاري في 93 كتاب الاحكام 51 باب الاستخلاف ومسلم في 33 كتاب الامارة (1) باب الناس تبع لقريش ص 1452.
وأبو داود في أول كتاب المهدي، وأحمد في المسنده 5 / 92.
الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها فتبر قسمها (1) * قال السهيلي فكانت أول من اختنن من النساء وأول من ثقبت أذنها منهن وأول من طولت ذيلها.
ذكر مهاجرة ابراهيم بابنه اسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي ارض مكة وبنائه البيت العتيق قال البخاري قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم اسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها اسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم اسماعيل فقالت يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شئ، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا، قال: نعم.
قالت إذا لا يضيعنا.
ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال (ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) [ ابراهيم: 37 ] وجعلت أم اسماعيل ترضع اسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الارض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا
حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الانسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضا ; فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث.
فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا.
وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف * قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم " أو قال: " لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا " فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت
__________
(1) أورده الطبري في تاريخه 1 / 130 وابن الاثير في الكامل 1 / 103 وفيهما فمن ثم خفص النساء.
مرتفعا من الارض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا " (1) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم اسمعيل عند الماء فقالوا تأذنين لنا أن ننزل عندك، قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم * قال عبد الله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فألقى ذلك أم اسمعيل وهي تحب الانس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (2) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم (3) وماتت أم اسمعيل فجاء ابراهيم بعد ما تزوج اسمعيل يطالع تركته فلم يجد اسمعيل فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا.
ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه * قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء اسمعيل، كأنه آنس شيئا، فقال: هل
جاءكم من أحد ؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة.
قال فهل أوصاك بشئ فقالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك قال ذاك أبي وأمرني أن أفارقك، فالحق بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (4) ولبث عنهم ابراهيم ما شاء الله * ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم ؟ قالت: اللحم قال فما شرابكم قالت: الماء.
قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب (5).
ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه " [ قال: ] فهما لا يخلو عليهما أحد بعين مكة إلا لم يوافقاه (6).
قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء اسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن، قال الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشئ قالت: نعم هو
__________
(1) عائفا: باحثا عن الماء.
(2) أنفسهم: زاحمهم في النفاسة وعلو الهمة.
(3) وهي جداء بنت سعد، امرأة من جرهم وهي التي امره أبوه بتطليقها.
(4) وهي رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وقيل اسمها السيدة.
(5) حب، بكسر الحاء، إناء من فخار يحفظ فيه الماء.
(6) كذا العبارة في الاصول والمعنى وغير مكتمل ; وفي العرائس للثعلبي ما يكتمل به المعنى: " فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت مكة أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا ".
(انظر الكامل لابن الاثير 1 / 104، الطبري 1 / 132).
يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأمرني أن أمسكك * ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك اسمعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه
فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد * ثم قال يا اسمعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل اسمعيل يأتي بالحجارة وابراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني واسمعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم) [ البقرة: 127 ] قال وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) ثم قال حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من ابراهيم وأهله ما كان خرج باسمعيل وأم اسمعيل ومعهم شنة فيها ماء * وذكر تمامه بنحر ما تقدم وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الاسرائيليات * وفيه أن اسمعيل كان رضيعا إذ ذاك * وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده اسمعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره فيكون عمر اسمعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وهذا امتثال لامر الله عزوجل في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " أختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " * تابعه عبد الرحمن بن إسحق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة * وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به * وفي بعض الالفاظ اختتن ابراهيم بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم.
والقدوم هو الآلة وقيل موضع.
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين.
والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اختتن ابراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ".
رواه ابن حبان في صحيحه.
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وانه اسمعيل ولم يذكر في قد مات (1) ابراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج إسمعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد، على ما ذكر إلى حين تزويجه، لا ينظر في حالهم.
وقد ذكر أن الارض كانت تطوى له وقيل: إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة
__________
(1) قد مات: المرات التي قدمها إبراهيم إلى ولده.
* ]
والحاجة الاكيدة * وكأن بعض هذا السياق متلقى من الاسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح وقد دللنا (1) على أن الذبيح هو إسمعيل على الصحيح في سورة الصافات.
قصة الذبيح قال الله تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين.
رب هب لي من الصالحين.
فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين.
فلما أسلما وتله للجبين.
وناديناه ان يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين.
ان هذا لهو البلاء المبين.
وفديناه بذبح عظيم.
وتركنا عليه في الآخرين.
سلام على إبراهيم.
كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين.
وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين.
وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 113 ].
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام لانه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل.
وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لانه أول ولده وبكره وقوله (فلما بلغ معه السعي) أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد (فلما بلغ معه السعي) أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا رئى ابراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده * هذا.
وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا " رؤيا الانبياء وحي " (2) * قاله عبيد بن عمير أيضا وهذا اختبار من الله عزوجل لخليله في أن
يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر وقد طعن في السن بعدما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه، فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا (قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) [ الصافات: 102 ] فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين) * وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى (فلما أسلما وتله للجبين) قيل أسلما أي استسلما لامر الله وعزما على ذلك.
وقيل هذا من المقدم والمؤخر والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه.
قيل أراد أن يذبحه من قفاه
__________
(1) في تفسير ابن كثير ; راجع سورة الصافات.
وسيأتي الحديث عنه في الفصل القادم.
(2) الحديث في البخاري في رواية طويلة (4 / 5 / 138 فتح الباري).
لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.
وقيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقا بالارض ((واسلما) أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت * قال السدي وغيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم.
فعند ذلك نودي من الله عزوجل (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى (إن هذا لهو البلاء المبين) أي الاختبار الظاهر البين وقوله (وفديناه بذبح عظيم) أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير.
قال الثوري
عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا وقال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر (1).
وعن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه (2).
رواه ابن أبي حاتم.
قال مجاهد فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام.
فأما ما روي عن ابن عباس أنه كان وعلا وعن الحسن أنه كان تيسا من الاروى.
واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما * ثم غالب ماههنا من الآثار مأخوذ من الاسرائيليات * وفي القرآن كفاية عما جرى من الامر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدى ذبح عظيم وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا.
قال الامام أحمد، حدثنا سفيان، حدثنا منصور عن خاله نافع (3)، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني إمرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة - إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (4) فخمرهما فانه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يشغل المصلي.
قال: سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (5).
__________
(1) العهن: الصوف.
(2) الخبر في الطبري ج 1 / 141 - 142.
(3) في المسند: مسافح.
(4) تخمرهما: تغطيهما.
(5) الحديث في مسند أحمد ج 4 / 68، 5 / 380.
وفيه: - صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية حدثت عن عائشة وأم حبيبة.
وفي البخاري صرع بسماعها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر الدارقطني ذلك.
(تقريب التهذيب 2 / 603) الكاشف 3 / 429.
وهذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس.
وهذا وحده
دليل على أن الذبيح اسمعيل لانه كان هو المقيم بمكة.
واسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو اسمعيل لانه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين) [ الصافات: 112 [ ومن جعله حالا (1) فقد تكلف، ومستنده أنه إسحق إنما هو اسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما ههنا قطعا لا محيد عنه، فان عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة من المعربة بكره اسحق فلفظة اسحق ههنا مقحمة مكذوبة مفتراة لانه ليس هو الوحيد ولا البكر [ انما ] ذاك اسمعيل.
وإنما حملهم على هذا حسد العرب فإن إسمعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسحق والد يعقوب وهو اسرائيل الذين ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وقد قال بأنه اسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم (2).
وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الاحبار أو صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لاجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه اسمعيل.
وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه اسمعيل وليس باسحق من قوله (فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحق يعقوب) [ هود: 71 ] قال: فكيف تقع البشارة باسحق ؟ وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحق، وهو صغير، قبل أن يولد له، هذا لا يكون لانه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم.
وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله (فبشرناها باسحاق) جملة تامة وقوله (ومن وراء إسحاق يعقوب) جملة أخرى ليست في حيز البشارة.
قال لانه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن
__________
= منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجي المكي، وهو ابن صفية بنت شيبة ثقة.
تقريب التهذيب 2 / 276 قال أبو حاتم: صالح الحديث مات سنة 137 ه (الكاشف ج 3 / 156).
(1) أي من جعل كلمة - نبيا - حال من إسحاق فيكون التبشير به - بإسحاق - تبشيرا بنبوته لا بولادته.
(2) قال القرطبي 15 / 99: واختلف العلماء في المأمور بذبحه ; فقال أكثرهم: الذبيح اسحق.
وممن قال بذلك: العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله - ابن عباس - ابن مسعود - حماد بن زيد - جابر بن عبد الله - عبد الله بن عمر - عمر بن الخطاب - (هؤلاء من الصحابة) ومن التابعين وغيرهم: علقمة الشعبي مجاهد وسعيد بن جبير وكعب الاحبار وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والسدي والزهري ومالك بن أنس.
وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح، وهذا مذهب ثالث.
أما المذهب الثاني ; فهم من قال: انه إسماعيل.
هو بعده عمرو حتى يقال ومن بعده بعمر.
وقال فقوله (ومن وراء إسحق يعقوب) منصوب بفعل مضمر تقديره (ووهبنا لاسحق يعقوب) وفي هذا الذي قاله نظر.
ورجح أنه اسحاق واحتج بقوله (فلما بلغ معه السعي) قال واسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي * وهذا أيضا فيه نظر لانه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الاوقات راكبا البراق إلى مكة يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله أعلم * فمن حكى القول عنه بأنه اسحق كعب الاحبار * وروي عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمر وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط وهو اختيار ابن جرير وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه اسماعيل عليه السلام.
قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس هو اسماعيل عليه السلام وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى اسماعيل وزعمت اليهود أنه اسحق وكذبت اليهود * وقال عبد الله بن الامام احمد عن أبيه هو اسماعيل * وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح فقال الصحيح أنه اسماعيل عليه
السلام.
قال ابن أبي حاتم وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا الذبيح هو اسماعيل عليه السلام * وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمر بن العلاء * قلت وروي عن معاوية (1) وجاء عنه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول لا شك في هذا.
وقال محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، يعني استدلاله بقوله بعد العصمة (2) (فبشرناه باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب) فقال له عمر إن هذا الشئ ما كنت أنظر فيه وإني لاراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه
__________
(1) روى الخبر الحاكم في مستدركه (2 / 551) من طريق عبد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد عن الصنابحي.
قال الذهبي في الرواية: " قلت اسناده واه ".
وعلق عليه ابن كثير في التفسير: هذا حديث غريب جدا.
(2) " بعد العصمة " في النسخ المطبوعة وهو تحريف والصواب: بعد ذكر القصة.
وكان يرى أنه من علمائهم قال فسأله عمر بن عبد العزيز أي ابني ابراهيم أمر بذبحه فقال اسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن اليهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل والذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحق لان إسحق أبوهم * وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
مولد اسحاق
قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين.
وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد كانت البشارة به من الملائكة لابراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه ان شاء الله تعالى قال الله تعالى (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 69 - 73 ] وقال تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون.
قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون.
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين.
قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [ الحجر: 51 - 56 ].
وقال تعالى (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين.
إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون.
فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.
فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم.
فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم.
قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم) [ الذاريات: 24 - 30 ].
يذكر تعالى أن الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل لما وردوا على الخليل حسبهم أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الاكل بالكلية، وذلك لان الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام (فنكرهم) ابراهيم (وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) [ هود: 70 ] أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم وكانت قائمة على رؤس الاضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم فلما ضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى
(فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) أي بشرتها الملائكة بذلك (فأقبلت امرأته في صرة) أي في صرخة (فصكت وجهها) [ الذاريات: 29 ] أي كما يفعل النساء عند التعجب (وقالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا) [ هود: 72 ] أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضا وهذا بعلي - أي زوجي - شيخا تعجبت من وجود ولد والحالة هذه.
ولهذا قالت (إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 72 - 73 ] وكذلك تعجب ابراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها (قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون.
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين) [ الحجر: 55 54 ] أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما (بغلام عليم) [ الحجر: 53 ].
وهو اسحق وأخوه اسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر.
وقال في الآية الاخرى (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو اسماعيل وأن اسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده.
وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ، وهو المشوي (1)، رغيفا من مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن.
وعندهم أنهم أكلوا، وهذا غلط محض * وقيل كانوا يودون (2) أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء.
وعندهم أن الله تعالى قال لابراهيم أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه، فخر ابراهيم على وجهه - يعني ساجدا - وضحك قائلا في نفسه أبعد مائة سنة (3) يولد لي غلام أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة.
وقال ابراهيم لله تعالى ليت إسماعيل يعيش قدامك فقال الله لابراهيم بحقي ان امرأتك سارة تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحق إلى مثل هذا الحين من قابل وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده وقد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكبرته ونميته جدا وكثيرا ويولد له أثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم * وقد تكلمنا على هذا بما
تقدم والله أعلم.
فقوله تعالى (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ثم من بعده بولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده.
ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحق فائدة ولما عين بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله وقال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا) [ الانعام: 84 ] وقال تعالى (فلما اعتزلهم وما
__________
(1) قال الطبري: التحناذ: الانضاج.
(2) كذا في النسخ المطبوعة يودون ; وما في قصص ابن كثير يرون وهو مناسب أكثر.
(3) في المسعودي: عشرين ومائة سنة وفي الطبري 120 سنة.
يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب) [ مريم: 49 ] وهذا ان شاء الله ظاهر قوي ويؤيده ما ثبت في الصحيحين (1) من حديث سليمان بن مهران الاعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع [ في الارض ] (2) أول ؟ قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي ؟ قال: " المسجد الاقصى ".
قلت كم بينهما ؟ قال: " أربعون سنة " قلت: ثم أي ؟ قال: " ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد ".
وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الاقصى وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله * وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو اسرائيل عليه السلام بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود اسحق لان إبراهيم عليه السلام لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الاصنام.
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس من تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم.
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من
شئ في الارض ولا في السماء.
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء.
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) [ ابراهيم: 35 - 41 ].
وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا كما ذكرناه عند قوله (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ الحج: 26 - 27 ] وكما سنورده في قصته فالمراد من ذلك والله أعلم أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.
بناء البيت العتيق قال الله تعالى (وإذ بوءنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود.
وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) [ الحج: 26 - 27 ] وقال تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين.
فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا.
ولله على الناس حج البيت من
__________
(1) في صحيح مسلم (5) كتاب المساجد ح 1 / 520 ص 1 / 370.
والبخاري ح رقم 1589.
(2) من مسلم.
