ج16 . وج17.وج18.
كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55*
أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيرهم (1) وأن يحقن دماءهم ففعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الاموال كلها الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يسألونه ] أن يسيرهم، ويحقن دماءهم ويخلوا له الاموال ففعل.
وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة.
فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الاموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.
وعامل أهل فدك بمثل ذلك.
فصل فتح حصونها وقسيمة أرضها قال الواقدي لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ إلى قلعة الزبير حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام فجاء رجل من اليهود يقال له غزال (2) فقال: يا أبا القاسم، تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق، فإن أهل الشق قد هلكوا
رعبا منك ؟ قال: فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله، فقال له اليهودي: إنك لو أقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا بك، إن لهم تحت الارض دبولا (3) يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع دبولهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود عشرة وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر حصون النطاة.
وتحول إلى الشق وكان به حصون ذوات عدد، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها سموان (4) فقاتل عليها أشد القتال فخرج منهم رجل يقال له عزول (5) فدعا إلى البراز، فبرز إليه الحباب بن المنذر فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ووقع السيف من يده وفر اليهودي راجعا فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه وبرز منهم آخر، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله اليهودي فنهض إليه أبو دجانة فقتله، وأخذ سلبه وأحجموا عن البراز، فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، وأمامهم أبو دجانة فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما وهرب من كان فيه
__________
(1) يسيرهم: ينفيهم.
(2) من مغازي الواقدي: وفي الاصل: عزال.
(3) في الواقدي: ذيول.
والصواب ما أثبتناه، والدبول: جمع دبل وهو الجدول (القاموس).
(4) في مغازي الواقدي: سمران.
(5) في الواقدي: غزال.
من المقاتلة، وتقحموا الجزر كأنهم الضباب (1) حتى صاروا إلى حصن البزاة (2) بالشق وتمنعوا أشد الامتناع، فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتراموا ورمى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة حتى أصاب نبلهم بنانه عليه الصلاة والسلام فأخذ عليه السلام كفا من الحصا فرمى حصنهم بها فرجف بهم حتى ساخ في الارض وأخذهم المسلمون أخذا باليد.
قال الواقدي: ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الاخبية (3) والوطيح والسلالم حصني [ ابن ] (4) أبي الحقيق وتحصنوا أشد التحصن، وجاء إليهم كل من كان انهزم من النطاة إلى الشق فتحصنوا معهم في القموص وفي
الكتيبة وكان حصنا منيعا، وفي الوطيح والسلالم، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم، فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما نزل إليه ابن أبي الحقيق فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من الارض والاموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البز، إلا ما كان على ظهر إنسان - يعني لباسهم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتم شيئا فصالحوه على ذلك (5).
قلت: ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفوا ذلك المسك (6) الذي كان فيه أموال جزيلة تبين أنه لا عهد لهم فقتل ابني أبي الحقيق وطائفة من أهله بسبب نقض العهود منهم والمواثيق.
وقال الحافظ البيهقي: حدثني أبو الحسن علي بن محمد المقري الاسفرايني، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبيدالله بن عمر فيما يحسب أبو سلمة عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الارض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء [ والحلقة ] ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلى لحيي بن أخطب، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ [ لعم حيي ]: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير ؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير
__________
(1) في الواقدي: تقحموا الجدر كأنهم الظباء.
(2) في الواقدي: النزار.
(3) في المغازي: إلى الكتيبة.
(4) من الواقدي.
(5) مغازي الواقدي 2 / 669 - 671.
(6) في الواقدي: مسك الجمل: وهو الجلد (كما في الصحاح).
وفي حله: أسورة الذهب، ودمالج الذهب، وخلاخل الذهب وقرطة ونظم من جوهر وزمرد وخواتم وفتح (خاتم كبير).
فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد إجلاءهم منهما، فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الارض نصلحها ونقوم عليها ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لاصحابه [ غلمان ] (1) يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشئ ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها (2) عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ولانتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم.
فقالوا: بهذا قامت السموات والارض.
قال فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة فقال: يا صفية ما هذه الخضرة ؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة فرأيت كأن قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تتمنين ملك يثرب.
قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إلي قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إلي ويقول إن أباك ألب علي العرب، وفعل ما فعل حتى ذهب ذلك من نفسي.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير، فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها فقسمها بينهم.
فقال رئيسهم لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر.
فقال عمر: أتراني سقط علي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بك إذا وقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما.
وقسمها عمر
بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية.
وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة.
قال البيهقي: وعلقه البخاري في كتابه فقال: ورواه حماد بن سلمة (3).
قلت: ولم أره في الاطراف فالله أعلم وقال أبو داود: وحدثني سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقركم فيها على ذلك ما شئنا، فكانوا على ذلك وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) من البيهقي، وفي الاصل غلال وهو تحريف.
(2) من البيهقي: وفي الاصل فيخرجها.
(3) الحديث بتمامه في دلائل البيهقي ج 4 / 228 - 231، وما بين معكوفين في الحديث زيادة من الدلائل.
وأخرج شطره الاول أبو داود في كتاب الخراج والامارة.
باب ما جاء في حكم أرض خيبر (ح: 3006) والبخاري في 54 كتاب الشروط (14) إذا اشترط في المزارعة.
الخمس، وكان أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق من تمر وعشرين وسقا من شعير.
فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لها مائة وسق فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها ومن الزرع مزرعة عشرين وسقا من شعير فعلنا، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا.
وقد روى أبو داود: من حديث محمد بن إسحاق حدثني نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر قال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء فمن كان له مال فليلحق به فإني مخرج يهود.
فأخرجهم.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك.
فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد.
قال جبير بن مطعم ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا.
تفرد به
دون مسلم.
وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بني هاشم وبني عبد المطلب شئ واحد، انهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام (1).
قال الشافعي دخلوا معهم في الشعب وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم.
قلت وقد ذم أبو طالب بني عبد شمس ونوفلا حيث يقول: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل وقال البخاري: حدثنا الحسن بن اسحاق، ثنا محمد بن ثابت، ثنا زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما.
قال فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه فرس فله سهم (2).
وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا (3) ليس لهم شئ ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم، خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.
وقد رواه البخاري أيضا من حديث مالك.
وأبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر به.
وهذا السياق يقتضي أن خيبر بكمالها قسمت بين الغانمين.
وقد قال أبو داود: ثنا ابن السرح، أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال:
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 38 غزوة خيبر.
وأبو داود في الخراج عن القواريري، وابن ماجه في الجهاد عن يونس بن عبد الا على.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة خيبر.
وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريق سليم بن أخضر ج 4 / 238، وبإسناد البيهقي أخرجه مسلم في كتاب الجهاد.
باب كيفية قسمة الغنيمة (ح.
57) وأخرجه الترمذي في السير وقال: حسن صحيح.
(3) ببانا: أي على وتيرة واحدة، وهي كلمة غير عربية.
بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله افتتح خيبر عنوة بعد القتال وترك من ترك من أهلها [ على الجلاء ] بعد القتال، وبهذا قال الزهري خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها.
وفيما
قاله الزهري نظر فإن الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم وإنما قسم نصفها بين الناس كما سيأتي بيانه، وقد احتج بهذا مالك ومن تابعه على أن الامام مخير في الاراضي المغنومة إن شاء قسمها وإن شاء أرصدها لمصالح المسلمين وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح.
قال أبو داود (1): حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا أسد بن موسى حدثنا يحيى بن زكريا، حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين، نصفا لنوائبه، ونصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما.
تفرد به أبو داود، ثم رواه أبو داود من حديث بشير بن يسار مرسلا فعين نصف النوائب الوطيح والكتيبة والسلالم وما حيز معها، ونصف المسلمين الشق والنطاة وما حيز معهما وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حيز معهما (2).
وقال أيضا: حدثنا حسين بن علي ثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى الانصار، عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والامور ونوائب الناس.
تفرد به أبو داود (3).
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الانصاري سمعت أبي يعقوب بن مجمع يقول، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الانصاري عن عمه مجمع بن حارثة الانصاري - وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن - قال قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما (4).
تفرد به أبو داود.
وقال مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بعض خيبر عنوة.
ورواه أبو داود ثم قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد أخبركم ابن وهب: حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب أن خيبر بعضها كان عنوة وبعضها صلحا والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح، قلت لمالك: وما الكتيبة ؟ قال: أرض خيبر وهي أربعون ألف
عذق (5).
قال أبو داود والعذق النخلة.
والعذق العرجون.
ولهذا قال البخاري: حدثنا محمد بن
__________
(1) سنن أبي داود كتاب الخراج حديث 3010 ج 3 / 159.
(2) سنن أبي داود - كتاب الخراج ح 3013.
(3) المصدر السابق حديث 3012.
(4) سنن أبي داود - كتاب الخراج - حديث 3015.
(5) سنن أبي داود كتاب الخراج حديث 3017.
بشار ثنا حرمى، ثنا شعبة ثنا عمارة، عن عكرمة عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر.
حدثنا الحسن ثنا قرة بن حبيب ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال: ما شبعنا - يعني من التمر - حتى فتحنا خيبر.
وقال محمد بن إسحاق: كانت الشق والنطاة في سهمان المسلمين الشق ثلاثة عشر سهما ونطاة خمسة أسهم قسم الجميع على ألف وثمانمائة سهم ودفع ذلك إلى من شهد الحديبية من حضر خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد الله فضرب له بسهمه (1)، قال وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان فصرف إلى كل مائة رجل سهم من ثمانية عشر سهما، وزيد المائتا فارس أربعمائة سهم لخيولهم (2).
وهكذا رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان أنهم كانوا ألفا وأربعمائة معهما مائتا فرس (3).
قلت: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بسهم وكان أول سهم من سهمان الشق مع عاصم ابن عدي.
قال ابن اسحاق: وكانت الكتيبة خمسا لله تعالى وسهم للنبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك، منهم محيصة بن مسعود أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا من تمر وثلاثين وسقا من شعير، قال وكان وادياها اللذان قسمت عليه يقال لهما: وادي السرير ووادي خاص (4).
ثم ذكر ابن اسحاق
تفاصيل الاقطاعات منها فأجاد وأفاد رحمه الله.
قال وكان الذي ولي قسمتها وحسابها جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة وزيد بن ثابت رضي الله عنهما.
قلت: وكان الامير على خرص نخيل خيبر عبد الله بن رواحة فخرصها سنتين، ثم لما قتل رضي الله عنه كما سيأتي في يوم مؤتة ولي بعده جبار بن صخر (5) رضي الله عنه وقد قال البخاري: حدثنا اسماعيل حدثني مالك عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب، فقال رسول صلى الله عليه وآله " أكل تمر خيبر هكذا ؟ " قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا
__________
(1) قال الواقدي: تخلف عنها: مرى بن سنان، وأيمن بن عبيد، وسباع بن عرفطة - خلفه على المدينة - وجابر بن عبد الله ومات منهم رجلان فأسهم رسول الله لمن تخلف منهم ومن مات.
واسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال: سويد بن النعمان وعبد الله بن سعد بن خيثمة ورجل من بني خطامة.
واسهم للذين قتلوا من المسلمين.
(2) سيرة ابن هشام ج 3 / 363 ونقله البيهقي عنه في الدلائل 4 / 237.
(3) دلائل البيهقي 4 / 238.
(4) خاص: في الاصل وفي معجم البلدان.
وقال السهيلي خاص تحريف وصوابه خلص.
(5) في الواقدي: أبا الهيثم بن التيهان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ابن رواحة يخرص عليهم.
بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال " لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ".
قال البخاري: وقال الدراوردي عن عبد المجيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي من الانصار إلى خيبر وأمره عليها، وعن عبد المجيد عن أبي صالح السمان عن أبي سعيد وأبي هريرة مثله.
قلت: كان سهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه.
وأموال بني النضير المتقدم ذكرها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت هذه الاموال لرسول
الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلما مات صلوات الله وسلامه عليه اعتقدت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم - أو أكثرهن - أن هذه الاراضي تكون موروثة عنه ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم " نحن معشر الانبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة " ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم والعباس نصيبهم من ذلك وسألوا الصديق أن يسلمه إليهم، وذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ما تركنا صدقة " وقال: أنا أعول من كان يعول رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وصدق رضي الله عنه وأرضاه فإنه البار الراشد في ذلك التابع للحق، وطلب العباس وعلي على لسان فاطمة إذ قد فاتهم الميراث أن ينظرا في هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سننه.
فتغضبت فاطمة رضي الله عنها عليه في ذلك ووجدت في نفسها بعض الموجدة ولم يكن لها ذلك.
والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته فجزاه الله عن نبيه وعن الاسلام وأهله خيرا، وتوفيت فاطمة رضي الله عنها بعد ستة أشهر ثم جدد على البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى علي والعباس وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ففعل عمر رضي الله عنه ذلك، وذلك لكثرة اشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته، فتغلب على علي عمه العباس فيها ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة وسألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع وخشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث، وقال: انظرا فيها وأنتما جميع فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، والذي تقوم السماء والارض بأمره لا أقضي فيها قضاء غير هذا.
فاستمرا فيها ومن بعدهما إلى ولدهما إلى أيام بني العباس تصرف في المصارف التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصرفها فيها، أموال بني النضير وفدك وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر.
فصل وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء فرضخ (1) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا بشر بن الفضل، عن محمد بن زيد حدثني عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك فأمر لي بشئ من طريق (2) المتاع.
ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن بشر بن المفضل به وقال الترمذي حسن صحيح.
ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع عن هشام بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر عن منقذ عن عمير به.
وقال محمد بن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء فرضخ لهن [ من الفئ ] (3) ولم يضرب لهن بسهم.
حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال " على بركة الله " قالت فخرجنا معه، قالت وكنت جارية حدثة السن، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله، [ قالت فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله، قالت ] (3) وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحيت.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال " مالك ؟ لعلك نفست " قالت: قلت: نعم، قال " فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك " قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفئ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا.
وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها، قالت: وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها
حين ماتت.
وهكذا رواه الامام أحمد وأبو داود من حديث محمد بن اسحاق به.
قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه ورواه الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم
__________
(1) رضخ: أعطى من الغنيمة دون تحديد.
قال السهيلي: الرضخ: أن تكسر من الشئ الرطب فتعطيها وأما الرضح: فهو أن تكسر اليابس.
(2) في أبي داود: خرثى المتاع: أساس البيت واسقاطه كالقدر وغيره.
وقال أبو داود: معناه انه لم يسهم له.
آبي اللحم: قال أبو داود: قال أبو عبيد: كان حرم اللحم على نفسه فسمي آبي اللحم.
(3) من ابن هشام.
(انظر الخبر في السيرة ج 3 / 357).
علي بنت أبي الحكم عن أمية بنت [ قيس بن ] (1) أبي الصلت عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
وقال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، ثنا رافع بن سلمة الاشجعي حدثني حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت: فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معه نساء، قالت فأرسل إلينا فدعانا.
قالت: فرأينا في وجهه الغضب فقال " ما أخرجكن وبأمر من خرجتن ؟ " قلنا خرجنا نناول السهام ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله.
قال فمرن فانصرفن، قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال، فقلت لها يا جدة وما الذي أخرج لكن ؟ قالت تمرا.
قلت: إنما أعطاهن من الحاصل، فأما أنه أسهم لهن في الارض كسهام الرجال فلا ! والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي وفي كتابي عن أبي عبد الله الحافظ بأن عبد الله الاصبهاني أخبره حدثنا الحسن (2) بن الجهم، ثنا الحسين بن الفرج، ثنا الواقدي: حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه عن جده عن عبد الله بن أنيس قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ومعي زوجتي وهى حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي " انقع لها تمرا فإذا انغمر فأمر به لتشربه " ففعلت فما رأت شيئا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم
لهن، فأجدى (3) زوجتي وولدي الذي ولد، قال عبد السلام: لست أدري غلام أو جارية (4).
ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومسلمو الحبشة المهاجرون قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، ثنا يزيد بن عبد الله (5) " عن أبي بردة عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين (6) أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لاهل السفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى
__________
(1) من مغازي الواقدي.
(2) من البيهقي وفي الاصل: الحسين.
(3) في الواقدي: احذى وفي النهاية والبيهقي فكالاصل.
(4) الخبر في مغازي الواقدي 2 / 686 ونقله عنه البيهقي في الدلائل 4 / 243.
(5) من البخاري وفي الاصل: يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة وهو تحريف.
(6) قال البلاذري بإسناده عن ابن عباس: انهم كانوا أربعين رجلا.
وقال ابن اسحاق: كانوا ستة عشر رجلا.
وقيل أقل.
النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها فقال حين رأى أسماء: من هذه ؟ قالت أسماء ابنة عميس، قال عمر الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ قالت أسماء نعم ! قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت
للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا قالت قال " فما قلت له ؟ " قالت: قلت: كذا وكذا، قال " ليس بأحق بي منكم وله ولاصحابه هجرة واحدة.
ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان " قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني ارسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به افرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث مني.
وقال أبو بردة: عن أبي موسى قال النبي صلى الله عليه وسلم " إني لاعرف أصوات رفقة الاشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم بن حزام إذا لقي العدو أو قال الخيل - قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم " (1).
وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وعبد الله بن براد عن أبي أسامة به.
ثم قال البخاري: قال: حدثنا اسحاق بن ابراهيم ثنا حفص بن غياث ثنا [ بريد بن عبد الله عن ] (2) أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لاحد لم يشهد الفتح غيرنا.
تفرد به البخاري دون مسلم.
ورواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث يزيد به.
وقد ذكر محمد بن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.
قال: وقد ذكر سفيان بن عيينة عن الاجلح عن الشعبي أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال " ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " (3).
وهكذا رواه سفيان الثوري عن الاجلح عن الشعبي مرسلا.
وأسند البيهقي من طريق حسن بن حسين العرزمي عن الاجلح عن الشعبي عن جابر قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قدم جعفر من الحبشة، فتلقاه وقبل جبهته وقال " والله ما أدري بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " ثم قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسين بن أبي اسماعيل العلوي، ثنا أحمد
__________
(1) رواه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر (ح: 23) فتح الباري 7 / 390.
وفي المناقب باب هجرة الحبشة.
وأخرجه مسلم في 44 كتاب فضائل الصحابة 41 باب (ح: 169).
(2) من البخاري، وفي الاصل: يزيد بن أبي بردة.
وهو تحريف.
كتاب المغازي - باب غزوة خيبر.
(3) الخبر في دلائل البيهقي ج 4 / 246.
ونقله الصالحي في السيرة الشامية 5 / 212.
وسيرة ابن هشام ج 4 / 3.
ابن محمد البيروتي، ثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة، حدثني مكي بن ابراهيم الرعيني، ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر جعفر إليه حجل - قال مكي: يعني مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه.
ثم قال البيهقي: في إسناده من لا يعرف إلى الثوري (1).
قال ابن اسحاق: وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة إلى أن قدموا معه خيبر: ستة عشر رجلا، وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم، جعفر بن أبي طالب الهاشمي، وامرأته أسماء بنت عميس، وابنه عبد الله ولد بالحبشة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وامرأته أمينة (2) بنت خلف بن أسعد، وولداه سعيد، وأمة بنت خالد ولدا بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص (3) ومعيقيب بن أبي فاطمة وكان إلى آل سعيد بن العاص، قال وأبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة، وأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد الاسدي، وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل العبدري، وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بأرض الحبشة، وابنه عمرو، وابنته خزيمة ماتا بها (4) رحمهم الله، وعامر بن أبي وقاص الزهري، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث رحمها الله، وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي، ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بني سهم، ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدوي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان، ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي، والحارث بن عبد شمس (5) بن لقيط الفهري.
قلت: ولم يذكر ابن اسحاق أسماء الاشعريين الذين كانوا مع أبي موسى الاشعري وأخويه أبا بردة وأبا رهم وعمه أبا عامر، بل لم يذكر من الاشعريين غير أبي موسى ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه كما تقدم في صحيح البخاري.
وكأن ابن اسحاق رحمه الله لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك والله أعلم.
قال: وقد كان معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك من المسلمين هنالك.
وقد حرر هاهنا شيئا كثيرا حسنا.
قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان سمعت الزهري وسأله اسماعيل بن أمية قال أخبرني عنبسة بن سعيد: أن أبا هريرة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 / 246.
(2) في الاصابة: أميمة، وقال ابن هشام: همينة.
(3) في ابن هشام: معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث الكناني هلكت بأرض الحبشة.
(4) في ابن هشام: ان امرأته فقط هلكت في الحبشة وجاء معه ابناه منها.
(5) في ابن هشام: ابن عبد قيس.
انظر تفاصيل الخبر في السيرة 4 / 3 - 5.
وسأله - يعني أن يقسم له - فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تعطه، فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال: واعجبا لو بر تدلى من قدوم الضأل (1).
تفرد به دون مسلم.
قال البخاري ويذكر عن الزبيدي عن الزهري أخبرني عنبسة بن سعيد أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبانا على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة فقدم أبان وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد ما افتتحها، وأن حزم خيلهم لليف.
قال أبو هريرة فقلت يا رسول الله لا تقسم لهم، فقال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم " يا أبان اجلس " ولم يقسم لهم، وقد أسند أبو داود هذا الحديث: عن سعيد بن منصور، عن اسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي به نحوه (2).
ثم قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، أخبرني جدي وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال أبو هريرة يا رسول
الله هذا قاتل ابن قوقل، فقال أبان لابي هريرة: واعجبا لك يا وبر تردي من قدوم ضأل تنعي على امرءا أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده ؟ هكذا رواه منفردا به ها هنا.
وقال في الجهاد بعد حديث الحميدي عن سفيان عن الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد ما افتتحها، فقلت يا رسول الله أسهم لي، فقال بعض آل سعيد بن العاص: لا تقسم له، فقلت يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل الحديث.
قال سفيان حدثنيه السعيدي - يعني عمرو بن يحيى بن سعيد - عن جده عن أبي هريرة بهذا.
ففي هذا الحديث التصريح من أبي هريرة بأنه لم يشهد خيبر وتقدم في أول هذه الغزوة.
رواه الامام أحمد: من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة وأنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في أسهامهم وقال الامام أحمد: حدثنا روح، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار قال: ما شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغنما قط إلا قسم لي، إلا خيبر فإنها كانت لاهل الحديبية خاصة.
قلت: وكان أبو هريرة وأبو موسى جاءا بين الحديبية وخيبر.
وقد قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق عن مالك بن أنس، حدثني ثور حدثني سالم مولى [ عبد الله ] بن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا الابل والبقر والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له بعض بني الضبيب فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلا والذي نفسي
__________
(1) أخرجه البخاري في غزوة خيبر فتح الباري 7 / 393.
(2) سنن أبي داود 3 / 73.
بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين فقال: هذا شئ كنت أصبته، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " شراك أو شراكين من نار ".
قصة الشاة المسمومة والبرهان الذي ظهر قال البخاري: رواه عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث حدثني سعيد عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، هكذا أورده ها هنا مختصرا (1).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا حجاج ثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اجمعوا لي من كان ها هنا من يهود " فجمعوا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إني سائلكم عن شئ فهل أنتم صادقي عنه ؟ " قالوا نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أبو كم ؟ " قالوا أبو نا فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كذبتم بل أبو كم فلان " قالوا صدقت وبررت فقال " هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم عنه ؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " " من أهل النار ؟ " فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " والله لا نخلفكم فيها أبدا " ثم قال لهم " هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم ؟ " فقالوا نعم يا أبا القاسم، فقال " هل جعلتم في هذه الشاة سما " فقالوا: نعم ! قال " ما حملكم على ذلك ؟ " قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك (2).
وقد رواه البخاري في الجزية عن عبد الله بن يوسف، وفي المغازي أيضا عن قتيبة كلاهما عن الليث به.
وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم [ قال: حدثنا العباس بن محمد، قال ] (3) حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن امرأة من يهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة، فقال لاصحابه " أمسكوا فإنها مسمومة " وقال لها: " ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك.
قال: فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن سعيد بن سليمان به.
ثم روى البيهقي عن طريق عبد الملك بن
__________
(1) أخرجه البخاري في المغازي، غزوة خيبر، فتح الباري 7 / 400.
(2) أخرجه البحاري في 58 كتاب الجزية (7) باب فتح الباري 6 / 272.
وفي كتاب الطب 55 باب ما يذكر في سم النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) سقطت من الاصل واستدركت من دلائل البيهقي.
(4) رواه البيهقي في الدلائل ج 4 / 259 - 260.
أبي نضرة عن أبيه عن جابر بن عبد الله نحو ذلك.
وقال الامام أحمد: حدثنا شريح ثنا عباد عن هلال هو ابن خباب - عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة، فأرسل إليها فقال " ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك.
قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئا احتجم، قال فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم.
تفرد به أحمد وإسناده حسن.
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك: أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك ؟ قالت أردت لاقتلك، فقال " ما كان الله ليسلطك علي " أو قال " على ذلك " قالوا: ألا تقتلها قال " لا " قال أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية (1) ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " ارفعوا أيديكم " وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فدعاها فقال لها " أسممت هذه الشاة ؟ " قالت اليهودية من أخبرك ؟ قال " أخبرتني هذه التي في يدي " وهي الذراع، قالت نعم قال " فما أردت بذلك ؟ " قالت: قلت إن كنت نبيا فلن تضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك.
فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين
أكلوا من الشاة واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الانصار.
ثم قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية نحو حديث جابر، قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية فقال " ما حملك على الذي صنعت ؟ " فذكر نحو حديث جابر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ولم يذكر أمر الحجامة.
قال البيهقي: ورويناه من حديث حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
قال: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها (2).
وروى البيهقي: من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال: " ما هذه ؟ " قالت هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل، قال: فأكل وأصحابه ثم قال " امسكوا " ثم قال للمرأة " هل سممت ؟ " قالت من أخبرك هذا ؟ قال " هذا العظم " لساقها وهو في يده، قالت: نعم قال
__________
(1) مصلية: مشوية.
(2) نقل البيهقي جملة الاحاديث التي وردت في دلائله ج 4 / 256 وما بعدها في باب: ما جاء في الشاة التي سمت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وما ظهر في ذلك من عصمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ضرر ما أكل منه.
" لم ؟ " قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك.
قال فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل وأمر أصحابه فاحتجموا.
ومات بعضهم.
قال الزهري فأسلمت (1) فتركها النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي: هذا مرسل ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
وذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة وكذلك موسى بن عقبة عن الزهري قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها، وأكثرت في الكتف والذراع لانه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية
ومعه بشر بن البراء بن معرور وهو أحد بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش منها، وتناول بشر عظما فانتهش منه، فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ارفعوا أيد يكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت (2) فيها " فقال بشر بن البراء والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أبغضك (3) طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي (4)، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول (5).
قال الزهري: قال جابر: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال " ما زلت أجد من الاكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا.
__________
(1) اختلفوا في المرأة التي أهدت الشاة المسمومة للنبي صلى الله عليه وسلم: هل كان عملها تصرفا شخصيا انفردت بالتفكير فيه وتنفيذه ؟ ولماذا قصدت قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- هل كان تصرفها مخططا له من شخص أو فئة أو مجموعة من الناس ؟ هل أسلمت أم لا ؟ - هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟.
(2) في رواية البيهقي: أن قد بغيت فيها.
(3) في البيهقي: أنغصك.
(4) في البيهقي: بغي.
(5) الخبر في الدرر لابن عبد البرص (204) ونقله البيهقي في الدلائل 4 / 263 ولم يذكر ابن عقبة قول جابر في الحجامة إنما ذكره البخاري في صحيحه: فتح الباري 8 / 131.
والحجامة: يطلق عليها اسم " كاسات الهوا " وهي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي خاص.
وهي نوعان: حجامة جافة وحجامة رطبة.
تفيد الحجامة في بعض حالات الروماتيزم وأوجاع الصدر، وتخفيف الاحتقان الدموي في بعض أمراض القلب وبعض آلام المفاصل.
وقال محمد بن اسحاق: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال " إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم " ثم دعا بها فاعترفت، فقال " ما حملك على ذلك ؟ " قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان كذابا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر.
قال فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن اسحاق وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أخت (1) بشر بن البراء بن معرور - " يا أم بشر إن هذا الاوان وجدت [ فيه ] انقطاع أبهري من الاكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر ".
قال ابن هشام: الابهر العرق المعلق بالقلب.
قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوة (2).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن يوسف الحراني قالا: ثنا أبو غياث سهل بن حماد، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطا، فلما بسط القوم أيديهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمسكوا فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة " فأرسل إلى صاحبتها " أسممت طعامك ؟ " قالت: نعم، قال: " ما حملك على ذلك ؟ " قالت إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه.
فبسط يده وقال " كلوا بسم الله " قال: فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحدا منا.
ثم قال
لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه.
قلت: وفيه نكارة وغرابة شديدة والله أعلم.
وذكر الواقدي: أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظفر به، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها، فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " كذبت رؤياك " وأخبره بما رأى (3)، فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل إنك توضع في غير شئ،
__________
(1) في ابن هشام: أم بشر.
وسياق الخبر يفهم منه: أنها أخته.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام 3 / 253.
(3) كان عيينة قد أري انه أعطي ذا الرقيبة - جبل بخيبر - وأنه أخذ برقبة محمد صلى الله عليه وسلم ولما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اعطني مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك وخذلت حلفائي ولم أكثر عليك ورجعت عنك بأربعة =
والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، إنه لمرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا.
ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر.
قال الحارث: قلت لسلام يملك الارض ؟ قال نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه.
فصل قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى، فحاصر أهلها ليال ثم انصرف راجعا إلى المدينة.
ثم ذكر من قصة مدعم وكيف جاءه سهم غارب فقتله، وقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ".
وقد تقدم في صحيح البخاري نحو ما ذكره ابن إسحاق والله أعلم.
وسيأتي ذكر قتاله عليه السلام بوادي القرى.
قال الامام أحمد: حدثنا
يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا من أشجع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " صلوا على صاحبكم " فتغير وجوه الناس من ذلك، فقال " إن صاحبكم غل في سبيل الله " ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوي درهمين (1).
وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى ابن سعيد القطان.
ورواه أبو داود وبشر بن المفضل وابن ماجه من حديث الليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الانصاري به.
وقد ذكر البيهقي: أن بني فزارة أرادوا أن يقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من خيبر وتجمعوا لذلك فبعث إليهم يواعدهم موضعا (2) معينا فلما تحققوا ذلك هربوا كل مهرب، وذهبوا من طريقه كل مذهب وتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلت صفية من استبرائها دخل بها بمكان يقال له سد الصهباء في أثناء طريقه إلى المدينة، وأولم عليها بحيس، وأقام ثلاثة أيام يبنى عليه بها، وأسملت فأعتقها وتزوجها وجعل عناقها صداقها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين كما فهمه الصحابة لما مد عليها الحجاب وهو مردفها وراءه رضي الله عنها.
وذكر محمد بن إسحاق في السيرة قال: لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر - أو ببعض الطريق - وكانت التي جملتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم
__________
= آلاف مقاتل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبت (مغازي الواقدي 2 / 675).
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 114 و 5 / 192 ومالك في الموطأ في الجهاد، باب الغلول 2 / 458 وأبو داود في الجهاد باب في تعظيم الغلول.
والنسائي في كتاب الجنائز 66 باب الصلاة على من غل.
وابن ماجه في الجهاد 24 باب الغلول.
(2) ذكره البيهقي في الدلائل 4 / 248 والموضع: جنفا: وهو ماء من مياه بني فزارة بين خيبر وفدك
أنس بن مالك، وبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له وبات أبو أيوب متوشحا بسيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة، حتى أصبح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه قال " مالك يا أبا أيوب ؟ " قال خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت
حديثة عهد بكفر فخفتها عليك، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني " ثم قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب فذكر نومهم عن صلاة الصبح مرجعهم من خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظا فقال " ماذا صنعت بنا يا بلال ؟ " قال يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال " صدقت " ثم اقتاد ناقته غير كثير ثم نزل فتوضأ وصلى كما كان يصليها قبل ذلك.
وهكذا رواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلا وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس (1) وقال لبلال " اكلا لنا الليل " (2) قال فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " يا بلال " قال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا فأقام الصلاة وصلى لهم الصبح، فلما أن قضى الصلاة قال " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول (وأقم الصلاة لذكري) (3) قال يونس وكان ابن شهاب يقرأها كذلك.
وهكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب به وفيه أن ذلك كان مرجعهم من خيبر.
وفي حديث شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية، ففي رواية عنه أن بلالا هو الذي كان يكلؤهم، وفي رواية عنه أنه هو الذي كان يكلؤهم (4).
قال الحافظ البيهقي: فيحتمل أن ذلك كان مرتين.
قال: وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة وفيه حديث الميضاة فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين أو مرة ثالثة.
قال وذكر الواقدي في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك.
قال وروى زافر بن سليمان عن شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك فالله أعلم (5).
ثم أورد البيهقي ما رواه
__________
(1) التعريس: نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة.
قال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار.
(2) أي ارقبه وأحفظه وأحرسه.
(3) سورة طه: 14 والحديث نقله البيهقي في الدلائل 4 / 272.
وقوله.
كان يقرأها كذلك أي: أقم الصلاة لذكري.
وأخرجه مسلم في 5 كتاب المساجد 55 باب (ح: 309).
(4) أخرجه أبو داود في الصلاة (ح: 447) ص (1 / 122).
(5) دلائل البيهقي 4 / 275
صاحب الصحيح من قصة عوف الاعرابي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين في قصة نومهم عن الصلاة وقصة المرأة صاحبة السطيحتين وكيف أخذوا منهما ماء روى الجيش بكماله ولم ينقص ذلك منهما شيئا.