وأول: بضم اللام، وهي ضمة بناء، لقطعه عن الاضافة.
مثل قبل وبعد.
والتقدير أول كل شئ.
استطاع إليه سببلا.
ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) [ آل عمران: 96 - 97 ] وقال تعالى (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن.
قال إني جاعلك للناس اماما.
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين.
واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير.
واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) [ البقرة: 124 - 126 ].
يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الانبياء [ إبراهيم ] عليه أفضل صلاة وتسليم أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه وبوأه الله مكانه أي ارشده إليه ودله عليه * وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله عزوجل.
وقد قدمنا في صفة خلق السموات أن الكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها وكذلك معابد السموات السبع، كما قال بعض السلف إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء وهو فيها كالكعبة لاهل الارض فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتا يكون لاهل الارض كتلك المعابد لملائكة السموات وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السموات والارض كما ثبت في الصحيحين (1): " أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ".
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام * ومن تمسك في هذا بقوله مكان البيت فليس بناهض ولا ظاهر لان المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الانبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم * وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت وأن السفينة طافت به أربعين (2) يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الاخبار عن بني اسرائيل * وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة.
وقد قال الله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) [ آل عمران: 96 ] أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة * قيل مكة وقيل محل الكعبة (فيه آيات بينات) [ آل عمران - 97 ] أي على أنه بناء الخليل والد الانبياء من بعده
__________
(1) مسلم في 15 كتاب الحج 81 - 82 تحريم مكة ح 445 / 1353 ص 2 / 986 من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس.
والبخاري حديث رقم 710.
(2) في الطبري: أسبوعا.
وفي تاريخ مكة للازرقي فكالاصل.
وإمام الحنفاء من ولده (1) الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته ولهذا قال (مقام إبراهيم) أي الحجر الذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء كما تقدم في حديث ابن عباس الطويل.
وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى (2) فأنزل الله (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) [ البقرة: 135 ] وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الاسلام وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة.
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق لبر في حراء ونازل (3) وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذ اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ ابراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة ولهذا قال تعالى (وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) أي في حال قولهما (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) [ البقرة: 128 ] فهما في غاية الاخلاص والطاعة لله عزوجل وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) [ البقره: 128 ].
والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع ودعا لاهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الاشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وآمنا
محتما فاستجاب الله وله الحمد له مسألته ولبى دعوته وأتاه طلبته فقال تعالى (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) [ العنكبوت: 67 ] وقال تعالى (أو لم نمكن لهم حرمنا آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا) [ القصص: 57 ] وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الاولى والاخرى.
وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا وأي رسول ختم به
__________
(1) قال مجاهد في قوله تعالى: (فيه آيات بينات): أثر قدميه في المقام.
(2) رواه البخاري في صحيحه: فتح الباري 8 / 128 وأحمد في مسنده وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 118 ورواه ابن كثير في تفسيره مطولا.
(3) ثور: الجبل الذي فيه الغار، وقال الجوهري: جبل بمكة.
أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعم بدعوته أهل الارض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الاقطار والامصار والاعصار إلى يوم القيامة.
كان هذا من خصائصه من بين سائر الانبياء لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به وشرف بقعته وفصاحة لغته وكمال شفقته على أمته ولطفه ورحمته وكريم محتده (1) وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده ولهذا استحق ابراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني الكعبة لاهل الارض أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات، ورفيع الدرجات، عند البيت المعمور الذي هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه.
ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور، وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت وما ورد في ذلك من الاخبار والآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثم ولله الحمد.
فمن ذلك ما قال السدي لما أمر الله إبراهيم واسماعيل أن يبنيا البيت ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول واتبعاها بالمعاول يحفران، حتى وضعا الاساس، وذلك حين يقول تعالى
(وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت) [ الحج: 26 ] فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال ابراهيم لاسماعيل يا بني اطلب لي [ حجرا حسنا أضعه هاهنا وقال: يا أبت إني كسلان تعب.
قال: على ذلك فانطلق.
وجاءه جبريل بالحجر ] (3) الاسود من الهند وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة (3) وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن.
فقال يا أبتي من جاءك بهذا ؟ قال: جاء به من هو أنشط منك فبنيا وهما يدعوان الله: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجبل (4) وأن ذا القرنين وكان ملك الارض إذ ذاك مر بهما وهما يبنيانه فقال من أمركما بهذا فقال إبراهيم: الله أمرنا به فقال وما يدريني بما تقول فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق.
وذكر الازرقي أنه طاف مع الخليل بالبيت (5).
وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه
__________
(1) محتده: أصله ونسبه.
(2) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة، واستدركناها - كما يقتضي السياق - من قصص الانبياء لابن كثير وفي رواية الازرقي: أن إسماعيل ذهب يطوف في الجبال..وفي رواية أخرى: ان إسماعيل اتاه بحجر فلم يرضه إبراهيم فجاءه جبريل بهذا الحجر.
وعن عبد الله بن عمرو أن جبريل جاء بالحجر من الجنة.
(3) في الاصول النعامة وهو تحريف والصواب الثغامة: وهو نبات أبيض.
(4) في تاريخ مكة: قال قتادة ذكر لنا انه بناه من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا ولبنان والجودي وحرا.
1 / 63.
(5) تاريخ مكة 1 / 74.
اليوم * وفي الصحيحين من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال " ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد ابراهيم " فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد ابراهيم ؟ فقال: " لولا حدثان
قومك " وفي رواية: " لولا أن قومك حديث (1) عهد بجاهلية " - أو قال بكفر - لانفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالارض ولادخلت فيها الحجر " (2) * وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين عنه فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه فأمر بردها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الاحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية كما هو مشاهد إلى اليوم ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين، ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك * ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور، استشار الامام مالك بن أنس، في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة - يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد - فاستقر الامر على ما هي عليه اليوم.
ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله ابراهيم قال الله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما.
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) [ البقرة: 124 ].
ولما وفى ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه وسأل الله أن يكون هذه الامامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام.
وسلمت إليه الامامة بزمام واستثني من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون.
كما قال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب.
وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 27 ] * وقال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين.
وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين.
واسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين.
ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
__________
(1) في البخاري: حديثو.
(2) أخرجه البخاري في 25 / 42 / 1573 فتح الباري وبرواية أخرى في 60 / 10 / 3368 فتح الباري ورواه مسلم في صحيحه 15 / 69 / 1333 ورواه النسائي وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده 6 / 113 - 177 - 247.
مستقيم) [ الانعام: 84 - 87 ] فالضمير في قوله ومن ذريته عائد على إبراهيم على المشهور.
ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبا.
وهذا هو الحامل للقائل الآخر إن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته والله أعلم.
وقال تعالى (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: 26 ] الآية.
فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الانبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته.
وهذه خلعة سنية لا تضاهي ومرتبة عليه لا تباهى.
وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان اسمعيل من هاجر ثم إسحق من سارة وولد لهذا يعقوب وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني اسرائيل وأما اسمعيل عليه السلام فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى ولم يوجد من سلالته من الانبياء سوى خاتمهم على الاطلاق وسيدهم وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطه العقد الفاخرة وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع ويغبطه الاولون والآخرون يوم القيامة.
وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال: " سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم " (1) فمدح ابراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق.
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: " أن أباكما كان يعوذ بهما اسمعيل وإسحق.
أعوذ بكلمات الله التامة.
من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ".
ورواه أهل السنن (1) من حديث منصور به وقال تعالى (وإذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ثم ادعهن يأتينك سعيا.
وأعلم أن الله عزيز حكيم) [ البقرة: 260 ] ذكر المفسرون لهذا السؤال اسبابا بسطناها في التفسير (2).
وقررناها بأتم تقرير * والحاصل أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور واختلفوا في تعينها على أقوال (3) والمقصود
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه 60 / 337110 فتح الباري ; وفي كتاب خلق أفعال العباد بروايات متعددة ; وأحمد في مسنده (2 / 181 - 290 - 375، 5 / 430، 6 / 6) ورواه الترمذي وأبو داود والدارمي ومالك في الموطأ.
(2) راجع تفسير ابن كثير الجزء الاول.
تفسير سورة البقرة.
(3) قال ابن إسحاق هي: الديك والطاووس والحمام والغراب وقال ابن عباس: الكركي والنسر بدل الحمام والغراب.
حاصل على كل تقدير فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه وكل ريشة تأتي إلى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشئ كن فيكون فآتين إليه سعيا ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا * ويقال إنه أمر أن يأخذ رؤوسهن في يده فجعل كل طائر يأتي فيلقي رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله إلا الله، وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله * وقال تعالى (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده أفلا تعقلون.
ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم
به علم.
فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين.
إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) [ ال عمران: 65 - 68 ] ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله ((وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده) أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ولهذا قال (أفلا تعقلون) إلى أن قال (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين).
فبين أنه كان على دين الله الحنيف وهو القصد إلى الاخلاص، والانحراف وعمدا عن الباطل، إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية.
كما قال تعالى (ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين.
ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي.
قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم واسمعيل واسحق إلها واحدا
__________
(1) اختلف الناس في سؤال إبراهيم ربه (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.
) هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ; وقال الحسن: سأله ليزداد يقينا إلى يقينه.
والشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لاحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن إبراهيم ; والمتأمل سؤاله وسائر الفاظ الآية ; فالاستفهام بكيف إنما هو عن حالة شئ موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، فإنما السؤال عن حال من أحواله.
وكيف هنا إنما هي استفهام عن هيئة الاحياء، والاحياء متقرر.
قال الرازي: انه إنما سأل ذلك لقومه، والمقصود أن يشاهده فيزول الانكار عن قلوبهم.
(التفسير الكبير للرازي - القرطبي أحكام القرطبي في تفسير سورة البقرة).
ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد أهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم.
صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون.
قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون.
أم يقولون إن ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [ البقرة: 130 - 140 ].
فنزه الله عزوجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا وبين أنه إنما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين ولهذا قال تعالى (إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه) [ آل عمران: 68 ].
يعني الذين كانوا على ملته من اتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم (وهذا النبي) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرعه للخليل وكمله الله تعالى له وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله.
كما قال تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [ الانعام: 161 - 163 ] وقال تعالى (إن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين.
شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.
وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين.
ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) [ النحل: 120 - 123 ].
وقال البخاري حدثنا ابراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسمعيل بإيديهما الازلام فقال قاتلهم الله والله إن (1) يستقسما بالازلام قط (2) لم يخرجه
مسلم * وفي بعض ألفاظ البخاري قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط (3).
فقوله (أمة) أي قدوة إماما مهتديا داعيا إلى الخير يقتدى به فيه (قانتا لله) أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته (حنيفا) أي مخلصا على بصيرة (ولم يك من المشركين.
شاكرا
__________
(1) أي لم يستقسما بالازلام قط، وإن هنا نافية.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 / 8 / 3352 فتح الباري، وأخرجه أبو داود في سننه (1 / 467 حلبي) وفيه: ما استقسما بها قط.
وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 334 - 365.
(3) في الصحيح 25 / 54 / 1601 فتح الباري عن ابن عباس وفيه: لم يستقسما بها قط. =
==============ج333333333333========================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
ج3. كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
لانعمه) أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله (اجتباه) أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة وقال تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا) [ النساء: 125 ].
يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم.
وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال (وابراهيم الذي وفى) [ النجم - 27 ] ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم.
قد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا وهكذا نال هذه المنزلة (1) خاتم الانبياء وسيد الرسل (2) محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ".
وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله " (3).
أخرجاه من حديث أبي سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلى
بهم الصبح فقرأ: واتخذ الله إبراهيم خليلا.
فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا اسمعيل بن أحمد ابن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما.
وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله.
فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى كليمه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك.
ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي
__________
(1) وفي نسخة: المرتبة.
(2) وفي نسخة: المرسلين.
(3) أخرجه البخاري في 63 / 45 / 1904 فتح الباري و 62 / 5 / 3656 في رواية طويلة والدارمي في سننه، وابن ماجة في سننه مقدمه 11 / 93، وأحمد في مسنده 1 / 270 - 359، 3 / 18 - 478، 4 / 4 - 5، 5 / 212.
وأخرجه الترمذي ومسلم في 44 / 1 / 2 / 7.
فقراء المؤمنين وأنا أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر " * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم (1) * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد المسلمي، حدثنا الوليد، عن اسحاق بن بشار (2) قال: لما اتخذ الله ابراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء، وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم
عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد احدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال: من هو فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت ! قال: أنا، قال: نعم قال: فبم اتخذني ربي خليلا قال بأنك تعطي الناس ولا تسألهم.
رواه ابن أبي حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين (3) موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتي الاحزاب والشورى وهما قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقوله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه) [ الشورى: 13 ] الآية.
ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمير عن أنس في حديث الاسراء من أن ابراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الاول.
__________
(1) أخرج القسم الاخير منه البيهقي بروايات مختلفة راجع دلائل النبوة ج 5 / 478 وما بعدها.
(2) بشار تحريف والصواب يسار.
(3) ذكر اسم إبراهيم في القرآن في: البقرة: 124 - 125 - 126 - 127 - 130 - 132 - 133 - 135 - 136 - 140 - 258 - 260، وآل عمران: 33 - 35 - 67 - 68 - 84 - 95 - 97، النساء: 54 - 125 - 163، الانعام: 74 - 75 - 83 - 151، التوبة: 70 - 114، هود: 69 - 74 - 75 - 83 - 151، يوسف: 6 - 38، ابراهيم: 36، الحجر: 51، النحل: 120 - 123 -، مريم: 41 - 46 - 58، الانبياء: 51 - 60 -
62 - 69.
الحج: 26 - 43 - 78.
الشعراء: 69، العنكبوت: 16 - 31، الاحزاب: 7، الصافات: 83 - 104 - 109 ص: 45، الشورى: 13، الزخرف: 26، الذاريات: 24، النجم: 37، الحديد: 26، الممتحنة: 4، الاعلى: 19.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سملة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم خليل الرحمن ".
تفرد به احمد (1).
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم " رواه مسلم (2) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ثم ذكر إستشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم ابراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها أنا لها " الحديث.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله، حدثني سعيد (3) عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يارسول الله من أكرم (4) الناس ؟ قال: " أتقاهم ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فعن معادن (5) العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا " (6) وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر أربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم
يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم خليل الله ".
تفرد به أحمد * وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 322.
وأخرج بنحوه البخاري 6 / 19 / 3290 وأحمد من رواية ابن عمر 2 / 96.
(2) أخرجه مسلم في 6 / 48 / 273 من حديث طويل ج 1 / 561 - 562.
وأخرجه أحمد في مسنده ج 5 / 127 - 129.
(3) في البخاري:.
حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، وعبيدالله هو - بن سعيد.
(4) أكرم الناس: قال العلماء: أصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الاخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب وكونه نبيا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين ; وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه وسياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة.
(5) معادن العرب: أصولها.
(6) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (60) - باب 14 ح 3374.
ومسلم في 43 / كتاب الفضائل - 43 باب ح 168 / 2378 ص 4 / 1846.
ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن اسحق بن ابراهيم ".
تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " (1) ثم قرأ (كما بدأنا أول خلق نعيده) [ الانبياء: 104 ] فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والاخرون * وأما الحديث الآخر الذي قال الامام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية
فقال: " ذاك ابراهيم " (2) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء " وقال: " لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ " * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم (3) وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم ".
ولما كان ابراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا يارسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك " قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد " وقال تعالى (وإبراهيم الذي وفى) [ النجم: 37 ] قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن) [ البقرة: 124 ]
__________
(1) أخرجه البخاري في 60 كتاب المناقب باب (8) ح 3349 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 51 / 14 / 58 ورواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده ج 5 / 3 والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي.
(2) أخرجه مسلم في 43 كتاب الفضائل 41 / 150 وأبو داود في سننه وأحمد في مسنده ج 3 / 178 - 184.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
(4) مسلم في 4 كتاب الصلاة 17 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 66 / 406 ص 1 / 305 والحديث في البخاري رقم 1591.
قال إبتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الاظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبي حاتم * وقال وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك قلت: وفي الصحيحين (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " وفي صحيح مسلم (2) وأهل السنن من حديث وكيع عن ذكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي عن طلق بن حبيب العتري عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك وإستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم (3) ونتف الابط وحلق العانة وإنتقاص الماء " - يعني الاستنجاء - وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عزوجل وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (4) أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم (وإبراهيم الذي وفى).
قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي، ومحمد بن موسى القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة قصرا أحسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا ".
قال البزار وحدثناه أحمد بن جميل المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا.
قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط
الصحيح.
ولم يخرجوه.
__________
(1) مسلم في صحيحه 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة ح 50 ص 1 / 222.
وفي البخاري ح رقم 2291 ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده.
(2) في 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة حديث 56 / 261 ص 1 / 223.
(3) البراجم: جمع برجمة وهي عقد الاصابع ومفاصلها كلها.
(4) قلح: صفرة الاسنان وسوادها.
صفة ابراهيم عليه السلام قال الامام أحمد حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض علي الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت ابراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية.
تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ (1) * وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا اسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى ابن مريم وموسى وابراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر - وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا له فابراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعني نفسه * وقال البخاري حدثنا بنان (2) بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و (ك ف ر) فقال لم اسمعه ولكنه قال صلى الله عليه وسلم: " أما ابراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل احمر مخطوم بخلبه كأني انظر إليه انحدر في الوادي ".
ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به * وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به.
وفاة ابراهيم وما قيل في عمره
ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذي يقال انه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم * وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا.
وذكروا أن طلع نجم اخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود.
فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه.
فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وانبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى (3) وتقدم عن ابن عباس أنه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 324 ومسلم في صحيحه 1 / 74 / 271 وفيه زيادة: ورأيت جبرائيل عليه السلام فإذا أقرب ما رأيت به شبها دحية.
وقبله..رأيت إبراهيم..شبها بصاحبكم (يعني نفسه).
(2) في البخاري: بيان بن عمرو.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
ولد ببرزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران ثم إلى أرض الشام وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا وولد له إسماعيل واسحق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها ابراهيم عليه السلام ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه اسحق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الابل قالوا ثم تزوج ابراهيم عليه السلام قنطورا (1) فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح (2).
وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.
وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم
بصحتها * وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.
قالوا ثم مرض إبراهيم عليه السلام ومات عن مائة وخمس وسبعين * وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي عند إمرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي وتولى دفنه اسمعيل واسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي.
(3) سنة كما قاله ابن الكلبي وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن ابراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة " (4) وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفا.
ثم قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد نيست (5) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتت عليه ثمانون سنة.
ثم روى ابن حبان عن
__________
(1) قطورا بنت يقطن من الكنعانيين ابن الاثير في الكامل والطبري في تاريخه.
وقيل تزوج بعدها حجورا بنت أهير.
(2) ذكر المسعودي 1 / 43 الاسماء كالتالي: مرق - نفس - مدن - مدين - سنان وسرح.
وفي الطبري: يقسان، زمران مديان، يسبق، سوح، بسر.
(3) في الكامل وتاريخ الطبري: مائتي سنة - وعند المسعودي: مائة وخمس وتسعين.
(4) رواه ابن عساكر في تاريخه ج 2 / 149 تهذيب.
(5) هكذا في الاصول ; ولم أجد فيما لدي من مراجع من تسمى من الرجال بهذا الاسم، وقد ورد محمد بن عبد الله بن نمير ممن روى عن قتيبة ولم يعرف غيره.
عبد الرزاق أنه قال القدوم اسم القرية.
قلت الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة * وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم * وقال محمد بن اسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم.
وقال مالك (1) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أول من أضاف (2) الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه (3) وأول الناس رأى الشيب، فقال يا رب ما هذا ؟ فقال الله [ تبارك وتعالى ] " وقار [ يا ابراهيم ] " فقال يا رب زدني وقارا.
وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل * فقبره وقبر ولده اسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد " حبرون " وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بني اسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا.
فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها * وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال وجد عند قبر ابراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة.
الهي جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخر * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أول من ولد له: اسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين (4) فولدت له خمسة كيسان
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ - باب ما جاء في السنة في الفطرة ح 1667 / ص 510.
(2) عند مالك: أول الناس ضيف الضيف.
(3) عند مالك: الشارب.
(4) في الكامل لابن الاثير: حجون بنت أهير.
وسورج واميم ولوطان ونافس * وهكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام ".
ومما وقع في حياة ابراهيم خليل من الامور العظيمة، قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة الغميمة (1) وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكأن أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك من خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الاعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
ما سبقكم بها أحد من العالمين.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون.
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون.
فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [ الاعراف: 80 - 84 ].
وقال تعالى في سورة هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحاق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك.
وإنهم آتاهم عذاب غير مردود.
ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
وجاءه قومه يهرعون إليه.
ومن قبل كانوا يعملون السيئات.
قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.
قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن
__________
(1) وفي نسخة العميمة ; أي الشاملة.
شديد.
قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا إمرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 69 - 83 ].
وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم
تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين.
إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين.
فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون.
قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون.
فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
وجاء أهل المدينة يستبشرون.
قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أولم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين.
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون.
فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم.
إن في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 51 - 77 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 160 - 175 ].
وقال تعالي في سورة النمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ النمل: 54 - 58 ].
وقال تعالي في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون
الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب
الله إن كنت من الصادقين.
قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية * إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين * ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 28 - 35 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين.
الا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * إنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 133 - 137 ] وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم (قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين.
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين.
وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 31 - 38 ].
وقال في سورة الانشقاق (كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر.
نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *) [ القمر: 33 - 40 ].
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها (1) مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن ايراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من
الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعو (2) عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم [ واستضعفوه وكثروا منه ] (3) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا (أخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون) [ النمل: 56 ] فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته وأخرجهم منها أحسن اخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في
__________
(1) غير ما تقدم ذكر اسم لوط في: الانعام 86، الانبياء: 71 - 74، الحج: 43، الصافات: 133 ص: 13، ق: 12، التحريم: 10.
(2) وفي نسخة: ولم يرعووا.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ ارتكاب ] (1) الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا (2) * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرقيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) [ العنكبوت: 29 ] فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث
رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل ابراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الامر الجسيم والخطب العميم (قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا انا ارسلنا إلى قوم مجرمين.
لنرسل عليهم حجارة من طين.
مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 31 - 34 ] وقال (ولما جائت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين.
قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين) [ العنكبوت: 31 - 34 ] وقال الله تعالى (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [ هود: 74 ].
وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا.
ولهذا قال تعالى (إن ابراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) [ هود: 75 ] أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به، من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن اسحاق أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن اسحق إلى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: من العالمين.
عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى (وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان
اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن اسحق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق أمامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم: فيما قال [ والله ] (1) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حيت كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لاهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت (2) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك (3) فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [ هود: 77 ] أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) [ هود: 78 ] يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لان النبي للامة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [ الاخزاب: 6 ] وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم.
وهذا كقوله (أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) [ الشعراء: 165 - 166 ]
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحق
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) وفي نسخة: شفقة عليهم ; وفي الكامل: خافت عليهم.
(3) في الكامل: أدرك.
وهو الصواب.
والقول الاخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا إثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) [ هود: 78 ] نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء.
فجرة أقوياء.
كفرة أغبياء.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد.
مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما تريد) [ هود: 79 ] يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يالوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا [ من غير النساء ] (1).
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم.
ذي العذاب الاليم.
ولهذا قال عليه السلام (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [ هود: 80 ] ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من ابراهيم، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي " (2) ورواه أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة * وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (يعني الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " (3).
وقال تعالى
(وجاء أهل المدينة يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أو لم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين) [ الحجر: 67 - 71 ] فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم (4) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون.
ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون.
وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [ الحجر: 72 ] وقال تعالى (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر.
ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) [ القمر - 36 - 38 ] ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 كتاب المناقب باب 11 ح 3372 فتح الباري وروى ابن ماجة نحوه ورواه أحمد في مسنده 2 / 326 - 332 - 350.
(3) انظر الدر المنثور ج 2 / 185.
(4) هكذا في الاصول وفي نسخة من قصص الانبياء لابن كثير: كلما نهاهم.
يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال ] (1): لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لاحللت.
بكم النكال * قالت الملائكة (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) [ هود: 81 ] وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان.
ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بأن يسري هو
وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم * وقوله (إلا امرأتك) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها.
ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك.
أي فانها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم.
ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الاول أظهر في المعنى والله أعلم.
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة.
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [ هود: 81 ] فلما خرج لوط عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن إمرأته خرجت معه فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد.
ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد * وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غورزغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 82 - 83 ] قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن وكن سبع مدن (2) بمن فيهن من الامم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة.
قيل أربعة آلاف (3) نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في الطبري والكامل والمسعودي: خمس قرى، ذكر المسعودي المدائن الخمس وهي: سدوم، عمورا، وادموتا، وصاعورا، وصابورا.
(3) وفي نسخة: أربعة آلاف ألف نسمة.
والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شر فاتها (وأمطرة عليهم حجارة من سجيل) [ الحجر: 74 ] والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال (مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 34 ] وكما قال تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ الشعراء: 173 ] وقال تعالى (والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى) [ النجم: 53 - 54 يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها * ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ] أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه.
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما.
فإن الله لا يقدر على نبي آن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط * ومن قال خلاف هذا فقد اخطأ خطأ كبيرا.
قال الله تعالى في قصة الافك: لما انزل براءة ام المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول اله صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [ النور: 15 - 16 ] أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة * وقوله ههنا (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما
هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (1) وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 2 / 468 والترمذي في سننه 15 / 24 / 1456 وابن ماجة.
وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: لينه ابن معين، وقال أحمد: ما به بأس.
وقال أبو داود: ليس بالقوي.
وفي تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم 2 / 75 / 642.
لقوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد).
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينفع بمائها ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها لردائتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه.
ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات.
وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى (ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: * - 9 ] وقال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم.
ان في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 73 - 77 ] أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامرة.
هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين).
وقوله (وانها لبسبيل مقيم) [ الحجر: 76 ] أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 137 ] وقال تعالى (ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 35 ] وقال تعالى (فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 35 - 37 ] أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم: فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به عزوجل ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال.
والجواري من السراري ذوات الجمال.
وإياه أن يتبع كل شيطان مريد.
فيحق عليه الوعيد.
ويدخل في قوله تعالى (وما هي من الظالمين ببعيد).
__________
(1) سنن الترمذي 48 / 16 / 3127 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، وقال في المتوسمين.
المتفرسين.
ورواه ابن حجر في لسان الميزان (5 / 1154) والقرطبي في أحكامه (1 / 43) ورواه الاصفهاني في حلية الاولياء 4 / 94 والسيوطي في الدر المنثور 4 / 103 والذهبي في الطب النبوي ص 112.
والطبراني في المعجم الكبير 8 / 121.
قصة مدين قوم شعيب عليه السلام (1) قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم فاوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين.
ولا تقعدوا بكل صراط توعدون.
وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.
وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة
لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد أفترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما.
على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين.
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 83 - 95 ].
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.
وما أنا عليكم بحفيظ.
قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
إنك لانت الحليم الرشيد.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد.
واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.
قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز.
قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط.
ويا قوم اعملوا على
__________
(1) ذكر شعيب في القرآن في: الاعراف: 85 - 88 - 90 - 92 وفي سورة هود: 84 - 87 - 90 - 95، وفي الشعراء: 177 وفي العنبكوت: 36.
مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 84 - 95 ].
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا.
(وإن كان أصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبامام مبين) [ الحجر: 78 - 79 ] وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم (كذب أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول امين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم.
ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الاولين.
قالوا انما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين.
فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال ربي أعلم بما تعملون.
فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 176 - 191 ].
كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية (1) من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط.
وكانوا بعدهم بمدة قريبة.
ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة (2) وهم من بني مدين بن مديان بن إبرهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (3) بن يشجن ذكره ابن اسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (4) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن ابراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (5) بن ثابت بن مدين بن ابراهيم وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام.
ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي [ انه ]: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة فقال: " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم
__________
(1) وفي نسخة قريبة ; وهو الصواب.
(2) وفي نسخة أخرى: مدينة عرفت بها القبيلة ; وهو الصواب.
(3) في الطبري 1 / 167: ميكائيل.
(4) في الطبري: يثرون.
(5) في الطبري: بن صيفون بن عنقا.
شعيب وأختان (1) موسى ".
فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من (2) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فإن هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمي شعيبا خطيب الانبياء يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته * وقد روى ابن اسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء " وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الايكة وهي شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد وهو الولي الحميد.
كما قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا.
قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم) [ الشعراء: 85 ] أي دلالة وحجة
واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وإنه أرسلني وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها) [ الاعراف: 85 ] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط) [ الاعراف: 86 ] أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال اسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعني يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك (وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا) [ الاعراف: 86 ] فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الاخرى (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم
__________
(1) أختان موسى: أصهار موسى.