ثم ذكر ما رواه مسلم من حديث ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة وهو حديث طويل وفيه نومهم عن الصلاة وتكثير الماء من تلك الميضاة (1).
وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
وقال البخاري: حدثنا موسى بن اسماعيل، ثنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى الاشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرا، وقال لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم " وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال " يا عبد الله بن قيس " قلت لبيك يا رسول الله قال " ألا ادلك على كلمة من كنز الجنة " قلت بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي قال " لا حول ولا قوة إلا بالله ".
وقد رواه بقية الجماعة من طرق عن عبد الرحمن بن مل أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الاشعري، والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر فإن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر كما تقدم.
قال ابن اسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لقيم في فتح خيبر:
رميت نطاة من الرسول بفيلق * شهباء ذات مناكب وفقار (2) واستيقنت بالذل لما شيعت * ورجال أسلم وسطها وغفار صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة * والشق أظلم أهله بنهار جرت بأبطحها الذيول فلم تدع * إلا الدجاج تصيح بالاسحار ولكل حصن شاغل من خيلهم * من عبد الاشهل أو بني النجار ومهاجرين قد اعلموا سيماهم * فوق المغافر لم ينوا لفرار ولقد علمت ليغلبن محمد * وليثوين بها إلى أصفار (3) فرت يهود عند ذلك في الوغى * تحت العجاج غمائم الابصار (4)
__________
(1) راجع تفاصيل الخبرين في الدلائل: باب ذكر حديث عمران بن حصين وما ظهر في خبر النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبة المزادتين ج 4 / 276.
وفي باب ذكر حديث أبي قتادة الانصاري في أمر الميضأة.
ج 4 / 282.
(2) نطاة: حصن بخيبر، وقيل عين بها، والفيلق: الكتيبة.
فقار: شديدة.
(3) أصفار: جمع صفر.
(4) الغمائم: جفون العين.
وقال السهيلي: وهو بيت مشكل، غير أن في بعض النسخ وهي قليلة عن ابن هشام انه قال: فرت: فتحت من قولك: فرت الدابة: إذا فتحت فاها.
فصل من استشهد بخيبر من الصحابة على ما ذكره ابن اسحاق بن يسار رحمه الله وغيره من أصحاب المغازي.
فمن خير المهاجرين ربيعة بن أكثم بن سخبرة الاسدي مولى بني أمية، وثقيف بن عمرو (1) ورفاعة بن سروح حلفاء بني أمية، وعبد الله بن الهبيب (2) بن أهيب بن سحيم بن غيرة من بني سعد بن ليث حليف بني أسد وابن أختهم، ومن الانصار بشر بن البراء بن معرور من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وفضيل بن النعمان السلميان، ومسعود بن سعد بن
قيس بن خالد (3) بن عامر بن زريق الزرقي، ومحمود بن مسلمة الاشهلي، وأبو ضياح (4) حارثة بن ثابت بن النعمان العمري، والحارث بن حاطب، وعروة (5) بن مرة بن سراقة، وأوس [ بن ] الفائد (6) وأنيف بن حبيب (7)، وثابت بن أثلة وطلحة (8)، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله، وعامر بن الاكوع ثم سلمة بن عمرو بن الاكوع أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله رحمه الله كما تقدم، والاسود الراعي.
وقد أفرد ابن اسحاق ها هنا قصته وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ولله الحمد والمنة.
قال ابن اسحاق: وممن استشهد بخيبر فيما ذكره ابن شهاب من بني زهرة مسعود بن ربيعة حليف لهم من القارة، ومن الانصار ثم من بني عمرو بن عوف أوس بن قتادة رضي الله عنهم أجمعين.
خبر الحجاج بن علاط البهزي قال ابن اسحاق: ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال: يارسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده،
__________
= وغمائم الابصار: هي مفعول فرت.
وهي جفون أعينهم.
(الروض الانف).
(1) في الواقدي: ثقف بن عمرو بن سميط.
(2) في الواقدي: عبد الله بن أبي أمية.
(3) في ابن هشام: خلدة.
(4) في الطبري والاستيعاب: النعمان، وفي الاستيعاب: قيل: عمير.
(5) في الواقدي: عدي بن مرة.
(6) في ابن هشام: أوس بن القائد.
وفي الاصل: أوس الفارض واثبتنا ما في الاصابة.
(7) في الواقدي: أنيف بن وائلة.
(8) وهو طلحة بن يحيى بن مليل بن ضمرة قاله أبو ذر في شرح السيرة.
وذكره الواقدي باسم: عمارة
له منها معوض بن الحجاج - ومالا متفرقا في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله فأذن له، فقال إنه لابد لي يا رسول الله من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج، فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء (1) رجالا من قريش يستمعون الاخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا، وهم يتجسسون الاخبار من الركبان، فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط - قال ولم يكونوا علموا باسلامي - عنده والله الخبر.
أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز ؟ قال: قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج ؟ قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط.
وقد قتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة [ فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال: فقاموا وصاحوا بمكة ] (2) وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم، قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فاني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.
قال فقاموا فجمعوا لي ما كان لي كأحث جمع سمعت به، قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي، وكان [ لي ] (2) عندها مال موضوع، فلعلي الحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار، قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وما جاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيم التجار، فقال: يا حجاج ما هذا الذي جئت به ؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال: نعم ! قال: قلت: فاستأخر حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى فانصرف حتى أفرغ.
قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شئ كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل: ما شئت، قال: أفعل.
قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حيي - وقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولاصحابه، قال: ما تقول يا حجاج ؟ ! قال قلت أي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا عليه
من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة ! قال كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر ونزل عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها وأصبحت له ولاصحابه قالوا من جاءك بهذا الخبر ؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ أمواله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، فقالوا يا لعباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا
__________
(1) في ياقوت: " البيضاء ثنية التنعيم بمكة، لها ذكر في كتاب السيرة ".
(2) سقطت من الاصل واستدركت من ابن هشام.
وله شأن، قال ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.
هكذا ذكر ابن اسحاق هذه القصة منقطعة، وقد أسند ذلك الامام أحمد بن حنبل فقال: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، سمعت ثابتا يحدث عن أنس قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط يا رسول الله إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد أن آتيهم أفأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء.
فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم.
قال وفشى ذلك بمكة فانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحا وسرورا، قال وبلغ الخبر العباس فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم.
قال معمر: فأخبرني عثمان الخزرجي (1) عن مقسم قال: فأخذ ابنا يقال له قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول.
حبي قثم * شبه ذي الانف الاشم * بني ذي النعم * بزعم من زعم قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلاما له إلى حجاج بن علاط فقال: ويلك ما جئت به وماذا تقول ؟ فما وعد الله خير مما جئت به، فقال حجاج بن علاط: أقرأ على أبي الفضل السلام وقل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره، فجاء غلامه فلما بلغ الدار،
قال: أبشر يا أبا الفضل، قال فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه، فأخبره ما قال حجاج فأعتقه، قال ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي واتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجه أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، قال ولكني جئت لمال كان ها هنا أردت أن أجمعه فاذهب به فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت، فاخف علي ثلاثا ثم اذكر ما بدا لك.
قال فجمعت امرأته ما كان عندها من حلى أو متاع فجمعته ودفعته إليه ثم انشمر به، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال ما فعل زوجك ؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله، وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به.
قالت: أظنك والله صادقا ؟ قال: فإني صادق والامر على ما أخبرتك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شئ هاهنا ثم يذهب، قال فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من
__________
(1) في رواية البيهقي: الجزري.
كان دخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون ورد ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين (1).
وهذا الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي عن اسحاق بن ابراهيم عن عبد الرزاق به نحوه.
ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق.
ورواه أيضا من طريق يعقوب بن سفيان عن زيد بن المبارك عن محمد بن ثور عن معمر به نحوه.
وكذلك ذكر موسى بن عقبة في مغازيه: أن قريشا
كان بينهم تراهن عظيم وتبايع، منهم من يقول يظهر محمد وأصحابه، ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد أسلم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، وكان تحته أم شيبة (2) أخت عبد الدار بن قصي، وكان الحجاج مكثرا من المال، وكانت له معادن أرض بني سليم، فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر استأذن الحجاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى مكة يجمع أمواله فأذن له نحو ما نقدم والله أعلم (3).
قال ابن إسحاق: ومما قيل من الشعر في غزوة خيبر قول حسان: بئس ما قاتلت خيابر عما * جمعوا من مزارع ونخيل كرهوا الموت فاستبيح حماهم * وأقروا فعل الذميم الذليل أمن الموت يهربون فإن المو * ت موت الهزال غير جميل وقال كعب بن مالك فيما ذكره ابن هشام عن أبي زيد الانصاري: ونحن وردنا خيبرا وفروضه * بكل فتى عاري الاشاجع مزود جواد لدى الغايات لا واهن القوى * جرئ على الاعداء في كل مشهد عظيم رماد القدر في كل شتوة * ضروب بنصل المشرفي المهند يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة * من الله يرجوها وفوزا بأحمد يذود ويحمي عن ذمار محمد * ويدفع عنه باللسان وباليد وينصره من كل أمر يريبه * يجود بنفس دون نفس محمد يصدق بالانباء بالغيب مخلصا * يريد بذاك العز والفوز في غد
__________
(1) رواه الامام أحمد في مسنده 3 / 138 - 139 ونقله الصالحي في السيرة الشامية 5 / 216 والبيهقي في الدلائل 4 / 266.
عن أنس.
(2) في الواقدي: أم شيبة بنت عمير بن هاشم أخت مصعب العبدي.
(3) رواه عن موسى بن عقبة وعروة البيهقي في الدلائل 4 / 265.
فصل مروره صلى الله عليه وآله بوادي القرى ومحاصرة اليهود ومصالحتهم قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم، وكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود وقدم إليها ناس من العرب، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ولم نكن على تعبية.
وهم يصيحون في آطامهم فيقبل سهم عاثر فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس هنيئا له بالجنة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شراك من نار أو شراكان من نار " (1).
وهذا الحديث في الصحيحين من حديث مالك عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
قال الوادي: فعبى رسول الله أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الاسلام وأخبرهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله، قال: فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كل ما قتل منهم رجلا دعي من بقي منهم إلى الاسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الاسلام وإلى الله عزوجل ورسوله، وقاتلهم حتى أمسى وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة وغنمهم (2) الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، فقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الارض والنخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء (3) ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية،
وأقاموا بأيديهم أموالهم، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لانهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، ومن وراء ذلك من الشام، قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي
__________
(1) مغازي الواقدي 2 / 710.
(2) في المغازي: وغنمه.
(3) تيماء: على ثماني مراحل من المدينة بينها وبين الشام (وفاء الوفاة ج 2 / 272) .
القرى وغنمه الله عزوجل.
قال الواقدي: حدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث ابن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وهو يقول: " لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء " قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلى سبيلها ولم يهجر، وضن (1) بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما يكره.
فصل ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر عامل يهودها عليها على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع.
وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث على أن يعملوها من أموالها، وفي بعضها وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " نقركم ما شئنا ".
وفي السنن: أنه كان يبعث عليهم عبد الله بن رواحة يخرصها عليهم عند استواء ثمارها ثم يضمنهم إياه، فلما قتل عبد الله بن رواحة بمؤتة بعث جبار بن صخر كما تقدم.
وموضع تحرير ألفاظه وبيان طرقه كتاب المزارعة من كتاب الاحكام إن شاء الله وبه الثقة.
وقال محمد بن اسحاق: سألت ابن شهاب كيف أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم ؟ فأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله
عليه، خمسها وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن شئتم دفعت إليكم هذه الاموال على أن تعملوها، وتكون ثمارها بيننا وبينكم، فأقركم ما أقركم الله " فقبلوا وكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص.
فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر بأيديهم، على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي، ثم أقرهم عمر بن الخطاب صدرا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه " لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان " ففحص عمر عن ذلك، حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله أذن لي في إجلائكم.
وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان " فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليأتني به، أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء، فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ منهم ] (2).
قلت: قد ادعى يهود خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلثمائة أن بأيديهم كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) العبارة في الواقدي: فخلى سبيله ولم يهجه.
(2) من سيرة ابن هشام ج 3 / 371.
فيه أنه وضع الجزية عنهم، وقد اغتر بهذا الكتاب بعض العلماء حتى قال باسقاط الجزية عنهم، من الشافعية الشيخ أبو علي بن خيرون وهو كتاب مزور مكذوب مفتعل لا أصل له، وقد بينت بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد، وقد تعرض لذكره وإبطاله جماعة من الاصحاب في كتبهم كأبن الصباغ في مسائله، والشيخ أبي حامد في تعليقته، وصنف فيه ابن المسلمة جزءا منفردا للرد عليه، وقد تحركوا به بعد السبعمائة وأظهروا كتابا فيه نسخة ما ذكره الاصحاب في كتبهم، وقد وقفت عليه فإذا هو مكذوب، فإن فيه شهادة سعد بن معاذ وقد كان مات قبل زمن خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يومئذ، وفي آخره وكتبه علي بن أبو طالب وهذا لحن وخطأ، وفيه وضع الجزية ولم تكن شرعت بعد، فإنها إنما شرعت أول ما شرعت وأخذ من أهل
نجران.
وذكروا أنهم وفدوا في حدود سنة تسع والله أعلم.
ثم قال ابن اسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: خرجت أنا والزبير ابن العوام والمقداد بن الاسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال: فعدي علي تحت الليل، وأنا نائم على فراشي ففدعت يداي من مرفقي، فلما استصرخت علي صاحباي فأتياني فسألاني: من صنع هذا بك ؟ فقلت لا أدري، فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر، فقال هذا عمل يهود خيبر.
ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر، ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم (1) على الانصاري قبله، لا نشك أنهم كانوا أصحابه، ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال من خيبر فليلحق به، فإني مخرج يهود فأخرجهم.
قلت: كان لعمر بن الخطاب سهمه الذي بخيبر وقد كان وقفه في سبيل الله وشرط في الوقف ما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ثابت في الصحيحين، وشرط أن يكون النظر فيه للارشد فالارشد من بناته وبنيه.
قال الحافظ البيهقي في الدلائل: جماع أبو اب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي.
سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة قال الامام أحمد: حدثنا بهز ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أياس بن سلمة، حدثني أبي قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فغزونا بني فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من مر
__________
(1) في ابن هشام: عدوهم.
قبلنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق (1) من الناس فيه من الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم
أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال فنفلني أبو بكر بنتها، قال فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم اكشف لها ثوبا، قال فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال لي " يا سلمة هب لي المرأة " قال: فقلت: والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال " يا سلمة هب لي المرأة " قال: فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال " يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك " قال: قلت: يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة (2) وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار به.
سرية عمر بن الخطاب إلى تربة (3) وراء مكة بأربعة أميال ثم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثلاثين راكبا [ إلى عجز هوازن بتربة ] (4) ومعه دليل من بني هلال، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فلما انتهوا إلى بلادهم هربوا منهم وكر عمر راجعا إلى المدينة، فقيل له هل لك في قتال خثعم ؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم (5).
سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي ثم أورد من طريق ابراهيم بن لهيعة، عن أبي الاسود عن عروة، ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن رواحة
__________
(1) عنق من الناس: جماعة.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 4 / 290 ومسلم في صحيحه: 32 كتاب الجهاد 14 باب (ح: 46) من حديث عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار.
(3) تربة: موضع بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران.
(4) من الواقدي والبيهقي.
(5) الخبر في المغازي للواقدي ج 2 / 722.
وقال كانت في شعبان سنة سبع.
ونقل البيهقي عنه في الدلائل ج 4 / 292.
إلى يسير بن رزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة نيار (1) وهي من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن رواحة، ففطن له عبد الله بن رواحة فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى استمكن من يسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفي يده مخراش (2) من شوحط فضرب به وجه عبد الله بن رواحة فشجه شجة مأمومة.
وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ولم يصب من المسلمين أحد، وبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجة عبد الله بن رواحة (3) فلم تقيح ولم تؤذه حتى مات.
سرية أخرى مع بشير بن سعد روي من طريق الواقدي باسناده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشير بن سعد في ثلاين راكبا إلى بني مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه وصبر هو يومئذ صبرا عظيما، وقاتل قتالا شديدا، ثم لجأ إلى فدك فبات (4) بها عند رجل من اليهود، ثم كر راجعا إلى المدينة.
قال الواقدي: ثم بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة فذكر منهم أسامة بن زيد، وأبا مسعود البدري، وكعب بن عجرة ثم ذكر مقتل أسامة ابن زيد لمرداس بن نهيك حليق بني مرة وقوله حين علاه بالسيف: لا إله إلا الله، وأن الصحابة
لاموه على ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل (5) وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن اسحاق عن شيخ من بني سلمة عن رجال من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة فأصاب مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة.
قال ابن اسحاق: فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال: أدركته أنا ورجل من الانصار - يعني مرداس بن نهيك - فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه.
فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه فقال: " يا أسامة من
__________
(1) في البيهقي ومعجم البلدان: ثبار.
(2) في البيهقي: مخرش وهو عصا معوجة الرأس.
(3) رواية موسى بن عقبة في دلائل البيهقي ج 4 / 294: وفيه: عبد الله بن أنيس الذي أصيب وليس ابن رواحة وهو كذلك في سيرة ابن هشام ج 4 / 266.
(4) في الواقدي: أقام عند يهودي بفدك أياما حتى ارتفع من الجراح.
(5) مغازي الواقدي 2 / 724 ورواها عنه البيهقي في الدلائل ج 2 / 295
لك بلا إله إلا الله " فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، قال: " فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله " فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله.
فقلت: إني أعطي الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، فقال: " بعدي يا أسامة " فقلت بعدك (1).
قال الامام أحمد: حدثنا هشيم بن بشير، أنبأنا حصين، عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال فصبحناهم وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته أنا ورجل من الانصار، فلما تغشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الانصاري وقتلته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ " قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا من القتل، قال فكررها علي حتى
تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ (2).
وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه.
وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهني، عن جندب ابن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي - كلب ليث إلى بني الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني إنما جئت لاسلم، فقال له غالب بن عبد الله إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا وقال: أمكث معه حتى نمر عليك فإن نازعك فاحتز رأسه.
ومضينا حتى أتينا بطن الكديد فنزلنا عشية بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر (3) فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل.
فقال لامرأته، إني لارى سوادا عى هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك ؟ فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئا، قال فناوليني قوسي وسهمين من نبلي فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب، قال فأمهلنا حتى إذا راحت روايحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ووجهنا قافلين به وخرج صريخ القوم إلى قومهم بقربنا، قال وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا
__________
(1) سيرة ابن هشام 4 / 271، ودلائل البيهقي 4 / 297.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الايمان عن يعقوب الدورقي، والبخاري في المغازي.
فتح الباري 7 / 517.
(3) الحاضر: الجماعة من الناس النازلون على الماء.
وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من
قديد، بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه، ونحن نجد بها أو نحدوها - شك النفيلي فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك، ثم حذرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا (1).
وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن اسحاق في روايته عبد الله بن غالب، والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم.
وذكر الواقدي هذه القصة باسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا.
ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير بن سعد أيضا إلى ناحية خيبر فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا، وكان بعثه في هذه السرية باشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسبل بن نويرة وهو الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر.
قاله الواقدي (2).
سرية بني حدرد إلى الغابة قال يونس عن محمد بن اسحاق: كان من حديث قصة أبي حدرد (3) وغزوته إلى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، عن أبي حدرد قال: تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال " كم أصدقت ؟ " فقلت: مائتي درهم، فقال: " سبحان الله ! والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به " فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذا اسم وشرف في جشم، قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين [ معي ] من المسلمين فقال " اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم ".
وقدم لنا شارفا عجفاء، فحمل عليه أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلت وما كادت، وقال " تبلغوا على هذه " فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبي، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 257 ورواه البيهقي عنه في الدلائل ج 4 / 298.
والواقدي في المغازي ج 2 / 726.
(2) مغازي الواقدي ج 2 / 727: وفيه سرية بشير بن سعد إلى الجناب سنة سبع.
ونقله البيهقي عنه في الدلائل ج 4 / 301.
والجناب: من أرض غطفان، وقال الحازمي: من بلاد فزارة.
(3) هو أبو حدرد الاسلمي: اختلف في اسمه فقيل سلامة بن عمير بن سلامة..كذا قال خليفة، وقال علي بن المديني: اسمه عبيد.
له ترجمة في الاصابة (4 / 42).
معي، فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال: والله لاتيقنن أمر راعينا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه، والله لا تذهب نحن نكفيك، فقال: لا إلا أنا، قالوا نحن معك.
فقال: والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى مر بي فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم فوثبت إليه، فاحتززت رأسه ثم شددت ناحية العسكر وكبرت، وشد صاحباي وكبرا، فوالله ما كان إلا التجا ممن كان فيه، عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الابل ثلاثة عشر بعيرا (1) في صداقي فجمعت إلي أهلي.
السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الاضبط قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن (2) عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم (3) في نفر من المسلمين منهم، أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر بن الاضبط الاشجعي على قعود له، معه متيع (4) له ووطب من لبن، فسلم علينا بتحية الاسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشئ كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر فنزل فينا القرآن (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى عليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا) [ النساء: 94 ] هكذا رواه الامام أحمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه فذكره.
قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن جعفر سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري (5)
__________
(1) روى الخبر البيهقي في الدلائل عن ابن اسحاق من طريق أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير ج 4 / 303.
والخبر في ابن سعد وفيه: سرية أبي قتادة بن ربعي إلى خضرة وهي أرض محارب بنجد في شعبان سنة ثمان من الهجرة، في خمسة عشر نفر، وفي الواقدي: كان السهم اثنا عشر بعيرا.
والبعير يعدل عشرا من الغنم.
وقال: كانت في رمضان سنة ثمان وكانوا ثمانية نفر (طبقات 2 / 132 - مغازي الواقدي 2 / 779).
(2) في ابن هشام: القعقاع بن عبد الله.
وفي الواقدي: عبد الرحمن بن عبد الله.
(3) إضم: وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة.
وبينها وبين المدينة ثلاثة برد.
(ابن سعد: 2 / 139).
(4) القعود: البعير يقتعده الراعي في كل حاجة، والمتيع: تصغير متاع.
والرطب: وعاء اللبن.
(5) في ابن هشام: السلمي.
يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه وعن جده قالا - وكانا شهدا حنينا - قالا: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فقام إلى ظل شجرة فقعد فيه فقام إليه عيينة بن بدر، فطلب بدم عامر بن الاضبط الاشجعي وهو سيد عامر (1) هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن (2) مثل ما أذاق نسائي، فقال رجل من بني ليث يقال له: ابن مكيتل وهو قصير من الرجال فقال: يا رسول الله ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الاسلام إلا كغنم وردت فشربت (3) اولاها، فنفرت أخراها استن (4) اليوم وغير غدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين
إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم بن جثامة إيتوا به حتى يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل، فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تغفر لملحم " قالها ثلاثا، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه.
قال محمد بن اسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.
وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن ابن اسحاق، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الاحمر، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن زيد بن ضميرة عن أبيه وعمه فذكر بعضه، والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة (5) عن أبيه وعن جده.
وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعن عبد الرحمن ابن الحارث، عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه كما تقدم.
وقال ابن اسحاق: حدثني سالم أبو النضر أنه قال (6): لم يقبلوا الدية حتى قام الاقرع بن حابس فخلا بهم، وقال: يا معشر قيس سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب الله لغضبه ويلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلعنكم الله بلعنته لكم، لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط فلا يطلبن دمه، فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية.
وهذا منقطع معضل.
وقد روى ابن اسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري: أن محلما
__________
(1) في ابن هشام: رئيس غطفان، وفي رواية البيهقي عن ابن اسحاق: سيد قيس.
(2) في ابن هشام والبيهقي: من الحرقة.
(3) في ابن هشام: فرميت.
(4) اسنن اليوم: أي أحكم اليوم لنا بالدم في أمرنا هذا، وأحكم غدا بالدية لمن شئت.
(5) في ابن هشام: زياد بن ضميرة بن سعد.
(6) في ابن هشام: وأخبرنا سالم أبو النضر أنه حدث: أن عيينة بن حصن.
لما جلس بين يديه عليه الصلاة والسلام قال له " أمنته ثم قتلته ؟ " ثم دعا عليه، قال الحسن فوالله ما مكث محلم إلا سبعا حتى مات فلفظته الارض ثم دفنوه فلفظته الارض ثم دفنوه فلفظته الارض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الارض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه " (1).
وقال ابن جرير: ثنا وكيع ثنا جرير عن ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الاضبط فحياهم بتحية الاسلام - وكانت بينهم هنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيه عيينة والاقرع فقال الاقرع: يا رسول الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا غفر الله لك " فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات فدفنوه فلفظته الارض فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال " إن الارض لتقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " ثم طرحوه في جبل فألقوا عليه من الحجارة ونزلت (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية.
وقد ذكره موسى بن عقبة عن الزهري ورواه شعيب عن الزهري عن عبد الله بن وهب عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم محلم بن جثامة ولا عامر بن الاضبط وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة وقال وفيه نزل قوله تعالى (يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية (2).
قلت: وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة.
سرية عبد الله بن حذافة السهمي (3) ثبت في الصحيحين (4): من طريق الاعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن
الحبلى، عن علي بن أبي طالب قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الانصار على سرية بعثهم
__________
(1) سيرة ابن هشام 4 / 276 والبيهقي في الدلائل عن ابن اسحاق ج 4 / 308.
(2) رواية موسى بن عقبة عن الزهري، نقلها البيهقي في الدلائل ج 4 / 309 ونقل رواية الحسن البصري من غير ذكر اسم محلم ولا عامر إنما قال: رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3) في نسخ المطبوعة حزافة تحريف.
والصواب حذافة، وهو من المسلمين الاوائل، هاجر إلى الحبشة فيمن هاجر ثانيا، قيل شهد بدرا، حمل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى.
(4) الحديث في البخاري 64 كتاب المغازي 59 باب فتح الباري 8 / 58 ومسلم في 33 كتاب الامارة (8) باب (ح: 40).
وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال فأغضبوه في شئ فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال: أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، قال فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال " لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف " وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد تكلمنا على هذه بما فيه كفاية في التفسير ولله الحمد والمنة.
بسم الله الرحمن الرحيم عمرة القضاء ويقال القصاص.
ورجحه السهيلي ويقال: عمرة القضية، فالاولى قضاء عما كان أحصر عام الحديبية والثاني من قوله تعالى (والحرمات قصاص) والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها على أن يرجع عنهم عامه هذا ثم يأتي في العام القابل، ولا يدخل مكة إلا في جلبان (1) السلاح وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح
المباركة (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون) الآية.
وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا التفسير بما فيه الكفاية وهي الموعود بها في قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب حين قال له: ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ " قال: لا، قال: " فإنك آتيه ومطوف به " وهي المشار إليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يوم عمرة القضاء وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت مثل فلق الصبح.
قال ابن اسحاق: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا يبعث فيما بين ذلك سراياه ثم خرج من ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها.
قال ابن
__________
(1) جلبان: شبه الجراب من الجلد يوضع فيه السيف، وقيل القوس.
هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الاضبط الدئلي (1) ويقال لها عمرة القصاص لانهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع، بلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله تعالى في ذلك (والحرمات قصاص) وقال معتمر بن سليمان عن أبيه في مغازيه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه حتى استهل ذي القعدة فنادى في الناس أن تجهزوا للعمرة فتجهزوا وخرجوا إلى مكة.
وقال ابن اسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها أن محمدا في عسرة وجهد وشدة.
قال ابن اسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: " رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة " ثم استلم الركن ثم خرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الاسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها.
وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد - هو ابن زيد - عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الاشواط الثلاث وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم.
قال أبو عبد الله ورواه أبو سلمة - يعني حماد بن سلمة - عن أيوب عن سعيد عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامهم الذي استأمن قال " ارملوا ليرى المشركون قوتكم " والمشركون من قبل قعيقعان.
ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد وأسند البيهقي طريق حماد بن سلمة (2).
وقال البخاري (3) ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا اسماعيل بن أبي خالد، سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في
__________
(1) في ابن سعد: استعمل على المدينة أبا رهم الغفاري.
(2) الحديث أخرجه البخاري في (25) كتاب الحج (55) باب الحديث (1602).
ومسلم في 15 كتاب الحج 29 باب (ح: 240) والنسائي في المغازي وأبو داود في سننه 2 / 178.
(3) فتح الباري 7 / 508 الحديث رقم 4255.
تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله * أعرف حق الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله * كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله قال ابن هشام: نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الابيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم يعني يوم صفين - قاله السهيلي.
قال ابن هشام: والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين.
والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل، وفيما قاله ابن هشام نظر.
فإن الحافظ البيهقي روى من غير وجه: عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * قد نزل الرحمن في تنزيله (1) بأن خير القتل في سبيله * نحن قاتلناكم على تأويله وفي رواية بهذا الاسناد بعينه: خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله (2) وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقنه واستلم الركن (3) بمحجنه.
قال ابن هشام من غير علة، والمسلمون يشتدون حوله وعبد الله بن رواحة يقول: بسم الذي لا دين إلا دينه * بسم الذي محمد رسوله خلوا بني الكفار عن سبيله (4)
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام القابل من عام
__________
(1) في نسخة البيهقي المطبوعة: القرآن.
(2) دلائل النبوة ج 4 / 322.
(3) في رواية البيهقي: الحجر.
(4) نقله البيهقي في الدلائل 4 / 325.
الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج وضع الاداة كلها (1) الحجف والمجان والرماح والنبل ودخلوا بسلاح الراكب السيوف وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث العامرية، فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه قال " اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف " ليرى المشركون جلدهم وقوتهم وكان يكايدهم بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يطوفون بالبيت و عبد الله ابن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا بالسيف وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * أنا الشهيد أنه رسوله قد أنزل الرحمن في تنزيله * في صحف تتلى على رسوله فاليوم نضربكم على تأويله * كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
غيظا وحنقا، ونفاسة وحسدا.
وخرجوا إلى الخندمة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية، فلما أتى الصبح من اليوم الرابع، أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الانصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب
ابن عبد العزى: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك والله لا يخرج.
ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلا وحويطبا فقال: " إن قد نكصت فيكم امرأة، لا يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا " فقالوا نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ببطن سرف وأقام المسلمون وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبن رافع ليحمل ميمونة، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة، وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر قصة ابنة حمزة إلى أن قال: وأنزل الله عزوجل في تلك العمرة (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص) فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه.
وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير
__________
(1) قال صاحب الطبقات: وخلف على السلاح أوس بن خولي الانصاري في مائة رجل.
وفي الواقدي: في مائتي رجل
نحوا من هذا السياق، ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ففي صحيح البخاري: من طريق فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج.
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: لم تكن هذه عمرة قضاء وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم فيه المشركون.
وقال أبو داود: ثنا النفيلي، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن اسحاق، عن عمرو بن ميمون: سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ميمون بن مهران
قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي، قال: فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، قال فنحرت الهدي مكاني، ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لاقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء (1).
تفرد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميري عن ابن عباس فذكره.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا الحاكم أنبأنا الاصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبي يسأل كثيرا أهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدل هديه الذي نحر حين صده المشركون عن البيت ؟ ولا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك، فقال له: على الخبير سقطت، حججت عام ابن الزبير في الحصر الاول فأهديت هديا، فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم ورجعت إلى اليمن، وقلت: لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت علي بدله أم لا ؟ قال: نعم فأبدل، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الابل عليهم فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وآله في البقر (2).
وقال الواقدي: (3) حدثني غانم بن أبي غانم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الاسلمي على هديه يسير بالهدي أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة فتيان من أسلم، وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة.
فحدثني محمد بن نعيم المجمر، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنت مع صاحب البدن أسوقها.
قال
__________
(1) روى الحديث البيهقي في الدلائل 4 / 319 ورواه الحاكم في المستدرك 1 / 485.
(2) دلائل البيهقي 4 / 320 وأخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 485 - 486 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، وابن حاضر شيخ من أهل اليمن مقبول صدوق، ووافقه الذهبي.
(3) عبارة الواقدي: حدثني غانم بن أبي غانم، عن عبيدالله بن نيار، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم..
الواقدي: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة ؟ فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله، ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا وإنا على كتابنا وهدنتنا (1) ففيم يغزونا محمد في أصحابه ؟ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الاحنف في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه والهدي والسلاح قد تلاحقوا، فقالوا: يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت، لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إني لا أدخل عليهم السلاح " فقال مكرز بن حفص: هذا الذي تعرف به البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة.
فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبي صلى الله عليه وسلم خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه [ رحمهم الله ] وهو على ناقته القصواء وهم محدقون به يلبون وهم متوشحون السيوف، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف على ناقته القصواء [ والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون على راحلته القصواء ] (2) وابن رواحة آخذ بزمامها [ وهو يرتجز بشعره ويقول: خلوا بني الكفار عن سبيله إلى آخره ] (3) وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة - يعني من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الاشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن
يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم.
قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن الصباح ثنا اسماعيل ابن زكريا عن عبد الله بن عثمان، عن أبي الطفيل عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، فقال " لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم فجمعوا له وبسطوا الانطاع
__________
(1) في الواقدي: ومدتنا.
(2) ما بين معكوفين من الواقدي.
(3) العبارة بين معكوفين ليست في الواقدي.
(انظر الخبر في مغازيه 2 / 733)
فأكلوا حتى تركوا، وحشى كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد، وقعدت قريش نحو الحجر فاضطبع بردائه ثم قال " لا يرى القوم فيكم غميزة " فاستلم الركن ثم رمل، حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الاسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي أما أنهم لينفرون نفر الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة.