وفي الاستيعاب: وأحبار موسى.
(2) وفي نسخة: صهر موسى.
محيط) [ هود: 84 ] أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق (1) الله بركة ما في أيديكم (2) ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة.
فنهاهم أولا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الاليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف.
ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) [ هود: 86 ] قال
ابن عباس والحسن البصري (بقيت الله خير لكم) أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الريح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف.
قال وقد روي هذا عن ابن عباس وهذا الذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبتك كثرة الخبيث) [ المائدة: 100 ] يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فإن الحلال مبارك وإن قل والحرام ممحوق وإن كثر كما قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [ البقرة: 276 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل " رواه أحمد (3) أي إلى قلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل والحرام لا يجدي وإن كثر ولهذا قال نبي الله شعيب (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) وقوله (وما أنا عليكم بحفيظ) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لاراكم أنا وغيري (قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 78 ] يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ونترك ما يعبد أباؤنا الاقدمون وأسلافنا الاولون (5) ؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟، (انك لانت الحليم الرشيد) قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
(قال يا قوم أر أيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما
__________
(1) يمحق: يمحي.
(2) وفي نسخة: ما بأيديكم.
(3) مسند أحمد ج 1 / 395 و 424.
(4) ورواه الحاكم في المستدرك 2 / 37، 4 / 317، وصححه ووافقه الذهبي، وابن ماجة في سننه رقم 2279.
وأحمد في مسنده ج 2 / 183.
(5) رواه مسلم في 21 / 43 / 47 والبخاري في 34 / 19 - 42 - 43 فتح الباري وأحمد في مسنده 3 / 402 - 403 - 434 ورواه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي.
ورواه مالك في الموطأ.
أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [ هود: 88 ] هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم: " أرأيتم " أيها المكذبون (ان كنت على بينة من ربي) أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم (ورزقني منه رزقا حسنا) يعني النبوة والرسالة يعني وعمى عليكم معرفتها فأي حيلة لي بكم.
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) أي لست آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول من يتركه وهذه في الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بني اسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [ البقرة: 44 ] وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى النار فتندلق أقتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى.
كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " * وهذه صفة مخالفي الانبياء من الفجار والاشقياء فأما السادة من النجباء والالباء من العلماء، والذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت) أي ما أريد في جميع أمري إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي (وما توفيقي) أي في جميع أحوالي (إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب) أي عليه أتوكل في سائر الامور واليه مرجعي ومصيري في كل أمري وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
[ هود: 89 ] أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله (وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان.
وقيل في الصفات والافعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الاقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) [ هود: 90 ] أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما نقول وإنا لنراك فينا ضعيفا) [ هود: 91 ] روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا كان ضرير
البصر * وقد روي في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمي فرد الله عليه بصره.
وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك إلى الجنة فقال: بل من محنتك فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي فأوحى الله إليه هنيئا لك يا شعيب لقاني فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار عن أبي عبد الله محمد بن اسحق التربلي (1)، عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أمين (2)، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [ هود: 91 ] وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا (ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهمه ولا نتعقله لانا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا
عاملون) [ فصلت: 5 ] وقولهم (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي مضطهدا مهجورا (ولولا رهطك) أي قبيلتك وعشيرتك فينا (لرجمناك وما أنت علينا بعزيز).
(قال يا قوم ارهطي أعز عليكم من الله) [ هود: 92 ] أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم، ولا تخافون جنبة (3) الله ولا تراعوني لاني رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي جانب الله وراء ظهوركم (إن ربي بما تعملون محيط) [ هود: 92 ] أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
(ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا اني معكم رقيب) [ هود: 93 ] وهذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.
ومن يحل عليه الهلاك والبوار (من يأتيه عذاب يخزيه) أي في هذه الحياة الدنيا (ويحل عليه عذاب مقيم) أي في الاخرى (ومن هو كاذب) أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر (وارتقبوا اني معكم رقيب) وهذا كقوله (وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي ارسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) [ الاعراف: 87 ] (قال الملا (4) الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها الا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [ الاعراف:
__________
(1) وفي نسخه الرملي.
(2) ابن امين تحريف، وفي نسخة ابن أوس.
(3) وفي نسخة: عذاب الله.
(4) الملا: أشراف القوم وسادتهم وكبراؤهم.
88 - 89 ] طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه
فقال: (أو لو كنا كارهين) أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وإنما يعودون إليه إن عادوا اضطرارا مكرهين، وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لاحد منه.
ولهذا قال (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا) أي فهو كافينا وهو العاصم لنا وإليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) أي الحاكمين، فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ورسوله خالفوه.
ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون (وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 90 ] قال الله تعالى: (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) [ الاعراف: 91 ] ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات وظلة أرسل عيلهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الاعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) فقابل الارجاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لانهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص (أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 87 ] فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا
الرسول الكريم الامين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة اسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة.
وكان إجابة لما طلبوا.
وتقريبا إلى ما إليه رغبوا.
فإنهم قالوا (إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال رب أعلم بما تعملون) [ الشعراء: 185 - 188 ] قال الله تعالى (وهو السميع العليم فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 189 ] ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: (كذب
أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب) ولم يقل أخوهم كما قال: (وإلى مدين أخاهم شعيبا).
والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الاول أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: (كذب أصحاب الايكة المرسلين) لانه وصفهم بعبادة الايكة فلا يناسب ذكر الاخوة ههنا ولما نسبهم إلى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما إحتجاجهم بيوم الظلة فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيأ من هذا الشأن * فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي عليه السلام ".
فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني اسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من
الخطاب.
وقوله (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الاسراب فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليسظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح.
(فاصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 91 - 92 ].
(ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين)، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 94 - 95 ].
وقال تعالى (وقال الملا من قومه لئن إتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 90 - 92 ].
وهذا في مقابلة قولهم (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 93 ] ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 93 ] أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم) أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح
الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه فلم ينفعكم ذلك لان الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون إليه ولا تلتفون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لاحد أريد به عنه ولا مناص منه.
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام.
وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.
باب ذرية ابراهيم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم وما آل إليه أمره عليه السلام والتحية والاكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط.
وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها إقتداء بالقرآن العظيم * ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية ابراهيم عليه السلام لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده.
اسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر ابراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل * ومن قال إن الذبيح هو إسحق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل * فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر * وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة * وإنما ولد اسحق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة * أما في الصورة فلانه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه.
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل فهذا هو الولد
الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر وأين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه
ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل * وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والامر بها لاهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب * قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى.
قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [ الصافات: 101 - 102 ] فطاوع أباه على ما إليه دعاه.
ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) [ مريم: 54 - 55 ] وقال تعالى (واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص: 45 - 48 ] وقال تعالى (واسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ النساء: 163 ] الآية.
وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] الآية.
ونظيرتها من السورة الاخرى.
وقال تعالى (أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) [ البقرة: 140 ] الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها.
وقد قال سعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث
أبيكم اسماعيل " وكانت هذه العراب وحشا (2) فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الاموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة " فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها * قال الاموي هي
__________
(1) وفي نسخة: بالعلم.
(2) وفي نسخة: وحوشا.
عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي * ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وقيل هذه ثالثة فولدت له إثني عشر ولدا ذكرا.
وقد سماهم محمد بن اسحق رحمه الله وهم نابت وقيذر (1) وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصاوارر ويطور ونبش وطيما وقيذما * وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم.
وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم.
وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه * ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه اسحق وزوج ابنته نسمة (2) من ابن أخيه العيص بن اسحق فولدت له الروم.
ويقال لهم بنو الاصفر لصفرة كانت في العيص * وولدت له اليونان في أحد الاقوال * ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا * وتوقف ابن جرير رحمه الله.
ودفن اسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة * وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال شكى اسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه تجري عليك روحها إلى يوم
القيامة وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار * وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن اسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم * وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم انبيائهم ومحقق أنبائهم * ثم نذكر ما كان في زمن بني اسرائيل * ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الامم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
اسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة (3) بعد أخيه اسماعيل بأربع عشر سنة.
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين (4) سنة قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى
__________
(1) قال الطبري: وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الالفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي ادبيل ادبال وفي ميشا ميشام.
وانظر التعليق حول هذا الموضوع في أخبار العرب ; الجزء الثاني من البداية والنهاية.
(2) في الطبري: بسمة.
(3) في الطبري والكامل: مائة وعشرين سنة.
(4) في الكامل لابن الاثير: سبعون سنة.
اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز * وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ابراهيم ".
وذكر أهل الكتاب أن إسحق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت
عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو وهو الذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم * والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو اسرائيل الذي ينتسب إليه بنو اسرائيل قالوا وكان إسحق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكره وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لانه الاصغر قالوا فلما كبر إسحق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغي ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه إليه قال من أنت قال ولدك فضمه إليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس (1) والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه فقال له ما هذا يا بني قال هذا الطعام الذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وأن يجعل لذريته عليظ الارض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته.
وقالت لزوجها إسحق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم (2) فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الارض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا
الموضع معبد الله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر
__________
(1) في الطبري: المس.
(2) في الطبري: فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل
فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمي ذلك الموضع بين إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما.
وأجملهما [ فطلب يعقوب الصغرى من خاله ] (1) فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لا بان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف إليه ليلا ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر.
فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لم غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان احببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها فعمل سبع سنين وادخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة * وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته لانه معصوم * ووهب لابان لكل واحدة من إبنتيه جارية فوهب لليا جارية إسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى * وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالي فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب عليه السلام فولدت له جاد (2) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (3) * ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب * ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله ندائها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما (4) عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض
حران (5) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله اني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع (6) وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح (7) ببياض وكل أجلح (8) أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من الطبري وقصص الانبياء لابن كثير.
(2) كذا في الاصل وفي رواية للطبري ; وفي رواية أخرى عنده سماه: حادر.
(3) في الطبري: يسحر.
(4) في الطبري: ولدت راحيل ليعقوب بعد اليأس يوسف وأخاه بنيامين، وفي رواية أخرى عنده ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين.
(5) في الطبري: بأرض بابل.
(6) أبقع: ما فيه بقع بيض وسود.
(7) الاملح: ما يخالط بياضه سواد.
(8) اجلح: ما لا قرن له.
من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقي الغنم من المياه لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل (1) أصنام أبيها فلما جاوزوا
وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وامائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم وأعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين إلى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك ودعا الله عزوجل وصلى الله وتضرع إليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لاخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذا الذي بعده ويقول كل منهم وهو جائي بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا اسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما أسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل
__________
(1) في الطبري: فقالت امرأة يعقوب، ولم يذكر اسمها، وعلى الارجح فيما رواه الطبري انها ليا ; لانه اعتبر في نفس الرواية ان راحيل قد ماتت.
1 / 165.
بنو اسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة رجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم إليه وأحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوا به ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله اسرائيل وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه * وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا.
وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وأخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فإنا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذ قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل (1) فولدت غلاما وهو بنيامين إلا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم * وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون
ولاوى ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين (2) ومن أمة راحيل دان ونفتالي ومن أمة ليا حاد واشير عليهم السلام وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن ابراهيم ثم مرض اسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه ابناه العيص ويعقوب مع أبيه ابراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا.
__________
(1) في رواية الطبري ان راحيل قد ولدت بنيامين وهم في ديار أبيها قبل خروجهم إلى أرض فلسطين.
راجع التعليق قبل قليل.
(2) زاد ابن قتيبة في المعارف: وأخوات لهما، ولم يذكر اسماءهن.
ما وقع من الامور العجيبة في حياة اسرائيل فمن ذلك قصة يوسف (1) بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 1 - 3 ] قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر ههنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي انزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلي يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان.
بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين
حكما (2) وأعدل حكما.
فهو كما قال تعالى (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) [ الانعام: 115 ].
يعني صدقا في الاخبار، عدلا في الاوامر والنواهي ولهذا قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 3 ] أي بالنسبة إلى ما أوحى اليك فيه كما قال تعالى (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور) [ الشورى: 52 - 53 ].
وقال تعالى (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق.
وقد آتيناك من لدنا ذكرا.
من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا.
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) [ طه: 99 - 101 ] يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي مرفوعا وموقوفا
__________
(1) ذكر اسم يوسف في 26 آية من الكتاب الكريم: 24 آية في سورة يوسف وآية في الانعام (84) وآية في غافر (34) وقد ذكرت قصته مطولة في سورة يوسف.
وقال النسفي في سبب نزول هذه السورة: ان كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم اليهود: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف.
فنزلت.
(2) وفي نسخة: حكمة.
" من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ".
وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد (1) عن الشعبي عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال: " أتتهوكون (2) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (3) إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم
موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الامم وأنا حظكم من النبيين " (4) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف.
وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون.
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا (إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين.
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم) [ يوسف: 4 - 6 ] قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله (قالوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] وزعم أن هؤلاء هم الاسباط فليس استدلاله بقوي (5) لان المراد بالاسباط شعوب بني اسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم.
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا: عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن
__________
(1) في المسند: عن هشيم عن مجالد.
(2) في المسند: أمتهوكون ; والتهوك: التحير.
(3) مسند أحمد: ج 3 / 388.
(4) مسند أحمد: ج 3 / 471.
(5) وفي نسخة: بالقوي.
ابراهيم " (1) " انفرد به البخاري ; فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة بن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنه * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن (أحد عشر كوكبا) وهم اشارة إلى بقية اخوته (والشمس والقمر) وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود "، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا وهو غلط منهم (وكذلك يجتبيك ربك) أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها (يجتبيك ربك) أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة (ويعلمك من تأويل الاحاديث) أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك (ويتم نعمته عليك) أي بالوحي إليك (وعلى آل يعقوب) آي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة (كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم وإسحق) أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحق ووالد جدك إبراهيم الخليل (إن ربك عليم حكيم) كما قال تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أكرم قال: " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " (2) وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير (3) وقد ضعفه الائمة - عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال: يا محمد أخبرني عن
الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها.
قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها قال فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان والطارق.
والديال وذو الكتفان.
وقابس.
ووثاب.
وعمردان (4) والفيلق.
والمصبح.
والضروح.
وذو الفرع.
والضياء.
والنور " فقال اليهودي أي والله إنها لاسماؤها.
وعند أبي يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه.
(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين.
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم تخريجه فليراجع.
(3) الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد وكنية أبيه أبو ليلى ; متروك.
اتهمه ابن معين تقريب التهذيب 1 / 485 / 191.
(4) في نسخة: عمودان.
منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين.
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين.
قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين) [ يوسف: - 10 ].
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات.
ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه يعنون شقيقه لامه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين (إن أبانا لفي ضلال مبين) أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض (1) محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالؤا على ذلك وتوافقوا عليه (قال قائل منهم) قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن اسحق هو أكبرهم روبيل (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة) أي
المارة من المسافرين (ان كنتم فاعلين) ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون.
قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون.
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) [ يوسف: 11 - 14 ] طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.
يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
(قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم.
وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده (فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابت (2) الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاؤا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين.
وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
والله المستعان على ما تصفون) [ يوسف: 15 - 18 ] لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال
__________
(1) تتمحض المحبة: تكون خالصة لهم.
(2) غيابة الجب: غوره.
واجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه
فيه أوحى الله إليه أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك (وهم لا يشعرون).
قال مجاهد وقتادة وهم لا يشعرون بايحاء الله إليه ذلك * وعن ابن عباس وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم.
ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا) أي ثيابنا (فأكله الذئب) أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
(وجاؤا على قميصه بدم كذب) أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا إلى سخلة (1) ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا أن يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه وأعدموه وغيبوه عن عينيه جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤن ولهذا (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة.
فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف.
فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على إبنه أياما كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم
في التعبير والتصوير [ وقال تعالى ]: (وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه.
قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون.
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ونتخذه ولدا.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث.
والله غالب على أمره ولكن أكثر
__________
(1) سخلة: ولد الشاة.
الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [ يوسف: 19 - 22 ] يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة أي مسافرون.
قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه (1) يوسف فلما رآه ذلك الرجل (قال يا بشرى) أي يا بشارتي (هذا غلام وأسروه بضاعة) أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم (والله عليم بما يعملون) أي هو عالم بما تمالا عليه أخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر مما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه ازمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف (دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين).
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف اليكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين.
وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما.
وقال عكرمة ومحمد بن اسحق أربعون درهما فالله أعلم (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمي مثواه) أي أحسني إليه (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) وهذا من لطف
الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
قالوا وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الذي [ تكون ] الخزائن مسلمة إليه * قال ابن اسحق وإسمه اطفير (2) بن روجيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل.
وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها.
وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن أبي هشام (3) الرفاعي.
وقال محمد بن اسحق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كان اسم الذي باعه بمصر يعني الذي جلبه إليها مالك بن ذعر بن نويب بن عفقا (4) بن مديان بن ابراهيم فالله أعلم.
وقال ابن اسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته اكرمي مثواه والمرأة التي قالت لابيها عن موسى (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
__________
(1) في نسخة: تعلق به.
(2) في رواية للطبري عن ابن عباس اسمه قطفير ; وفي رواية أخرى قطين وكان عمره يوم اشتروه سبع عشرة سنة.
(3) في نسخة: ابن هشام.
(4) في الطبري: مالك بن دعر بن بويب بن عفقان.
القوي الامين) [ القصص: 26 ] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا.
وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا.
فالله أعلم وقوله (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر (ولنعلمه من تأويل الاحاديث) أي فهمها.
وتعبير الرؤيا من ذلك (والله غالب على أمره) أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وامورا لا يهتدي إليها العباد ولهذا قال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين).
فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد.
وهو حد الاربعين الذي يوحي الله
فيه إلى عبادة النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم.
وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال ابن عباس ومجاهد: وقتادة ثلاث وثلاثون سنة.
وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) [ الاحقاف: 15 ].
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب.
وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر والفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم.
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين.
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [ يوسف: 23 - 29 ].
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلقت الابواب عليها وعليه وتهيأت له، وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها، وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن اسحق: وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء.
وحماه عن مكر النساء.
فهو سيد السادة النجباء السبعة الاتقياء.
المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء.
في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه.
ورجلان تحابا في الله إجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " (1).
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال (معاذ الله إنه ربي) يعني زوجها صاحب المنزل سيدي (أحسن مثواي) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده (إنه لا يفلح الظالمون) وقد تكلمنا على قوله (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) بما فيه كفاية ومقنع في التفسير (2).
وأكثر أقوال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين.
واستبقا الباب) أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره (والفيا) أي وجدا (سيدها) أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب اليم).
اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام (هي راودتني عن نفسي) إحتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة (وشهد شاهد من أهلها) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير.
وروي فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها.
وقيل قريبا إليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن اسحاق وزيد بن أسلم فقال (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين) أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه (وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) أي لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) أي هذا الذي جرى من
مكركن أنت (3) راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال (يوسف أعرض عن هذا) أي لا تذكره لاحد لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 10 / 36 / 660 و 24 / 26 و 81 / 24 وأخرجه مسلم في صحيحه 12 / 30 / 91 والترمذي في سننه 37 / 53 / 2391 والنسائي ومالك في الموطأ 51 / 5 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 439.
(2) يراجع تفسير ابن كثير ; تفسير سورة يوسف.
(3) في نسخة: أنت الذي راودتيه عن نفسه.
ثم اتهمتيه بالباطل.
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لانها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) (1).
(وقال (2) نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين.
فلما سمعت بمكرهن أرسلت اليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن.
فلما رأينه أكبرنه وقطعن إيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين.
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين.
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) [ يوسف: 30 - 34 ] * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء (3) في الطعن على إمرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن (إنا لنراها في ضلال مبين) أي في وضعها الشئ في غير محله (فلما سمعت بمكرهن) أي بتشنيعهن
عليها والتنقص لها والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها.
واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وأتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه (4) الحالة.
فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
(فلما رأينه أكبرنه) أي اعظمنه وأجللنه وهبنه (5) وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه
__________
(1) سورة يوسف الآية 29 وفيها: (واستغفري..) رجح الرازي أن يكون القائل هو الشاهد ; ويحتمل أن يكون المراد طلب المغفرة من الزوج أي طلب العفو والصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله.
لان أولئك الاقوام كانوا يثبتون الصانع ; إلا انهم كانوا يعبدون الاوثان.
(2) قوله (وقال نسوة) قال الرازي في تفسيره: لم يقل: وقالت نسوة لوجهين: - إن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنبته غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.
الثاني - قال الواحدي تقدم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
(3) قال في تفسير الرازي: قال الكلبي هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب سجنه - وامرأة صاحب دوابه.
وزاد مقاتل: وامرأة الحاجب.
(4) في نسخة: في هذه.
(5) في قول للرازي: أكبرن بمعنى حضن، قال الازهري يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت ; وهو أن المرأة إذا خافت = وفزعت فربما اسقطت ولدها ; وربما حاضت.
حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في إيديهن بتلك الساكين ولا يشعرن بالجراح (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم).
وقد جاء في حديث الاسراء: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ".
قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى، ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة إمرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس.
ولهذا لما قام عذر (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى، من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) ثم مدحته بالعصمة (2) التامة فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء.
ونأى لانه من سلالة الانبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين (رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين) يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين.
ودخل معه السجن فتيان.
قال احدهما إني أراني أعصر خمرا.
وقال الآخر إني أراني احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.
واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار.
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا
__________
= وقال: وعندي يحتمل انهن إنما أكبرنه لانهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام.
وحمل الآية على هذا الوجه أولى.
18 / 127 - 128.
(1) في نسخة عذرن ; وهو مناسب أكثر.
(2) في نسخة بالعفة.
وفي نسخة أخرى: بالعصمة والعفة.
إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 34 - 41 ].
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لامرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا.
وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم.
ومخالطتهم * ومن ههنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد.
قال الله (ودخل معه السجن فتيان) قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل " بنو " (1).
والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه وهو الذي يقول له الترك " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " (2) كان الملك قد اتهمهما في بعض الامور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السل الاعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا (إنا نراك من المحسنين) فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فأني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى (وانبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم) [ آل عمران: 49 ] وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لاني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا) أي بأن هدانا لهذا (وعلى الناس) أي بأن امرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) * ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل وصغر أمر الاوثان وحقرها وضعف أمرها.
فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله) [ يوسف: 39 - 40 ] أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (أمر أن لا تعبدوا إلا أياه) أي وحده لا شريك له و (ذلك الدين القيم) أي المستقيم والصراط القويم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لان نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول
__________
(1) في نسخة نبوا وفي الطبري نبو.
(2) في الطبري: محلب.
بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد إلى ما أرشد إليه قال (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) قالوا وهو الساقي (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) قالوا وهو الخباز (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ".
وقد روي عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما (قضي الامر الذي فيه تستفتيان.
وقال للذي ظن أنه ناج منها اذكرني عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [ يوسف: 42 ] يخبر تعالى أن يوسف عليه
السلام قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي (أذكرني عند ربك) يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الاسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الارباب.
وقوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي فانسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام * قاله مجاهد ومحمد بن اسحق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع * وقيل إلى السبع * وقيل إلى الخمس * وقيل ما دون العشرة.
حكاها الثعلبي * ويقال بضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف.
وقال الله تعالى (فلبث في السجن بضع سنين) وقال تعالى (في بضع سنين) [ الروم: 2 ] وهذا رد لقوله * قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين * وفي الصحيح: " الايمان بضع وستون " وفي رواية وسبعون شعبة، أعلاها (1) قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الاذى عن الطريق " (2).
ومن قال إن الضمير في قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن جرير (3) في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (4) المكي وهو
__________
(1) في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 2 / 3 ورواه مسلم في 1 / 57 / 58 وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده 2 / 144 - 379 - 445.
(3) تاريخ الطبري ج 1 / 177 وفي إسناده: عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار..(4) في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي.
نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز وليس منسوبا إلى خوزستان.
وهو أبو إسماعيل المكي، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب 1 / 46.
متروك.
ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا ههنا بطريق الاولى والاخرى والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في صحيحه، [ عند ] ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث، أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها.
والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم.
(وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين.
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون.
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون.
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) [ يوسف: 43 - 49 ] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن، ثم ملن عليهن، فأكلنهن فاستيقظ مذعورا.
ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع
أخر دقاق يابسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل (قالوا أضغاث أحلام) أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك، ولهذا قالوا (وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين) فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا.
وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى (وقال الذي نجا منهما وأدكر) أي تذكر (بعد أمة) أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك (وأدكر بعد أمة) أي بعد نسيان وقرأها مجاهد (بعد أمة) باسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.
امهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يزري بالعقول.
فقال لقومه وللملك (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي إستدعاه إلى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عرفه هؤلاء الجهلة الثيران، من قراى وربان (1).
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم إلى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب (2) * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية (وفيه يعصرون) يعني ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم.
وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الاول في سنبله إلا ما يرصد بسبب الاكل ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على
الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
(وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم.
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي أن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) [ يوسف: 50 - 53 ].
لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا (قال ارجع إلى ربك) يعني الملك (فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم) قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الامر الذي ليس برشيد ولا سديد.
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر وما كان منه من الامر الحميد (وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) فعند ذلك (قالت امرأة العزيز) وهي زليخا (الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) أي فيما يقوله من أنه برئ وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما
__________
(1) في نسخة: من فرى وهذيان وفي أخرى: من افتراء وهذيان ; وما في النسخ المطبوعة تحريف.
(2) فالسمان المخاصيب والعجاف هن السنون المحول الجدوب.
وعدوانا وزورا وبهتانا.
وقوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قيل إنه من كلام يوسف أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب.
وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الامر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك
ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الاول.
(وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الاولين.
وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.
قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين.
ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) [ يوسف: 54 - 57 ].
لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه (قال ائتوني به استخلصه لنفسي) أي اجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله (قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي ذو مكانة وأمانة (قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم) طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما (1) بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه إمرأة عظيمة الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل (2) إنه لما مات زوجه إمرأته زليخا فوجدها عذراء لان زوجها كان لا يأتي النساء فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل (3) ذلك يجاويه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء) أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق
__________
(1) في نسخة: فيها بعد.
(2) في الطبري: أن أطفير (قطفير) مات في تلك الليالي أي بعد عزله مباشرة عن عمله.
(3) في نسخة: وفي كل.
الركاب بديار مصر (يتبوأ منها حيث يشاء) أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما (نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
وهذا قال (ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) ويقال إن أطفير زوج زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه إمرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن اسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم.
وقد قال بعضهم.
وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين.
فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون.
وقال لفتيانه إجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [ يوسف: 58 - 62 ] يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه إلى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لانهم لم يخطر ببالهم (1) ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في
القول: وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] لتأخذوا خير بلادي.
فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا، ونحن بنو أب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا، فقال: لابد أن أستعلم أمركم * وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالاخ الآخر.
وفي بعض هذا نظر.
قال الله تعالى (فلما جهزهم بجهازهم) أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان
__________
(1) في عدم معرفتهم له وجوه: انه أمر حجابه أن يوقفوهم بعيدا عنه ولم يتكلم معهم إلا بالواسطة مع مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف.
- تغيره بعد إلقائه في الجب منذ زمن بعيد - قيل أربعون سنة.
- حصول العرفان والتذكر، لعله تعالى ما خلق ذلك في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنهم وهذا من معجزات يوسف عليه السلام.
حمل بعير لا يزيده عليه (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا إثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم (ألا ترون أنى أوف الكيل وأنا خير المنزلين) أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال: (فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدي إليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب (قالوا سنراود عنه أباه) أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن (وإنا لفاعلون) أي وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم.
وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية.
وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون.
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم.
قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.
قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم.
فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون.
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [ يوسف: 63 - 68 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم * وقولهم له (منع منا الكيل) أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي) أي أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا (ونمير أهلنا) أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم (ونحفظ أخانا ونزداد) بسببه (كيل بعير) قال الله تعالى (ذلك كيل يسير) أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتتني به إلا أن يحاط بكم) أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به (1) (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما تقول وكيل) أكد المواثيق وقرر
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان:
العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغني حذر من قدر.
ولولا حاجته (1) وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الاقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء
وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة.
قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لانهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر.
قاله إبراهيم النخعي.
والاول أظهر ولهذا قال (وما أغني عنكم من الله من شئ) وقال تعالى (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الاولى وعوضا آخر (2) (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون.
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذون أيتها العير إنكم لسارقون.
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون.
قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم.
قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين.
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين.
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم.
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون.
قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) [ يوسف: 69 - 79 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وأيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه * ثم
__________
= - معناه الهلال: قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي.