قال أبو الطفيل: وأخبرني ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع.
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أبو داود: ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة ؟ فقال: صدقوا وكذبوا، قلت ما صدقوا وما كذبوا ؟ قال صدقوا رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبوا ليس بسنة، إن قريشا زمن الحديبية قالت: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف (1)، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه " ارملوا بالبيت ثلاثا " قال وليس بسنة (2).
وقد رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
حسين وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ثلاثتهم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن ابن عباس به نحوه.
وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في عمرة القضاء وفي عمرة الجعرانة أيضا كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس فذكره.
وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره أنه عليه السلام رمل في حجة الوداع في الطواف، ولهذا قال عمر بن الخطاب فيم الرملان وقد أطال الله الاسلام ؟ ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضع تقرير هذا كتاب الاحكام.
وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة كما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركين قوته.
لفظ البخاري.
وقال الواقدي: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه في القضاء دخل البيت فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول ! وقال صفوان بن أمية: الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا.
وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت.
وأما سهيل
__________
(1) النغف: دود يسقط من أنوف الدواب.
واحدته: نغفة.
إذا ضعف الرجل واستضعف يقال له: ما هو إلا نفغة.
(2) الحديث في سنن أبي داود في كتاب المناسك، باب في الرمل (ح: 1885) (ص 2 / 177).
وأخرجه مسلم في 15 - كتاب الحج (39) باب (الحديث: 237).
ابن عمرو ورجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم (1).
قال الحافظ البيهقي: قد أكرم الله أكثرهم بالاسلام.
قلت: كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء، والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح والله أعلم.
قصة تزويجه عليه السلام بميمونة فقال ابن إسحاق: حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب.
قال ابن هشام: كانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة درهم.
وذكر السهيلي أنه لما انتهت إليها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهي راكبة بعيرا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال وفيها نزلت الآية: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) (2).
وقد روى البخاري من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف (3).
قال السهيلي (4).
وروى الدارقطني من طريق أبي الاسود يتيم عروة ومن طريق مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال.
قال وتأولوا رواية ابن عباس الاولى أنه كان محرما أي في شهر حرام كما قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * فدعا فلم أر مثله مخذولا أي في شهر حرام (5).
قلت: وفي هذا التأويل نظر، لان الرواية متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ولا سيما قوله تزوجها وهو محرم وبنى بها وهو حلال، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا وهو شهر حرام.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق قال: قال لي الثوري: لا يلتفت إلى قول أهل
__________
(1) مغازي الواقدي 2 / 738 زاد الواقدي: وأمر بلالا فأذن فوق الكعبة يومئذ مرة ولم يعد بعد وهو الثبت.
ورواه البيهقي عنه في الدلائل 4 / 328.
(2) سورة الاحزاب: الآية: 50 والخبر في سيرة ابن هشام 4 / 14.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 43 باب الحديث 4258.
فتح الباري 7 / 509.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: البيهقي.
(5) هذا قول الجوهري في الصحاح، وقال القاضي وغيره: " يقال لمن هو في الحرم: محرم، أي في الحرم ويعني انه تزوجها في الحرم وهو حلال ".
المدينة.
أخبرني عمرو عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم، قال أبو عبد الله قلت لعبد الرزاق: روى سفيان الحديثين جميعا عن عمرو، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، وابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ؟ قال: نعم، أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعني بمكة - وأخرجاه في الصحيحين من حديث عمرو بن دينار به (1).
وفي صحيح البخاري من طريق الاوزاعي أنبأنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.
فقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل (2).
وقال يونس عن ابن اسحاق حدثني بقية عن سعيد بن المسيب أنه قال: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم فذكر كلمته، إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فكان الحل والنكاح جميعا فشبه ذلك على ابن عباس.
وروى مسلم وأهل السنن: من طرق عن يزيد بن الاصم العامري عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلال بسرف.
لكن قال الترمذي: روى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الاصم مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة (3).
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الاصفهاني الزاهد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن حماد بن زيد به، ثم قال الترمذي حسن ولا نعلم أحدا أسنده عن حماد عن مطر ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا.
قلت: وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ويقال سنة ستين رضي الله عنها.
ذكر خروجه (صلى الله عليه وسلم) من مكة بعد قضاء عمرته قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة أن قريشا بعثوا إليه حويطب بن عبد العزى بعد مضي أربعة أيام (4) ليرحل عنهم كما وقع به الشرط، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم وإنما
__________
(1) أخرجه البخاري في 28 كتاب الصيد 12 باب.
ومسلم في 16 كتاب النكاح 4 باب الحديث 46.
(2) فتح الباري 5 / 51 كتاب الصيد.
(12) باب.
(3) أخرجه أبو داود في الحج باب المحرم يتزوج.
وأخرجه الترمذي في الحج باب ما جاء في الرخصة في ذلك وقال: غريب.
وابن حبان في صحيحه عن ابن خزيمة بسنده عن حماد بن زيد به: وقال وليس في هذه الاخبار تعارض، ولا ابن عباس وهم لانه احفظ وأعلم من غيره ولكن عندي ان معنى قوله: تزوج وهو محرم أي داخل في الحرم.
(4) في ابن هشام: بعد ثلاثة أيام، وفي الواقدي: فلما كان عند الظهر يوم الرابع، أتى سهيل بن عمرو =
أراد تأليفهم بذلك فأبوا عليه، وقالوا بل أخرج عنا، فخرج وكذلك ذكره ابن اسحاق وقال البخاري: حدثنا عبيدالله بن موسى، عن اسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال " أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله " ثم قال لعلي بن أبي طالب " أمح رسول الله " قال لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يدخل مكة [ السلاح ] (1) إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أراد أن يقيم بها، فلما دخل ومضى الاجل أتوا عليا، فقالوا: قل لصاحبك فليخرج (2) عنا فقد مضى الاجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي، فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها
فاختصم فيها وعلي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها.
وقال " الخالة بمنزلة الام " وقال لعلي " أنت مني وأنا منك " وقال لجعفر " اشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد " أنت أخونا ومولانا " (3) قال علي ألا تتزوج ابنة حمزة، قال " إنها ابنة أخي من الرضاعة ".
تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين، فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها، فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال أنا أحق بها ابنة أخي، فلما سمع بذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال علي: ألا أراكم تختصمون هي ابنة عمي وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها سبب (4) دوني، وأنا أحق بها منكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، [ وأما أنت يا علي فأخي
__________
= وحويطب بن عبد العزى..(1) من البخاري.
(2) من البخاري، وفي الاصل: اخرج.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (43) باب عمرة القضاء، الحديث (4251) فتح الباري (7 / 499)، وابنة حمزة اسمها: عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس.
(4) في الواقدي: نسب.
وصاحبي ] (1) وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها " فقضى بها لجعفر.
قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر قام
جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال " ما هذا يا جعفر ؟ " فقال يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم تزوجها فقال " ابنة أخي من الرضاعة " فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول " هل جزيت سلمة " (2).
قلت: لانه ذكر الواقدي وغيره أنه هو الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمه أم سلمة، لانه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة والله أعلم.
قال ابن اسحاق: ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي الحجة، وتولى المشركون تلك الحجة.
قال ابن هشام: وأنزل الله في هذه العمرة فيما حدثني أبو عبيدة قوله تعالى (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) [ يعني خيبر ] (3).
فصل [ سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم ] (4) ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، ثم ساق بسنده عن الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري: قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية رجع في ذي الحجة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين فارسا فخرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الاسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة وجعلت الامداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل جانب، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من
__________
(1) من الواقدي.
(2) من الواقدي، وفي الاصل أبا سلمة، وذلك أن سلمة كان قد زوج أمه، أم سلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3) من ابن هشام.
(4) عنوان استدركناه للايضاح، وابن أبي العوجاء اسمه الاخرم، له ترجمة في الاصابة.
وقال الذهبي فيه: أبو العوجاء وهو بعيد .
شهر صفر سنة ثمان (1).
فصل: قال الواقدي في الحجة من هذه السنة - يعني سنة سبع - رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع وقد قدمنا الكلام على ذلك، وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين وقد أسلمتا في الطريق، وغلام خصي.
قال الواقدي: وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منبره درجتين ومقعده، قال والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان.
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة قد تقدم طرف من ذلك فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي وذلك في سنة خمس من الهجرة، وإنما ذكره الحافظ البيهقي ها هنا بعد عمرة القضاء فروى من طريق الواقدي: أنبأنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه [ قال ] قال عمرو بن العاص: كنت للاسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، قال: فقلت في نفسي كم أوضع (2) ؟ والله ليظهرن محمدا على قريش ! فلحقت (3) بمالي بالرهط وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح، ورجعت قريش إلى مكة، جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، ولا شئ خير من الخروج، وأنا بعد نائي عن الاسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي وكانوا يرون رأيي ويسمعون مني
ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم ؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا (4) في يمن نفسه (5) وبركة أمر، قال: قلت: تعلمون أني والله لارى أمر محمد أمرا يعلو الامور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا، قالوا: وما هو ؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند
__________
(1) العبارة في الواقدي: وأصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الطبري فقال: أصيب بها هو وأصحابه جميعا.
(3 / 101 أحداث السنة السابعة).
(2) أوضع البعير راكبه: إذا حمله على سرعة السير (النهاية).
(3) كذا في الاصل والبيهقي، وفي الواقدي: فخلفت مالي بالرهط، وأفلت يعني من الناس.
(4) مدرهنا: المدره: السيد الشريف، والمقدم في اللسان واليد عند الخصومة والقتال (القاموس المحيط).
(5) في الواقدي: مع يمن وبركة أمر
النجاشي، نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: هذا الرأي.
قال: قلت: فاجمعوا ما نهديه له - وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الادم - فحملنا أدما كثيرا حتى قدمنا على النجاشي، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان (1)، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لاصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا.
ثم قدمته فأعجبه وفرق منه شيئا بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا، قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله، فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي، فجعلت أتلقى الدم بثيابي فأصابني من الذل ما لو انشقت بي
الارض دخلت فيها فرقا منه، ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك، قال فاستحيا وقال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول [ رسول الله ] (2) من يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى.
والذي كان يأتي عيسى لتقتله ؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق والعرب والعجم وتخالف أنت ؟ ثم قلت: أتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق، وليظهرن على (3) من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت أتبايعني له على الاسلام ؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الاسلام، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا - وكانت ثيابي قد امتلات بالدم.
فألقيتها - ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه، فقالوا: الرأي ما رأيت.
قال: ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع (4)، قال فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة (5) وخرجت من السفينة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران، ثم
__________
(1) تقدم عن ابن اسحاق: انه جاء في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه.
وقال السهيلي: أنه جاء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الاسلام.
(2) من الواقدي.
(3) في الواقدي: على كل ذين خالفه.
(4) في الواقدي: برقع، ورقع جمع رقعة: شجرة عظيمة (القاموس).
(5) في الواقدي: الشعيية: وهي على شاطئ البحر بطريق اليمن (معجم ما استعجم 2 / 184).
مضيت حتى إذا كنت بالهدة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، قال فنظرت فإذا خالد بن الوليد، قال قلت أين تريد ؟ قال محمدا، دخل الناس في الاسلام فلم يبق أحد به طعم (1)، والله لو أقمت لاخذ برقابنا كما يؤخذ
برقبة الضبع في مغارتها، قلت وأنا الله قد أردت محمدا وأردت الاسلام، فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل، ثم اتفقنا (2) حتى أتينا المدينة فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح، فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين، وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد وولى مدبرا إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا فكان كما ظننت، وانخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا (3) عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا باسلامنا.
فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه.
قال فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر، فقال " إن الاسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها " قال: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة وكان عمر على خالد كالعاتب.
قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن [ أبي ] (4) حبيب فقال: أخبرني راشد مولى حباب بن أبي أوس الثقفي عن مولاه حبيب عن عمرو بن العاص نحو ذلك.
قلت: كذلك رواه محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن راشد عن مولاه حبيب قال حدثني عمرو بن العاص من فيه، فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع، وسياق الواقدي أبسط وأحسن.
قال الواقدي عن شيخه عبد الحميد: فقلت ليزيد بن أبي حبيب: وقت لك متى قدم عمرو وخالد ؟ قال: لا إلا أنه قال قبل الفتح، قلت: فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان (5)، وسيأتي عند وفاة عمرو من صحيح مسلم ما يشهد لسياق إسلامه وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته، وكيف مات وهو
__________
(1) في الواقدي: طمع.
(2) في الواقدي: ترافقنا.
(3) في البيهقي: حتى أطلعنا عليه، وفي الواقدي: فانطلقنا جميعا حتى طلعنا عليه.
(4) من الواقدي والبيهقي.
(5) مغازي الواقدي 2 / 741 - 744 وسيرة ابن هشام ج 3 / 289 - 290 ودلائل البيهقي بسنده عن الواقدي ج 4 / 343 في باب: ذكر اسلام عمرو بن العاص.
يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الامارة بعده عليه الصلاة والسلام، وصفة موته رضي الله عنه.
طريق إسلام خالد بن الوليد قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الاسلام، وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شئ، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا (1) فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا (2) وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أي شئ بقي ؟ أين أذهب إلى النجاشي ! فقد أتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية، فتغيب ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام، وعقلك عقلك ! ومثل الاسلام
جهله أحد ؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك وقال اين خالد ؟ فقلت يأتي الله به، فقال: " مثله جهل الاسلام ؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين [ على المشركين ] (3) كان خيرا له، ولقدمناه على غيره " فاستدرك يا أخي ما قد فاتك [ فقد فاتتك ] (4) مواطن صالحة.
قال فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الاسلام، وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت لاذكرنها لابي بكر، فقال: مخرجك الذي هداك الله للاسلام.
والضيق الذي كنت فيه من الشرك، قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه ؟ إنما نحن
__________
(1) في الواقدي: آمنا منا وفي دلائل البيهقي فكالاصل.
(2) في الواقدي: وافترقنا، وعدل عن سنن خيلنا: أي عن وجهه.
(الصحاح).
(3) من الواقدي.
(4) من الواقدي.
كأضراس (1) وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف ؟ فأبى أشد الاباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا.
فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت فأكتم علي قال: لا أذكره.
فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الامر إليه فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي: فأسرع الاجابة، وقال (2) لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ (3) مناخة، قال فاتعدت أنا وهو يأجج، إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه،
قال: فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها، قال: مرحبا بالقوم فقلنا: وبك، فقال إلى أين مسيركم ؟ فقلنا: وما أخرجك ؟ فقال وما أخرجكم ؟ قلنا: الدخول في الاسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم، قال وذاك الذي أقدمني، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي: فقال: أسرع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال " تعال " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير " قلت يا رسول الله إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق فأدعو الله أن يغفرها لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الاسلام يجب ما كان قبله " قلت يا رسول الله على ذلك، قال " اللهم إغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله " قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، قال: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه.
سرية شجاع بن وهب الاسدي إلى هوازن (4) قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن
__________
(1) في الواقدي: إنما نحن أكلة رأس.
(2) من الواقدي، وفي الاصل: وقلت له إني..وهو تحريف.
(3) من الواقدي، وفي الاصل بفج وهو تحريف.
وفخ: واد بمكة.
(4) في الواقدي: إلى هوازن: بالسي قال ابن سعد: السي ناحية ركبة من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس =
الحكم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من
هوازن، وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى جاءهم وهم غارين، وقد أوعز إلى أصحابه أن لا تمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى إذا قدموا المدينة (1) فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا كل رجل (2) ثم قدم أهلوهم مسلمين فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أميرهم في ردهن إليهم، فقال نعم فردوهن وخير التي عنده الجارية فاختارت المقام عنده، وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبد الله بن عمر، قال فأصبنا إبلا كثيرا فبلغت سهامنا إثنا عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا أخرجاه في الصحيحين (3) من حديث مالك، ورواه مسلم أيضا من حديث الليث ومن حديث عبد الله كلهم عن نافع عن ابن عمر بنحوه.
وقال أبو داود: حدثنا هناد، حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله (4).
سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة قال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله [ عن ] الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات اطلاح من [ أرض ] الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فارتث منهم رجل جريح في القتلى، فلما أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم بالبعثة إليه فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر (5).
__________
= ليال.
(مغازي الواقدي 2 / 753).
(1) زاد ابن سعد: واقتسموا الغنيمة.
(2) وتمام العبارة في الواقدي: قال ابن أبي سبرة: فحدثت هذا الحديث محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان فقال: كانوا قد أصابوا نسوة فاستاقوهن، وكانت فيهن جارية وضيئة فقدموا بها المدينة..(3) أخرجه البخاري في 57 كتاب فرض الخمس (15) باب.
ومسلم في 32 كتاب الجهاد (12) باب (ح: 35) ومالك في الموطأ في كتاب الجهاد باب جامع النفل في الغزو.
(4) الخبر في دلائل البيهقي ج 4 / 356.
(5) مغازي الواقدي ج 2 / 752 وابن سعد 2 / 127 ودلائل البيهقي 4 / 357.
غزوة مؤتة (1) وهي سرية زيد بن حارثة في نحو من ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء من أرض الشام.
قال محمد بن اسحاق بعد قصة عمرة القضية.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة.
فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الاولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس " فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف.
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن عمر (2) بن الحكم عن أبيه (3) قال: جاء النعمان بن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم ".
فقال النعمان: أبا القاسم إن كنت نبيا فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، وإن الانبياء في بني إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل يقول لزيد، اعهد فإنك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا.
فقال زيد:
أشهد أنه نبي صادق بار.
رواه البيهقي (4).
قال ابن إسحق: فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة ؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم.
ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) [ سورة مريم: 71 ] فلست أدري
__________
= وقال الواقدي: في شهر ربيع الاول سنة ثمان.
قال ابن سعد: وذات اطلاح من أرض الشام، وهي من وراء وادي القرى.
(1) انظر في غزوة مؤتة: سيرة ابن هشام (4 / 15) طبقات ابن سعد (2 / 128) أنساب الاشراف (1 / 169) تاريخ الطبري (3 / 107) صحيح البخاري (كتاب المغازي) عيون الاثر (2 / 198).
وتسمى أيضا غزوة جيش الامراء، وذلك لكثرة جيش المسلمين فيها وما لا قوه من قتال شديد مع الكفار وما عانوه في هذه الغزوة (الروض الانف - شرح أبي ذر الخشني - النهاية).
(2) من الواقدي، وفي الاصل عمرو.
(3) سقط من الواقدي.
وذكره البيهقي في روايته عن الواقدي.
(4) الخبر في الواقدي 2 / 756 ونقله عنه البيهقي في الدلائل ج 4 / 361.
حلف لي بالصدر بعد الورود ؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا قال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرع تقذف الزبدا طعنة بيدي حران مجهزة * بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي * أرشده الله من غاز وقد رشدا قال ابن إسحق: ثم أن القوم تهيئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال:
يثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة * الله يعلم أني ثابت البصر (2) أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر قال ابن اسحق:: ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف، قال عبد الله بن رواحة: خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشبع وخليل وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خالد الاحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مؤتة فاستعمل زيدا، فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فأبن رواحة، فتخلف ابن رواحة فجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم فرآه فقال له ما خلفك ؟ " فقال أجمع معك " قال: لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها ".
وقال أحمد: عن أبو معاوية، ثنا الحجاج عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، قال: فقدم أصحابه وقال: أتخلف لاصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ألحقهم، قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال " ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ " فقال أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أنفقت ما في الارض جميعا ما أدركت غدوتهم ".
وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي معاوية عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة أنه قال لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث وليس هذا منها.
قلت والحجاج بن أرطاة في روايته نظر والله أعلم، والمقصود من إيراد هذا الحديث أنه
__________
(1) ذات فرغ: واسعة.
والزبد: هنا رغوة الدم (شرح السيرة).
(2) في البيت إقواء .
يقتضي أن خروج الامراء إلى مؤتة كان في يوم جمعة.
والله أعلم.
قال ابن اسحاق: ثم مضوا حتى نزلوا معانا من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، ثم أحد أراشة يقال له مالك بن رافلة، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له، قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، قال فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك: جلبنا الخيل من أجأ وفرع * تعر من الحشيش لها العكوم (1) حذوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم (2) أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم (3) فرحنا والجياد مسومات * تنفس في مناخرها سموم فلا وأبي مآب لنأتينها * وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها يريم (4) بذي لجب كأن البيض فيه * إذا برزت قوانسها النجوم فراضية المعيشة طلقتها * اسنتنا (5) فتنكح أو تئيم قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبدالله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أدنيتني وحملت رحلى * مسيرة أربع بعد الحساء
__________
(1) من ابن هشام.
وفي الاصل: إلى العكوم.
أجأ: أحد جبلي طيئ.
فرع: موضع.
قال ياقوت: أطول جبل بأجأ وأوسطه.
(2) سبت: النعال التي تصنع من الجلود المدبوغة.
(3) الفترة: الضعف والسكون.
والجموم: اجتماع القوة والنشاط.
(4) بريم: كل ما فيه لونان مختلطان فهو بريم.
(5) في ابن هشام: أسنتها.
تئيم: التي تبقى دون زوج، آمت المرأة: إذا لم تتزوج.
فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهلي ورائي (1) وجاء المسلمون وغادروني * بأرض الشام مشتهي الشواء وردك كل ذي نسب قريب * إلى الرحمن منقطع الاخاء هنالك لا أبالي طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء قال: فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل ؟ ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز.
يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فانزل (2) قال ابن اسحاق: ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس، عندها فتعبي لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له عباية بن مالك.
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة فلما دنا منا المشركون رأينا ما لا قبل لاحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أرقم (3): يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة ؟ قلت نعم ! قال إنك لم تشهد بدرا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة رواه البيهقي (4).
قال ابن اسحاق ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل
زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط (5) في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول المسلمين عقر في الاسلام.
وقال ابن اسحاق: وحدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، حدثني أبي الذي ارضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها (6) ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها * علي إن لاقيتها ضرابها
__________
(1) ولا أرجع: قال أبو ذر في شرح السيرة: مجزوم على الدعاء.
(2) اليعملات: النوق السريعة.
الذبل: التي أضعفها وأوهنها السير.
(3) كذا في الاصل والواقدي، وفي رواية البيهقي وابن اسحاق: أقرم.
وهو ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوي ثم الانصاري قتل في حرب الردة سنة احدى عشرة وقيل سنة اثنتي عشرة.
(4) مغازي الواقدي: 2 / 760 ودلائل البيهقي 4 / 362.
(5) شاط الرجل: إذا سال دمه فهلك.
(6) في الواقدي: عرقبها: قال في الصحاح: أي قطع عرقوبها، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها.
وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث أبي اسحاق ولم يذكر الشعر، وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو كما يقول أبو حنيفة في الاغنام إذا لم تتبع في السير، ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال بينهم وبين ذلك والله أعلم.
قال السهيلي: ولم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا.
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، ويقال: إن رجلا من الروم
ضربه يومئذ ضربة، فقطعه بنصفين.
قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ويقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه * مالي أراك تكرهين الجنة قد طال ما قد كنت مطمئنة * هل أنت إلا نطفة في شنة.
وقال أيضا: يا نفس إن لا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل.
فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة.
ثم سمع الحطمة (1) في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا، ثم " ألقاه من يده ثم أخذ سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه.
قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان.
فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم.
قالوا: أنت.
قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى (2) بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس.
قال ابن إسحق: ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - أخذ الراية زيد ابن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، قال: ثم
__________
(1) الحطمة: زحام الناس، أراد هنا التحام الناس في النزال والقتال.
(2) خاشى: من المخاشاة: وهي المحاجزة وهي مفاعلة من الخشية، يعني خشي على المسلمين لقلة عددهم.
وفي رواية: حاشى بهم: يعني انحاز بهم إلى ناحية.
(راجع الروض الانف).
صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الانصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلي [ في ] (1) الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت عم هذا ؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى (2).
هكذا ذكر ابن اسحاق هذا منقطعا، وقد قال البخاري: ثنا أحمد بن واقد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (3).
تفرد به البخاري ورواه في موضع آخر وقال فيه وهو على المنبر: وما يسرهم أنهم عندنا.
وقال البخاري (4) ثنا أحمد بن أبي بكير، ثنا مغيرة بن عبد الرحمن المخزومي - وليس بالحرامي - عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتل زيد فجعفر، وأن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال عبد الله كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية تفرد به البخاري أيضا.
وقال البخاري أيضا: حدثنا أحمد: ثنا ابن وهب، عن ابن عمرو، عن [ ابن ] أبي هلال - هو سعيد بن أبي هلال الليثي - قال: وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره، وهذا أيضا من أفراد البخاري.
ووجه الجميع بين هذه الرواية والتي قبلها: أن ابن عمر اطلع على هذا العدد، وغيره اطلع على أكثر من ذلك، وان هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل، فلما صرع إلى الارض ضربوه أيضا ضربات في ظهره، فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو في وجوه الاعداء قبل أن يقتل رضي الله عنه.
ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ثم شماله ما رواه البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عمر بن علي، عن اسمعيل بن أبي خالد (5) عن عامر قال:
كان ابن عمر إذا حي ابن جعفر قال: السلام عليك يا بن ذي الجناحين.
ورواه أيضا في المناقب والنسائي: من حديث يزيد بن هرون عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البخاري (6) ثنا أبو نعيم
__________
(1) من ابن هشام.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 21 - 22.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (44) باب غزوة مؤتة (ح: 4262) فتح الباري: 7 / 512.
(4) فتح الباري: 7 / 510.
(5) من البخاري، في كتاب المناقب باب مناقب جعفر بن أبي طالب.
وفي الاصل: خلاد وهو تحريف.
(6) فتح الباري ج 7 / 515.
ثنا سفيان، عن اسمعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفحة يمانية.
ثم رواه عن محمد بن المثنى عن يحيى بن اسمعيل حدثني قيس، سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية انفرد به البخاري.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: ثنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو عمرو مطر (1) ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا الاسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الانصاري، وكانت الانصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه فقال [ حدثنا ] أبو قتادة فارس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء، وقال عليكم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، قال: فوثب جعفر وقال: يا رسول الله ! ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي قال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فأمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبركم عن جيشكم هذا، إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا
شهدا له بالشهادة واستغفر له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الامراء، هو أمر نفسه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم إنه سيف من سيوفك أنت تنصره " فمن يومئذ سمي خالد سيف الله (2).
ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك عن الاسود بن شيبان به نحوه، وفيه زيادة حسنة وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما اجتمع إليه الناس قال: باب خير باب خير وذكر الحديث.
وقال الواقدي: حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم.
قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف الله له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا فقال: الآن استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو شهيد.
قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما قتل زيد: أخذ الراية جعفر بن أبي طالب.
فجاءه الشيطان فحبب إليه (3) الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا، ثم مضى قدما
__________
(1) في الدلائل: أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال: (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 / 367، ورواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وذكره الزهري وعروة، وموسى بن عقبة.
(3) في الواقدي: فمناه.
حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال استغفروا لاخيكم فإنه شهيد، دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء في الجنة، قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا.
فشق ذلك على الانصار، فقيل: يا رسول الله ما اعترضه ؟ قال: لما أصابته الجراح نكل.
فعاتب نفسه فتشجع، واستشهد ودخل الجنة فسري عن قومه.
قال الواقدي وحدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل (1) عن أبيه قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الآن حمي الوطيس (2).
قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته [ وميسرته ميمنته ] (3) قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم.
وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة رحمه الله في مغازيه: فإنه قال: بعد عمرة الحديبية ثم صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمكث بها ستة أشهر ثم إنه بعث جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم، فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم بها تنوخ وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم التقوا (4) على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين، قال: وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى يعني سنة ثمان - قال موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مر علي جعفر في الملائكة يطير كما يطيرون وله جناحان.
قال وزعموا - والله أعلم - أن يعلى بن أمية (5) قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرك، قال أخبرني يا رسول الله قال: فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصفه لهم، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت.
فقال رسول الله
__________
(1) في الواقدي: عبد الله بن الفضيل.
(2) حمي الوطيس: من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم يعني الآن اشتدت الحرب (القاموس)، وقال صاحب النهاية: " الوطيس: التنور، وقيل هو الضراب في الحرب، وقيل هو الوطئ الذي يطس الناس أي يدقهم.
وقال الاصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها.
(3) من الواقدي.
والخبر في مغازيه 2 / 761 و 762 و 764.
ونقله البيهقي في الدلائل عن الواقدي ج 4 / 369 - 370.
(4) في رواية البيهقي عن ابن عقبة: ثم خرجوا فالتقوا على ذرع أحمر، وفي نسخة: ردع:: وهو الزعفران.
(5) في البيهقي عن ابن عقبة: يعلى بن منيه.
صلى الله عليه وسلم " إن الله رفع لي الارض حتى رأيت معتركهم " فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن اسحاق وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالد إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط.
وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه.
ورواه البخاري وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث (1).
قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن اسحاق وبين قول الباقين وهو أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بأذن الله والله أعلم.
وقد قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه [ قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم واعطوني ابن جعفر.
فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه ] (2) فجعلوا يحثون عليهم بالتراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله عزوجل " وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة، وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين وهو على
المنبر في قوله ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما، وإنما كان التأنيب، وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
قال الامام أحمد: حدثنا حسن، ثنا زهير، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة قتلنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم ؟ قال قلنا نحن فرارون، فقال لا بل أنتم الكرارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين، قال فأتيناه حتى قبلنا يده.
ثم رواه غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى عن ابن عمر قال: كنا في سرية ففررنا فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله
__________
(1) راجع دلائل البيهقي 4 / 375.
(2) ما بين معكوفين سقط من الاصل واستدرك من ابن هشام.
صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون، فقال لا بل أنتم العكارون ورواه [ أبو داود و ] (1) الترمذي وابن ماجه: من حديث يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه.
وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، وأسود بن عامر قالا: حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا ثم قلنا لو خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذرنا إليه، فخرجنا إليه فلما لقيناه (2) قلنا نحن الفرارون يا رسول الله قال " بل أنتم العكارون وأنا فئتكم " قال الاسود " وأنا فئة كل مسلم " وقال ابن اسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير: أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لامرأة سلمة بن هشام بن [ العاص بن ] (3) المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ قالت ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس يا فرار، فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته ما يخرج.
وكان في غزاة مؤتة.
قلت: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع (الروم - وكانوا على أكثر من أضعاف الاضعاف فإنهم كانوا ثلاثة آلاف وكان ] (4) العدو على ما ذكروه مائتي ألف، ومثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله، ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة (5) ما رواه الامام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير عن أبيه، عن عوف بن مالك الاشجعي قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، [ ووافقني مددي ] (6) من اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله [ المددي طائفة ] (7) من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له اشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقبه فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد يأخذ من السلب، قال عوف
__________
(1) من سيرة ابن كثير.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: ثم التقيناه وهو تحريف.
(3) من ابن هشام.
(4) سقطت من الاصل ومن نسخ البداية المطبوعة واستدركت من السيرة النبوية لابن كثير.
(5) العبارة في سيرة ابن كثير: ومما يؤيد ذلك أيضا ويزيده قوة ويشهد له بالصحة.
(6) من المسند، وفي الاصل مدوي تحريف.
والمددي: رجلا من المدد الذين جاءوا يمدون المسلمين.
وصححت في الحديث كله المددي من المسند ج 6 / 28 - 29 وفي الواقدي: رجل من إمداد حمير.
(7) من المسند والواقدي، وفي الاصل: المدوي طابقة وهو تحريف
فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟: بلى ولكني استكثرته، فقلت ؟ فقلت لتردنه إليه أو لاعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يرد عليه.
قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا خالد رد عليه ما أخذت منه " قال عوف: فقلت دونك يا خالد ألم أف لك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك فأخبرته فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره " قال الوليد: سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بنحوه.
ورواه مسلم وأبو داود من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك به نحوه وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا رضي الله عنه قال اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفحة يمانية، وهذا يقتضى أنهم اثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم.
وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وحكاه ابن هشام عن الزهري.
قال البيهقي رحمه الله: اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وأن المشركين انهزموا.
قال وحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم " ثم أخذها خالد ففتح الله عليه " يدل على ظهورهم عليهم والله أعلم (1).
قلت: وقد ذكر ابن اسحاق أن قطبة بن قتادة العذري - وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن زافلة ويقال رافلة.
وهو أمير أعراب النصارى فقتله وقال يفتخر بذلك: طعنت ابن رافلة بن الاراش * برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة * فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بني عمه * غداة رقوقين سوق النعم (2) وهذا يؤيد ما نحن فيه، لان من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في
__________
(1) دلائل النبوة للبيهقي 4 / 375 ومغازي الواقدي ج 2 / 764.
قال وات في كتابه محمد في المدينة: ص 798: وليست غزوة مؤتة الكبرى جزء من السياسة الخفية الشمالية فقط بل هي غريبة في ذاتها.
اتجهت الغزوة نحو الشمال، وعلمت عند معان أن جيشا قويا بيزنطيا يضم عددا من عرب القبائل كان بانتظارها، ومع ذلك قررت الاستمرار في السير.
ويقال أن المسلمين فروا هاربين ثم انضم إليهم ثابت بن الاقرم وخالد بن الوليد، فعادوا إلى القتال الذي انهزم فيه العدو وأركن للفرار.
فقرر خالد العودة بالجيش إلى المدينة.
ولم يتخذ خالد قرار العودة بسبب خطر العدو أو الجبن بل بسبب مدة الغياب عن القاعدة أو ربما لجهل خالد بالاسباب الحقيقية للغزو.
(2) رقوقين: موضع، ويروى رقوفين.
شعره بأنهم سبوا من نسائهم وهذا واضح فيما ذكرناه والله أعلم.