- ما ذكره قتادة: إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين.
فلا تقدرون على الرجوع.
(1) في بعثه بنيامين معهم ; وقصة يوسف لا تزال حية في ضميره ; وجوه: - انهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح.
- انه كان يشاهد انه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد ما كان بينهم وبين يوسف.
- ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك.
- لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.
راجع الرازي ج 18 / 170.
(2) في نسخة: وعرضا آخر وفي نسخة أخرى: وعوضوا آخر.
احتال على أخذه منهم وتركه (1) إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته.
وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته (2) في متاع بنيامين.
ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادى لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين) يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين.
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين).
وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق (3) منه ولهذا قالوا (كذلك نجزي الظالمين).
قال الله تعالى (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي لولا إعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر (إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء) أي في العلم (وفوق كل ذي علم عليم) وذلك لان يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه فلما عاينوا إستخراج الصواع من حمل بنيامين (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره.
وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق
ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له.
وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل غير ذلك فلهذا (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه) وهي كلمته بعدها وقوله (وأنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ.
هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف إليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف لن أبرح الارض حتى يأذن لى أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
__________
(1) في نسخة: وتركهم إياه.
(2) في نسخة: عن غرة.
(3) قال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ; والمعنى جزاء هذا الجرم هو استعباد الشخص الذي يوجد المسروق في رحله ; إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا.
إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون.
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم.
وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو أكون من الهالكين.
قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون.
يا بني إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) [ يوسف: 80 - 87 ].
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به (فلن أبرح الارض) أي لا أزال مقيما ههنا (حتى يأذن لي أبي) في القدوم عليه (أو يحكم الله لي) بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي (وهو خير الحاكمين.
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن إبنك سرق) أي اخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لانه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك (وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمر فصبر جميل) أي ليس الامر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا [ هو ] (1) خلقه وإنما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
قال ابن اسحق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) يعني يوسف وبنيامين وروبيل (إنه هو العليم) أي بحالي وما أنا فيه من فراق الاحبة (الحكيم) فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة (وتولى عنهم) أي أعرض عن بنيه (وقال يا أسفى على يوسف) ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر (2): لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (3)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) القائل: متمم بن نويرة.
(3) الدموع السوافك: المذروفة بغزارة.
فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (1) فقلت له إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله (وابيضت عيناه من الحزن) أي من كثرة البكاء (فهو كظيم) أي مكظم (2) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق (قالوا) له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه (تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) يقول لبنيه لست أشكوا إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو إلى الله عزوجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال: (واعلم من الله ما لا تعلمون) ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما.
(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين.
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) [ يوسف: 88 - 93 ].
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة
عليهم رد أخيهم بنيامين إليهم (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن بتجاوز عنا.
قيل كانت دراهم رديئة.
وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك.
وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) قيل بقبولها قاله السدي.
وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم
__________
(1) اللوى والدكادك: موضعان.
(2) في نسخة: مكمد.
عن أمر ربه وربهم.
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا) وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو (أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي) يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله (وهذا أخي) تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال (قد من الله علينا) أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم الينا وطاعتنا وبرنا لابينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا (إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا (وإن كنا لخاطئين).
أي فيما أسدينا إليك (1) وها نحن بين يديك (قال لا تثريب عليكم اليوم) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال (اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف
والصحيح الاول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فانه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين (2) إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الامور.
(فلما فصلت العير قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون.
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا.
قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون.
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين.
قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [ يوسف: 94 - 98 ].
قال عبد الرزاق أنبأنا اسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس يقول: فلما فصلت العير قال: لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف (فقال إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (3).
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان (4) به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما
__________
(1) قال أبو علي الجبائي: لم يعتذروا إليه من أقدامهم على إلقائه في الجب، وإنما اعتذروا من حيث انهم أخطأوا لانهم لم يظهروا لابيهم ما فعلوه.
قال الرازي وهذا الكلام ضعيف تفسير الفخر الرازي 18 / 205.
(2) قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ; وقال مسروق: ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
تفسير الرازي 18 / 207.
وفي الطبري 1 / 187: كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله.
(3) في نسخة: ثلاثة أيام.
(4) في نسخة: أبي سعد.
وفي الطبري: ابن سنان.
مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله (لولا أن تفندون) أي تقولون إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون.
وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) قال
قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة (1).
قال الله تعالى (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) أي بمجرد ما جاء (2) ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك (ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيريني فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه.
ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا (سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم).
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن ادريس سمعت عبد الرحمن بن اسحق يذكر عن محارب بن دثار قال كان عمر يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول " اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فاطعت وهذا السحر فاغفر لي " قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله (سوف أستغفر لكم ربي) وقد قال الله تعالى (والمستغفرين بالاسحار) [ آل عمران: 17 ] وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له " (4) وقد ورد في حديث ": أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة " قال ابن جرير (5) حدثني المثني.
ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقي حدثنا الوليد (6) أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول لله صلى الله عليه وسلم (سوف أستغفر لكم ربي) يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه.
وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي
__________
(1) زاد قتادة: ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ; والمراد بقولهم: حبك القديم ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه، وما تكابد من الاحزان والشقاء على يوسف.
(2) جمهور المفسرين البشير هو: يهودا.
وفي رواية للطبري 1 / 185: البشير: يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى
يعقوب.
(3) وفي النسخ المطبوعة: الصحيح وهو تحريف.
(4) صحيح مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين باب 23 / ح 166 / 757 ص 1 / 521 عن جابر بن عبد الله.
(5) تاريخ الطبري ج 1 / 186.
(6) وهو الوليد بن مسلم.
رفعه نظر والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه.
(فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [ يوسف: 99 - 101 ].
هذا إخبار عن حال إجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن.
وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة.
وقال محمد بن اسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد إل تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الاولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين.
وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاؤا كلهم (فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه) اجتمع بهما (2) خصوصا وحدهما دون إخوته (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام.
ثم لما اقتربوا من باب
مصر (قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قاله السدي.
ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو اقيموا بها (إن شاء الله آمنين) لكان صحيحا مليحا أيضا.
وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو اسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف
__________
(1) في نسخة: يدعون.
(2) المراد بقوله أبويه: قولان: - المراد أبوه وأمه، وعلى هذا تكون أمه لا تزال حية إلى ذلك الوقت، وقيل انها كانت قد ماتت وأن الله تعالى احياها من قبرها.
- المراد أبوه وخالته، لان أمه - كما مر - ماتت في النفاس بأخيه بنيامين وقد تزوج أبوه بخالته فسماها الله بأحد الابوين.
تفسير الرازي 18 / 210.
وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا.
وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانا.
قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم (1).
قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش) قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت
خالته ليا والخالة بمنزلة الام.
وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم (2).
ورفعهما على العرش أي اجلسهما معه على سريره (وخروا له سجدا) أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا (3).
(وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وجاء بكم من البدو) أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي فيما كان منهم إلي من الامر الذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال (إن ربي لطيف لما يشاء) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته (إنه هو العليم) أي بجميع الامور (الحكيم) في خلقه وشرعه وقدره.
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم التعليق فليراجع.
(3) قال الرازي: في سجود يعقوب ليوسف واستجازته له وجوه: - لاجل وجدانه سجدا لله تعالى، إن ذلك السجود كان سجودا للشكر فالمسجود له هو الله.
- جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه كما يقال: صلبت للكعبة.
- قد يسمى التواضع سجودا، إلا أن هذا شكل لانه تعالى قال: (وخروا له سجدا).
- الضمير في قوله (وخروا له) غير عائد للابوين وإلا لقال: وخروا له ساجدين بل الضمير عائد إلى إخوته.
- لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو السجود، والمقصود التعظيم وهذا بعيد.
- لعل يعقوب علم أن إخوته لن يسجدوا له على سبيل التواضع، ففعل هو ذلك السجود مع جلالة قدره وعظم حقه حتى يصير عمله سببا لزوال الانفة والنفرة عن قلوبهم.
- لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية.
بإختصار تفسير الرازي 18 / 212 - 213.
وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والاثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده (1).
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة (2) حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
وقال الشافعي قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عند وإنك لابن حرة.
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت وشمله قد إجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شئ فيها ومن عليها فان.
وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله.
وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الاسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين.
وهكذا كما يقال في الدعاء " اللهم احينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال: " اللهم في الرفيق الاعلى " ثلاثا ثم قضى (3).
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف.
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " (4) وفي الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم عليها السلام (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا
منسيا) [ مريم: 23 ] وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد
__________
(1) هو ما كانوا يسمونه في مصر نظام المزارعة، وقد بقي معمولا بعقود هذا النظام إلى وقت متأخر.
(2) عام الرمادة: لما صدر الناس عن الحج سنة ثماني عشرة أصاب الناس جهد شديد وأجدبت البلاد وأهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا.
سمي ذلك العالم عام الرمادة لان الارض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر.
طبقات ابن سعد 3 / 310.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 208 عن عائشة ورواه البخاري في الصحيح عن بشر بن محمد بن مبارك ح 4435 في 64 كتاب المغازي 83 باب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة فتح الباري 8 / 136.
(4) الحديث رواه الترمذي في سننه 48 / 39 / 3235 وقال: هذا الحديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في المسند 1 / 368، 4 / 66، 5 / 243، 5 / 427.
القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الاهوال.
فأما في حال الرفاهية ؟ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (1) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند إحضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن اسحق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق.
قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة.
وعندهم أنه أقام
بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [ البقرة: 133 ] يوصي بنيه بالاخلاص وهو دين الاسلام الذي بعث الله به الانبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم إستأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان إشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر.
ثم
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 75 / 19، 80 / 30، 81 / 7 ورواه مسلم في 48 / 10 - 13 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في سننهم ; وأحمد في مسنده: 2 / 263 - 309 - 316 - 350، 3 / 100 - 104 - 163 - 171 - 195 - 208 - 247، 5 / 109 - 110 - 111 - 112، 6 / 339 - 395.
حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة.
ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة *
وقال غيره أوصى إليه أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.
قصة نبي الله ايوب قال ابن اسحق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح (1) بن العيص بن إسحق ابن إبراهيم الخليل.
وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن اسحق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه.
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام.
وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه والمشهور الاول لانه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون) الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب) الآية.
فالصحيح أنه من سلالة العيص بن اسحق وإمرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم (2).
وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب.
وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.
ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [ الانبياء: 83 - 84 ] وقال تعالى في سورة ص (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.
أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب.
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 41 - 44 ] وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس.
ثم نوح.
ثم إبراهيم.
ثم إسماعيل.
ثم إسحق.
ثم يعقوب.
ثم يوسف.
ثم لوط.
ثم هود.
ثم صالح.
ثم شعيب.
ثم موسى وهرون.
ثم إلياس.
ثم اليسع.
ثم عرفى بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن
__________
(1) في الطبري: رازح.
وفي المعارف لابن قتيبة: بن صوص بن رعويل.
(2) في الطبري: افرائيم بن يوسف بن يعقوب.
يعقوب.
ثم يونس بن متى من بني يعقوب.
ثم أيوب بن زراح (1) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن اسحق بن إبراهيم.
وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والاراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران (2).
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه.
يذكر الله عزوجل بها وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر، لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس بلاء الانبياء.
ثم الصالحون.
ثم الامثل فالامثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " (3).
ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في
مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة (4) لبني اسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.
__________
(1) وفي نسخة: راذح، وفي الطبري: رازح.
(2) في الطبري: وكان لايوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان له بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ولكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان اتان لكل اتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك.
(3) أحمد في مسنده 1 / 172 - 174 - 180 - 185 والترمذي في سننه 37 / 56 / 2398 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي وابن ماجة في سننيهما.
(4) في الطبري: كناسة خارج القرية لبني إسرائيل لا يقربه أحد إلا زوجته.
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة.
وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [ الانبياء: 83 ].
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن خازم، عن عبد الله بن
عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شئ قط قال (اللهم ان كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني) فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الاعلى، انبئنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق ".
قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ ص: 42 ] فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو.
قال وكان له أندر
للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الدهب حتى فاض وأفرغت الاخرى في أندر (1) الشعير الورق حتى فاض.
هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه إبن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به.
هذا
غريب رفعه جدا.
والاشبه أن يكون موقوفا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن اسمعيل حدثنا حماد أنبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه.
أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك (2) قربانا واستغفر لهم فانهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع.
قال يا رب ومن يشبع من رحمتك " (3).
وهكذا رواه الامام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي عن إسحق بن راهوية عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك ؟ (4).
هذا موقوف.
وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب
__________
(1) الاندر: الكدس من القمح خاصة.
(2) ذكر الطبري ان ثلاثة نفر (فقط) قد اتبعوه على دينه يقال للاول: يلدد، والآخر: اليفز، والثالث صافر.
ووردت في التوراة: بلدد الشوحي، أليفار اليماني، صوفر النعماني.
وفي تعليله لاشفائه: ان هؤلاء بكتوه في بلائه ; فأقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم.
(3) رواه أحمد في مسنده 2 / 511 وأبو داود الطيالسي في مسنده 2 / 83 / 2302.
(4) مسند أحمد ج 2 / 243 - 304.
فجعل أيوب يحشي في ثوبه، فناداه ربه عزوجل (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك " (1).
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
وقوله (أركض برجلك) أي اضرب الارض برجلك فامتثل ما أمر به فانبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها، ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الالم والاذى والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حيت صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا (2) من ذهب وأخلف الله له أهله كما قال تعالى (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) [ الانبياء: 84 ].
فقيل أحياهم الله بأعيانهم.
وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله (رحمة من عندنا) أي رفعنا عنه شدته (وكشفنا ما به من ضر) رحمة منا به ورأفة وإحسانا (وذكرى للعابدين) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع (3).
وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 44 ] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حلفه
ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها.
وقيل لانه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط.
فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا (4) وهو كالعثكال (5) الذي يجمع الشماريخ (6) فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث.
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضي الله عنها.
ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله (إنا وجدناه صابرا
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 314 والبخاري في صحيحه 5 / 20 - 60 / 20 و 97 / 35.
(2) جراد: آنية.
(3) النزع.
النبت، (4) الضغث: قبضة من قضبان مختلفة، يجمعها أصل واحد مثل الاسل.
(5) العثكال: ما علق من عهن أو صوف أو زينة فتذبذب في الهواء.
(6) الشماريخ: واحدها شمراخ، وشماريخ العثكال اغصانه.
وأصله في العذق.
نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام عند الوصول إليه أن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة.
وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء وبيوسف عليه السلام على الارقاء وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالامر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم.
ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما
يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليهما السلام.
قصة ذي الكفل (1) الذي زعم قوم انه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الانبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص 45 - 48 ] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم.
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه امرهم ويقتضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل.
وروى ان جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي
__________
(1) قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضا النصيب.
بثلاث استخلفه.
يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (1).
قال: فقام رجل تزدريه العين (2)، فقال: أنا.
فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في
صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم * قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (3) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح.
فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لاغضبنك، [ فعصمك الله مني ] (4) فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفى به.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق.
وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الاخنس قال سمعت الاشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
__________
(1) زاد في القرطبي: ولا يغضب وهو يقضي.
(2) في القرطبي: رجل من ذرية العيص.
(3) الرواح: قيل الرواح العشي، وقيل: الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل.
(4) الزيادة من القرطبي.
قال: قال أبو موسى الاشعري، فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد (1): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله.
عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [ أ ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط.
ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (2).
ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن.
وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا.
وفي إسناده نظر فإن سعدا (3) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى الآية) [ القصص: 43 ].
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض غير القرية التى مسخوا قردة.
ألم تر أن الله تعالى يقول: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) ورفعه البزار في رواية له.
والاشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام: فمنهم:
اصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا.
وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا) [ الفرقان: 38 - 39 ] وقال تعالى في صورة ق (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 23.
(2) رواه الترمذي الحكيم في نوادر الاصول.
ورواه الترمذي أبو عيسى في سننه كتاب صفة القيامة (38) باب 48 ح / 2496.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الاعمش ونحو هذا ورفعوه.
وروى بعضهم عن الاعمش ولم يرفعه.
(3) سعد ويقال طلحة، عن ابن عمر، وعنه عبد الله (الرازي) وثقة الكاشف (1 / 280) أو سعيد ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة تقريب التهذيب 1 / 290.
وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 12 - 14 ] وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك.
وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج (1)، لان أولئك عند ابن اسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضا.
وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس (2) ; أهل قرية من قرى ثمود.
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الاحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الارض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد
بالاحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله عزوجل، فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم (3).
وروى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان.
وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها (4).
وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين.
وقال قتادة فلج من قرى اليمامة قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا * وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير.
وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعا وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم (5) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن
__________
(1) قال تعالى: (قتل أصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود (4 - 6).
(2) الرس: في كلام العرب البئر التي تكون مطوية والجمع رساس.
وفي الصحاح: الرس بئر كانت لبقية من ثمود.
والرس أيضا عند العرب: الدفن.
(3) تاريخ ابن عساكر 1 / 15 تهذيب.
(4) عن عكرمة: دفنوه حيا.
(5) في نسخة: فأخبرهم، وهو مناسب أكثر.
عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له قال السهيلي وكان يوحي إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه
وألقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الانس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1) فلا يسمع ببقاعهم لا عزيف الجن وزئير الاسد (2) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعني - ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الاسود.
ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك (3) لبئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها، ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون * ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام (4) فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته، ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع * ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه * قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل فيقولون له ما تدري حتى قبض الله النبي عليه لسلام وأهب (5) الاسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ".
فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر.
ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء، على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن قال لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم (6).
__________
(1) في نسخة: والوحش.
(2) في نسخة: والاسود.
(3) في نسخة: تلك.
(4) في نسخة: فنام.
(5) في الرازي والقرطبي: وهب.
(6) قال الرازي: وأعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن.
ولا بخبر قوي الاسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبره الله تعالى عنهم انهم أهلكوا بسبب كفرهم 24 / 83.
اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم.
ثم اختار أنهم أصحاب الاخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم.
قصة قوم يس وهم (1) اصحاب القرية قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون.
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون.
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون.
وما علينا إلا البلاغ المبين.
قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنك وليمسنكم منا عذاب أليم.
قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني إليه ترجعون.
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون.
إني إذا لفي ضلال مبين.
إني آمنت بربكم فاسمعون.
قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 13 - 29 ].
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية.
رواه ابن اسحق فيما بلغه عن
ابن عباس وكعب الاحبار ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن اسحق فيما بلغه عن ان ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا: وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الاصنام.
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم.
وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين (2) الاوليين
__________
= وفي القرطبي تعليقا على قول ابن جرير.
قال الثعلبي: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس، لان الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم.
ج 13 / 33.
(1) في نسخة: ومنهم أصحاب القرية.
(2) في نسخة: الرسولين.
قال القرطبي هذا قول الطبري وقال غيره: شمعون ويوحنا، وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا وصدوقا.
شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا: لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك.
فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله أعلم.
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولان ظاهر سياق القرآن يقتضي من هؤلاء الرسل من عند الله.
قال الله تعالى (واضرب لهم
مثلا) يعني لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني المدينة (إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الامم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وأنتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي تشائمنا بما جئتمونا به (1) (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الاول قوله (وليمسنكم منا عذاب أليم) فوعدوهم بالقتل والاهانة.
(قالوا طائركم معكم) أي مردود عليكم (أأن ذكرتم) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والاهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني لنصرة الرسل وأظهار الايمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا (2) ولا في الآخرة (أني إذا لفي ضلال مبين) أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه * ثم قال مخاطبا للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم.
وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني يرسل الله جهرة.
فعند ذلك.
__________
(1) قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم، القرطبي 15 / 16.
(2) قال وهب: وكان حبيب مجذوما، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة كان ينحث الاصنام وكان عكف على عبادة الاصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ; فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله ; وأن هذه لا تنفع شيئا ولا تضر.
فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به.
القرطبي 15 / 18
قتلوه.
قيل رجما.
وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه * وحكى ابن اسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته [ من دبره ] (1).
وقد روى الثوري عن عاصم الاحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا.
وقيل إسكافا.
وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم.
وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه.
ولهذا قال تعالى: (إدخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.
قال ابن عباس نصح قومه في حياته (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقي غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وقوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن اسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود * قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والاول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال (وما كنا منزلين) أي وما كنا نحتاج (3) في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).
قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لان هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة
__________
(1) من القرطبي.
وقصبته: أمعاؤه.
وقيل في قتله: عن الحسن: حرقوه حرقا.
(2) في نسخة: أشياخه.
(3) في نسخة: محتاجين.
آمنت بالمسيح * فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الاشقري (1) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (2) فإنه حديث لا يثبت لان حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم.
قصة يونس قال الله تعالى في سورة يونس (فلولا كانت قرية آمنت فتفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] وقال تعالى في سورة والصافات (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) [ الصافات: 139 - 148 ].
وقال تعالى في سورة نون (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) [ القلم: 47 - 50 ].
قال أهل التفسير بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، من أرض الموصل، فدعاهم
إلى الله عزوجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث (3).
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا (4) إلى الله عزوجل وصرخوا وتضرعوا
__________
(1) في نسخة: الاشقر وفي أخرى: الاصفر وهو تحريف.
(2) رواه الطبراني في 3 / 111 / 2.
قال البخاري في الاشقري: ضعيف جدا.
وقال العقيلي: عن البخاري قال فيه: فيه نظر (الضعفاء 90).
(3) في تفسير الرازي بعد أربعين ليلة.
وعند القرطبي فكالاصل.
(4) عجوا: معناها هنا: تضرعوا.
إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات (1) وجأرت الانعام والدواب والمواشي فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) [ سبأ: 34 ].
وقوله (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين ; الاظهر من السياق نعم.
والله أعلم.
كما قال تعالى (لما آمنوا) وقال تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى
حين).
وهذا المتاع إلى حين لا يفني أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف * وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [ الصافات: 147 ] قال: " يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب * وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين ألفا.
وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا هل كان ارساله إليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون * قالوا فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر (2) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.
ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الامر العظيم.
قال الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين.
إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين.
فالتقمه الحوت وهو مليم) [ الصافات: 139 - 142 ].
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عزوجل
__________
(1) في النسخ المطبوعة: الامهاب وهو تحريف.
(2) في نسخة: فتشمر.
حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه * قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا
وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله.
وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه.
فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه (1).
والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الاجاجي (2) فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى * فعند ذلك وهنالك قال ما قال: بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين (وذا النون إذ ذهب) إلى أهله (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق * وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما يقدر يكن فلك الامر (3) (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر (4).
وقوله تعالى (فلولا أنه
__________
(1) في القرطبي: قال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما.
الضحاك: عشرين يوما.
عطاء سبعة أيام.
مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام وقيل ساعة واحدة.
15 / 123.
(2) الاجاجي: نسبة إلى الاجاج: الملح.
(3) في القرطبي: أنشد ثعلب: ولا عائد ذالك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر (4) قال الماوردي: انه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة.
كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [ الصافات: 143 - 144 ] قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة.
ولبعث من جوف ذلك الحوت.
هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
وقيل معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: " يا غلام إني معلمك كلمات إحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (1) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قالت ] سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ [ ه ] ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما [ فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ] فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر * قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا [ ضعيفا ] بأرض غريبة، قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر * قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل " كما قال الله (وهو سقيم) هذا لفظ ابن
جرير إسنادا ومتنا (3) * ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد كذا قال.
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن، أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: يا رب ومن هو ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة، قالوا: يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء * ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم * قال: أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا احدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 293 - 307.
(2) ما بين معكوفين من الطبري 2 / 45.
الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية (1) وحشية تأكل من خشاش (2) الارض أو قال هشاش الارض.
قال فتنفشخ (3) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (فنبذناه) أي القيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شئ من الاشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش * وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي
حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شئ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو القرع.
قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك (4).
وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الاروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية.
وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا * قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها.
ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: * قال أبو خالد: أحسبه
__________
(1) أروية: جمع أروى وهي أنثى الوعل الحيوان للجاحظ 3 / 498.
(2) خشاش: حشرات.
(3) في نسخة: فتفسح ; وفي الطبري: فتفسح.
(4) يحتوي اليقطين على الحديد والكلس، يستفاد منه في تناول بذوره لطرد الدودة الوحيدة من الامعاء.
عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا بدعاء يونس أستجيب له " قال أبو سعيد الاشج يريد به (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد.
وثالث أحسن منهما.
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي اسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد، وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شئ قال: لا، وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام.
قال ما فعلت.
قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت.
قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إليه أنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الارض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو إسحق ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة.
ثم جاء هذا الاعرابي فشغلك.
قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له " (1) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به.
فضل يونس قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين) وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به * وقال البخاري
أيضا حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه " (3).
ورواه
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 170 والترمذي في جامعه 49 / 82 / 3505 وقال أبو عيسى: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن سعد ولم يذكر فيه عن أبيه.
(2) مسند أحمد ج 1 / 205 وأخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 65 / 37 / 1 / 4804.
(3) صحيح البخاري (فتح الباري 65 / 46 / 4630) وأخرجه أحمد في المسند 1 / 242، 342 ومسلم في صحيحه
أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها * وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (1) تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا اسرائيل، عن أبي يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين (3).
قال البخاري في آخره: " ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى " أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس * والقول الآخر لا ينبغي لاحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الاحاديث لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى * وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله
والمرسلين.
قصة موسى الكليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر (4) بن لاوى بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا.
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 51 - 53 ] وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن * وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من إبتدائها
__________
= 43 / 43 / 167 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو داود السجستاني في سننه.
والبيهقي في الدلائل ج 5 / 495 وفيه: ونسبه إلى أمه بدل أبيه.
(1) مسند أحمد 1 / 291.
(2) صحيح البخاري ج 4631 ومسلم ح 166 (المرجع السابق) أحمد في مسنده 2 / 405.
(3) رواه أبو داود في سننه - كتاب السنة ح 4671 ص 4 / 217.
(4) سقط عازر من عمود نسب موسى عند الطبري وابن قتيبة في المعارف.
وزاد ابن قتيبة ولم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبي حتى كان موسى.
إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الاثار المنقولة من الاسرائيليات التي (1) ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون.
إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين.
ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 1 - 6 ] يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر
موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الاعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الارض * وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردأها وأدناها ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) [ القصص: 4 ] وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم، ما يأثرونه (2) عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة إمرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها * وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عن ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة (3) عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو (4) بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل * فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة، والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك
__________
(1) في نسخة: كما.
(2) يأثرونه يحفظونه.
(3) وهو مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي ثقة عابد تقريب التهذيب 2 / 1007 ذكره ابن معين والعجلي في الثقات روى عن ابن مسعود وعمر الكاشف ج 3 / 116.
(4) في نسخة: من جهة بيت المقدس، وفي الطبري: من بيت المقدس.
أهل مصر.
على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (1) ولهذا قال الله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) [ القصص: 5 ] وهم بنو إسرائيل (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 6 ] أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني اسرائيل كما قال تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) [ الاعراف: 137 ] الآية * وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [ الشعراء: 57 - 59 ] سيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالي ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد إمرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان (2) لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى.
هذا والقدر يقول يا أيها ذا (3) الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه وإتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا بعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربية وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين تكذيبك ما أوحى إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والارض هو
الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الابناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الابناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا
__________
(1) رواه الطبري (ج 1 / 200 القاموس الحديث).
(2) في نسخة: كان يقتل الغلمان أولا.
(3) في نسخة: يا أيها.
واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت الهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به (1).
قال الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.
وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) [ القصص: 7 - 9 ] هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية) [ النحل: 68 - 69 ] وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الاول كما حكاه أبو الحسن الاشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا.
وقيل أياذخت (2) * والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك.
وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط في طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون) قال الله تعالى (ليكون لهم عدوا وحزنا) قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه * وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم * ويقوى هذا التقدير الثاني قوله (إن فرعون وهامان) [ القصص: 8 ] وهو الوزير السوء (وجنودهما) المتابعين لهما (كانوا خاطئين) أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف * وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى * وقيل بل كانت عمته، حكاه السهيلي فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 1 / 200.
(2) في الطبري: يوخابد وقيل كان اسمها أناحيد ; وفي القرطبي: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب.