وأما ابن اسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم وسمى هذا نصرا وفتحا أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاتفهم عليهم، فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا (1) بالكلية، فلما تخلصوا منهم وإنحازوا عنهم كان هذا غاية المرام في هذا المقام وهذا محتمل لكنه خلاف الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام " ففتح الله عليهم " والمقصود أن ابن اسحاق يستدل على ما ذهب إليه فقال: وقد قال فيما كان أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المجسر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس يقول: فوالله لا تنفك نفسي تلومني * على موقفي والخيل قابعة قبل (2) وقفت بها لا مستحيزا فنافذا * ولا مانعا من كان حم له القتل على أنني آسيت نفسي بخالد * ألا خالد في القوم ليس له مثل وجاشت الي النفس من نحو جعفر * بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل وضم إلينا حجزتيهم كليهما * مهاجرة لا مشركون ولا عزل قال ابن اسحاق: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه.
قال ابن هشام: وأما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه -
أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة (3).
فصل قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى الخزاعية عن أم جعفر بنت محمد ابن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دبغت أربعين منا (4) وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إئتني ببني جعفر " فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟ قال " نعم أصيبوا هذا اليوم " قالت: فقمت أصيح واجتمع إلي النساء وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال " لا تغفلوا عن آل جعفر
__________
(1) في نسخة البداية المطبوعة يصطلحوا تحريف.
(2) قابعة: منقبضة وتروى قائعة: يقال قأع الفحل على الناقة إذا وثب عليها قاله أبو ذر.
وقبل: جمع أقبل وقبلاء.
وهو الذي يميل عينه في النظر إلى جهة العين الاخرى.
(3) في ابن هشام: حتى قفل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) من شرح أبي ذر، وفي الاصل مناء.
قال أبو ذر: المنا: الذي يوزن به وهو الرطل.
وتعني أربعين رطلا من الدباغ.
وفي اللسان منيئة: معناه الجلد ما دام في الدباغ.
أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم " (1) وهكذا رواه الامام أحمد من حديث ابن إسحاق، ورواه ابن اسحاق من طريق عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى، عن أم عون بنت محمد ابن جعفر، عن أسماء فذكر الامر بعمل الطعام، والصواب أنها أم جعفر وأم عون.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، ثنا جعفر بن خالد، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم " اصنعوا لآنل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم " وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر وقال الترمذي حسن.
ثم قال
محمد بن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن.
قالت فدخل عليه رجل فقال يا رسول الله إن النساء عييننا وفتننا، قال " أرجع اليهن فأسكتهن " قالت فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك، قالت [ يقول ] وربما ضر التكلف - يعني أهله - قالت قال: فاذهب فأسكتهن فإن أبين فاحثوا في أفواههن التراب " قالت: وقلت في نفسي أبعدك الله ! فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وعرفت أنه لا يقدر يحثي في أفواههن التراب.
إنفرد به ابن اسحاق من هذا الوجه وليس في شئ من الكتب (2).
وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا عبد الوهاب: سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا اطلع من صاير الباب - شق - فأتاه رجل فقال: أي رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن قالت: فذهب الرجل [ ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنه لم يطعنه قال فأمر أيضا فذهب ] ثم أتى فقال: والله لقد غلبتنا، فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فاحث في أفواههن من التراب " قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت تفعل ذلك وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء (3).
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عنها.
وقال الامام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة " فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 22 ونقله البيهقي في الدلائل عنه ج 4 / 370.
(2) ما بين معكوفين في الحديث من سيرة ابن هشام 4 / 23.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة.
وما بين معكوفين من الفتح.
ج 7 / 414.
زاد البيهقي في
روايته: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد.
رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: " إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه " قال ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتهم، ثم أتاهم فقال " لا تبكوا على أخي بعد اليوم، أدعوا لي بني أخي " قال فجئ بنا كأننا أفرخ، فقال " ادعوا لي الحلاق " فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا، ثم قال " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال " اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه " قالها ثلاث مرات.
قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له فقال " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ؟ " ورواه أبو داود ببعضه، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير به، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها.
ولعله معنى الحديث الذي رواه الامام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت " تفرد به أحمد فيحتمل أنه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب وهو المبالغة في الاحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الاحداد المعتاد والله أعلم.
ويروى تسلي ثلاثا - أي تصبري ثلاثا - وهذا بخلاف الرواية الاخرى والله أعلم.
فأما الحديث الذي قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن طلحة، ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا.
فإنه من أفراد أحمد
أيضا.
وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لانه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " فإن كان ما رواه الامام أحمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الاحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم.
قلت: ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى * أكر وأحمي في الهياج وأصبرا ثم لم تنشب أن انقضت عدتها فخطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فتزوجها فأولم وجاء الناس للوليمة فكان فيهم علي بن أبي طالب، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر رضي الله عنهما
في أن يكلم أسماء من وراء الستر فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها فقال لها علي: على وجه البسط - من القائلة في شعرها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا ؟ قالت دعنا منك يا أبا الحسن فإنك امرؤ فيك دعابة، فولدت للصديق محمد بن أبي بكر، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى حجة الوداع، فأمرها أن تغتسل وتهل وسيأتي في موضعه، ثم لما توفي الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب وولدت له أولادا رضي الله عنه وعنها وعنهم أجمعين.
فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قال: ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال " خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر " فأتي بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، قال وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون يا
فرار فررتم في سبيل الله ! قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله " وهذا مرسل.
وقد قال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا عاصم، عن مؤرق العجلي، عن عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى الصبيان من أهل بيته، وأنه قدم من سفر فسبق بي إليه، قال فحملني بين يديه ثم قال " جئ بأحد بني فاطمة " إما حسن وإما حسين، فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.
وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عاصم الاحول عن مؤرق به.
وقال الامام أحمد: ثنا روح، حدثنا ابن جريج، ثنا خالد بن سارة: أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثما وعبيدالله ابن العباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال " ارفعوا هذا إلي، فحملني أمامه وقال لقثم " ارفعوا هذا إلي " فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال، ثم مسح على رأسه ثلاثا وقال كلما مسح " اللهم اخلف جعفرا في ولده " قال قلت لعبد الله ما فعل قثم ؟ قال استشهد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير ؟ قال: أجل.
ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج به.
[ وهذا كان بعد الفتح فإن العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح فأما الحديث رواه الامام أحمد: ثنا اسماعيل، ثنا حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ قال: نعم فحملنا وتركك.
وبهذا اللفظ أخرجه البخاري ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد وهذا يعد من الاجوبة المسكتة، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح كما قدمنا بيانه.
والله أعلم ]. ** مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة**
فصل في فضل هؤلاء الامراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله رضي الله عنهم أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة
بن نور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أن أمه (1) ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل (2) فأخذوه فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى [ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ] [ الاحزاب: 4 ] وقوله تعالى [ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ] [ الاحزاب: 5 ] وقوله تعالى [ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ] [ الاحزاب: 40 ] وقوله [ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ] الآية [ الاحزاب: 37 ].
أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى أنعم الله عليه أي بالاسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير.
والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الاسلام وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه مولاته أم أيمن (3) واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحب بن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب وقدمه في الامرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة كما ذكرناه.
وقد قال الامام أحمد والامام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه - ثنا محمد بن عبيد عن وائل بن داود سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي بعد لاستخلفه.
ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن محمد بن عبيد الطنافسي به.
وهذا اسناد جيد قوي على شرط الصحيح.
وهو غريب جدا.
والله أعلم.
وقال الامام أحمد: ثنا سليمان، ثنا اسمعيل، أخبرني ابن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث
__________
(1) اسمها سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طئ.
(2) خيل لبني القين بن جسر، وكان ذلك في الجاهلية.
(3) قال ابن سعد: تزوج زيد أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فولدت له زيد ورقية، ثم تزوج درة بنت أبي لهب ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام ثم زوجه النبي صلى الله عليه وسلم أم أيمن
بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في أمرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ان تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وأن هذا لمن أحب الناس إلى بعده " وأخرجاه في الصحيحين عن قتيبة عن اسمعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني - عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر فذكره ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه.
ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر عن عبيدالله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر ثم استغربه من هذا الوجه، وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عمر بن اسمعيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما أصيب زيد بن حارثة وجئ بأسامة بن زيد وأوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخر ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال " ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس " وهذا الحديث فيه غرابة والله أعلم.
وقد تقدم في الصحيحين أنه لما ذكر مصابهم وهو عليه السلام فوق المنبر جعل يقول " أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب.
ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليه " قال وإن عينيه لتذرفان، وقال وما يسرهم أنهم عندنا.
وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة فهم ممن يقطع لهم بالجنة.
وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة: عين جودي بدمعك المنزور * واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير حين راحوا وغادروا ثم زيدا * نعم مأوى الضريك والمأسور (1) حب خير الانام طزا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الذي لا سواه * ذاك حزني له معا وسروري
إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس أمر المكذب المغرور ثم جودي للخزرجي بدمع * سيدا كان ثم غير نزور (3) قد أتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور وأما جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، أسلم جعفر قديما وهاجر إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ولله الحمد، وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه
__________
(1) الضريك: الفقير.
(2) الخزرجي: يقصد عبد الله بن رواحة.
والبيت ليس في الديوان.
الصلاة والسلام " ما أدري أنا بأيهما أسر، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر " وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية " أشبهت خلقي وخلقي " فيقال إنه حجل عند ذلك فرحا كما تقدم في موضعه ولله الحمد والمنة.
ولما بعثه إلى مؤتة جعل في الامرة مصليا - أي نائبا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين (1) ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك.
فيقال إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة.
وجاء بالاحاديث تسميته بذي الجناحين.
وروى البخاري عن ابن عمر، أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر.
قالوا: لان الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة وقد تقدم بعض ما روى في ذلك.
قال
الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن حجر، ثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة " وتقدم في حديث أنه رضي الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثين سنة.
وقال ابن الاثير في الغابة كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين، قال وقيل غير ذلك.
قلت: وعلى ما قيل إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة لان عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره إحدى وعشرين سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة والله أعلم.
وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار لما ذكرنا، وكان كريما جوادا ممدحا، وكان لكرمه يقال له أبا المساكين لاحسانه إليهم.
قال الامام أحمد: وحدثنا عفان بن وهيب، ثنا خالد، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه،
__________
(1) قال في الطبقات: قال الفضل بن دكين: تسعين ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف.
وقال محمد بن عمر: اثنتين وسبعين ضربة.
وقال نافع عن ابن عمر: بضع وتسعون.
وعن عبد الله بن أبي بكر: أكثر من ستين جرحا وطعنة قد أنفذته.
وعن عمر بن علي: ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين فوقع أحد نصفيه في كرم فوجد في نصفه ثلاثون أو بضعة وثلاثون جرحا.
وأما أخوه علي رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه، وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم بدليل ما رواه البخاري: ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن ابراهيم بن دينار، أبو عبد الله الجهني، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، أن الناس كانوا
يقولون أكثر أبو هريرة وأني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني خبز لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها.
تفرد به البخاري وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي * من للجلاد لدى العقاب وظلها (1) بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها (2) رزءا وأكرمها جميعا محتدا * وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل * كذبا وأنداها يدا وأقلها فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى * فضلا وأنداها يدا وأبلها (3) بالعرف غير محمد لامثله * حي من أحياء البرية كلها (4) وأما ابن رواحة فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر بن مالك بن الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو الانصاري الخزرجي وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة أسلم قديما وشهد العقبة وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وكان يبعثه على خرصها كما قدمنا وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل بغرزها - يعني الركاب - وهو يقول * خلوا بني الكفار عن سبيله * الابيات كما تقدم.
وكان أحد الامراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم وقد شجع المسلمين للقاء
__________
(1) العقاب: اسم راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) فاطمة: هي فاطمة بنت أسد بن هاشم ثم أم جعفر وعلي ابنا أبي طالب.
(3) وعجزه في الديوان: فضلا، وابذلها ندى، وأبلها.
(4) البيت في ديوانه: على خير بعد محمد لا شبهه * بشر يعد من البرية جلها
الروم حين اشتوروا في ذلك وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعدما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة.
ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره حين ودعه الذي يقول فيه: فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنت فثبتك الله " قال هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة.
وروى حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عبد الله ابن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول " اجلسوا " فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله " وقال البخاري في صحيحه: وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة.
وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك.
فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، عن عمارة، عن زياد النحوي، عن أنس قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء فقال: يا رسول الله ألا ترى ابن رواحة، يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم " رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة " وهذا حديث غريب جدا.
وقال البيهقي: ثنا الحاكم ثنا أبو بكر، ثنا محمد بن أيوب، ثنا أحمد بن يونس ثنا شيخ من أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار: أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال أو لسنا بمؤمنين ؟ قال بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا.
وقد روى الحافظ أبو القاسم
اللالكائي (1) من حديث أبي اليمان عن صفوان بن سليم عن شريح بن عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر.
وهذا مرسل من هذين الوجهين وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة.
وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين، ومما نقله البخاري من شعره في رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفينا رسول الله نتلوا كتابه * إذا انشق معروف من الفجر ساطع
__________
(1) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الحافظ الفقيه، محدث بغداد، قال الخطيب كان يحفظ ويفهم صنف كتابا في السنة - وكتابا في رجال الصحيحين، عاجلته المنية، خرج إلى الدينور مات في رمضان سنة 418 ه.
(انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 3 / 1083 - شذرات الذهب 3 / 211) وفي الاصل اللاكائي، ولم نجده فيما بأيدنا من مراجع واثبتنا ما في تذكرة الحفاظ، وفي اللباب اللكي نسبة إلى اللك بلدة من نواحي برقة.
يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا * به موقنات أن ما قال واقع وقال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر، عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي، واجبلاه واكذا وأكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك ؟ حدثنا قتيبة، ثنا خيثمة، عن حصين، عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، بهذا.
فلما مات لم تبك عليه وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره.
وقال شر ؟ من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع رضى الله عنهم: كفى حزنا أني رجعت وجعفر * وزيد وعبد الله في رمس أقبر قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتنير ؟
وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الامراء الثلاث من شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك رضي الله عنهما وأرضاهما.
فصل في من استشهد يوم مؤتة فمن المهاجرين جعفر بن أبي طالب، ومولاهم زيد بن حارثة الكلبي، ومسعود بن الاسود ابن حارثة بن نضلة العدوي، ووهب بن سعد بن أبي سرح، فهؤلاء أربعة نفر.
ومن الانصار عبد الله بن رواحة، وعباد بن قيس الخزرجيان، والحارث بن النعمان بن أساف بن نضلة النجاري، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء المازني، أربعة نفر.
فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية على ما ذكره بن اسحاق.
لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري: أبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان وهما شقيقان لاب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى فهؤلاء أربعة من الانصار أيضا فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف.
ومن نصارى العرب مائة الف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلا وقد قتل من المشركين خلق كثير (1).
هذا خالد وحده يقول لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت
__________
(1) ذكروات في كتاب: محمد في المدينة: " يمكن أن يكون تضخيم عدد العدو إلى 100 ألف جزء من الدفاع عن عمل خالد (في رجوعه بالجيش إلى المدينة) تبقى لدينا المسائل التالية: - حدث لقاء مع قوة للعدو.
قتل زيد =
في يدي إلا صفحة يمانية.
فماذا ترى قد قتل بهذه الاسياف كلها ؟ دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان وفي كل أوان.
وهذا مما يدخل في قوله تعالى (وقد كان لكم في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولى
الابصار) [ آل عمران: 13 ].
حديث فيه فضيلة عظيمة لامراء هذه السرية وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم.
قال الامام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي نضر الله وجهه في كتابه دلائل النبوة - وهو كتاب جليل - حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر.
وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا: ثنا ابن جابر سمعت سليم بن عامر الخبائري، يقول أخبرني أبو أمامة الباهلي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " بينا أنا نائم إذا أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا: اصعد، فقلت: لا اطيقه فقالا: إنا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا أنا بأصوات شديدة فقلت: ما هؤلاء الاصوات ؟ فقالا: عواء أهل النار ثم انطلقا بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما فقلت ما هؤلاء ؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم فقال خابت اليهود والنصارى " قال سليم سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه ؟ " ثم انطلقا بي فإذا قوم أشد شئ انتفاخا وأنتن شئ ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء ؟ قالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلقا بي فإذا بقوم أشد انتفاخا وأنتن شئ ريحا كان ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلقا بي فإذا بنساء ينهش ثديهن الحيات فقلت ما بال هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلقا بي فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت: من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء ذراري المؤمنين ثم أشرفا بي شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت من هؤلاء ؟ قالا: هذا جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ثم أشرفا بي شرفا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة فقلت: من هؤلاء ؟ قالا: هذا ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهم ينتظرونك.
__________
= وجعفر وعبد الله ولم يقتل كثير غيرهم.
عاد الجيش إلى المدينة بقيادة خالد دون أن يتكبد خسائر جسيمة.
أما ما عدا ذلك فمشكوك فيه.
ولم يحدث اللقاء مع مجموع الجيش المعارض.
لان الخسائر قليلة جدا في معركة بين
3000 رجل من رجل و 20000 أو 10000 أو 3000 من جانب آخر فيمكن إذن أن يكون الاصطدام عبارة عن مناوشة ".
(وات ص 81).
ما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة قال ابن أسحاق: وكان مما بكي به أصحاب مؤتة قول حسان: تأوبني ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر لذكرى حبيب هيجت لي عبرة * سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان (1) الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا * شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر (2) فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا (3) * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا * جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبي إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير مؤسد * بمعترك فيه القنا متكسر (4) فصار مع المستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمرا حازما حين يأمر وما زال في الاسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر هموا جبل الاسلام والناس حولهم * رضام إلى طود يروق ويبهر (5) بهاليل منهم جعفر وابن أمه * علي ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهموا * عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللاواء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر (6) هم أولياء الله أنزل حكمه * عليهم، وفيهم ذا الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:
__________
(1) في الديوان: بلاء وفقدان.
(2) رواية العجز في الديوان: شعوب وقد خلفت فيمن يؤخر.
قال أبو ذر: شعوب بضم الشين: جمع شعب وهي القبيلة.
وشعوب بالفتح: اسم للمنية.
(3) في الاصل تبايعوا، وهي كذلك في البيت التالي، وما اثبتناه من ابن هشام.
(4) في الديوان: فيه القنا يتكسر.
(5) الرضام: جمع رضم وهي حجارة يتراكم بعضها فوق بعض، ويبهر، في ابن هشام: ويقهر.
(6) اللاواء: الشدة.
العماس: المظلم.
نام العيون ودمع عينك يهمل * سحاكما وكف الطباب المخضل (1) في ليلة وردت علي همومها * طورا أخن وتارة أتمهل (2) واعتادني حزن فبت كأنني * ببنات نعش والسماك موكل وكأنما بين الجوانح والحشا * مما تأوبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الاله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للاله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل (3) إذ يهتدون بجعفر ولوائه * حيث التقى وعث الصفوف مجدل (4) فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه حباهموا * وترى خطيبهم بحق يفصل بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اعتذر الزمان الممحل ويهديهم رضي الاله لخلقه * وبجدهم (5) نصر النبي المرسل بسم الله الرحمن الرحيم كتاب بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم ذكر الواقدي أن ذلك كان في آخر سنة ست في ذي الحجة بعد عمرة الحديبية، وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع بعد غزوة مؤتة والله أعلم.
ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله هل يغدر فقال لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها.
وفي لفظ البخاري وذلك في المدة التي ماد فيها أبو سفيان رسول الله
__________
(1) في الاصل وبعض نسخ ابن هشام: الضباب، وما أثبتناه من شرح أبي ذر والسهيلي.
والطباب: جمع طبابة وهي سير بين خرزتين في المزادة فإذا كان غير محكم وكف منه الماء.
(2) أتمهل، وفي ابن هشام أتململ: أي أنقلب متبرما بمضجعي.
(3) فنق: جمع فنيق، فحل الابل.
(4) وعث الصفوف: اختلاطها والتحامها حتى يصعب الخلاص من بينها.
(5) بجدهم، قال أبو ذر وتروى وبحدهم معناه بشجاعتهم وإقدامهم.
صلى الله عليه وسلم.
وقال محمد بن اسحاق: كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته عليه السلام.
ونحن نذكر ذلك ها هنا وإن كان قول الواقدي محتملا.
والله أعلم.
وقد روى مسلم عن يوسف بن حماد المعني، عن عبد الا على، عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عزوجل وليس بالنجاشي الذي صلى عليه (1) وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال:
كنا قوما تجارا وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نأمن إن وجدنا أمنا، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فأخرجهم منها ورد عليه صليبه الاعظم وقد كان استلبوه إياه، فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام، فخرج منها يمشي متشكرا إلى بيت المقدس ليصلي فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء، فقالت له بطارقته: أيها الملك لقد أصبحت مهموما ؟ فقال أجل، فقالوا وما ذاك ؟ فقال أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، فقالوا: والله ما نعلم أمة من الامم تختتن إلا اليهود وهم تحت يديك وفي سلطانك، فإن كان قد وقع ذلك في نفسك منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم.
فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والابل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه، فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده ؟ فسأله فقال: هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبي وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي وهم على ذلك.
فلما أخبره الخبر قال: جردوه فإذا هو مختتن فقال: هذا والله الذي قد أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه.
انطلق لشأنك.
ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له: قلب لي الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه، قال أبو سفيان: فوالله إني وأصحابي لبغزة إذ هجم علينا فسألنا ممن أنتم ؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا فلما انتهينا إليه قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الاغلف - يريد هرقل - قال: فلما انتهينا إليه قال: أيكم أمس به رحما ؟ فقلت أنا، قال ادنوه مني، قال فاجلسني بين يديه ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب فردوا عليه، قال أبو سفيان: فلقد عرفت أني لو
كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم وأستحي من الكذب وعرفت أن أدنى ما يكون في
__________
(1) أخرجه مسلم في 32 كتاب الجهاد 27 باب (الحديث: 75) ص 1397.
ذلك أن يرووه عني ثم يتحدثونه عني بمكة فلم أكذبه، فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم، فزهدت له شأنه وصغرت له أمره، [ فوالله ما التفت إلى ذلك مني وقال: أخبرني عما أسألك من امره ] (1) فقلت سلني عما بدا لك ؟ قال كيف نسبه فيكم ؟ فقلت محضا من أوسطنا نسبا، قال: فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ؟ فقلت: لا قال: فأخبرني هل [ كان ] (2) له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه ؟ فقلت: لا قال: فأخبرني عن اتباعه من هم ؟ فقلت الاحداث والضعفاء والمساكين فأما أشرافهم وذووا الانساب (3) منهم فلا، قال: فأخبرني عمن صحبه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه ؟ قلت: ما صحبه رجل ففارقه، قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟ فقلت: سجال يدال علينا وندال عليه.
قال: فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا أغره به إلا هي، قلت: لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره فيها.
فوالله ما التفت إليها مني قال: فأعاد علي الحديث، قال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا وكذلك يأخذ الله النبي لا يأخذه إلا من أوسط قومه، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به فقلت لا، وسألتك هل كان له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه فقلت: لا، وسألتك عن اتباعه فزعمت أنهم الاحداث والمساكين والضعفاء وكذلك أتباع الانبياء في كل زمان، وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه فزعمت أنها سجال يدال عليكم وتداولون عليه وكذلك يكون حرب الانبياء ولهم تكون العاقبة، وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه، ثم قال: الحق بشأنك، قال: فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الاخرى وأقول: يا عباد الله لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، وأصبح ملوك بني الاصفر
يخافونه في سلطانهم (4).
قال ابن اسحاق: وحدثني الزهري قال: حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من أتبع الهدى.
أما بعد فاسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن إثم الاكاريين عليك.
قال: فلما انتهى إليه كتابه، وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ثم كتب إلى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه: إنه النبي
__________
(1) ما بين معكوفين سقط من نسخة البداية المطبوعة.
(2) من رواية البيهقي.
(3) في رواية البيهقي عن ابن اسحاق: الاسنان.
(4) الخبر نقله البيهقي في الدلائل ج 4 / 383.
الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه، فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها فأشرحت (1) عليهم واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب أحمد وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ومجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا أبو اب الد سكرة فوجدوها مغلقة دونهم، فخافهم، وقال: ردوهم علي فردوهم عليه فقال لهم: يا معشر الروم إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لانظر كيف صلابتكم في دينكم ؟ فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبو اب الدسكرة فخرجوا (2).
وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما فيهما من الفوائد.
قال البخاري قبل الايمان (3) من صحيحه: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ثنا شعيب (4) عن الزهري: أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بايلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، قال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره.
ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، [ قال ] فوالله لولا [ الحياء من ] (5) أن يؤثروا عني كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت: لا قال: فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت: لا قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت: لا: قال: فهل يغدر ؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتمونه ؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم ؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه
__________
(1) في البيهقي عن الزهري: فأشرجت عليهم: أي أغلقت.
(2) نقل الخبر البيهقي عن ابن اسحاق عن الزهري في الدلائل 4 / 384.
(3) في كتاب بدء الوحي فتح الباري ج 1 / 26.
(4) شعيب: هو شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي وهو من أثبات أصحاب الزهري.
(5) ما بين معكوفين من البخاري.
فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله،
وسألتك هل كان من آبائه [ من ملك ] (1) فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الايمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر (2)، وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الاوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان كما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين.
وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الاسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين (3) (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الاصوات وأخرجنا، فقلت لاصحابي حين خرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة (4) أنه يخافه ملك بني الاصفر، فما زلت
__________
(1) من البخاري.
(2) قال المازني: هذه الاشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه لانه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن انه منكم.
وما أورده احتمالا جزم به ابن بطال وهو ظاهر.
(3) الاريسيين: جمع أريسي وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل.
قال ابن سيده: الاريس: الاكار أي الفلاح عند
ثعلب، وعند كراع الاريس: الامير.
قال الجوهري هي لغة شامية وانكر ابن فارس أن تكون عربية.
وقال الخطابي: أراد أن عليك أثم الضعفاء والاتباع إذا لم يسلموا تقليدا له لان الاصاغر اتباع الاكابر.
(4) ابن أبي كبشة: أراد به النبي صلى الله عليه وسلم.
لان أبا كبشة أحد أجداده وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض قال أبو الحسن النسابة الجرجاني هو جد وهب جد النبي لامه.
(قال ابن حجر: وهذا فيه نظر لان وهب جد النبي صلى الله عليه وسلم اسم أمه عاتكة بنت الاوقص بن مرة.
وقيل هو جد عبد المطلب لامه وفيه نظر لان أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجي ولم يقل أحد من أهل النسب أن عمرو يكنى بأبي كبشة.
قيل هو أبوه من الرضاعة واسمه =
موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الاسلام، قال وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام، يحدث: أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك ؟ قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الامم ؟ قالوا ليس يختتن إلا اليهود ولا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان فخبرهم عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال هم يختتنون، فقال هرقل، هذا ملك هذه الامة قد ظهر.
ثم كتب إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص فلم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وهو نبي، فآذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت.
ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم ؟ فتتابعوا لهذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الابواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال: ردوهم علي.
وقال: إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه.
فكان ذلك آخر شأن هرقل.
قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري.
وقد رواه البخاري
في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها.
وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الزهري.
وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله الحمد والمنة.
وقال ابن لهيعة: عن [ أبي ] (1) الاسود عن عروة قال: خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه، يأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل إليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان بن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره ؟ قالوا ساحر كذاب وليس بنبي، قال: فأخبروني من أعلمكم به وأقربكم منه رحما ؟ قالوا: هذا أبو سفيان ابن عمه وقد قاتله، فلما أخبروه ذلك أمر بهم فأخرجوا عنه ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال أخبرني يا أبا سفيان ؟ فقال هو ساحر كذاب، فقال هرقل: إني لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه فيكم ؟ قال هو والله من
__________
= الحرث بن عبد العزى قاله أبو الفتح الازدي وابن ماكولا.
وكانت له بنت تسمى كبشة يكنى بها وقال ابن قتيبة هو رجل من خزاعة.
خالف قريش في عبادة الاوثان فعبد الشعري فنسبوه إليه، وكذا قال الزبير وقال: اسمه وجزب عامر بن غالب.
(1) من البيهقي في روايته عن عروة
بيت قريش، قال: كيف عقله ورأيه ؟ قال لم يغب (1) له رأي قط.
قال هرقل: هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره ؟ قال: لا والله ما كان كذلك، قال: لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لاحد من أهل بيته قبله ؟ قال أبو سفيان: لا، ثم قال من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد ؟ قال: لا، قال هرقل: هل يغدر إذا عاهد ؟ قال: لا إلا أن يغدر مدته هذه.
فقال هرقل: وما تخاف من مدته هذه ؟ قال إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة، قال هرقل: إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر، فغضب أبو سفيان وقال لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب وهو يوم
بدر، ثم غزوته مرتين في بيوتهم نبقر البطون ونجذع الآذان والفروج، فقال هرقل: كذابا تراه أم صادقا ؟ فقال: بل هو كاذب، فقال: إن كان فيكم نبي فلا تقتلوه فإن أفعل الناس لذلك اليهود، ثم رجع أبو سفيان (2).
ففي هذا السياق غرابة وفيه فوائد ليست عند ابن اسحاق ولا البخاري.
وقد أورد موسى بن عقبة في مغازيه قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم.
وقال ابن جرير في تاريخه (3): حدثنا ابن حميد ثنا سلمة ثنا محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم قال: إن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لاعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى صغاطر الاسقف فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله في الروم أعظم مني وأجود قولا عندهم مني، فانظر ماذا يقول لك ؟ قال فجاء دحية فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وبما يدعو إليه، فقال صغاطر والله صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه، ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا وليس ثيابا بياضا ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى الله وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله.
قال فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه.
قال: فلما رجع دحية إلى هرقل فأخبره الخبر قال: قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا، فصغاطر والله كان أعظم عندهم وأجوز قولا مني.
وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، عن عبد الله بن شداد، عن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر صاحب الروم بكتاب فقلت استأذنوا لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى قيصر فقيل له إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله ففزعوا لذلك وقال: أدخله، فأدخلني عليه وعنده بطارقته فأعطيته الكتاب فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم، فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط فقال لا تقرأ الكتاب اليوم فإنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم، قال فقرئ الكتاب حتى فرغ منه ثم أمرهم فخرجوا من عنده ثم بعث إلي
__________
(1) في البيهقي: لم نعب له عقلا قط ولا رأيا قط.
(2) نقله البيهقي عن عروة في الدلائل ج 4 / 384، ونقل رواية موسى بن عقبة من طريق ابن أبي أويس.
(3) تاريخ الطبري 3 / 87 - 88.
فدخلت عليه فسألني فأخبرته، فبعث إلى الاسقف فدخل عليه - وكان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله - فلما قرأ الكتاب قال الاسقف: هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر.
قال قيصر فما تأمرني ؟ قال الاسقف أما أنا فإني مصدقه ومتبعه، فقال قيصر: أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم.
وبه قال محمد بن إسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال: يا معشر الروم إني عارض عليكم أمورا فانظروا فيما أردت بها ؟ قالوا ما هي ؟ قال تعلمون والله إن هذا الرجل لنبي مرسل نجده نعرفه بصفته التي وصف لنا فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فقالوا: نحن نكون تحت أيدي العرب ونحن أعظم الناس ملكا، وأكثره رجالا.
وأقصاه بلدا ؟ ! قال فهلم أعطيه الجزية كل سنة أكسر شوكته وأستريح من خربه بما أعطيه إياه.
قالوا: نحن نعطي العرب الذل والصغار يخرج يأخذونه منا ونحن أكثر الناس عددا، وأعظمه ملكا، وأمنعه بلدا، لا والله لا نفعل هذا أبدا، قال فهلم فلاصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعني وأرض الشام، قال وكانت أرض سورية، فلسطين والاردن ودمشق وحمص وما دون الدرب [ من أرض ] (1) سورية، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام، فقالوا نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة (2) الشام لا نفعل هذا أبدا، فلما أبوا عليه، قال: أما والله لترون (3) أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم.
قال ثم جلس على بغل له فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال: السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع، ثم ركض حتى دخل قسطنطينية.
والله أعلم.
إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام قال ابن اسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة إلى
المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق (4).
قال الواقدي: وكتب معه، سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك.
فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي ؟ إني سأسير إليه.
__________
(1) من الطبري.
3 / 88.
(2) من الطبري 3 / 88 وفي الاصل: أنها أرض سوريا والشام.
(3) من الطبري وفي الاصل: لتودن.
(4) في سيرة ابن هشام: وبعث شجاع بن وهب الاسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، ملك تخوم الشام.
وفي رواية ابن هشام: بعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الايهم الغساني (السيرة 4 / 254).
بعثه إلى كسرى ملك الفرس وروى البخاري: من حديث الليث عن يونس عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه قال: فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق (1).
وقال عبد الله بن وهب عن يونس عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: " أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الاعاجم فلا تختلفوا علي كما اختلفت بنو اسرائيل على عيسى بن مريم " فقال المهاجرون: يارسول الله إنا لا نختلف عليك في شئ أبدا فمرنا وابعثنا، فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى فأمر كسرى بايوانه أن يزين ثم اذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وهب، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض منه، فقال شجاع بن وهب: لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كسرى: ادنه فدنا فناوله الكتاب ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه فإذا فيه، من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس.
قال:
فأغضبه حين بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشجاع بن وهب فأخرج، فلما رأى ذلك قعد على راحلته ثم سار ثم قال: والله ما أبالي على أي الطريقين أكون إذ أديت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث إلى شجاع ليدخل عليه فالتمس فلم يوجد، فطلب إلى الحيرة فسبق، فلما قدم شجاع على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مزق كسرى ملكه " (2) وروى محمد بن اسحاق: عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة (3) بكتابه إلى كسرى ؟ فلما قرأه مزقه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مزق ملكه " وقال ابن جرير (4) حدثنا أحمد بن حميد، ثنا سلمة، ثنا ابن اسحاق، عن زيد بن أبي حبيب قال: وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد فتح الباري (6 / 108).
(2) نقل الخبر البيهقي في الدلائل بإسناده ج 4 / 387.
(3) سيرة ابن هشام ج 4 / 255.
(4) تاريخ الطبري 3 / 90 وما بين معكوفين في الخبر من الطبري.
لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين.
فإن تسلم تسلم وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
قال: فلما قرأه شقه وقال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي ؟ ! قال: ثم كتب كسرى إلى باذام (1) وهو نائبه على اليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل [ الذي ] بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به، فبعث باذام قهرمانه - وكان كاتبا حاسبا - بكتاب فارس وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخرة (2)، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى
وقال: لاباذويه (3) إيت بلاد هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف فسألوه عنه فقال هو بالمدينة، واستبشر أهل الطائف - يعني وقريش بهما - وفرحوا.
وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل، فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أبا ذويه فقال: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذام يأمره أن يبعث اليك من يأتيه بك وقد بعثني اليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب لك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك.
ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما وقال " ويلكما من أمركما بهذا ؟ " قالا أمرنا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولكن ربي أمرني باعفاء لحيتي وقص شاربي " ثم قال " ارجعا حتى تأتياني غدا " قال وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا في ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله.
قال: فدعاهما فأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول ؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام ؟ قال " نعم أخبراه ذاك عنى وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى الخف والحافر، وقولا له إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الابناء " ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذام، فأخبراه الخبر فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لارى الرجل نبيا كما يقول وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا.
فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد، فإني قد قتلت كسرى وما أقتله إلا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم (4) في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه.
فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذام قال: إن هذا الرجل لرسول فأسلم وأسلمت الابناء من فارس من كان منهم
__________
(1) في الطبري: باذان.
(2) في الطبري: خرخسرة.
(3) في الطبري: بابويه وهو قهرمان باذان.
(4) في الطبري: وتجميرهم في ثغورهم.
باليمن.
قال: وقد قال باذويه لباذام: ما كلمت أحدا أهيب عندي منه، فقال له باذام: هل معه شرط ؟ قال: لا.
قال الواقدي رحمه الله: وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة (1) من سنة سبع من الهجرة لست ساعات مضت منها: قلت: وفي شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر الحرام وهو قول بعض الشعراء: قتلوا كسرى بليل محرما * فتولى لم يمتع بكفن وقال بعض شعراء العرب (2): وكسرى إذ تقاسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * أتى ولكل حاملة تمام وروى الحافظ البيهقي: من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة: أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ربي قد قتل الليلة ربك " [ يعني كسرى ] (3) قال: وقيل له - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - إنه قد استخلف ابنته فقال " لا يفلح قوم تملكهم امرأة ".
قال البيهقي: وروى في حديث دحية بن خليفة [ الكلبي ] أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل كسرى (4)، وذلك أن كسرى بعث يتوعد صاحب صنعاء ويقول له: ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني إلى دينه، لتكفينه أو لافعلن بك، فبعث إليه [ فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتاب صاحبهم تركهم خمس عشرة ليلة ثم قال لهم: اذهبوا إلى صاحبكم ] (5) أخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة " فوجدوه كما قال.
قال وروى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي نحو هذا (6) ثم روى البيهقي: من طريق أبي بكر بن عياش عن داود بن أبي هند، عن أبيه عن أبي هريرة قال: أقبل سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن
في وجه سعد خبرا " فقال يا رسول الله هلك كسرى " فقال " لعن الله كسرى أول الناس هلاكا فارس ثم العرب ".
قلت: الظاهر أنه لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى لذينك الرجلين يعني الاميرين
__________
(1) في الطبري نقلا عن الواقدي: جمادى الاولى.
(2) ورد البيتان في الجزء الثاني من كتابنا ونسبا إلى خالد بن حق الشيباني.
(3) من دلائل البيهقي.
(4) العبارة في الدلائل: وجد عنده رسل عامل كسرى على صنعاء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان كتب إلى كسرى فكتب كسرى إلى صاحبه بصنعاء يتوعده..(5) من الدلائل، وفي الاصل: فقال لرسله.
(6) دلائل النبوة ج 4 / 390 - 391 وفي رواية الشعبي سمي العامل الذي كتب إليه كسرى فقال: باذان.
اللذين قدما من نائب اليمن باذام، فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام وشاع في البلاد وكان سعد بن أبي وقاص أول من سمع جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بوفق إخباره عليه السلام وهكذا بنحو هذا التقدير ذكره البيهقي رحمه الله.
ثم روى البيهقي من غير وجه عن الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له - أو قيض له - عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى إلا برجل يمشي وفي يده عصا فقال: يا كسرى هل لك في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ فقال كسرى: نعم لا تكسرها، فولى الرجل فلما ذهب أرسل كسرى إلى حجابه فقال: من أذن لهذا الرجل علي ؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد، فقال: كذبتم، قال: فغضب عليهم وتهددهم (1) ثم تركهم.
قال: فلما كان رأس الحول أتى ذلك الرجل ومعه العصا، قال: يا كسرى هل لك في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ قال: نعم لا تكسرها، فلما انصرف عنه دعا حجابه قال لهم كالمرة الاولى، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل معه العصا فقال له: هل لك يا كسرى في الاسلام قبل أن أكسر
العصا فقال لا تكسرها لا تكسرها فكسرها (2)، فأهلك الله كسرى عند ذلك.
وقال الامام الشافعي: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فوالذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (3) أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة وأخرجاه من حديث الزهري به.
قال الشافعي: ولما أتي كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يمزق ملكه " وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثبت ملكه " قال الشافعي وغيره من العلماء ولما كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة فأسلم من أسلم منهم شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده " قال فباد ملك الاكاسرة بالكلية وزال ملك قيصر عن الشام بالكلية، وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم حين عظموا كتابه والله أعلم (4).
قلت: وفي هذا بشارة عظيمة بأن ملك الروم لا يعود أبدا إلى أرض الشام.
وكانت العرب تسمي قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، والمقوقس لمن ملك الاسكندرية، وفرعون لمن ملك مصر كافرا، وبطليموس لمن ملك الهند ولهم أعلام أجناس غير ذلك وقد ذكرناها في غير هذا الموضع والله أعلم.
وروى
__________
(1) في البيهقي: وتلتلهم.
(2) في البيهقي: لا تكسرها، فكسرها.
والخبر في الدلائل ج 4 / 391 - 392.
(3) صحيح مسلم في 52 كتاب الفتن (ح: 77) ص (4 / 2227) ونقله البيهقي في الدلائل ج 4 / 393.
(4) نقل الخبر البيهقي من طريق الربيع بن سليمان باختلاف في ألفاظه .
مسلم: عن قتيبة وغيره عن أبي عوانة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لتفتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى في القصر الابيض " (1) وروى أسباط عن سماك عن
جابر بن سمرة مثل ذلك وزاد: وكنت أنا وأبي فيهم فأصبنا من ذلك ألف درهم (2).
بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب مدينة الاسكندرية واسمه جريج بن مينا القبطي قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق: حدثني الزهري، عن عبد الرحمن (3) بن عبد القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية فمضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فقبل الكتاب وأكرم حاطبا وأحسن نزله وسرحه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم ابراهيم وأما الاخرى فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد (4) بن قيس العبدي.
رواه البيهقي.
ثم روى من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه عن جده حاطب بن أبي بلتعة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الاسكندرية، قال: فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته وقال: إني سائلك عن كلام فأحب أن تفهم عني، قال: قلت: هلم، قال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي ؟ قلت: بل هو رسول الله، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها ؟ قال: فقلت: عيسى ابن مريم أليس تشهد أنه رسول الله ؟ قال: بلى قلت: فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حيث رفعه الله إلى السماء الدنيا ؟ فقال لي: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مأمنك، قال: فأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار منهن أم ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي جهم بن حذيفة العدوي ] (5) وواحدة وهبها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحسان بن ثابت الانصاري، وأرسل إليه بطرف من طرفهم.
وذكر ابن اسحاق أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار إحداهن مارية أم ابراهيم والاخرى سيرين التي وهبها لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن بن حسان.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 4 / 388.
ومسلم في 52 كتاب الفتن (18) باب الحديث (78).
(2) رواه البيهقي في الدلائل 4 / 389.
(3) من رواية البيهقي: وفي اوصل عبد الله تحريف.
(4) في البيهقي 4 / 395: جهم بن قيس فهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر.
(5) سقطت من الاصل واستدركت من دلائل البيهقي 4 / 396.
وقال ابن سعد: بعث إليه بجاريتين مارية وأختها سيرين، 1 / 260.
قلت: وكان في جملة الهدية غلام أسود خصي، اسمه مابور، وخفين ساذجين أسودين وبغلة بيضاء اسمها الدلدل، وكان مابور هذا خصيا ولم يعلموا بأمره (1) بادي الامر فصار يدخل على مارية كما كان من عاداتهم ببلاد مصر، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما يسبب ذلك ولا يعلمون بحقيقة الحال وأنه خصي حتى قال بعضهم إنه الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بقتله فوجده خصيا فتركه والحديث في صحيح مسلم من طريق..(2).
قال ابن اسحاق: وبعث سليط بن عمرو بن عبدود أخا بني عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي، صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى جيفر بن الجلندي وعمار بن الجلندي الازديين صاحبي عمان (3).
غزوة ذات السلاسل (4) ذكرها الحافظ البيهقي هاهنا قبل غزوة الفتح، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي وعبد الله (5) ومن يليهم من قضاعة.
قال عروة بن الزبير: وبنو بلي أخوال العاص بن وائل، فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الاولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح [ قال عروة: وعمرو يومئذ في سعد الله وتلك الناحية من قضاعة ] قال موسى بن عقبة: لما قدموا على عمرو قال أنا أميركم وأنا
أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستمده بكم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته، فلما رأى ذلك أبو عبيدة - وكان رجلا حسن
__________
(1) انظر ترجمته في الاصابة ج 3 / 334 ترجمته رقم 7581.
(2) بياض في الاصل، وفي الاصابة: رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك.
(3) العبارة في ابن هشام 4 / 254: وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة.
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي الازديين، ملكي عمان وفي ابن سعد: بعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، والملك منهما جيفر.
(4) انظر في غزوة ذات السلاسل: طبقات ابن سعد (2 / 131) سيرة ابن هشام (4 / 272) مغازي الواقدي (2 / 769) تاريخ الطبري (3 / 104) عيون الاثر (2 / 204) الروض الانف (2 / 359) السيرة الحلبية (3 / 190) شرح المواهب (3 / 278).
والسلاسل: السين الاولى مفتوحة جزم به أبو عبيد البكري: رمل بالبادية.
قال ابن سعد كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان.
(5) في البيهقي: وسعد الله.
الخلق لين الشيمة [ سعى لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعهده ] قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا " وإنك إن عصيتني لاطيعنك.
فسلم أبو عبيدة الامارة لعمرو بن العاص (1).
وقال محمد بن اسحاق: حدثني محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الاسلام (2) وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يتألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل - وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال: فلما كان عليه وخاف بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث إليه
أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الاولين فيهم أبو بكر وعمر، وقال لابي عبيدة حين وجهه " لا تختلفا " فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو: إنما جئت مددا لي، فقال له أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه.
وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا.
فقال له عمرو: أنت مددي، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو إن رسول الله ص قد قال لي " لا تختلفا " وإنك إن عصيتني أطعتك، فقال له عمرو: فإني أمير عليك وإنما أنت مدد لي، قال: فدونك فصلى عمرو بن العاص بالناس (3).
وقال الواقدي: حدثني ربيعة ابن عثمان، عن يزيد بن رومان: أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها (4)، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير، فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل ساعة، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهزموا، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هناك، وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم.
فكانوا ينحرون ويذبحون، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن [ لهم ] غنائم تقسم (5).
وقال أبو داود: ثنا ابن المثنى، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص.
قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فاشفقت إن اغتسلت أن أهلك، قال: فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت
__________
(1) ما بين معكوفين من البيهقي، والخبر في الدلائل ج 4 / 398 - 399.
(2) في ابن هشام إلى الشام، وفي دلائل البيهقي عن ابن اسحاق إلى الاسلام وهو الصواب.
(3) سيرة ابن هشام ج 4 / 272.
(4) دوخ البلاد: قهرها واستولى على أهلها (الصحاح).
(5) مغازي الواقدي 2 / 771 وما بين معكوفين من رواية البيهقي عن الواقدي 4 / 401 .
الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) [ النساء: 29 ] فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا، حدثنا محمد بن سلمة [ حدثنا ابن وهب ] ثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو ابن العاص - وكان على سرية - ذكر الحديث بنحوه قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم، فذكر نحوه ولم يذكر التيمم.
قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الاوزاعي عن حسان بن عطية وقال فيه فتيمم (1).
وقال الواقدي (2): حدثني أفلح بن سعيد، عن ابن عبد الرحمن بن رقيش، عن أبي بكر بن حزم قال: كان عمرو بن العاص حين قفلوا احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد، فقال لاصحابه: ما ترون ؟ والله احتلمت فإن اغتسلت مت، فدعا بماء فتوضأ وغسل فرجه وتيمم، ثم قام فصلى بهم، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا، قال عوف: فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر وهو يصلي في بيته فسلمت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عوف بن مالك ؟ " فقلت عوف بن مالك يا رسول الله، قال " صاحب الجزور ؟ " قلت: نعم.
ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا ثم قال " أخبرني " فأخبرته بما كان من مسيرنا وما كان من أبي عبيدة وعمرو ومطاوعة أبي عبيدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح " قال: ثم أخبرته أن عمرا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماء لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ (3)، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته فأخبره فقال: والذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت لمت، لم أجد بردا قط مثله.
وقد قال تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغنا أنه قال شيئا (4).
وقال ابن اسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن مالك الاشجعي، قال: كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص، وهي غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها، وهم لا يقدرون
على أن يبعضوها، وكنت امرءا جازرا، فقلت لهم: تعطوني منها عشرا (5) على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا: نعم، فأخذت الشفرة فجزأتها مكاني، وأخذت منها جزءا، فحملته إلى أصحابي فاطبخناه وأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنى لك هذا اللحم يا عوف ؟ فأخبرتهما، فقالا: لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه، فلما أن قفل الناس من ذلك
__________
(1) الخبر نقله البيهقي في الدلائل من طريق أبي بكر بن داسة عن أبي داود ج 4 / 402 و 403 وما بين معكوفين زيادة من سنن أبي داود (1 / 56).
(2) في المغازي: 2 / 769: حدثني أفلح بن سعد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش..(3) في الواقدي: وتيمم.
(4) مغازي الواقدي 2 / 773 - 774 ورواه البيهقي عنه في الدلائل 4 / 402، وفيه أفلح بن سعيد.
(5) في ابن هشام: عشيرا، والعشير النصيب، فالجزور كانت تقسم على عشرة أجزاء، كل جزء منها عشير.
السفر، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو يصلي في بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال " أعوف بن مالك ؟ " فقلت: نعم بأبي أنت وأمي فقال " صاحب الجزور ؟ " ولم يزدني على ذلك شيئا.
هكذا رواه محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عوف بن مالك وهو منقطع بل معضل.
قال الحافظ البيهقي: وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط عن مالك بن زهدم (1) أظنه عن عوف بن مالك فذكر نحوه إلا أنه قال: فعرضته على عمر فسألني عنه، فأخبرته فقال: قد تعجلت أجرك ولم يأكله.
ثم حكى عن أبي عبيدة مثله ولم يذكر فيه أبا بكر وتمامه كنحو ما تقدم.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا علي بن عاصم، ثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي
عنده، قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك قال " عائشة ؟ " قلت: إني لست أسألك عن أهلك قال " فأبوها " قلت: ثم من ؟ قال " عمر " قلت: ثم من ؟ حتى عدد رهطا قال: قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا (2)، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق خالد بن مهران الحذاء عن أبي عثمان النهدي، وأسمه عبد الرحمن ابن مل، حدثني عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك ؟ قال " عائشة " قلت فمن الرجال ؟ قال " أبو ها " قلت ثم من ؟ قال " ثم عمر بن الخطاب " فعدد رجالا (3).
وهذا لفظ البخاري وفي رواية قال عمرو.
فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم ".
سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر قال الامام مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلثمائة قال جابر: وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد فأتوا أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع كله فكان مزودي تمر، فكان يفوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، قال: فقلت: وما تغني تمرة ؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت.
قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب، قال:
__________
(1) في الدلائل: هدم انظر الخبر ج 4 / 404 في باب ما جاء في الجزور التي نحرت في غزوة ذات السلاسل.
(2) دلائل النبوة ج 4 / 401.
(3) أخرجه البخاري في المناقب باب فضائل أبي بكر، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الحديث (8) ص (1856).
فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلته فرحلت ثم مر تحتها فلم يصبهما.
أخرجاه في الصحيحين (1) من حديث مالك بنحوه.
وهو في الصحيحين أيضا من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر قال: بعثنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم في ثلثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي ذلك الجيش جيش الخبط (2)، قال: ونحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ثلاثا فنهاه أبو عبيدة، قال: وألقى البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر وادهنا حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت ثم ذكر قصة الضلع (3) فقوله في الحديث نرصد عيرا لقريش دليل على أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية (4) والله أعلم.
والرجل الذي نحر لهم الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خيثمة، وهو زهير بن معاوية، عن أبي الزبير عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة.
قال: فقلت كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، قال: فانطلقنا إلى ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا به دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلثمائة حتى سمنا، ولقد كنا نغرف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه، فأقامها ثم رحل أعظم بعير منها فمر تحتها وتزودنا من لحمها وشايق (5) فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم شئ من لحمه تطعمونا ؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه (6).
__________
(1) الحديث رواه البيهقي في الدلائل ج 4 / 407 من طريق اسماعيل بن أبي أويس.
وأخرجه البخاري في الذبائح، ومسلم في الصيد والذبائح (4) باب (ح: 21).
(2) وردت في ابن سعد والواقدي تحت عنوان: سرية الخبط، والخبط ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره ويوخف بالماء.
(القاموس).
وكانت إلى سيف البحر، إلي حي من جهينة، قال ابن سعد:
بالقبلية وبينها وبين المدينة خمس ليال.
(3) البخاري في كتاب المغازي (65) باب (الحديث 4361) فتح الباري (8 / 77) ومسلم في الذبائح (4) باب الحديث (18) ص (1536).
(4) في ابن سعد: كانت في رجب سنة ثمان.
(5) وشايق: هي من اللحم يؤخذ فيغلى، دون أن ينضج ويحمل في الاسفار.
(6) رواه البيهقي في الدلائل ج 4 / 408.
ومسلم في (31) كتاب الصيد.
(4) باب.
الحديث 17
ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس وأبو داود عن النفيلي ثلاثتهم عن أبي خيثمة، زهير ابن معاوية الجعفي الكوفي، عن أبي الزبير، محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله الانصاري به.
قلت: ومقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية ولكن أوردناها ها هنا تبعا للحافظ البيهقي رحمه الله فإنه أوردها بعد مؤتة وقبل غزوة الفتح والله أعلم.
وقد ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة فقال: حدثنا عمرو بن محمد ثنا هشيم، أنبأنا حصين بن جندب، ثنا أبو ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الانصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ " قلت كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف.
ثم روى البخاري من حديث يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الاكوع قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات علينا مرة أبو بكر ومرة أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
ثم ذكر الحافظ البيهقي ها هنا موت النجاشي صاحب الحبشة على الاسلام ونعي رسول الله صلى الله عليه وسلم له إلى المسلمين وصلاته عليه.
فروى: من طريق مالك، عن الزهري،
عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات.
أخرجاه من حديث مالك وأخرجاه أيضا من حديث الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه.
وأخرجاه من حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مات اليوم رجل صالح فصلوا على أصحمة " (2) وقد تقدمت هذه الاحاديث أيضا والكلام عليها ولله الحمد.
قلت: والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير فإن في صحيح مسلم أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي وليس هو بالمسلم، وزعم آخرون كالواقدي أنه هو.
والله أعلم.
وروى الحافظ البيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي (3)، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن
__________
(1) دلائل النبوة 4 / 410 وأخرجه البخاري في 23 كتاب الجنائز (4) باب ومسلم في (11) كتاب الجنائز (22) باب (ح: 62).
ومالك في الموطأ: كتاب الجنائز.
(2) أخرجه البخاري في 23 كتاب الجنائز (65) باب.
ومسلم في (11) كتاب الجنائز (22) باب.
(3) مسلم بن خالد الزنجي، وهو مسلم بن خالد بن سعيد بن قرفة وإنما سمي الزنجي لحمرته وكان هو الذي يفتي بمكة بعد ابن جريج.
أم كلثوم قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال " قد أهديت إلى النجاشي أواق من مسك وحلة وإني لاراه قد مات، ولا أرى الهدية إلا سترد علي فإن ردت علي - أظنه قال - قسمتها بينكن أو فهي لك " قال فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات النجاشي وردت الهدية فلما ردت عليه أعطى امرأة من نسائه أوقية، من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة.
والله أعلم (1).
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
غزوة الفتح الاعظم وكانت في رمضان سنة ثمان وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع فقال تعالى (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) الآية.
[ الحديد: 10 ] وقال تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) [ سورة النصر ].
وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن اسحاق: حدثني الزهري، عن عروة ابن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أنهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فتواثبت خزاعة وقالوا نحن ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا.
ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء يقال له الوتير وهو قريب من مكة، وقالت قريش ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا من أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدها إياه: يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبيه وأبينا الا تلدا قد كنتموا ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا (2)
__________
(1) الحديث في الدلائل ج 4 / 412.
وقال البيهقي: قوله ولا أراه إلا قد مات يريد والله أعلم قبل بلوغ الهدية إليه وهذا القول صدر منه قبل موته ثم لما مات نعاه في اليوم الذي مات فيه وصلى عليه.
(2) يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية
فانصر رسول الله نصرا أبدا * وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا * وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا * فهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نصرت يا عمرو بن سالم " فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه وسأل الله أن يعمى على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم.
قال ابن اسحاق: وكان السبب الذي هاجهم أن رجلا من بني الحضرمي اسمه مالك بن عباد، من حلفاء الاسود بن رزن خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الاسلام على بني الاسود بن رزن الدئلي، وهم مفخر (2) بني كنانة وأشرافهم، سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم.
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من الدئل قال: كان بنو الاسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين [ ونودي دية دية، لفضلهم فينا ] (3) قال ابن اسحاق: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك إذ حجز بينهم الاسلام، فلما كان يوم الحديبية ودخل بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكانت الهدنة، اغتنمها بنو الدئل من بني بكر وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا من أولئك النفر، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه وهو يومئذ سيدهم وقائدهم، وليس كل بني بكر تابعه، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حاوزوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال: كلمة عظيمة لا إله اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم ؟ ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء بمكة وإلى دار
مولى لهم يقال له رافع، وقد قال الاخرز بن لعط الدئلي في ذلك: ألا هل أتى قصوى الاحابيش أننا * رددنا بني كعب بأفوق ناصل (4)
__________
(1) الوتير: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة.
(2) في ابن هشام: منخر: ويريد المتقدمين فيهم.
(3) من ابن هشام.
(4) الاحابيش: كل من حالف قريشا ودخل في عهدها من القبائل.
حبسناهم في دارة العبد رافع * وعند بديل محبسا غير طائل بدار الذليل الآخذ الضيم بعدما * شفينا النفوس منهم بالمناصل حبسناهم حتى إذا طال يومهم * نفخنا لهم من كل شعب بوابل نذبحهم ذبح التيوس كأننا * أسود تبارى فيهم بالقواصل هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم * وكانوا لدى الانصاب أول قاتل كأنهم بالجزع إذ يطردونهم * قفا ثور حفان النعام الجوافل (1) قال فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الاجب (2) وكان يقال له بديل بن أم أصرم فقال: تعاقد قوم يفخرون ولم ندع * لهم سيدا يندوهم غير نافل أمن خيفة القوم الاولى تزدريهم * تجيز الوتير خائفا غير آيل وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا * لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل ونحن صبحنا بالتلاعة (3) داركم * بأسيافنا يسبقن لوم العواذل ونحن منعنا بين بيض وعتود * إلى خيف رضوى من مجر القبائل ويوم الغميم قد تكفت ساعيا * عبيس فجعناه بجلد حلاحل (4) أإن أجمرت في بيتها أم بعضكم * بجعموسها تنزون إن لم نقاتل (5)
كذبتم وبيت الله ما إن قتلتموا * ولكن تركنا أمركم في بلابل قال ابن اسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة " قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين حتى لقوا أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا للذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل، في بطن هذا الوادي.
قال: فعمد أبو سفيان إلى مبرك ناقته، فأخذ من بعرها ففته فراى فيه النوى فقال:
__________
(1) قفاثور: ثور: جبل بمكة وقفاه وراءه.
وتروى فاثور: موضع بنجد.
(2) في الاستيعاب: الاخنس.
وقال في نسبه: هو أحد المنسوبين إلى أمهاتهم، وهو بديل بن سلمة بن خلف بن عمرو بن الاخنس بن مقياس بن حبتر بن عدي بن سلول بن كعب الخزاعي.
(3) من ابن هشام، وفي الاصل بالبلاغة دارهم.
والتلاعة: ماء لبني كنانة بالحجاز.
(4) تكفت: حاد عن طريقه.
والجلد: القوي.
الحلاحل: السيد.
(5) الجعموس: العذرة.
أجمرت: رمت به بسرعة.
أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني ؟ فقلت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال: يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر، [ ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئا ] ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر
لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها حسن غلام يدب بين يديهما، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال: ويحك أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت: والله ما بلغ ببني ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا الحسن، إني أرى الامور قد اشتدت علي فانصحني ؟ قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، فقال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال: لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك.
فقام أبو سفيان في المسجد.
فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما أن قدم على قريش قالوا ما وراءك ؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فوالله ما وجدت فيه خيرا، ثم جئت عمر فوجدته أعدى عدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بأمر صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا ؟ قالوا: بماذا أمرك ؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا هل أجاز ذلك محمد ؟ قالا: لا، قالوا: ويحك ما زادك الرجل على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت، فقال: لا والله ما وجدت غير ذلك (1).
(فائدة) ذكرها السهيلي.
فتكلم على قول فاطمة في هذا الحديث، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء في الحديث " ويجير على المسلمين أدناهم " قال: وجه الجمع بينهما بأن المراد بالحديث من يجير واحدا ونفرا يسيرا، وقول فاطمة فمن يجير عددا من غزو الامام إياهم فليس له ذلك.
قال كان سحنون وابن الماجشون يقولان: إن أمان المرأة موقوف على إجازة الامام لقوله لام هانئ " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قال ويروى هذا عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد وفي قوله عليه السلام " ويجير عليهم أدناهم " ما يقتضي دخول
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 38، ونقله عنه البيهقي في الدلائل 5 / 11 - 12
العبد والمرأة والله أعلم وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو (1) عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قالت: قالت خزاعة (2) اللهم إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا وقال موسى بن عقبة في فتح مكة: ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب، وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بني نفاثة وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق، واعتزلتهم بنو مدلج: ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم، سلمى (3) بن الاسود وكلثوم بن الاسود، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، فأغارت بنو الدئل على بني عمرو وعامتهم - زعموا نساء وصبيان وضعفاء الرجال - فألجؤهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة، فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له الذي أصابهم، وما كان من أمر قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " ارجعوا فتفرقوا في البلدان " وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخوف الذي كان، فقال: يا محمد اشدد العقد وزدنا في المدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولذلك قدمت، هل كان من حدث قبلكم ؟ " فقال: معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل، فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة ؟ فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لاعنتها عليكم، ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر بن الخطاب: ما كان من حلفنا جديد فأخلقه الله، وما كان منه مثبتا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله.
فقال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرا (4)، ثم دخل على عثمان فكلمه فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم،
فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها فقالت: إنما أنا امرأة وإنما ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: فأمري أحد ابنيك، فقالت: إنهما صبيان ليس مثلهما يجير، قال: فكلمي عليا، فقالت: أنت فكلمه، فكلم عليا، فقال له: يأبا سفيان إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات
__________
(1) وهو محمد بن عمرو بن وقاص الليثي.
(2) من البيهقي، وفي الاصل بنو كعب.
انظر الدلائل ج 5 / 13.
(3) في البيهقي عن موسى بن عقبة: سلم.
(4) في البيهقي عنه: سوءا ==
===========ج17. ج17 ج17.=============================================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
ج17.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك، قال: صدقت وأنا كذلك، فخرج فصاح ألا إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما اظن أن يخفرني أحد، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري ؟ فقال " أنت تقول [ ذلك ] (1) يا أبا حنظلة " فخرج أبو سفيان على ذلك فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان " اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة " وقدم أبو سفيان مكة فقالت له قريش: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال لا والله لقد أبى علي وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: التمس جوار الناس عليك ولا تجير أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا تخفر جواره فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أني قد أجرت بين الناس، وقلت: ما أظن أن تخفرني ؟ فقال: أنت تقول ذلك يأبا حنظلة، فقالوا - مجيبين له - رضيت بغير رضى، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا وإنما لعب بك علي لعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين، ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد قوم فما جئت بخير، قال ورأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
سحابا فقال " إن هذه السحاب لتبض (2) بنصر بني كعب " فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعد ما خرج [ من عنده ] أبو سفيان، ثم أخذ في الجهاز وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى، فقال لها: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام ؟ فسكتت فقال: أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو ؟ فصمتت.
فقال: يريد بني الاصفر - وهم الروم - ؟ [ فذكر من ذلك أمرا فيه منهم بعض المكروه في ذلك الزمان ] فصمتت قال: فلعله يريد أهل نجد [ فذكر منهم نحوا من ذلك ] ؟ فصمتت.
قال: فلعله يريد قريشا ؟ فصمتت قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله أتريد أن تخرج مخرجا ؟ قال: نعم، قال: فلعلك تريد بني الاصفر ؟ قال: لا، قال: أتريد أهل نجد ؟ قال: لا، قال فلعلك تريد قريشا ؟ قال: نعم، قال أبو بكر يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة ؟ قال " ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب " ! قال: وأذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الناس بالغزو، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب وذكر القصة كما سيأتي (3).
وقال محمد بن اسحاق: حدثني محمد بن جعفر
__________
(1) من البيهقي.
(2) في رواية البيهقي: لينصب.
(3) رواية موسى بن عقبة رواها ابن عبد البر مختصرة في الدرر (211 - 212) ونقلها البيهقي بتمامها في الدلائل (ج 5 / 9 - 12) وصححت الرواية من الدلائل وما بين معكوفين فيها زيادات استدركت من الدلائل عن موسى بن عقبة
عن عروة عن عائشة: أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة فقال ما هذا ؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ؟ قالت: نعم فتجهز قال: وإلى أين ؟ قالت: ما سمى لنا شيئا غير أنه قد أمرنا بالجهاز.
قال ابن اسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمر بالجد والتهيؤ وقال " اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها " فتجهز الناس
فقال حسان يحرض الناس ويذكر مصاب خزاعة: عناني ولم أشهد ببطحاء مكة * رجال بني كعب تحز رقابها (1) بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم * وقتلى كثير لم تجن ثيابها ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي * سهيل بن عمرو حرها وعقابها وصفوان عودا حز من شفر استه (2) * فهذا أوان الحرب شد عصابها فلا تأمننا يا بن أم مجالد * إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها (3) ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا * لها وقعة بالموت يفتح بابها قصة حاطب بن أبي بلتعة (4) قال محمد بن اسحاق: حدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الامر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله
__________
(1) صدره في الديوان: غبنا فلم نشهد ببطحاء مكة..رعاة الخ.
(2) في ابن هشام: وصفوان عودحن.
(3) عجزه في الديوان: إذا لقحت حرب وأعصل نابها.
وابن أم مجالد هو عكرمة بن أبي جهل.
(4) الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة.
وفي ابن هشام: خليقة ورواه أبو ذر " الخليقة " وتروى خليفة بالفاء.
قال أبو ذر: اسم موضع.
قال ياقوت: خليقة: منزل على اثني عشر ميلا من المدينة بينها وبين ديار بني سليم.
(5) حاطب بن أبي بلتعة من ولد لخم بن عدي يكنى أبا عبد الله وقيل يكنى أبا محمد واسم أبي بلتعة عمرو بن راشد بن معاذ اللخمي حليف قريش قاله ابن عبد البر في الاستيعاب وقيل انه من مذحج وقيل هو حليف للزبير بن العوام ويقال كان عبدا لعبيدالله بن حميد بن زهير بن الحرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي فكاتبه وأدى كتابته يوم
الفتح.
بعثه رسول الله صلى الله سنة ست بكتاب إلى المقوقس صاحب الاسكندرية.
شهد بدرا والحديبية ومات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه عثمان بن عفان.
(انظر ترجمته في طبقات ابن سعد 3 / 114 - المستدرك - 3 / 300 الاصابة 1 / 300 شذرات الذهب 1 / 37 مجمع الزوائد 9 / 303)
صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال " أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم " فخرجا حتى أدركاها بالحليفة (6) حليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها فالتمساه في رحلها، فلم يجدا فيه شيئا، فقال لها علي: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال " يا حاطب ما حملك على هذا ؟ " فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكنني كنت امرءا ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلاضرب عنقه فإن الرجل قد نافق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " وأنزل الله في حاطب (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) (أول سورة الممتحنة) إلى آخر القصة.
هكذا أورد ابن اسحاق هذه القصة مرسلة.
وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب: أن رسول الله قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده.
قال وفي تفسير ابن سلام أن حاطبا كتب، إن محمدا قد نفر فإما إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذر (1).
وقد قال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع سمعت عليا يقول: بعثني
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد (2) فقال " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (3) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب.
قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا حاطب ما هذا ؟ " فقال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءا ملصقا (4) في قريش - يقول كنت حليفا - ولم أكن من أنفسها وكان من
__________
(1) جاء في مغازي الواقدي: كتب حاطب إلى ثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل: " إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم ".
ودفع الكتاب إلى امرأة من مزينة من أهل العرج يقال لها كنود.
(2) اختلفت الروايات فيمن أرسل النبي صلى الله عليه وسلم ليلحق بالمرأة ليأتي بكتاب ابن أبي بلتعة: ففي رواية: علي والزبير والمقداد، وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي، علي وأبا مرثد الغنوي والزبير.
وفي رواية الواقدي: علي والزبير ووافقه الطبري في تاريخه.
وفي ابن سعد: علي والمقداد.
(3) روضة خاخ: على بريد من المدينة.
(4) الملصق: الرجل المقيم في الحي والحليف لهم، وقال السهيلي: كنت عريرا، والعرير: الغريب.
معك من المهاجرين من لهم قرابات [ بمكة ] يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون [ بها ] قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما إنه قد صدقكم " فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ؟ فقال " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " (1) فأنزل الله سورة (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) إلى قوله (فقد ضل سواء السبيل) وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة.
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال الامام أحمد ثنا حجين ويونس
قالا: حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها وقال " يا حاطب أفعلت ؟ " قال نعم، قال أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا.
قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره غير أني كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت والدتي معهم فأردت أن أتخذ يدا عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا ؟ فقال " أتقتل رجلا من أهل بدر وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم " (2).
تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الامام أحمد وإسناده على شرط مسلم ولله الحمد.
فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري (3)، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد (4) بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل من الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، وقال عروة بن الزبير: كان معه اثنا عشر ألفا.
وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة، فسبعت سليم، وبعضهم يقول ألفت سليم، وألفت مزينة.
وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والانصار، فلم يتخلف عنه منهم
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد - باب الجاسوس (ح: 3007) وفي تفسير سورة الممتحنة (ح: 4890) وفي كتاب المغازي (46) باب.
وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة 36 باب (ح: 161).
وأبو داود في الجهاد، والترمذي في تفسير سورة الممتحنة، وأبو يعلى والحاكم وعبد بن حميد والواقدي وابن مردويه.
(2) مسند الامام أحمد ج 1 / 79.
(3) في ابن سعد: عبد الله بن أم مكتوم.
(4) الكديد: موضع بين مكة والمدينة بين منزلتي أمج وعسفان، وهو اسم ماء، وهو أقرب إلى مكة من عسفان.
أحد (1).
وروى البخاري: عن محمود، عن عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري نحوه.
وقد روى البيهقي: من حديث عاصم بن علي، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري: أخبرني عبيدالله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان.
قال: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك، لا أدري أخرج في ليال من شعبان، فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعدما دخل ؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الكديد - الماء الذي بين قديد وعسفان - أفطر، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر (2).
ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان.
وقال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاووس عن ابن عباس قال: سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة.
قال وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر.
وقال يونس عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله عن ابن عباس قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفرة الفتح واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام، وصام الناس معه حتى أتى الكديد بين عسفان وأمج فأفطر، ودخل مكة مفطرا فكان الناس يرون آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر، وأنه نسخ ما كان قبله.
قال البيهقي: فقوله خرج لعشر من رمضان مدرج في الحديث، وكذلك ذكره عبد الله بن ادريس عن ابن اسحاق، ثم روى: من طريق يعقوب بن سفيان، عن جابر (3) عن يحيى عن صدقة عن ابن إسحاق أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان سنة ثمان.
ثم روى البيهقي: من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان الفتح لثلاث عشر خلت من شهر رمضان.
قال البيهقي: وهذا الادراج وهم إنما هو من كلام الزهري، ثم روى: من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال: غزا
رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح - فتح مكة - فخرج من المدينة في رمضان، ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة.
وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان.
وروى البيهقي من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ومعه عشرة ألاف من
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 42، وأخرجه البخاري في كتاب المغازي (47) باب الحديث 4276 ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 21.
(2) دلائل النبوة ج 5 / 21 والبخاري في كتاب المغازي (47) باب (الحديث 4275).
(3) في البيهقي: عن حامد بن يحيى.
المسلمين، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر.
فقال (1) الزهري: وإنما يؤخذ بالاحدث فالاحدث.
قال الزهري: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، ثم عزاه إلى الصحيحين (2) من طريق عبد الرزاق والله أعلم.
وروى البيهقي: من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن عطية بن قيس [ عن قزعة بن يحيى ] (3) عن أبي سعيد الخدري قال: آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر، فأصبح الناس مرحى (4) منهم الصائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدو [ فيه ] (5) أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين (6).
وقد رواه الامام أحمد: عن أبي المغيرة عن سعيد بن عبد العزيز، حدثني عطية بن قيس، عمن حدثه عن أبي سعيد الخدري قال: آذننا رسول الله بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله بالفطر فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر حتى إذا بلغ أدنى منزل يلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون.
قلت: فعلى ما ذكره الزهري من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، وما ذكره أبو سعيد من أنهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في
إحدى عشرة ليلة.
ولكن روى البيهقي: عن أبي الحسين بن الفضل، عن عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن الحسن بن الربيع، عن ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري ومحمد بن علي بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم قالوا: كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان (7).
قال أبو داود الطيالسي (8): ثنا وهيب، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر عن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم والناس معه مشاة وركبانا وذلك في شهر رمضان (1) في البيهقي: قال الازهري: وكان الفطر آخر الامرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الآخر فالآخر.
وهو أيضا كذلك في البخاري.
(2) في البخاري في كتاب المغازي (47) باب الحديث (4276) ومسلم في (13) كتاب الصيام، (15) باب (ح: 88) وجاء في نسخ البداية المطبوعة: في الصحيحين وهو تحريف.
(3) سقطت من الاصل، واستدركت من دلائل البيهقي: (4) وفي البيهقي: شرجين، وفي سيرة ابن كثير: مرضى.
(5) من دلائل البيهقي.
(6) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 24 وأخرجه الترمذي في صحيحه 24 كتاب الجهاد (13) باب وقال: حديث حسن صحيح.
(7) دلائل البيهقي 5 / 24.
(8) في رواية البيهقي عن أبي داود: قال: حدثنا وهيب، عن جعفر بن محرز عن أبيه عن جابر بن عبد الله.
فقيل يا رسول الله إن الناس قد اشتد عليهم الصوم وإنما ينظرون كيف فعلت ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فرفعه فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس، وأفطر البعض حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أولئك العصاة " (1) وقد رواه مسلم من حديث الثقفي والدراوردي عن جعفر بن محمد.
وروى الامام أحمد: من حديث محمد بن
اسحاق حدثني بشير بن يسار عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان.
فصام وصام المسلمون معه، حتى إذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته فشرب والناس ينظرون يعلمهم أنه قد أفطر، فأفطر المسلمون، تفرد به أحمد.
فصل في إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة أم المؤمنين وهجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة.
قال ابن اسحاق: وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض فيما ذكره ابن شهاب الزهري.
قال ابن اسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بنيق العقاب، فيما بين مكة والمدينة والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله إن ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال " لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال " (2) قال فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الارض ثم نموت عطشا وجوعا.
فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما (3)، وأنشد أبو سفيان قوله في
__________
(1) في مسلم: " أولئك العصاة أولئك العصاة " هكذا هو مكرر مرتين.
وهذا محمول على من تضرر بالصوم.
أو انهم امروا بالفطر أمرا جازما، لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر، عاصيا إذا لم يتضرر به.
(2) قال له يومذاك: والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا انظر، ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون ان الله قد أرسلك.
قاله السهيلي (الروض 2 / 267).
وقال الواقدي في مغازيه: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه معاداة لم يعاد أحد قط.
ولم يكن دخل الشعب وهجا
رسول الله وهجا أصحابه.
ومكث (على قول الواقدي) عشرين سنة عدوا لرسول الله، لا يتخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 42 ومغازي الواقدي ج 2 / 810 وقال الواقدي وجها آخر لاسلام أبي سفيان رواه من =
إسلامة واعتذر إليه مما كان مضى منه: لعمرك أني يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد لكا لمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى وأهتدى هدا بي هاد غير نفسي ونالني * مع الله من طردت كل مطرد (1) أصد وأنأى جاهدا عن محمد * وأدعى وإن لم أنتسب من محمد هموا ما هموا من لم يقل بهواهم * وإن كان ذا رأي يلم ويفند أريد لارضيهم ولست بلائط * مع القوم ما لم أهد في كل مقعد فقل لثقيف لا أريد قتالها * وقل لثقيف تلك عيري أوعدي فما كنت في الجيش الذي نال عامر * وما كان عن جري لساني ولا يدي قبائل جاءت من بلاد بعيدة * نزائع جاءت من سهام وسردد (2) قال ابن اسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالني مع الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في صدره وقال " أنت طردتني كل مطرد ".
فصل ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران نزل فيه فأقام كما روى البخاري: عن يحيى بن بكير عن الليث، ومسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب كلاهما عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتني الكباث (3)، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " عليكم بالاسود منه فإنه أطيب " قالوا: يا رسول الله أكنت ترعى الغنم ؟ قال: " نعم وهل من نبي إلا وقد رعاها " وقال البيهقي: عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد
الجبار، عن يونس بن بكير، عن سنان بن إسمعيل، عن أبي الوليد سعيد بن مينا قال: لما فرغ أهل مؤتة (4) ورجعوا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى مكة، فلما انتهى إلى مر الظهران نزل بالعقبة، فأرسل الجناة يجتنون الكباث، فقلت لسعيد وما هو ؟ قال ثمر الاراك، قال: فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني، قال: فجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه، وكانوا ينظرون
__________
= طريق عبد الرحمن بن سابط.
راجع المغازي 2 / 806.
(1) لما التقى به رسول الله في نيق العقاب ذكره به قائلا: بل الله طردك كل مطرد.
فقال: يا رسول الله هذا قول قلته بجهالة وأنت أولى الناس بالعفو والحلم.
(2) سهام وسردد: موضعان من أرض عك.
(3) الكباث: النضيج من ثمر الاراك، حبة فويق حب الكزبرة في القدر.
(4) من البيهقي: وفي الاصل: أهل مكة ولعله سهو من الناسخ.
إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعجبون من دقة ساقيه فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد " وكان ابن مسعود ما اجتنى من شئ جاء به وخياره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك: هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه (1) وفي الصحيحين عن أنس قال: أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذيها فقبله.
وقال ابن اسحاق: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقد عميت الاخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الاخبار وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به (2).
وذكره ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون وخزاعة لا تدع أحدا يمضي وراءها، فلما جاء أبو سفيان وأصحابه
أخذتهم خيل المسلمين وقام إليه عمر يجأ في عنقه حتى أجاره العباس بن عبد المطلب وكان صاحبا لابي سفيان (3).
قال ابن اسحاق: وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قلت: واصباح قريش ! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الاراك فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة، قال: فوالله إني لاسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا.
قال يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
قال فعرفت صوته فقلت يأبا حنظلة ؟ فعرف صوتي، فقال أبو الفضل ؟ قال قلت: نعم، قال مالك فدى لك أبي وأمي ؟ قال قلت: وحيك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فقال: واصباح قريش والله، فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، قال فركب خلفي ورجع صاحباه (4).
وقال عروة: بل ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما وجعل يستخبرهما
__________
(1) دلائل النبوة للبيهقي 5 / 29 ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 317 وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
وقال الذهبي: صحيح.
(2) سيرة ابن هشام ج 4 / 42.
(3) الخبر نقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 36.
(4) سيرة ابن هشام 4 / 44.
عن أهل مكة (1).
وقال الزهري وموسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
قال ابن اسحاق: قال فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا ؟
فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها، قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا ؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ؟ وزعم عروة ابن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبي سفيان وأراد قتله فمنعه منه العباس.
وهكذا ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوهم بأزمة جمالهم فقالوا من أنتم ؟ قالوا وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهم العباس فدخل بهم على رسول الله فحادثهم عامة الليل ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فشهدوا وأن محمدا رسول الله فشهد حكيم وبديل وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك ثم أسلم بعد الصبح ثم سألوه أن يؤمن قريشا فقال: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وكانت بأعلا مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن - وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن " قال العباس: ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطئ، قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلاضرب عنقه ؟ قال قلت: يا رسول إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قال قلت: مهلا يا عمر فوالله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال مهلا يا عباس، فوالله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب [ لو أسلم ] (3)، فقال رسول الله " اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به " قال: فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما [ رآه قال ] " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ " فقال بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظنتت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد، قال " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ " قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك
وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا، فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد
__________
(1) الدرر لابن عبد البر (216) ونقل الخبر البيهقي في الدلائل 5 / 37.
(2) وهذه رواية الواقدي عن ابن عباس: قال: دخلوا مع العباس (الثلاثة) على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الاسلام.
فأما حكيم وبديل فأسلما، وأما أبو سفيان فأرجأها.
2 / 815.
(3) من ابن هشام .
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك ؟ قال: فشهد شهادة الحق فأسلم، قال العباس: فقلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا ؟ قال: " نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " زاد عروة: ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن " وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن " فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عباس أحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها " وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل، وذكر أن سعدا لما قال لابي سفيان: اليوم يوم الملحمة.
اليوم تستحل الحرمة، فشكى أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن راية الانصار وأعطاها الزبير بن العوام (1) فدخل بها من أعلا مكة وغرزها بالحجون، ودخل خالد من أسفل (2) مكة فلقيه بنو بكر وهذيل فقتل من بني بكر عشرين (3) ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا فقتلوا بالحزورة (4) حتى بلغ قتلهم باب المسجد قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، قال ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول سليم فيقول مالي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول مزينة فيقول مالي ولمزينة، حتى نفذت القبائل ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والانصار
لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء ؟ قال قلت: هذا رسول الله ص) في المهاجرين والانصار، قال: ما لاحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! قال: قلت: يأبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذن، قال قلت النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلا صوته يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الاحمس قبح من طليعة قوم، فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك ؟ قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بأبي سفيان قال له: إني لارى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه علي ؟
__________
(1) في الواقدي: ان رسول الله عزله وأعطاها ابنه قيس بن سعد، وفي رواية أخرى له، قال: ويقال ان رسول الله أعطاها عليا بن أبي طالب فغرزها عند الركن.
(2) في الواقدي: من الليط، وهو موضع بأسفل مكة (معجم ما استعجم).
(3) في الواقدي: قتل أربعة وعشرين رجلا من قريش.
(4) الحزورة: سوق مكة وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه.
(معجم البلدان).
فقال له رسول الله: " أنت فعلت هذا وقومك إن هؤلاء صدقوني، إذ كذبتموني ونصروني إذ أخرجتموني " ثم شكى إليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال: يا أبا سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة.
فقال رسول الله: " كذب سعد بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة " وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند العباس ورأى الناس يجنحون للصلاة وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس ما بالهم ؟ قال إنهم سمعوا النداء فهم ينتشرون للصلاة، فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون بركوعه
ويسجدون بسجوده قال: يا عباس ما يأمرهم بشئ إلا فعلوه ؟ قال: نعم والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لاطاعوه.
وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أنه لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتكففون، فقال يا عباس ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر (1).
وقد روى الحافظ البيهقي: عن الحاكم وغيره، عن الاصم، عن أحمد بن الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن اسحاق: حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي عن ابن إسحاق منقطعة فالله أعلم.
على أنه قد روى البيهقي: من طريق أبي بلال الاشعري عن زياد البكائي، عن محمد بن اسحاق، عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكر القصة إلا أنه ذكر أنه أسلم ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " قال أبو سفيان وما تسع داري ؟ فقال " ومن دخل الكعبة فهو آمن " قال وما تسع الكعبة ؟ فقال " ومن دخل المسجد فهو آمن " قال وما يسع المسجد فقال " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " فقال أبو سفيان: هذه واسعة.
وقال البخاري: حدثنا عبيد بن اسمعيل، ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه كأنها نيران عرفة ؟ فقال بديل بن ورقاء نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان فلما سار قال للعباس " احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين " فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة فقال يا عباس من هذه ؟ قال هذه غفار قال: مالي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال من هذه ؟ قال هؤلاء الانصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية،
__________
(1) رواية عروة نقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 38.
ورواية ابن عقبة أخرجها ابن عبد البر في الدرر (217) ونقلها عنه البيهقي في الدلائل ج 5 / 40.
فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة.
فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وراية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة فقال ؟ ما قال ؟ قال كذا وكذا فقال " كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله الكعبة " ويوم تكسى فيه الكعبة " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون.
قال عروة: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: هاهنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية ؟ قال: نعم، قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلا مكة من كداء ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حنيش بن الاشعر (1) وكرز بن جابر الفهري.
وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن آدم، ثنا [ ابن ] (2) ادريس: عن محمد بن اسحاق، عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان ابن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئا ؟ قال " نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " (3).
صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة ثبت في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه " (4) قال مالك: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى والله أعلم محرما.
وقال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، أنبأ أبو الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء.
ورواه أهل السنن الاربعة من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حسن
صحيح.
ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى عن معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام (5).
وروى مسلم من حديث أبي أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: كأنى أنظر إلى
__________
(1) في رواية البيهقي عنه: حبيش بن الاشقر وهو حبيش بن خالد بن ربيعة بن الاشقر الكعبي أخو أم معبد.
وفي ابن سعد: خالد الاشقر الخزاعي.
(2) من سنن أبي داود، سقطت من الاصل.
(3) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والامارة باب ما جاء في خبر مكة (الحديث 3021) ص (3 / 162).
(4) أخرجه البخاري في 28 كتاب جزاء الصيد (18) باب.
وأخرجه مسلم في 15 كتاب الحج (84) باب الحديث (450).
وأخرجه مالك في الموطأ في (20) كتاب الحج (81) باب الحديث (247) ص (1 / 423) بالزيادة، ولم يذكرها صاحبا الصحيحين.
ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 63.
(5) صحيح مسلم الحديث 451 من كتاب الحج (84) باب.
ونقله البيهقي في دلائله ج 5 / 67.
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة حرقانية سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه (1).
وروى مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء.
وروى أهل السنن الاربعة من حديث يحيى بن آدم عن شريك القاضي عن عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر قال: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة أبيض.
وقال ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عائشة: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض ورايته سوداء تسمى العقاب، وكانت قطعة من مرط مرجل (2).
وقال البخاري: ثنا أبو الوليد ثنا شعبة، عن عبد الله بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع وقال لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع (3).
وقال محمد بن اسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء (4) وأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ، أنبأ دعلج بن أحمد، ثنا أحمد بن علي الابار، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي (5) ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعا.
وقال أنبأ أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر [ محمد بن أحمد ] بن بالويه، ثنا أحمد بن [ محمد بن ] صاعد ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس عن ابن مسعود أن رجلا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال [ النبي صلى الله عليه وسلم ] " هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد " (6) قال: وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس وأحمد بن يحيى ابن زهير عن إسماعيل بن أبي الحارث موصولا.
ثم رواه عن أبي زكريا المزكي، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون عن إسماعيل عن (7) قيس مرسلا
__________
(1) صحيح مسلم - كتاب الحج - (84) باب.
حديث: 453.
وأخرجه النسائي في سننه (8 / 211).
والبيهقي في الدلائل ج 5 / 68.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 19 ونقل الخبر البيهقي 5 / 68.
(3) أخرجه البخاري عن أبي الوليد في المغازي، وعن مسلم بن ابراهيم في التفسير وعن حجاج بن منهال في كتاب فضائل القرآن وعن أحمد بن أبي سريج في كتاب التوحيد (50) باب، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة.
باب ذكر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفتح يوم فتح مكة.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 47.
والحبرة: ضرب من ثياب اليمن.
ونقل الخبر عنه البيهقي في الدلائل ج 5 / 68.
(5) من دلائل البيهقي 5 / 68.
وفي الاصل: المقدسي.
(6) الخبر في الدلائل.
وما بين معكوفين فيه، زيادة استدركت منها انظر ج 5 / 69.
(7) من الدلائل، وفي الاصل بن تحريف.
وهو المحفوظ وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله صلى الله عليه وسلم مكة في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بني اسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود - أي ركع - يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة.
وقال البخاري: ثنا القاسم بن خارجة، ثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء التي بأعلا مكة، تابعه أبو أسامة ووهب في كداء.
حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من أعلا مكة من كداء وهو أصح إن أراد أن المرسل أصبح من المسند المتقدم انتظم الكلام، والا فكداء بالمد هي المذكورة في الروايتين وهي في أعلا مكة وكدى مقصور في أسفل مكة وهذا هو المشهور والانسب.
وقد تقدم أنه عليه السلام بعث خالد بن الوليد من أعلا مكة ودخل هو عليه السلام من أسفلها من كدى وهو في صحيح البخاري والله أعلم.
وقد قال البيهقي: أنبا أبو الحسن (1) بن عبد ان، أنبا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن ابراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا معن، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص (2)، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأتى النساء يلطمن وجوه الخيل [ بالخمر ] (3) فتبسم إلى أبي بكر وقال: " يا أبا بكر كيف قال حسان ؟ " فأنشده أبو بكر رضي الله عنه: عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع من كتفي كداء ينازعن الاعنة مسرجات * يلطمهن بالخمر النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ادخلوها من حيث قال حسان ".
وقال محمد بن اسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية اظهري بي على أبي قبيس، قالت وقد كف بصره، قالت فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية ماذا ترين ؟ قالت أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال: أي بنية ذلك الوازع - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها - ثم قالت: قد والله
انتشر السواد، فقال: قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، قال: وفي عنق الجارية طوق من ورق (4) فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها،
__________
(1) من دلائل البيهقي، وفي الاصل أبو الحسين.
(2) العبارة في دلائل البيهقي: ثنا عبد الله بن الصقر قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر قال: حدثنا معن قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن جعفر بن حفص.
(3) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل.
ج 5 / 66.
(4) ورق: أي قلادة من فضة.
قال الواقدي واسم بنت أبي قحافة: قريبة.
قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه.
فاجلسه بين يديه، ثم مسح صدره ثم قال: اسلم فأسلم، قالت: ودخل به أبو بكر وكأن رأسه كالثغامة بياضا.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " غيروا هذا من شعره " ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والاسلام طوق أختي ؟ فلم يجبه أحد، قالت (1) فقال: أي أخية احتسبي طوقك، فوالله إن الامانة في الناس اليوم لقليل.
يعني به الصديق ذلك اليوم على التعيين لان الجيش فيه كثرة ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس ولعل الذي أخذه تأول أنه من حربي والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أنبا [ أبو ] (2) عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس الاصم، أنبا بحر بن نصر، أنبا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فلما وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " غيروه ولا تقربوه سوادا " قال ابن وهب وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ ابا بكر باسلام أبيه (3).
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء (4)، وكان الزبير على المجنبة
اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى (5).
قال ابن اسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل [ من المهاجرين ] (6) قال ابن هشام يقال: إنه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله أتسمع ما يقول سعد بن عبادة ؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعلي " أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها ".
قلت: وذكر غير محمد بن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد ابن عبادة حين مر به، وقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم " بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة " وأمر بالراية - راية الانصار - أن تؤخذ من سعد
__________
(1) من ابن هشام وفي الاصل قال تحريف.
(2) من دلائل البيهقي، سقطت من الاصل.
(3) دلائل البيهقي ج 5 / 96.
ونقله الصالحي في السيرة الشامية ج 5 / 352 وخبر اسلام أبي قحافة في مسند الامام والطبراني برجال ثقات.
والواقدي عن أسماء 2 / 824 ونهاية الارب (17 / 310).
(4) في ابن هشام: كدى وهوموضع بأسفل مكة.
وكداء موضع بأعلى مكة وهي الثنية التي عند المقبرة وتسمى تلك الناحية المعلاة.
ومنها " كداء " دخل النبي مكة.
(5) في ابن هشام: كداء.
(6) من ابن هشام.
ابن عبادة كالتأديب له، ويقال إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها إلى الزبير بن العوام فالله أعلم.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن اسحاق بن دينار، ثنا عبد الله بن السري الانطاكي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد.
وحدثني موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة فجعل يهزها ويقول:
اليوم يوم الملحمة يوم تستحل الحرمة.
قال فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم، قال فعارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره وأنشأت تقول (1): حين ضاقت عليهم سعة الار * ض وعاداهم إله السماء (2) إن سعدا يريد قاصمة الظه * ر بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغي * ظ رمانا بالنسر والعواء فانهينه فإنه الاسد الاس * ود والليث والغ في الدماء فلئن أقحم اللواء ونادى * يا حماة اللواء أهل اللواء لتكونن بالبطاح قريش * بقعة القاع في أكف الاماء إنه مصلت يريد لها الرأ * ي صموت كالحية الصماء قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد، قال: فيروى أنه عليه الصلاة والسلام أحب أن لا يخيبها إذ رغبت إليه واستغاثت به، وأحب أن لا يغضب سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه.
قال ابن اسحاق: وذكر ابن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر (3) حتى نزل بأعلا مكة فضربت له هنالك قبته (4).
وروى البخاري: من حديث الزهري عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدا ؟ فقال " وهل ترك لنا عقيل من رباع " ثم قال " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " (5).
__________
(1) نسب السهيلي هذه الابيات إلى ضرار بن الخطاب (انظر الروض ص 2 / 271).
(2) بعده في الروض: والتقت حلقتا البطان على القوم * ونودوا بالصيلم الصلعاء
(3) أذاخر: ثنية بين مكة والمدينة، (معجم ما استعجم).
(4) الخبر في سيرة ابن هشام: 4 / 49.
(5) أخرجه البخاري في كتاب المغازي الحديث (4282)، وأخرجه مسلم في 15 كتاب الحج (80) باب.
=
ثم قال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب ثنا أبو الزناد (1) عن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف حيث تقاسموا على الكفر " (2) وقال الامام أحمد ثنا يونس ثنا ابراهيم - يعني ابن سعد - عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر " (3) ورواه البخاري من حديث ابراهيم بن سعد به نحوه.
وقال ابن اسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه، فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى ؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شئ، قال: والله إني لارجو أن أخدمك بعضهم.
ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي عله * هذا سلاح كامل واله وذو غرارين سريع السلة قال ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهو وحنيش (4) بن خالد بن ربيعة ابن أصرم حليف بني منقذ وكانا في جيش خالد، فشذا عنه، فسلكا غير طريقه فقتلا جميعا، وكان قتل كرز قبل حنيش (5) قالا: وقتل من خيل خالد أيضا سلمة بن الميلاء الجهني وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته أغلق علي بابي، قالت: فأين ما كنت تقول ؟ فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه * إذ فر صفوان وفر عكرمه وأبو يزيد قائم كالمؤتمه * واستقبلتهم بالسيوف المسلمه (6)
__________
= الحديث (440) وأخرجه أحمد في مسنده ج 5 / 201 و 202.
وابن ماجه في كتاب المناسك 26 باب.
(1) من صحيح البخاري، وفي الاصل أبو الزبير تحريف.
(2) أخرجه البخاري: فتح الباري 8 / 14 الحديث رقم 4284.
- والخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء.
- قوله تقاسموا على الكفر: أي قريشا لما تحالفت أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يؤوهم وحصروهم في الشعب.
(3) مسند الامام أحمد: ج 5 / 202.
(4) في ابن هشام: خنيس، والصواب كما تقدم حبيش.
(5) في ابن هشام: قتل خنيس بن خالد قبل كرز، فجعله كرز بين رجليه، ثم قاتل عنه حتى قتل.
(6) أبو يزيد: يقصد سهيل بن عمرو.
والمؤتمة: الاسطوانة من قولهم وتم وأتم إذا ثبت.
وتروى الموتمة.
ومعناها =
يقطعن كل ساعد وجمجمه * ضربا فلا يسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة قال ابن هشام: وتروى هذه الابيات للرعاش الهذلي، قال وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بني عبد الله، وشعار الاوس يا بني عبيد الله.
وقال الطبراني ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا أبو حسان الزيادي، ثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن طاووس، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والارض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وأنه لا يحل لاحد قبلي، وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان " فقيل له هذا خالد بن الوليد يقتل ؟ فقال " قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل " فأتاه الرجل
فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول أقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين إنسانا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال " ألم أنهك عن القتل ؟ " فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه، فأرسل إليه " ألم آمرك ؟ " قال أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك، وما استطعت إلا الذي كان.
فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما رد عليه شيئا.
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم، عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد أهدر دمه فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال " نعم " فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله " فقالوا يا رسول الله هلا أومأت إلينا ؟ فقال " إن النبي لا يقتل بالاشارة " وفي رواية " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الاعين " قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان.
قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته كما سيأتي بيانه.
قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب.
قلت: ويقال إن اسمه عبد العزى بن خطل ويحتمل أنه كان كذلك ثم لما أسلم سمي عبد الله ولما أسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الانصار، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان فرتنى (1) وصاحبتها فكانتا تغنيان
__________
= الايم التي مات عنها زوجها.
قاله السهيلي في الروض (2 / 272).
(1) في الواقدي: اسماهما: قرينا وقريبة، قال، ويقال: فرتنا وأرنبة.
بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترك في قتله أبو برزة الاسلمي وسعيد بن حريث المخزومي وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن
للاخرى (1).
قال والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصي وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة يلحقهما برسول الله صلى الله عليه وسلم أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذي هما عليه فسقطتا إلى الارض، فلما أهدر دمه قتله علي ابن أبي طالب، قال: ومقيس بن صبابة لانه قتل قاتل أخيه خطأ بعدما أخذ الدية ثم ارتد مشركا، قتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبد الله.
قال وسارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة ابن أبي جهل لانها كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بمكة.
قلت: وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحملت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة وكأنها عفى عنها أو هربت ثم أهدر دمها والله أعلم.
فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها فعاشت إلى زمن عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت.
وذكر السهيلي أن فرتنى أسلمت أيضا.
قال ابن اسحاق: وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام واستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه فذهبت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.
وقال البيهقي: أنبا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمس الفقيه، أنبا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنبا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط بن نصر الهمداني، قال زعم السدي: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم [ فتح ] مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين.
وقال " اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " وهم عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد ابن أبي سرح.
فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله.
وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف فقال أهل السفينة لاهل السفينة: أخلصوا فإن آلتهكم لا تغنى عنكم شيئا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينج في البحر إلا الاخلاص فإنه لا ينجي في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلاجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي
سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني
__________
(1) في مغازي الواقدي 2 / 860 قتلت أرنبة، واستؤمن لفرتنى وآمنت وعاشت إلى أيام عثمان، وكسر ضلع من اضلاعها فماتت منه فقضى فيها عثمان ثمانية آلاف درهم.
كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟ " فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك ؟ فقال: " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الاعين " (1).
ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه.
وقال البيهقي أنبا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس الاصم، أنبا أبو زرعة الدمشقي، ثنا الحسن بن بشر الكوفي، ثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة، عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة.
وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فأما عبد العزى بن خطل فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، قال: ونذر رجل [ من الانصار ] أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح إذا رآه.
وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له، فلما أبصر به الانصاري اشتمل على السيف ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه، ثم قال للانصاري " قد انتظرتك أن توفي بنذرك ؟ " قال يا رسول الله هبتك أفلا أومضت إلي ؟ قال " إنه ليس للنبي أن يومض ".
وأما مقيس بن صبابة فذكر قصته في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه ثم ارتداده بعد ذلك، قال وأما أم سارة فكانت مولاة لقريش، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الحاجة فأعطاها شيئا، ثم بعث معها رجل بكتاب إلى أهل مكة فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة (2).
وروى محمد ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن مقيس بن صبابة قتل أخوه هشام يوم بني المصطلق قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا فقدم مقيس مظهرا للاسلام
ليطلب دية أخيه، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع إلى مكة مشركا، فلما أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قتل وهو بين الصفا والمروة وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه وهو قوله: شفي النفس من قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم وتنسيني وطاء المضاجع قتلت به فهرا وغرمت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع حللت به نذري وأدركت ثورتي * وكنت إلى الاوثان أول راجع قلت: وقيل إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا وأن ابن عمه قتله بين
__________
(1) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 59 - 60.
(2) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 60.
- أبو زرعة: وهو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي.
- ما بين معكوفين من الدلائل.
- في الدلائل: أومأت إلي بدلا من أومضت في المكانين.
الصفا والمروة.
وقال بعضهم: قتل ابن خطل الزبير بن العوام رضي الله عنه.
قال ابن اسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة، مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانئ ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلا مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم - قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة (1) - قال ابن اسحاق: وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال: والله لاقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلا مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لاثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال " مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك ؟ " فأخبرته خبر
الرجلين وخبر علي، فقال " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا يقتلهما " وقال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ فإنها ذكرت يوم فتح مكة [ أن النبي صلى الله عليه وسلم ] اغتسل في بيتها ثم صلى ثمان ركعات، قالت ولم أره على صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود (2).
وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن أبي هند أن أبا مرة مولى عقيل حدثه: أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته: أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما، قالت فدخل علي علي فقال أقتلهما، فلما سمعته أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلا مكة فلما رآني رحب وقال " ما جاء بك ؟ " قلت يا نبي الله كنت أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبا فالتحف به ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى (3).
وفي رواية أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال " من هذه ؟ " قالت أم هانئ قال " مرحبا بأم هانئ " قالت: يا رسول الله زعم ابن أم علي بن أبي
__________
(1) الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي أبو عبد الرحمن شقيق أبو جهل من مسلمة الفتح استشهد في خلافة عمر.
والثاني زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أخو أم سلمة، كان ممن نقض الصحيفة اسلم وحسن اسلامه.
وقيل انهما الحارث وهبيرة بن أبي وهب، والمعروف أن هبيرة هرب عند الفتح وقيل جعدة بن هبيرة.
قال الزرقاني كان صغير عام الفتح.
(راجع شرح المواهب اللدنية 2 / 327).
(2) اخرجه البخاري في 8 كتاب الصلاة (4) باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به.
- أم هاني: هي بنت أبي طالب الهاشمية اسمها فاختة، وقيل: هند، أسلمت عام الهجرة لها صحبة، بقيت إلى زمن معاوية ولها أحاديث (شرح المواهب للزرقاني 2 / 326).
(3) صحيح مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين (13) باب حديث 82 و 83.
طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما ؟ فقال " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت ثم صلى ثماني ركعات وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى.
وقال آخرون بل كانت هذه صلاة الفتح وجاء التصريح بأنه كان يسلم من كل ركعتين وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة، وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ولله الحمد.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (1) له الناس في المسجد.
وقال موسى بن عقبة ثم سجد سجدتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه والمشركون يتعجبون من ذلك، ويقولون ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت.
قال محمد بن اسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الابل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) الآية كلها ثم قال " يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم ؟ " قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ثم جلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة
مع السقاية صلى الله عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين عثمان بن طلحة ؟ " فدعي له، فقال " هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء " (2) وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة: " الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الابل " وقال مرة أخرى " مغلظة
__________
(1) استكف: في اللسان: استكفوه: صاروا حواليه.
واستكف به الناس: إذا أحدقوه به وقال أبو ذر: استكف له الناس: استجمع، قال ويجوز أن يكون المعنى: استدار.
(2) سيرة ابن هشام: 4 / 54، 55.
فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى " وقال مرة " وما تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإنهما أمضيتهما لاهلهما على ما كانت " (1).
وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني عن ابن عمر به.
قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى ابراهيم والازلام (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، أنبا عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير عن جابر قال: كان في الكعبة صور فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يمحوها قبل عمر ثوبا ومحاها به.
فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها منها شئ.
وقال البخاري حدثنا صدقه ابن الفضل، ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول " جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد " (2).
وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة.
وروى البيهقي عن ابن إسحاق عن عبد الله
ابن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكة وعلى الكعبة ثلثمائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي [ به ] إلى الصنم وهو يهوي حتى مر عليها كلها (3)، ثم يروي من طريق سويد بن [ سعيد ] (4) عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلثمائة وستين صنما فأشار إلى كل صنم بعصا وقال (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [ الاسراء: 81 ] فكان لا يشير إلى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه، ثم قال: وهذا [ الاسناد ] (5) وإن كان ضعيفا فالذي قبله يؤكده (6).
وقال حنبل بن إسحاق: أنبأ أبو الربيع، عن يعقوب القمي، ثنا جعفر ابن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: لما أفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءت عجوز شمطاء حبشية
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 2 / 187.
(2) أخرجه البخاري في 46 كتاب المظالم (32) باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر.
وأخرجه مسلم عن أبي بكر بي أبي شيبة في (32) كتاب الجهاد (32) باب إزالة الاصنام الحديث (87).
(3) دلائل البيهقي ج 5 / 72.
وما بين معكوفين من الدلائل.
ورواه البزار باختصار، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 176 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(4) بياض في الاصل، وفي البيهقي سويد.
واستدرك النقص من سيرة ابن كثير.
(5) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل.
(6) الخبر في دلائل البيهقي 5 / 72 ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 176 وقال: رواه الطبراني في الاوسط والكبير بنحوه وفيه عاصم بن عمر العمري وهو متروك ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف وبقية رجاله ثقات.
تخمش وجهها وتدعو بالويل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا " (1).
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة [ عن ابن عباس ] (2) أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم
يشير بقضيب في يده إلى الاصنام ويقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعي: وفي الاصنام معتبر وعلم * لمن يرجو الثواب أو العقابا وفي صحيح مسلم عن شيبان (3) بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة في حديث فتح مكة قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس وهو آخذ بسيتها فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
وقال البخاري: ثنا اسحاق بن منصور، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة ابراهيم واسماعيل عليهما السلام وفي أيديهما الازلازم، فقال " قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط " ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت وخرج ولم يصل.
تفرد به البخاري دون مسلم (4).
وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا همام، ثنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سواري، فقام إلى كل سارية ودعا ولم يصل فيه.
ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بن يحيى العوذي عن عطاء به.
وقال الامام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال " أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة هذا ابراهيم مصورا فما باله يستقسم ؟ ".
وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به.
وقال الامام
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 75.
(2) من سيرة ابن هشام 4 / 59.
(3) من صحيح مسلم، وفي الاصل سنان تحريف.
والخبر في الصحيح 32 كتاب الجهاد (الحديث 84) ص (1406).
(4) أخرجه البخاري في المغازي - باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح.
وفي كتاب الحج - باب من كبر من نواحي الكعبة.
أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، أخبرني عثمان الخزرجي أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فدعا في نواحيه ثم خرج فصلى ركعتين.
تفرد به أحمد.
وقال الامام أحمد: ثنا إسماعيل، أنبأ ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين.
قال البخاري: وقال الليث، ثنا يونس، أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلا مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمر أن يؤتى بمفتاح الكعبة، فدخل ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه قال عبد الله: ونسيت أن أسأله كم صلى من سجدة (1).
ورواه الامام أحمد، عن هشيم ثنا غير واحد وابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأمر بلالا فأجاف عليهم الباب فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج.
قال ابن عمر فكان أول من لقيت منهم بلالا فقلت أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال ها هنا بين الاسطوانتين.
قلت: وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنه عليه السلام صلى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره فجعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع: وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل أنبأ ليث، عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين.
قال
ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لاخبرت عني هذه الحصا، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قد علمت الذي قلتم " ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك (2).
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني والدي، حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه قبل أن يسمع هذا الاسود على ظهر الكعبة (3).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب: قال: قال: أبن أبي
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 47 باب فتح الباري 8 / 18.
(2) سيرة ابن هشام 4 / 56.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام 2 / 27، ونقله البيهقي عنه في الدلائل ج 5 / 78، وفيه: قبل أن يرى هذا الاسود.
مليكة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث ابن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد ؟ فقال: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيره.
وقال يونس بن بكير وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين (1).
وقال محمد بن سعد: عن الواقدي (2).
عن محمد بن حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي اسحاق: أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعا ؟ فإنه ليحدث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كتفيه وقال " إذا يخزيك الله " قال فرفع رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسه فقال: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة.
قال البيهقي: وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنبأ أبو حامد أحمد
[ علي ] بن الحسن المقري، أنبأ أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر عن ابن عباس قال: رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي والناس يطئون عقبه، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال ؟ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده في صدره فقال " إذا يخزيك الله " فقال أتوب إلى الله وأستغفر الله ما تفوهت به (3).
ثم روى البيهقي: من طريق ابن خزيمة وغيره عن أبي حامد بن الشرقي، عن محمد بن يحيى الذهلي، ثنا [ محمد ] موسى بن أعين الجزري، ثنا أبي، عن إسحاق بن راشد [ عن الزهري ] عن سعيد بن المسيب قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أتري هذا من الله ؟ قالت نعم هذا من الله، قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قلت لهند أتري هذا من الله ؟ قالت نعم هذا من الله " (4) فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند.
وقال البخاري: ثنا إسحاق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج أخبرني حسن بن مسلم عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاؤها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " فقال العباس بن عبد المطلب إلا الاذخر (5) يا رسول الله
__________
(1) الخبران نقلهما البيهقي في الدلائل في باب ما روي في تأذين بلال بن رباح يوم الفتح على ظهر الكعبة ج 5 / 78 و 79.
(2) هكذا في الاصل: وهو وهم من الناسخ، والخبر رواه ابن سعد عن أبي اسحاق السبيعي عن محمد بن عبيد..والحاكم في الاكليل عن ابن عباس.
ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 102.
(3) دلائل النبوة ج 5 / 102 ونقله الصالحي عن البيهقي وعن الحاكم، في السيرة الشامية (5 / 370).
(4) العبارة في الدلائل: إلا الله عزوجل وهند.
دلائل النبوة ج 5 / 103 وما بين معكوفتين في الخبرين - زيادات استدركت من دلائل البيهقي.
(5) الاذخر: نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح، له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن.
وأهل =
فإنه لابد منه للدفن والبيوت ؟ فسكت ثم قال " إلا الاذخر فإنه حلال " وعن ابن جريج أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري - عن عكرمة عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا.
ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفرد به البخاري من هذا الوجه الاول وهو مرسل، ومن هذا الوجه الثاني أيضا.
وبهذا وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة، وللوقعة التي كانت في الخندمة كما تقدم.
وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين وهي ظاهرة في ذلك وهو مذهب جمهور العلماء.
والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا لانها لم تقسم، ولقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الفتح " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
وقال البخاري: ثنا سعيد بن شرحبيل ثنا الليث عن المقبري عن أبي شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: إئذن لي أيها الامير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس، فليبلغ الشاهد الغائب " فقيل لابي شريح ماذا قال لك عمرو ؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يأبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا نارا بدم، ولا نارا بخربة (1).
وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد به نحوه.
وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له ابن الاثوغ قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له أحمر بأسا (2)، فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الاثوغ وهو بمكة قتله خراش بن أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل لقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم رجلا لادينه " قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الاسلمي عن سعيد بن
المسيب قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال " إن خراشا لقتال " وقال ابن
__________
= مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود.
(1) بخربة: من البخاري، وفي الاصل بجزية تحريف.
والخربة بفتح الخاء واسكان الراء، وأصلها سرقة الابل، وتطلق على كل خيانة.
قال أبو عبد الله: الخربة: البلية، وقال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب، وهو العاصي المفسد في الارض.
والحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي الحديث 4925 ورواه في كتاب الحج - باب لا يعضد شجرة الحرم، عن قتيبة.
ومسلم في (15) كتاب الحج (82) باب تحريم مكة وصيدها (ح: 446).
(2) أحمر بأسا: قال أبو ذر اسم مركب كتأبط شراء.
وابن الاثوغ في ابن هشام ابن الاثوع وفي الواقدي: جنيدب بن الادلع الهذلي.
اسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير (1) مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال " يأيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحل لاحد كان قبلي، ولا تحل لاحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالامس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لادينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فدم قاتله وإن شاؤوا فعقله " ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة، فقال عمرو لابي شريح: انصرف أيها
الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية، فقال أبو شريح: إني كنت شاهدا وكنت غائبا، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك.
قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الفتح جنيدب بن الاكوع قتله بنو كعب فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة ناقة (2).
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كفوا السلاح إلا خزاعة من بني بكر " فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال " كفوا السلاح " فلقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال - فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال - " إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية " وذكر تمام الحديث وهذا غريب جدا.
وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح فلم أره إلا في هذا الحديث وكأنه إن صح من
__________
(1) قال السهيلي: هذا وهم من ابن هشام وصوابه: عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية وهو الاشدق.
(الروض 2 / 277).
قال ابن الاعثم في الفتوح: كان عمرو بن سعيد بن العاص أميرا على المدينة من قبل يزيد بن معاوية، وكان عمرو بن الزبير - أخا عبد الله بن الزبير - من أشد الناس عداوة له، وكان بنو أمية يكرمونه فدعاه عمرو بن سعيد فعقد له عقدا وضم إليه جيشا كثيفا ووجه به لمحاربة أخيه عبد الله بن الزبير، واقتتلا وكان عمرو فيمن أسر يومذاك فقال له عبد الله: قبحك الله من أخ وذي رحم.
(ج 5 / 284 - 285).
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج عن المسعودي الخبر لكنه ذكر أن أمير المدينة كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (ج 4 / 495).
(2) سيرة ابن هشام ج 5 / 57 - 58.
باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير والله أعلم.
وروى الامام أحمد عن يحيى بن
سعيد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هرون، ومحمد بن عبيد كلهم عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصا الخزاعي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة " لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة " ورواه الترمذي عن بندار عن يحيى بن سعيد القطان به وقال حسن صحيح.
قلت: فإن كان نهيا فلا إشكال، وإن كان نفيا فقال البيهقي معناه على كفر أهلها وفي صحيح مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن مطيع عن أبيه مطيع ابن الاسود العدوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة " لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم إلى يوم القيامة " (1) والكلام عليه كالاول سواء.
قال ابن هشام: وبلغني [ عن يحيى بن سعيد ] (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو [ الله ] وقد أحدقت به الانصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم ؟ " قالوا لا شئ يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم " وهذا الذي علقه ابن هشام قد أسنده الامام أحمد بن حنبل في مسنده فقال ثنا بهز وهاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت.
وقال هاشم حدثني ثابت البناني ثنا عبد الله بن رباح قال: وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا، قال هاشم يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال فقلت ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي ؟ قال فأمرت بطعام يصنع فلقيت أبا هريرة من العشاء قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة (3) عندي الليلة قال استبقني (4) قال هاشم: قلت: نعم فدعوتهم فهم عندي.
فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الانصار قال: فذكر فتح مكة قال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة قال: فبعث الزبير على أحد المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الاخرى وبعث أبا عبيدة على الجسر (5) وأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته، وقد وبشت قريش أوباشها، قال: قالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شئ كنا معهم وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، قال أبو هريرة فنظر
فرآني فقال " يا أبا هريرة " فقلت لبيك رسول الله، فقال " اهتف لي بالانصار ولا يأتيني إلا
__________
(1) أخرجه مسلم في 32 كتاب الجهاد 33 باب (الحديث 88) والبيهقي في الدلائل ج 5 / 75 و 76.
(2) سقطت من الاصل واستدركت من ابن هشام.
ج 4 / 59.
(3) في الاصل: الدعوى.
(4) في الاصل استبقني.
(5) في الواقدي: على الحسر.
أنصاري " فهتفت بهم فجاؤوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أترون إلى أوباش قريش واتباعهم ؟ " ثم قال بيديه إحداهما على الاخرى " أحصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا " قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجه إلينا منهم شيئا، قال فقال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " قال فغلق الناس أبو ابهم، قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال وفي يده قوس آخذ بسية القوس، قال فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه قال فجعل يطعن بها في عينه ويقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " قال ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال والانصار تحت قال يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته.
قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضى.
قال هاشم: فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال: " يا معشر الانصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ؟ " قالوا قلنا ذلك يا رسول الله، قال " فما أسمي إذا، كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم " قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، قال فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان ابن المغيرة زاد النسائي وسلام بن مسكين ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة ثلاثتهم عن ثابت عن عبد الله بن رباح الانصاري نزيل البصرة عن أبي هريرة به نحوه.
وقال ابن هشام: وحدثني - يعني بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوح - يعني الليثي - أراد قتل النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " أفضالة ؟ " قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال " ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ " قال: لا شئ كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال " استغفر الله " ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شئ أحب إلي منه، قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث ؟ فقال لا، وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والاسلام أو ما رأيت محمدا وقبيله * بالفتح يوم تكسر الاصنام لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الاظلام قال ابن اسحق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة (1) قالت:
__________
(1) سقطت من ابن هشام.
خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه يا رسول الله صلى الله عليك فقال " هو آمن " فقال يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك ؟ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئتك به، قال: ويلك أعزب عني فلا تكلمني قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي أفضل
الناس وأبر الناس، وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك ؟ قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم.
فرجع معه، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني ؟ قال " صدق " قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين ؟ قال " أنت بالخيار أربعة أشهر " ثم حكى ابن اسحاق عن الزهري: أن فاختة بنت الوليد، امرأة صفوان وأم حكيم بنت الحارث بن هشام، امرأة عكرمة بن أبي جهل وقد ذهبت وراءه إلى اليمن فاسترجعته فأسلم، فلما أسلما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتهما بالنكاح الاول.
قال ابن اسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسان بن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه: لا تعد من رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم (1) فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال حين أسلم: يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغي * ي ومن مال ميله مثبور (2) آمن اللحم والعظام لربي * ثم قلبي الشهيد أنت النذير إنني عنك زاجر ثم حيا * من لؤي وكلهم مغرور قال ابن اسحاق: وقال عبد الله بن الزبعري أيضا حين أسلم: منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني.
أن احمد لامني * فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم (3) إني لمعتذر إليك من الذي * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
__________
(1) أحذ: المنقطع القليل.
وقد يكون معناه: عيش لئيم جدا (شرح أبي ذر).
(2) مغرور وتروى مثبور أي هالك.
(3) عيرانة: الناقة الشديدة والنشيطة والتي تشبه العير في نشاطه.
أيام تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودني * أمر الغواة وأمرهم مشؤوم فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبي ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والدي كلاهما * زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة * نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا وبرهان الاله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق وأنك في المعاد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرى وأروم قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له.
قلت: كان عبد الله بن الزبعرى السهمي من أكبر أعداء الاسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والانابة والرجوع إلى الاسلام والقيام بنصره والذب عنه.
فصل قال ابن اسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بني سليم سبعمائة ويقول بعضهم ألف، ومن بني غفار أربعمائة [ ومن أسلم أربعمائة ] (1) ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد (2).
وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ألفا فالله أعلم.
قال ابن اسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت (3):
عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء (4)
__________
(1) من ابن هشام.
(2) ذكر الواقدي: سبعمائة من المهاجرين وأربعة آلاف من الانصار ومزينة في ألف وأسلم أربعمائة ومن جهينة ثمانمائة ومن بني كعب بن عمرو خمسمائة، قال وكانوا: عشرة آلاف.
(3) القصيدة في ديوانه باختلاف: بزيادة أبيات، وتغيير في ترتيب بعض الابيات واختلاف في الالفاظ وسنلاحظ ذلك فيما سيأتي.
(4) الاصابع والجواء والعذراء: مواضع بالشام.
وبالجواء كان منزل الحارث بن أبي شمر الغساني.
ديار من بني الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذا ذهب العشاء لشعثاء التي قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء (1) كأن خبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء (2) إذا ما الاشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغت أو لخاء (3) ونشر بها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنها اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها * تشير النقع موعدها كداء ينازعن الاعنة مصغيات * على أكتافها الاسل الظماء تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فأصبروا لجلاد يوم * يعز (4) الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا (5) صدقوه * فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء (6) هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء
__________
(1) شعثاء هي بنت سلام بن مشكم اليهودي كما في السهيلي، وقيل هي امرأة من خزاعة قاله ابن الاعرابي.
(2) بيت رأس: موضع بالارض مشهور بالخمر الجيدة، وبعده في ديوانه: على أنيابها أو طعم غض * من التفاح هصره اجتناء (3) المنا: فعلنا ما نستحق عليه اللوم.
والمغت: الضرب باليد، اللحاء: السباب.
(4) وفي رواية: بعين الله.
(5) في الديوان: وقومي.
(6) البيت في الديوان وروايته فيه: ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء
أتهجوه ولست له بكف ء * فشركما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا غيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء
قال ابن هشام: قالها حسان قبل الفتح.
قلت: والذي قاله متوجه لما في اثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
قال ابن هشام: وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبي بكر رضي الله عنه.
قال ابن اسحاق: وقال أنس بن زنيم الدئلي يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي - يعني لما جاء يستنصر عليهم - كما تقدم: أأنت الذي تهدى معد بأمره * بل الله يهديهم وقال لك اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند وأكسى لبرد الخال (1) قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مذركي * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد تعلم أن الركب ركب عويمر * هموا الكاذبون المخلفوا كل موعد ونبوا رسول الله أني هجوته * فلا حملت سوطي إلي إذن يدي سوى أنني قد قلت ويل أم فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد أصابهموا من لم يكن لدمائهم * كفاء فعزت عبرتي وتبلدي وإنك قد أخبرت أنك ساعيا * بعبد بن عبد الله وابنة مهود ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا فإن لا تدمع العين أكمد وسلمى وسلمى ليس حي كمثله * وإخوته وهل ملوك كأعبد ؟ فإني لا ذنبا (2) فتقت ولا دما * هرقت تبين عالم الحق واقصد قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح:
__________
(1) الخال: ضرب من برود اليمن، وهو من رفيع الثياب.
(2) في ابن هشام: لا دينا.
نفى أهل الحبلق (1) كل فج * مزينة غدوة وبنو خفاف ضربناهم بمكة يوم فتح الن * بي الخير بالبيض الخفاف صبحناهم بسبع من سليم * وألف من بني عثمان واف نطأ أكتافهم ضربا وطعنا * ورشقا بالمريشة اللطاف ترى بين الصفوف لها حفيفا * كما انصاع الفواق من الرصاف (2) فرحنا والجياد تجول فيهم * بأرماح مقومة الثقاف فأبنا غانمين بما اشتهينا * وآبوا نادمين على الخلاف وأعطينا رسول الله منا * مواتقنا على حسن التصافي وقد سمعوا مقالتنا فهموا * غداة الروع منا بانصراف وقال ابن هشام وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة: منا بمكة يوم فتح محمد * ألف تسيل به البطاح مسوم نصروا الرسول وشاهدوا آياته * وشعارهم يوم اللقاء مقدم في منزل ثبتت به أقدامهم * ضنك كأن الهام فيه الحنتم جرت سنابكها بنجد قبلها * حتى استقام لها الحجاز الادهم الله مكنه له وأذله * حكم السيوف لنا وجد مزحم عود الرياسة شامخ عرنينه * متطلع ثغر المكارم خضرم وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له ضمار فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول: قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدي
أودى ضمار وكان يعبد مدة * قبل الكتاب إلى النبي محمد قال فحرق عباس ضمار ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان مع أمثالها وأشكالها ولله الحمد والمنة.
__________
(1) الحبلق: قال السهيلي: أرض يسكنها قبائل من مزينة وقيس.
والحبلق: الغنم الصغار ولعله أراد بقوله: أهل الحبلق: أصحاب الغنم.
وبنو خفاف: بطن من سليم.
(2) الفواق: هنا، طرف السهم الذي يلي الوتر، والرصاف: جمع رصفة وهي عصبة تلوى على فوق السهم
بعثه عليه السلام خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور، ومدلج بن مرة فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا: قال ابن اسحاق: وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح إلا الاسار، وما بعد الاسار إلا ضرب الاعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا.
قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب.
وأمن الناس، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد.
قال ابن إسحاق: فقال حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل أنكر عليه أحد ؟ " فقال: نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه
خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب: أما الاول يا رسول الله فابني عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة.
قال ابن اسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال " يا علي، أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك " فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الاموال، حتى أنه ليدي ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا: لا، قال فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون.
ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال " أصبت وأحسنت " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات.
قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام.
قال ابن هشام: قال أبو عمرو المديني: لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأنا صبأنا (1).
وهذه مرسلات ومنقطعات.
وقد قال الامام
__________
(1) خبر إرسال خالد إلى جذيمة في سيرة ابن هشام 4 / 73.
أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني - أحسبه قال - جذيمة فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ بهم أسرا وقتلا، قال ودفع إلى كل رجل منا أسيرا حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، قال ابن عمر فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره، قال فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا صنيع خالد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد "
مرتين.
ورواه البخاري (1) والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه.
قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد: يا بني جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه.
قال ابن إسحاق: وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن عملت بأمر الجاهلية في الاسلام ؟ فقال إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته " ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم خالد بن الوليد في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ومعه ابنه عبد الرحمن وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان في تجارة إلى اليمن، ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن فحملوه إلى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام، ولقيهم بأرض بني جذيمة فطلبه منهم [ قبل أن يصلوا إلى أهل الميت ] (2) فأبوا عليه، فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام، وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بني جذيمة فبعث بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملا منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم (3)، يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن إنما ثأرت أبيك يعني حين قتلته بنو جذيمة، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله، والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الاسلام وأهله وإن كان قد أخطأ في أمر، واعتقد
__________
(1) قال ابن سعد في الطبقات: وكانوا بأسفل مكة على ليلة ناحية يلملم في شوال سنة ثمان، وهو يوم الغميصاء، وخرج خالد إليهم في ثلاثمائة وخمسين رجلا، من المهاجرين والانصار وبني سليم.
(2 / 147) وفي رواية له: ص 884 قال: قتل منهم قريبا من ثلاثين رجلا.
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (58) باب الحديث (4339)، ورواه الواقدي في مغازيه 2 / 880 - 881.
(2) من ابن هشام.
(3) سيرة ابن هشام ج 4 / 74.
أنهم ينتقصون الاسلام بقولهم صبأنا صبأنا، ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الاسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استمر به أميرا وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال ففيه دليل لاحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله والله أعلم.
ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه، واصطفى امرأته أم تميم فقال له عمر بن الخطاب: أعزله فإن في سيفه رهقا فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين وقال ابن اسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الاسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد، فقال فتى من بني جذيمة، وهو في سني، وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى، قلت: ما تشاء ؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هذه النسوة، حتى أقضي إليهن حاجة ثم تردني بعد، فتصنعوا ما بدالكم ؟ قال: قلت: والله ليسير ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها، حتى وقفته عليهن فقال: اسلمي حبيش على نفد [ من ] العيش: أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (1) ألم يك أهلا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق (2) فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن يشحط النوى * وينأى الامير بالحبيب المفارق فإني لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عيني عنك بعدك رائق سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون التوامق (3) قالت: وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى.
قال: ثم انصرفت به فضربت
عنقه.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الاسلمي، عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت عنده (4).
وروى الحافظ البيهقي: من طريق الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنه سمع رجلا من مزينة يقال له ابن عصام (5) عن أبيه قال: كان رسول الله
__________
(1) حلية والخوانق: موضعان بتهامة.
(حلية.
واد بتهامة أعلاه لهذيل وأسفله لكنانة.
والخوانق بلد في ديار فهم معجم البلدان - معجم ما استعجم).
(2) الودائق: جمع وديقة.
وهي شدة الحر في نصف النهار.
(3) التوامق: الحب والود.
في هذا البيت والذي قبله إقواء.
(4) سيرة ابن هشام ج 4 / 76 وروى الواقدي خبره مطولا باختلاف بسيط 2 / 879.
(5) في ابن سعد: عبد الله بن عصام المزني .
صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا " قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا بذلك فخرجنا قبل تهامة، فأكدرنا رجلا يسوق بظعائن فقلنا له أسلم، فقال: وما الاسلام ؟ فأخبرناه به فإذا هو لا يعرفه، قال: أفرأيتم إن لم أفعل ما أنتم صانعون ؟ قال: قلنا نقتلك، فقال: فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن ؟ قال: قلنا نعم ونحن مدركوك، قال: فأدرك الظعائن فقال: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش، فقالت الاخرى: اسلم عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى.
ثم ذكر الشعر المتقدم إلى قوله: وينأى الامير بالحبيب المفارق، ثم رجع إلينا فقال شأنكم قال: فقدمناه فضربنا عنقه قال: فانحدرت الاخرى من هودجها فجثت عليه حتى ماتت.
ثم روى البيهقي: من طريق أبي عبد الرحمن النسائي، ثنا محمد بن علي بن حرب المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا وفيهم رجل، فقال لهم: إني لست منهم إني عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم،
قال: فإذا امرأة أدماء طويلة، فقال لها: أسلمي حبيش قبل نفاد العيش.
ثم ذكر البيتين بمعناهما.
قال: فقالت: نعم فديتك، قال: فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين، ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال " أما كان فيكم رجل رحيم " (1).
بعث خالد بن الوليد لهدم العزى قال ابن جرير (2): وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ.
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها ثم اشتد (3) في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: أيا عز شدي شدة لا شوى لها * على خالد ألقي القناع وشمري أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا * فبوئي بإثم عاجل أو تنصري قال: فلما انتهى خالد إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الواقدي
__________
(1) الخبران أخرجهما البيهقي في الدلائل ج 5 / 117 - 118.
وأخرج ابن سعد خبر ابن مساحق ج 2 / 149 وفي نهايته قال: فجعلت ترشفه حتى ماتت عليه.
وكانت امرأة كثيرة النحض - يعني اللحم.
(2) تاريخ الطبري 3 / 133.
(3) في الطبري وابن هشام والواقدي: اسند: أي ارتفع فيه.
وقال الواقدي: سادنها اسمه أفلح بن نضر الشيباني من بني سليم.
وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ما رأيت ؟ " قال لم أر شيئا فأمره بالرجوع فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول فعلاها بالسيف وجعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك * إني رأيت (1) الله قد أهانك
ثم خرب ذلك البيت الذي كانت فيه وأخذ ما كان فيه من الاموال رضي الله عنه وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " تلك العزى ولا تعبد أبدا " وقال البيهقي: أنبأ محمد بن أبي بكر الفقيه، أنبأ محمد بن أبي جعفر، أنبأ أحمد بن علي، ثنا أبو كريب، عن ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال " ارجع فإنك لم تصنع شيئا " فرجع خالد فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه يا عزى عوريه وإلا فموتي برغم.
قال: فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها ووجهها فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " تلك العزى " (5).
فصل في مدة إقامته عليه السلام بمكة لا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وهذا دليل من قال من العلماء: إن المسافر إذا لم يجمع الاقامة فله أن يقصر ويفطر إلى ثماني عشر يوما في أحد القولين وفي القول الآخر كما هو مقرر في موضعه.
قال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان ح وحدثنا قبيصة ثنا سفيان، عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري عن أنس به نحوه.
قال البخاري ثنا عبد ان، ثنا عبد الله أنبأ عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يصلي ركعتين (1).
ورواه البخاري أيضا من وجه آخر زاد البخاري: وأبو حصين كلاهما وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن سليمان الاحول، عن عكرمة عن ابن عباس به وفي لفظ لابي داود سبعة عشر يوما (4).
وحدثنا أحمد بن يونس، ثنا أحمد بن شهاب، عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس
__________
(1) في الواقدي: إني وجدت.
وانظر الخبر فيه مطولا ج 2 / 873 - 874.
(2) دلائل النبوة ج 5 / 77 ونقل الصالحي عنه وعن الواقدي وابن سعد وابن اسحاق في السيرة الشامية (6 / 300).
(3) فتح الباري 8 / 21 حديث رقم 4299 كتاب المغازي - باب فتح مكة.
(4) فتح الباري 8 / 21 وسنن أبي داود 2 / 10 الحديث رقم (1230).
قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة.
قال ابن عباس: فنحن نقصر ما بقينا بين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا.
وقال أبو داود: ثنا ابراهيم بن موسى، ثنا ابن علية، ثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول " يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا [ قوم ] سفر " (1) وهكذا رواه الترمذي من حديث علي بن زيد بن جدعان وقال هذا حديث حسن.
ثم رواه: من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله عن ابن عباس قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح حمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم قال رواه غير واحد عن ابن إسحاق لم يذكروا ابن عباس (2).
وقال ابن ادريس عن محمد بن اسحاق عن الزهري ومحمد بن علي بن الحسين وعاصم بن عمرو بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر (3) وعمرو بن شعيب وغيرهم قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة.
فصل فيما حكم عليه السلام بمكة من الاحكام قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلم، عن مالك بن شهاب، عن عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة إنه ابني، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه، قال عبد بن زمعة: يا رسول الله هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص.
قال ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش وللعاهر الحجر " قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصرح بذلك (4).
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والترمذي جميعا عن قتيبة عن الليث به.
وابن ماجه من حديثه وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك عن الزهري.
ثم قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، أنبأ عبد الله، أنا يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه
__________
(1) سنن أبي داود (ج 2 / 9 - 10) الحديث (1229).
(2) سنن أبي داود ج 2 / 10 (الحديث رقم 1231).
(3) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 106 وفيه: عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي رهم.
(4) رواه البخاري في كتاب المغازي الحديث (4302) فتح الباري (8 / 24) وفي بدايته قال: عبد الله بن مسلمة
قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " أتكلمني في حد من حدود الله ؟ " فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال " أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها.
فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة به.
وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ثم لم يخرج حتى نهى عنها.
وفي رواية فقال " ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة " وفي رواية في مسند أحمد والسنن أن ذلك كان في حجة الوداع فالله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد بن
زياد، عن أبي العميس عن أياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه أنه قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه.
قال البيهقي: وعام أوطاس هو عام الفتح فهو وحديث سبرة سواء (2).
قلت: من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال إنها ابيحت مرتين، وحرمت مرتين، وقد نص على ذلك الشافعي وغيره.
وقد قيل إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين فالله أعلم.
وقيل إنها إنما حرمت مرة واحدة وهي هذه المرة في غزوة الفتح، وقيل إنها إنما أبيحت للضرورة فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت وهذا رواية عن الامام أحمد وقيل بل لم تحرم مطلقا وهي على الاباحة هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة وموضع تحرير ذلك في الاحكام.
فصل قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج، أنبأ عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الاسود بن خلف أخبره: أن أباه الاسود رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، قال جلس عند قرن مستقبله (3) فبايع الناس على الاسلام والشهادة قلت وما الشهادة ؟ قال أخبرني
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (53) باب الحديث 4304 فتح الباري 8 / 24.
وأخرجه في كتاب الانبياء.
(54) باب.
وأخرجه في كتاب الحدود (12) باب.
وأخرجه مسلم في 29 كتاب الحدود (2) باب قطع السارق الشريف وغيره (الحديث رقم 8).
(2) الحديث في صحيح مسلم في 16 كتاب النكاح (3) باب نكاح المتعة الحديث (18).
(3) في البيهقي: مسفلة، وفي أسد الغابة مصقلة.
وفي مسند أحمد: مسقلة، وفي تاج العروس: مسفلة: وهي محلة بأسفل مكة.
وقال البيهقي: وقرن مسفلة: الذي إليه بيوت ابن أبي ثمامة، وهو دار ابن سمرة وما حولها
محمد بن الاسود بن خلف أنه بايعهم على الايمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله تفرد به أحمد (1) وعند البيهقي: فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الاسلام والشهادة.
وقال ابن جرير: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام
فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لحدثها، لما كان من صنيعها بحمزة فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعهن قال " بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا " فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال ؟ " ولا تسرقن " فقالت: والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة وما كنت أدري أكان ذلك علينا حلالا أم لا ؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدا لما تقول - أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإنك لهند بنت عتبة ؟ " قالت: نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك ثم قال " ولا يزنين " فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة ؟ ثم قال " ولا تقتلن أولادكن " قالت: قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارا (2) فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق.
ثم قال " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " فقلت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
ثم قال " ولا يعصينني " فقالت (3): في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر " بايعهين واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم " فبايعهن عمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء ولا يمس إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه.
وثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط وفي رواية ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول " إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة " وفي الصحيحين عن عائشة أن هندا بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه ؟ قال خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك.
وروى البيهقي من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله ما كان مما على وجه الارض أخباء أو خباء - الشك من أبي بكر - أحب إلي من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الارض أهل أخباء أو خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل
أخبائك، أو خبائك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأيضا والذي نفس محمد بيده " قالت: يا رسول
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 3 / 415.
ودلائل البيهقي ج 5 / 94.
(2) العبارة في الطبري: قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا فأنت وهم أعلم.
(3) العبارة في الطبري: ولا تعصينني في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف
الله إن أبا سفيان رجل شحيح (1) فهل علي حرج أن أطعم من الذي له ؟ قال " لا بالمعروف " (2) ورواه البخاري عن يحيى بن بكير بنحوه وتقدم ما يتعلق باسلام أبي سفيان وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم الا فانفروا " (3) ورواه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة، ومسلم عن يحيى بن يحيى عن جرير.
وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا وهب، ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية: أنه قيل له إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر فقلت له: لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول الله ما سأله فأتيته فذكرت له فقال " لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " تفرد به أحمد.
وقال البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة فقال " مضت الهجرة لاهلها أبايعه على الاسلام والجهاد " فلقيت أبا معبد فسألته فقال: صدق مجاشع (4).
وقال خالد عن أبي عثمان عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد.
وقال البخاري: ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا عاصم، عن أبي عثمان قال: حدثني مجاشع قال: أتيت رسول الله بأخي بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال " ذهب أهل الهجرة بما فيها " فقلت على أي شئ تبايعه ؟ قال " أبايعه على الاسلام والايمان والجهاد " فلقيت أبا معبد بعد وكان أكبرهما سنا فسألته فقال: صدق مجاشع.
وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن
أبي بشر عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام ؟ فقال: لا هجرة ولكن انطلق فأعرض نفسك فإن وجدت شيئا وإلا رجعت.
وقال أبو النصر أنا شعبة أنا أبو بشر سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - مثله.
حدثنا إسحاق بن يزيد، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو عمرو الاوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد ابن جبير أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح.
وقال البخاري: ثنا إسحاق بن يزيد أنا يحيى بن حمزة أنا الاوزاعي عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت لا هجرة اليوم.
وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله عزوجل وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء ولكن جهاد ونية.
__________
(1) في البيهقي: رجل ممسك.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 100 وفيه: لا إلا بالمعروف.
ورواه البخاري في 83 كتاب الايمان والنذور (83) باب الحديث (6641).
(3) الحديث أخرجه البخاري في 56 كتاب الجهاد - 194 باب لا هجرة بعد الفتح.
وأخرجه مسلم في 33 كتاب الامارة (20) باب الحديث (85).
(4) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (53) باب.
وأخرجه مسلم في كتاب الامارة حديث 84.
وهذه الاحاديث والآثار دالة على أن الهجرة إما الكاملة أو مطلقا قد انقطعت بعد فتح مكة لان الناس دخلوا في دين الله أفواجا وظهر الاسلام، وثبتت أركانه ودعائمه فلم تبق هجرة، اللهم إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم فتجب الهجرة إلى دار الاسلام، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والانفاق في سبيل الله مشروع ورغب فيه إلى يوم القيامة وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة.
قال الله تعالى (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) الآية
[ سورة الحديد: 10 ] وقد قال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي عن (1) أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله حتى ختمها وقال: " الناس خير وأنا وأصحابي خير " وقال " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فقال له مروان كذبت، وعنده: رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك.
قالا: صدق.
تفرد به أحمد.
وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال ما تقولون في قول الله عزوجل (إذا جاء نصر الله والفتح) فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا بن عباس ؟ فقلت لا، فقال ما تقول ؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال (إذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما يقول (2).
تفرد به البخاري وهكذا روي من غير وجه عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله.
وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
فأما الحديث الذي قال الامام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا عطاء، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما: نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعيت إلي نفسي " بأنه مقبوض في تلك السنة.
تفرد به الامام أحمد
__________
(1) هكذا سياق الحديث في نسخة دار الكتب والتيمورية، أقول: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد والحديث نقله البيهقي بهذا الاسناد في الدلائل ج 5 / 109.
(2) أخرجه البخاري في كتاب التفسير (4) باب الحديث 4970 فتح الباري (8 / 734).
وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخراساني وفيه ضعف تكلم فيه غير واحد من الائمة وفي لفظه نكارة شديدة وهو قوله بأنه مقوبض في تلك السنة، وهذا باطل فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها كما تقدم بيانه وهذا ما لا خلاف فيه.
وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضا، وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله: ثنا ابراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا أبي، ثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا إذا جاء نصر الله والفتح.
فيه نكارة أيضا وفي إسناده نظر أيضا.
ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال والله أعلم.
وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
وقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة - قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فنسأله فلقيته فسألته - قال كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا.
فكنت أحفظ ذاك الكلام فكأنما يغرى في صدري، وكانت العرب تلوم باسلامهم الفتح فيقولون أتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم، وبدر أبي قومي باسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا.
قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم ؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشئ فرحي بذلك القميص.
تفرد به البخاري دون مسلم.
غزوة هوازن يوم حنين (1) قال الله تعالى (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن
عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم) [ التوبة: 25 - 27 ].
وقد ذكر محمد بن اسحاق بن
__________
(1) حنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال.
وسميت بغزوة هوازن لانهم الذين تجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو الزناد: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع وتسير رؤساؤهم في العرب تجمعهم.
انظر في هذه الغزوة: سيرة ابن هشام: 4 / 80، مغازي الواقدي 2 / 885 طبقات ابن سعد 2 / 149 عيون الاثر 2 / 242 شرح المواهب للزرقاني (3 / 5) صحيح مسلم - صحيح البخاري.
السيرة الحلبية 3 / 121 السيرة الشامية 5 / 459.
زاد المعاد.
تاريخ الطبري 3 / 125 (دار قاموس الحديث)
يسار في كتابه: أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم خمس عشرة ليلة، وهكذا روي عن ابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير واختاره أحمد وابن جرير في تاريخه.
وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن لست خلون من شوال فانتهى إلى حنين في عاشره.
وقال أبو بكر الصديق لن نغلب اليوم من قلة ! فانهزموا فكان أول من أنهزم بنو سليم ثم أهل مكة ثم بقية الناس.
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء.
وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير (1)، ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم، وفي الاحلاف قارب بن الاسود بن مسعود بن معتب، وفي بني مالك ذوالخمار سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف
النصري، فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضر مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس (2) اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار (3) له يقاد به، فلما نزل قال: بأي واد أنتم ؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم، مجال الخيل ! لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك ؟ قالوا: هذا مالك ودعي له، قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم ؟ قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به (4)، ثم قال: راعي ضأن والله، هل يرد المنهزم شئ ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب ؟ قال: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن
__________
(1) قال الواقدي: كان عمره مائة وستين سنة، وقد ذهب بصره يومذاك.
(2) أوطاس واد في ديار هوازن كانت فيه وقعة حنين.
(3) شجار: قال في النهاية: مركب مكشوف دون الهودج.
(4) في الواقدي: فأنقض بيده: أي صفق بإحدى يديه على الاخرى حتى يسمع لهما نقيض، أي صوت (عن النهاية)
شهدها منكم ؟ قالوا عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران، ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ثم قال دريد لمالك ابن عوف: ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من ورائك، وإن كانت عليك الفاك ذلك وقد أحرزت أهلك
ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، ثم قال مالك: والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي - فقالوا: أطعناك فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني: يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.
قال ابن إسحاق: وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث: أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر (1)، فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدا " فقال صفوان أغصبا يا محمد ؟ قال " بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك " قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل (2).
هكذا أورد هذا ابن اسحاق من غير إسناد.
وقد روى يونس بن بكير عن ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه.
وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم، وقصة الادراع كما تقدم وفيه أن
__________
(1) زاد في نسخة لابن هشام، وهو مذكور في مغازي الواقدي 2 / 893 وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 3 / 8: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره بما قال، فقال: كذب ابن أبي حدرد.
فقال ابن أبي حدرد: لئن
كذبتني لربما كذبت بالحق ! فقال: يا رسول الله، اسمع ما يقول ابن أبي حدرد، قال: صدق، كنت ضالا فهداك الله.
(2) الخبر بتمامه في ابن اسحاق ج 4 / 80 - 83 ومغازي الواقدي باختلاف 2 / 891 - 893.
ابن أبي حدرد لما رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب، فقال له ابن أبي حدرد.
لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق، فقال عمر ألا تسمع ما يقول يا رسول الله ؟ فقال " قد كنت ضالا فهداك الله ".
وقد قال الامام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك بن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية.
عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال أغصبا يا محمد ؟ فقال " بل عارية مضمونة " قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الاسلام أرغب.
ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان دروعا فذكره.
ورواه من حديث هشيم، عن حجاج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعا وأفراسا وساق الحديث.
وقال أبو داود: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يا صفوان هل عندك من سلاح ؟ " قال عارية أم غصبا، قال " بل عارية " فأعار ما بين الثلاثين إلى الاربعين درعا وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان " قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك ؟ " قال: لا يا رسول الله إن في قلبي اليوم ما لم يكن فيه يومئذ.
وهذا مرسل أيضا.
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا.
قلت: وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين اللذين سار بهما إلى
هوازن أربعة عشر ألفا، لانه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم وأضيف ألفان من الطلقاء.
وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال قال واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد (1) بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الاموي.
قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة، قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوازن وذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك منها قوله: أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها * مني رسالة نصح فيه تبيان إني أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الارض أركان فيهم سليم أخوكم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان وفي عضادته اليمنى بنو أسد * والاجربان بنو عباس وذبيان
__________
(1) في الواقدي: استعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه .
تكاد ترجف منه الارض رهبته * وفي مقدمه أوس وعثمان قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة.
قال: وحدثني الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدئلي عن أبي واقد الليثي وهو (1) الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم " (2).
وقد روى هذا الحديث الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن اسحاق
عنه، وقال الترمذي حسن صحيح.
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا.
وقال أبو داود: ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " ثم قال " من يحرسنا الليلة " قال أنس (3) بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال: فاركب، فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة " فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: " هل أحسستم فارسكم ؟ " قالوا يا رسول الله ما أحسسنا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال " ابشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلا هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل نزلت الليلة ؟ " قال لا إلا مصليا أو قاضي حاجة،
__________
(1) من رواية الواقدي: ورواية البيهقي.
وفي الاصل أن وهو تحريف.
فالحارث بن مالك يكنى بأبي واقد الليثي.
(2) الخبر في الواقدي 2 / 890 ودلائل البيهقي 5 / 124 وسيرة ابن هشام ج 4 / 84.
وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن (18) باب الحديث 2180.
(3) في الواقدي: أنيس.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها " (1) وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة الربيع بن نافع به.
الوقعة وما كان أول الامر من الفرار ثم العاقبة للمتقين قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح (2)، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول " أين أيها الناس ؟ هلموا إلي أنا رسول الله، انا رسول الله أنا محمد بن عبد الله " قال: فلا شئ (3)، وركبت الابل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته علي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وقيل الفضيل بن أبي سفيان، وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد، ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها، قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، قال فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الانصار يريدانه، قال فيأتي علي من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله، قال واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
ورواه الامام أحمد عن يعقوب ابن إبراهيم الزهري، عن أبيه عن محمد بن إسحاق.
قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد - باب في فضل الحرس.
الحديث (2501) ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 125 - 126.
(2) عماية الصبح: ظلامه قبل أن يتبين.
(3) في شرح المواهب: فلاي شئ.
(4) سيرة ابن هشام ج 4 / 87 - 88.
وذكر النووي أن الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا، وقال الواقدي: عن الحارثة بن نعمان فحزرتهم مائة.
قال الواقدي: ويقال: ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وسبعة وستون من الانصار، ويفهم من شعر للعباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط قال: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه * لما مسه في الله لا يتوجع
صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الاسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر (1) بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " من هذا ؟ " قال ابن أمك يا رسول الله.
قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعني وكان اسلامه بعد مدخولا وكانت الازلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لامه - وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم.
فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة أنبأ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والابل والغنم فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله.
ثم قال " يا معشر الانصار أنا عبد الله ورسوله " قال: فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ " من قتل كافرا فله سلبه " قال فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم (2)، وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فأجهضت عنه فانظر من أخذها قال: فقام رجل فقال: أنا أخذتها فارضه منها وأعطنيها، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
عمر: والله لا يفئها الله على أسد من أسد الله ويعطيكها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق عمر " (3) قال ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة ما هذا ؟ فقالت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدها من الطلقاء انهزموا بك، فقال: " إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم " (4) وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود قوله " من قتل قتيلا فله سلبه " كلاهما من حديث حماد بن سلمة به.
وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا نافع أبو غالب، شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ بعث ؟ فقال: ابن أربعين سنة، قال ثم كان ماذا ؟ قال ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله إليه.
قال بسن أي الرجال هو
__________
(1) الثفر: السير في مؤخر السرج.
(2) رواه البيهقي في الدلائل من طريق عبد الواحد بن غياث عن حماد.
ج 5 / 150.
(3) روى البيهقي الخبر في دلائله ج 5 / 148.
(4) رواه مسلم في الصحيح 32 كتاب الجهاد 57 باب حديث 134، والبيهقي في الدلائل 5 / 150.
يومئذ ؟ قال كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه، قال يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفي المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل فيبايعونه على الاسلام، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إن علي نذرا لئن جئ بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لاضربن عنقه، قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئ بالرجل فلما رأى نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: يا نبي الله تبت إلى الله ؟ قال: وأمسك نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يبايعه ليوفي
الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بقتله ويهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يصنع شيئا بايعه فقال يا نبي الله نذري ؟ قال " لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي نذرك " فقال يا رسول الله ألا أومأت إلي ؟ قال " إنه ليس لنبي أن يومي ".
تفرد به أحمد.
وقال أحمد حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين " اللهم إنك إن تشاء لا تعبد في الارض بعد اليوم " إسناده ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.
وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ - فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام.
ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان (1) آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، ورواه البخاري عن أبي الوليد عن شعبة به وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قال البخاري: وقال اسرائيل وزهير عن أبي إسحاق عن البراء ثم نزل عن بغلته.
ورواه مسلم والنسائي عن بندار.
زاد مسلم، وأبي موسى كلاهما عن غندر به.
وروى مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن أبي اسحاق عن البراء قال ثم نزل فاستنصر وهو يقول: " اللهم نزل نصرك ".
قال البراء: ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الشجاع الذي يحاذي به (2).
وروى البيهقي من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " أنا ابن
__________
(1) وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه البخاري في كتاب الجهاد الحديث 2864، والحديث 2874، وأخرجه في المغازي الحديث 4315.
ومسلم في 32 كتاب الجهاد 28 باب الحديث 78.
(2) مسلم في كتاب الجهاد الحديث 79 ص (1403).
العواتك " [ وقال الطبراني: ثنا عباس بن الفضل الاسفاطي، ثنا عمرو بن عوف الواسطي، ثنا هشيم، أنبأ يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن شبابة، عن ابن عاصم السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: " أنا ابن العواتك " ] (1) وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأ مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائة على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر، فقالت: ما بال الناس ؟ فقال: أمر الله، ورجعوا وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " فقمت فقلت: من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فقلت من يشهد لي ثم جلست، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فقمت فقال " ما لك يا أبا قتادة ؟ " فأخبرته فقال رجل: صدق، سلبه عندي فأرضه مني، فقال أبو بكر: لاها الله (2) إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدق فأعطه " فأعطانيه فابتعت به مخرافا في بني سلمة فإنه لاول مال تأثلته في الاسلام (3).
ورواه بقية الجماعة إلا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به.
قال البخاري: وقال الليث بن سعد، حدثني يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل فدفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقالت له ما شأن الناس ؟ قال أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله " من أقام بينة على قتيل فله سلبه " فقمت لالتمس بينة على قتيلي فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه: سلاح
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل عن شبابة بن عاصم ج 5 / 136 وأخرجه سعيد بن منصور، والطبراني في الكبير عن شبابة بن منصور، وما في الاصل عن ابن عاصم تحريف ولعل إقحام عن وهم من الناسخ، قال المنذري: أنا ابن العواتك: جمع عاتكة (من سليم) قال في الصحاح: العواتك من جداته تسع وقال الحليمي: لم يرد بقوله فخرا بل تعريف منازل المذكورات.
وفي رواية لابن عساكر: أنا ابن الفواطم.
قال السهيلي: امرأة عاتكة وهي المصفرة بالزعفران والطيب.
وعند ابن سعد: العاتكة في اللغة الطاهرة.
(2) لاها الله: قال الجوهري: ها للتنبيه وقد يقسم بها يقال: ها الله ما فعلت كذا.
وقال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه.
قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله.
(3) أخرجه البخاري في البيوع (37) باب فتح الباري (4 / 322) وأحمد في مسنده 5 / 326.
هذا القتيل الذي يذكر عندي فأرضه مني.
فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع (1) من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله.
قال فقام رسول الله فأداه إلي فاشتريت به مخرافا (2) فكان أول ما تأثلته، وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به، وقد تقدم من رواية نافع أبي غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لابي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوي والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأ الحاكم، أنبأ الاصم، أنبأ أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى " يا عباس ناد يا معشر الانصار يا أصحاب الشجرة " (3) فأجابوه لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه عن عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت للانصار، ثم جعلت آخرا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركايبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال " الآن حمي الوطيس " قال: فوالله ما راجعه الناس (4) إلا والاسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفون،
فقتل الله منهم من قتل، وأنهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموالهم [ ونساءهم ] (5) وأبناءهم.
وقال ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة.
وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين، نظارا ينظرون، ويرجعون الغنائم، ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قالوا وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لاصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا، فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة، وصف الناس بعضهم
__________
(1) أضيبع: تصغير أضبع، وهو القصير الضيع (الضبع) ويكنى به عن الضعيف.
وتروى: أصيبغ: وهو نوع من الطيور.
القسطلاني (6 / 407).
(2) مخراف: السكة، والطريق بين صفين من النخل.
(3) في الدلائل: يا أصحاب السمرة.
(4) في الدلائل: ما رجعت راجعة الناس.
(5) من الدلائل.
ج 5 / 129.
لبعض وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال، وبشرهم بالفتح - إن صبروا - فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدبر الناس فقلت مائة رجل، قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال
ابشر بهزيمة محمد وأصحابه فوالله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الاعراب، فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من الاعراب، وغضب صفوان لذلك.
قال عروة: وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار ؟ فجاءه فقال سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن يا بني عبد الله، يا بني عبيدالله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب.
قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول " اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا " ونادى أصحابه وزمرهم (1) " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية ! الله الله الكرة على نبيكم " ويقال حرضهم فقال " يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج يا أصحاب سورة البقرة " وأمر من أصحابه من ينادي بذلك، قالوا: وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال " شاهت الوجوه " وأقبل أصحابه إليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الآن حمي الوطيس " فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم (2)، وفر مالك بن عوف، حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وإعزازه دينه (3).
رواه البيهقي: وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن الزهري أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب، قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان ابن الحارث لا نفارقه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي عباس ناد أصحاب السمرة " قال فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه، قال فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الانصار وهم يقولون: يا معشر الانصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى
__________
(1) زمرهم: أغراهم بأعدائهم.
وفي رواية البيهقي عنه: وذمرهم.
(2) زاد البيهقي في روايته: وشاءهم.
(3) رواية موسى بن عقبة رواها ابن عبد البر في...؟ باختصار ص 226.
ورواها البيهقي في الدلائل ج 5 / 129 - 132
قتالهم فقال " هذا حين حمي الوطيس " ثم أخد حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال " انهزموا ورب محمد " قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا (1).
ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب به نحوه.
ورواه أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه.
وروى مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عني، فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بأحداهما مرتديا بالاخرى، قال فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا ومررت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء، فقال " لقد رأى ابن الاكوع فزعا " فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الارض واستقبل به وجوههم وقال " شاهت الوجوه " فما خلى الله منهم إنسانا إلا ملا عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين: فهزمهم الله وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين (2).
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين فسرنا في يوم قايظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان
الرواح يا رسول الله ؟ قال " أجل " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا بلال " فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك ؟ فقال: " أسرج لي فرسي " فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر.
قال: فركب فرسه فسرنا يومنا فلقينا العدو وتسامت الخيلان، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله " واقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه.
وحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من التراب فحثى بها وجوه العدو وقال " شاهت الوجوه " قال يعلى بن عطاء فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي أحد إلا امتلات عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد فهزمهم الله عزوجل (3).
ورواه أبو داود السجستاني في سننه: عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه.
وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الحارث بن حصين، ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد 28 باب الحديث 76.
ورواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 137 - 139.
(2) رواه مسلم من طريق زهير بن حرب في كتاب الجهاد - باب غزوة حنين الحديث (81).
(3) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ونقله عنه بأسانيده البيهقي في الدلائل ج 5 / 141 - 142.
عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والانصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضي قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له ارتفع رفعك الله فقال " ناولني كفا من تراب " فضرب به وجوههم فامتلات أعينهم ترابا قال " أين المهاجرين والانصار ؟ " قلت هم أولاء قال " أهتف بهم " فهتفت بهم فجاؤوا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولى المشركون أدبارهم (1).
تفرد به أحمد.
وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري، ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، أخبرني عبد الله بن
عياض بن الحارث الانصاري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في اثني عشر ألفا فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، قال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا.
ورواه البخاري في تاريخه ولم ينسب عياضا.
وقال مسدد: ثنا جعفر ابن سليمان، ثنا عوف بن عبد الرحمن، مولى أم برثن، عمن شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذ غشيناه، فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا، فهزمنا من ذلك الكلام (2).
رواه البيهقي.
وقال يعقوب بن سفيان، ثنا أبو سفيان، ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني محمد بن عبد الله الشعبي، عن الحارث بن بدل النصري، عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفي قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباس وأبو سفيان بن الحارث، قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم، قال: فانهزمنا، فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفي: فأعجزت على فرسي حتى دخلت الطائف (3).
وروى يونس بن بكير في مغازيه، عن يوسف بن صهيب بن عبد الله أنه لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد.
وروى البيهقي من طريق الكديمي، ثنا موسى بن مسعود ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي عن السائب بن يسار عن يزيد بن عامر السوائي أنه قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون (4) يوم حنين فتبعهم الكفار وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الارض، ثم
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 1 / 454 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (6 / 180) وقال: " رواه: أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح، غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة ".
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 142.
(3) رواه مسدد في مسنده، وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن، والبيهقي في الدلائل ج 5 / 143 ونقله الزرقاني في شرح المواهب اللدنية 3 / 15.
(4) نقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 143
(5) في البيهقي: عند انكشافه انكشف المسلمون.
أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال " ارجعوا شاهت الوجوه " فما أحد يلقى أخاه الا وهو يشكو قذى في عينيه.
ثم روي من طريقين آخرين عن أبي حذيفة ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، حدثني أبي السائب بن يسار سمعت يزيد بن عامر السوائي - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - قال: فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان ؟ قال: فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمي بها في الطست فيطن، قال كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد [ قال: حدثنا محمد ] (1) بن بكير الحضرمي، ثنا أيوب (2) بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال " يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر " فضرب يده في صدري ثم قال " اللهم اهد شيبة " ثم ضربها الثانية فقال " اللهم أهد شيبة " ثم ضربها الثالثة ثم قال " اللهم اهد شيبة " قال فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه.
ثم ذكر الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله المشركين.
وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، ثنا يوسف بن موسى، ثنا هشام بن خالد، ثنا الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عري:: ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت اليوم أدرك ثأري من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فذهبت لاجيئه عن يمينه فإذا بالعباس ابن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت عمه ولن يخذله، قال ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت ابن عمه ولن يخذله،
قال ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " يا شيب أدن مني، اللهم اذهب عنه الشيطان " قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: " يا شيب قاتل الكفار " (3) وقال ابن اسحاق: وقال شيبة ابن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار قلت اليوم أدرك ثأري [ من محمد ] (4) - وكان أبوه قد
__________
(1) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل.
(2) من الدلائل: أيوب، وفي الاصل: أبو أيوب.
(3) أخرجه البيهقي هذه الاخبار في الدلائل في باب: رمي النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الكفار والرعب الذي ألقي في قلوبهم ج 5 / 143 - 146.
(4) من ابن هشام
قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم لاقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني (1).
وقال محمد بن إسحاق: وحدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والناس يقتتلون إذا نظرت إلى مثل البجاد الاسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور (2) قد ملا الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة (3) ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن اسحاق به.
وزاد فقال خديج بن العوجا النصري - يعني في ذلك: ولما دنونا من حنين ومائه * رأينا سوادا منكر اللون أخصفا بملمومة شهباء لو قذفوا بها * شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا (4) ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * إذا ما لقينا العارض المتكشفا إذا ما لقينا جند آل محمد * ثمانين ألفا واستمدوا بخندقا
وقد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصري رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغا يرتجز ويقول: أقدم مجاج إنه يوم نكر * مثلي على مثلك يحمي ويكر إذا أضيع الصف يوما والدبر * ثم احزألت زمر بعد زمر كتائب يكل فيهن البصر * قد أطعن الطعنة تقذي بالسبر (5) حين يذم المستكن المنجحر * وأطعن النجلاء تعوي وتهر لها من الجوف رشاش منهمر * تفهق تارات وحينا تنفجر وثعلب العامل فيها منكسر * يا زين يا بن همهم أين تفر قد أنفذ الضرس وقد طال العمر * قد علم البيض الطويلات الخمر أني في أمثالها غير غمر * إذ تخرج الحاصن من تحت الستر (6) وذكر البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى أصحابه منهزمين وذلك قوله بعدما أسلم وقيل هي لغيره:
__________
(1) سيرة ابن هشام 4 / 87.
(2) في ابن هشام: مبثوث.
يعني متفرق رآه ينزل من السماء.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 91 ورواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 146.
(4) في البيهقي: من عود، بدل: من عروى.
وفي ابن هشام: من عزوى.
وقال أبو ذر: عروى وهنا اسم رجل.
(5) يكل فيهن البصر: يعيا عن إدراك نهايتها لكثرة عددها.
(6) في الاصل الحاضن وهي التي تحضن ولدها.
وأثبتنا ما في ابن هشام: الحاصن: أي العفيفة الممتنعة
أذكر مسيرهم والناس كلهم (1) * ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد * يوم حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم * عليهم البيض والابدان والدرق
فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا * حول النبي وحتى جنه الغسق حتى تنزل جبريل بنصرهم * فالقوم منهزم منا ومعتلق (2) منا ولو غير جبريل يقاتلنا * لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق (3) وقد وفى (4) عمر الفاروق إذ هزموا * بطعنة كان (5) منها سرجه العلق قال ابن اسحق: ولما هزم المشركون وأمكن الله رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين: قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات قال ابن هشام: وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر: قد غلبت خيل الله خيل اللات * وخيله أحق بالثبات قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، وكانت مع ذي الخمار (6)، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الاسود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله قال: " أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا " وذكر ابن اسحاق عن يعقوب ابن عتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الانصار ليسلبه فإذا هو أغرل، فصاح بأعلا صوته: يا معشر العرب إن ثقيفا غرل، قال المغيرة بن شعبة الثقفي: فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت لا تقل كذلك فداك أبي وأمي إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له ألا تراهم مختتنين كما ترى ؟ قال ابن اسحاق: وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين، ورجل من بني غيرة يقال له وهب ورجل من بني كبة يقال له الجلاح (7)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح " قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما
__________
(1) الصدر في البيهقي وابن هشام: أذكر مسيرهم للناس إذا جمعوا..(2) عجزه في ابن هشام: من السماء فمهزوم ومعتنق.
(3) في البيهقي: الغلق، وفي ابن هشام: العتق: جمع عتيق، وهو النفيس
(4) في ابن هشام: وفاتنا.
(5) في ابن هشام والبيهقي: بل منها.
(6) ذوالخمار: وهو عوف بن الربيع.
قال الواقدي: قتل منهم قريب من مائة رجل.
(7) في الواقدي: اللجلاج، من بني كنة وقال: كانت كنة امرأة من غامد يمانية قد ولدت في قبائل العرب وكانت أمة، فاعتق الحارث كل مملوك من بني كنة.
قال أبو ذر الخشني: " كبة بالباء، وهو الصواب "
كان من ابن هنيدة " يعني الحارث بن أويس (1).
قال ابن اسحاق فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الاسود وفراره من بنى أبيه وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت: ألا من مبلغ غيلان عني * وسوف إخال يأتيه الخبير وعروة إنما أهدى جوابا * وقولا غير قولكما يسير بأن محمدا عبد رسول * لرب لا يضل ولا يجوز وجدناه نبيا مثل موسى * فكل فتى بخايره مخير وبئس الامر أمر بني قسي * بوج إذا تقسمت الامور (2) أضاعوا أمرهم ولكل قوم * أمير والدوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم * جنود الله ضاحية تسير نؤم الجمع جمع بني قسي * على حنق نكاد له نطير وأقسم لو هموا مكثوا لسرنا * إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنا أسدلية ثم حتى * أبحناها وأسلمت النصور (3) ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع والدماء به تمور من الايام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور قتلنا في الغبار بني حطيط * على راياتها والخيل زور ولم يك ذو الخمار رئيس قوم * لهم عقل يعاقب أو نكير
أقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الامور فأفلت من نجا منهم حريضا (4) * وقتل منهم بشر كثير ولا يغني الامور أخو التواني * ولا الغلق الصريرة الحصور (5) أحانهم وحان وملكوه * أمورهم وأفلتت الصقور بنو عوف يميح بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور ولكن الرياسة عمموها * على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير
__________
(1) في الواقدي: الحارث بن عبد الله بن يعمر بن إياس بن أوس بن ربيعة بن الحارث.
2) وج: اسم واد بالطائف قبل حنين.
(3) لية: موضع قريب من الطائف.
والنصور: من هوازن، وهم رهط مالك بن عوف النصري (قاله السهيلي).
(4) في ابن هشام: جريضا، يعني المختنق بريقه.
(5) الصريرة: تصغير الصرورة، وهو الذي لا يأتي النساء .
فإن يهدوا إلى الاسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير فإن لم يسلموا فهموا أذان * بحرب الله ليس لهم نصير كما حكمت بني سعد وجرت (1) * برهط بني غزية عنقفير كأن بني معاوية بن بكر * إلى الاسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برأت من الاحن الصدور كأن القوم إذ جاؤا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور فصل ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصري على ثنية مع طائفة من أصحابه
فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم.
قال ابن إسحاق (2): فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادهم، فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا نرى قوما عارضي رماحهم أغفالا على خيلهم، فقال هؤلاء الاوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم، ثم طلع فارس فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ فقالوا: نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء (3)، قال: هذا الزبير بن العوام وأقسم باللات ليخالطنكم فأثبتوا له، فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.
[ فصل ] وأمر رسول الله صلى الله بالغنائم فجمعت من الابل والغنم والرقيق وأمر أن تساق إلى الجعرانة فتحبس هناك، قال ابن اسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.
[ فصل ] قال ابن اسحاق: وحدثني بعض أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر يومئذ بامرأة قتلها خالد
__________
(1) في ابن هشام صدره: كما حكت بني سعد وحرب..(2) في سيرة ابن هشام قال ابن هشام.
(3) في الواقدي، ملاءة صفراء.
ابن الوليد والناس متقصفون (1) عليها فقال لبعض أصحابه " أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا " (2) هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا.
وقد قال الامام أحمد: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد،
حدثني المرقع بن صيفي عن جده رباح بن ربيع أخي بني حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فانفرجوا عنها فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ما كانت هذه لتقاتل " فقال لاحدهم " الحق خالدا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفا " وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه.
غزوة أوطاس وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الاشعري فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة فحاصر أهل الطائف كما سيأتي.
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم إلى نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك الثنايا قال: فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهان (3) السلمي ويعرف بابن الدغنة - وهي أمه - دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي ؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت ! قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك ! خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار، ثم أضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، قرب والله يوم منعت فيه نساءك، فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف، فإذا عجانه (4) وبطون
__________
(1) متقصفون: مزدحمون.
(2) العسيف: الاجير، والعبد المستعان به.
(3) في ابن هشام: ابن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس.
(4) عجانه: ما بين الخصية والدبر.
فخذيه مثل القراطيس، من ركوب الخيل أعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.
ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها فمن ذلك قولها: قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا * فظل دمعي على السربال