وفي المعارف لابن قتيبة: أباحثة، وفي التوراة اسمها: يوخابث بنت لاوى بن يعقوب.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة * فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلالا بتلك الانوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته، ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا * فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها (عسى أن ينفعنا) [ القصص: 9 ] وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أو تتخذه ولدا) وذلك أنهما تبنياه لانه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى
(وهم لا يشعرون) أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم (1) لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده [ وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى " دربتة " إبنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عزوجل ] (2) (وأصبح فؤاد آم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) [ القصص: 10 - 13 ] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فأرغا) أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لاخته وهي ابنتها الكبيرة (3) قصيه أي اتبعي أثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب * قال مجاهد عن بعد * وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده * ولهذا قال (وهم لا يشعرون) وذلك لان موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) * قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها
__________
(1) في النسخ المطبوعة: أن قيضهم وهو تحريف.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
(3) جاء في تفسير القرطبي: اسمها: مريم بنت عمران ; وقال الضحاك: كلثمة.
وقال السهيلي: كلثوم.
النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال هل فيما قال له (ولقد متنا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني) [ طه: 37 - 39 ] [ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه ] (1) (ولتصنع على عيني) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الامور التي لا يقدر عليها غيري (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [ طه: 40 ] وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
(ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين.
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [ القصص: 14 - 17 ] لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وإمتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى هو إحتكام الخلق والخلق وهو سن الاربعين في قول الاكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر
وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الاجل وانقضى الامد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.
قال تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار * وعن ابن عباس بين العشائين (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتضاربان ويتهاوشان (هذا من شيعته) أي إسرائيلي (وهذا من عدوه) أي قبطي.
قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) * قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه *
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
وقال قتادة بعصا كانت معه (فقضى عليه) أي فمات منها * وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه مع هذا (قال) موسى (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم.
قال رب بما أنعمت علي) أي من العز والجاه (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين.
فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى.
أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين.
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) [ القصص: 18 - 21 ] يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى
منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفا يترقب) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الاسرائيلي الذي استنصره بالامس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له (إنك لغوي مبين) * ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) قل بعضهم إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي إطلع على ما كان صنع موسى بالامس وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي إعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الامر الذي كان وقع بالامس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون.
وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه ورأى من سجيته إنتصارا جيدا للاسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالامس أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالامس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعيا إليه مشفقا عليه (1) فقال (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي من هذه البلدة (إني لك من الناصحين) أي فيما أقوله لك قال الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب) أي فخرج من مدينة مصر من فوره
__________
(1) قال في تفسير القرطبي: قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون.
على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا (رب نجني من القوم الظالمين.
ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [ القصص: 21 - 24 ].
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لانه لم يخرج من مصر قبلها (ولما توجه تلقاء مدين) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل).
أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود * وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئرا يستقون منها * ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الايكة وهم قوم شعيب عليه السلام * وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قول العلماء * (ولما ورد الماء) المذكور (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي تكفكفان [ عنهما ] غنمهما أن تختلط بغنم الناس * وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى إثنتان منهن.
وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء (1) لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى (فسقى لهما).
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده.
ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان * قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة [ رجال ] وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر (2) * روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل (3) جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة * قال عطاء بن السائب لما (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) اسمع المرأة (فجاءته إحداهما
__________
(1) الرعاء: جمع راع.
(2) السمر: جمع السمرة وهي شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.
(3) معنى العبارة ركيك وغير مقبول عقليا ; وفي تفسير القرطبي عن ابن عباس: - ولعله أقرب للواقع - وكان قد بلغ به الجوع، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه.
تمشي على استحياء قالت ان أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين.
قالت إحداهما يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين.
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين.
قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [ القصص: 25 - 28 ] لما جلس موسى عليه السلام في الظل و (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) سمعته المرأتان (1) فيما قيل فذهبتا إلى ابيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشى الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا * صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة.
وهذا من تمام حيائها وصيانتها، فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها (قال له) ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب عليه السلام.
وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس.
وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا إسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس يالنبي صاحب مدين * وقيل إنه
ابن أخي شعيب * وقيل ابن عمه * وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب * وقيل رجل إسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها * قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله إسمه يثرون.
زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب.
زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لابيها (يأ أبت إستأجره) أي لرعي (2) غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو بن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه
__________
(1) قيل إحداهما: ليا.
والاخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام وقيل غير ذلك.
(2) إشارة إلى مشروعية نظام الاجارة، وانها كانت عندهم في نظام حياتهم الاقتصادية، وإشارة إلى انها ضرورة للخليقة ومصلحة التعامل بين الناس.
تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق (1) قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين * وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [ القصص: 27 ] استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله إحدى ابنتي هاتين * وفي هذا نظر لان هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة وأستأنسوا
بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [ عليه ] (2) في كتابه " باب إستئجار الاجير على طعام بطنه " حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الدر (3) يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " (4) وهذا من هذا الوجه لا يصح لان مسلمة بن على الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الائمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني أبن لهيعة وحدثنا أبورزعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة
__________
(1) إشارة إلى خلق موسى وتحرجه من النظر إلى ادبار النساء.
قال في تفسير القرطبي: فهبت ريح ضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من النظر إليها ; فقال ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك..ودليني على الطريق يمينا ويسارا.
وكان هذا سبب وصفها له بالامانة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) الدر تحريف، وفي ابن ماجة الندر.
(4) سنن ابن ماجة في: 16 / 5 / 2444.
وفيه: أو عشرا في إسناده ضعف لان فيه بقية (الزاوئد) بقية بن الوليد الحمصي المحدث المشهور قال أحمد: له مناكير وقال ابن حجر: كان كثيرا لتدليس عن الضعفاء والمجهولين.
- مسلم بن علي الخشني الشامي قال فيه البخاري: منكر الحديث وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة - الضعفاء والمتروكين (70) تقريب التهذيب (1 / 107) ميزان الاعتدال (109 / 4).
فرجه وطعمة بطنه " * ثم قال تعالى (ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله
على ما نقول وكيل) [ القصص: 28 ] يقول إن موسى قال لصهره الامر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الاجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الافطس (1)، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الاجلين قضى موسى ؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي (2) عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل أي الاجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما (3) * وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عزوجل فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأتمهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي
__________
(1) سالم الافطس وهو ابن عجلان الجزري ; أبو محمد الحراني قال ابن حجر: شامي ثقة ليس له في الصحيح سوى حديثين: هذا الحديث وآخر في الطب.
فتح الباري 52 / 28 / 2684 من السادسة قتل صبرا سنة اثنين
وثلاثين / تقريب التهذيب 1 / 281.
(2) الحميدي: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر ثقة حافظ فقيه.
قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره تقريب التهذيب أحد الاعلام.
قال الفسوي: ما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه مات سنة 219 تقريب التهذيب 1 / 415 الكاشف للذهبي 2 / 77.
(2) تاريخ الطبري: 1 / 206.
حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن الندر أن رسول الله قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " * فلما وفى الاجل قيل يا رسول الله أي الاجلين قال: " أبرهما وأوفاهما " * فلما أراد فراق شعيب سأل إمرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (1) من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها * ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال فأتمئت وآنثت (2) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ".
قال ابن لهيعة الفشوش: واسعة الشخب (3)، والضبوب ; طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة الشخب (4)، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر * وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال (5) فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن [ كلهن ] (6) ذلك
العام وهذا إسناد [ جيد ] (6) رجاله ثقات والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم.
[ قال الله تعالى ] (6).
(فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون.
فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
وأن ألق عصاك
__________
(1) أي على غير لون أمها.
(2) في نسخة فأغنت وانثت.
وفي أخرى اتأمت وألبنت.
اتمئت: ولدت توأما.
انثت: ولدت انثى.
وألبنت: أي كثر لبنها.
(3) الشخب: اللبن الذي ينزل، والمقصود انها تشخب كثيرا عند حلبها في المرة الواحدة.
(4) أي تحلب حلبا قصيرا.
(5) في نسخة: في الموضعين: الحبال.
(6) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين.
أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 29 - 32 ].
تقدم أن موسى قضى أتم الاجلين وأكملهما وقد يؤحذ هذا من قوله (فلما قضى موسى الاجل) وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها.
وقوله (وسار بأهله) أي من عند صهره زاعما (1) فيما ذكره غير واحد من المفسرين - وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في
طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يرى (2) شيئا واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا وكأنه، - والله أعلم - رآها دونهم لان هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الاخرى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [ طه: 9 - 10 ] فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق * وجمع الكل في سورة النمل في قوله (إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) [ النمل: 7 ].
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور.
قال الله تعالى (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ].
وقال في النمل (فلما جاءها نودى أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) [ النمل: 8 ] أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) [ النمل: 9 ] وقال في سورة طه (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى.
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) [ طه: 11 - 16 ].
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (3) وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة
__________
(1) في نسخة ذاهبا وما أثبتناه مناسب أكثر.
(2) في النسخ المطبوعة: فلا يورى وما أثبتناه مناسب للسياق.
وفي تفسير القرطبي عن وهب بن منبه: فقدح موسى النار فلم تور المقدحة شيئا.
(3) العوسج: الشوك.
في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) [ القصص: 44 ] وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له (إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ] (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [ طه: 14 ] أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها (لتجزى كل نفس بما تسعى) [ طه: 15 ] أي من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ الذي يقول للشئ كن فيكون.
(وما تلك بيمينك يا موسى) [ طه: 17 ] أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قال هي عصاي أتؤكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) [ طه: 18 ] أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال القها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 19 - 20 ].
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [ هو الذي ] يقول للشئ كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا [ صادقا ] (1) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عزوجل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الارض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 20 ] فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها
فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الاخرى (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) [ النمل: 10 ] أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك (2) وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات * يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام (ولى مدبرا) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (3) (فناداه ربه) قائلا (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: تصطك.
(3) في تفسير القرطبي: عن مجاهد: لم يرجع.
[ القصص: 21 ] فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها.
(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى) [ طه: 21 ] فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين (1) فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه.
ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق.
ولهذا قال (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) [ القصص: 32 ] قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصا به إلا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء وقال في سورة النمل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ النمل: 12 ] أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله (فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 32 ] ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة
سبحان حيث يقول تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذا جاءهم فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا.
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) [ الاسراء: 101 - 102 ] وهي المبسوطة في سورة الاعراف في قوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 130 - 133 ] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشرة من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون.
قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [ القصص: 33 - 35 ].
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عزوجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر
__________
1) في الطبري عن وهب بن منبه: ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها.
2) في تفسير الرازي: قال العزيزي في غريب القرآن: اسلك يدك في جيبك: أدخلها فيه.
فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون).
أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم
فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا * قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) أي برهانا (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا.
وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه (اذهب إلى فرعون انه طغى.
قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [ طه: 24 - 28 ] قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد إختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم أنه يعيب به الكليم (ولا يكاد يبين) [ الزخرف: 52 ] أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده * ثم قال موسى عليه السلام (واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) [ طه: 32 - 36 ] أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عزوجل حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى (وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ] وقال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 53 ] وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لاناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه قال الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) قال تعالى في سورة الشعراء (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون.
قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون.
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون.
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا نبي إسرائيل.
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء: 10 - 19 ] تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا
وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) [ الشعراء: 18 ] أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر (1) وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء ; 19 ] أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (2) (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) [ الشعراء: 20 ] أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) [ الشعراء: 21 ] ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) [ الشعراء: 22 ] أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك (قال فرعون وما رب العالمين.
قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين.
قال لمن حوله ألا تستمعون.
قال ربكم ورب آبائكم الاولين.
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 23 - 28 ].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقيلة المعنوية ثم الحسية.
وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد
الصانع تبارك وتعالى.
وزعم أنه الاله (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى) [ النازعات: 23 - 24 ] (وقال يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) [ القصص: 38 ].
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الاله الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [ النمل: 14 ] ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الانكار لرسالته والاظهار أنه ماثم رب أرسله (وما رب العالمين) [ الشعراء: 23 ] لانهما قالا له (إنا رسول رب العالمين) [ الشعراء: 16 ] فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابعتثكما فأجابه موسى قائلا (رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين) [ الشعراء 24 ] يعني رب العالمين خالق هذه السموات والارض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة (3) من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد
__________
(1) كان بين خروج موسى حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر القرطبي 13 / 95.
(2) نعمتنا: أي نعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والاحسان إليك.
(3) في النسخ المطبوعة " المتجددة " وما أثبتناه مناسب للمعنى.
ومحدث وخالق.
وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
(قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ألا تسمعون يعني كلامه هذا قال موسى مخاطبا له ولهم (ربكم ورب آبائكم الاولين) [ الشعراء: 26 ] أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والاجداد والقرون السالفة في الآباد فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين.
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [ فصلت: 53 ] ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق
والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 27 - 28 ] أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة (1).
المسير للافلاك الدائرة.
خالق الظلام والضياء.
ورب الارض والسماء رب الاولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفلك يسبحون يتعاقبون في سائر الاوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته (2) (قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين.
قال أولو جئتك بشئ مبين.
قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) [ الشعراء: 29 - 33 ] وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد.
وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والابصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد (3) وخوف عظيم بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال * وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الابصار فإذا أعادها إلى جيبه [ واستخرجها ] (4) رجعت إلى صفتها الاولى.
ومع هذا كله لم ينتفع
__________
(1) في نسخة: المنيرة.
وفي أخرى: النيرة: (2) قطع فرعون المحاورة مع موسى، لما انقطعت عنده الحجة ; ولم يقل له ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك لان فيه الاعتراف بأن ثم إلها آخر غيره ; فتوعده بالسجن، وفي ذلك ضعف منه وتراجع ; ولم يخفه موسى بل كان في منتهى اللطف به والطمع في إيمانه قال: أولو جئتك بشئ مبين.
لكنه كما قال مالك: دعاه إلى الاسلام أربعين سنة.
(3) في نسخة: أخذته رجفة شديدة.
وفي أخرى: أخذه رعبه.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
فرعون - لعنه الله - بشئ من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن [ هم ] (1) في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [ طه: 40 - 46 ].
يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدا لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين (ثم جئت على قدر) أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري (واصطنعتك لنفسي) أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) [ طه: 45 ] يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه (2) فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وإهداء (3) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الاحاديث يقول الله تعالى " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه " (4) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية) [ الانفال: 45 ] ثم قال تعالى (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 43 ] وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: عليه.
(3) في نسخة: وأداء.
(4) الحديث أخرجه الترمذي في 49 كتاب الدعوات 119 باب ح 3580 عن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن أبي دوس اليحصبي عن ابن عائذ اليحصبي عن عمارة بن زعكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم..وفيه زيادة (يعني عند القتال).
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ليس اسناده بالقوي.
وعفير: ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: لا يشتغل به / تقريب التهذيب 2 / 25
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55**جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين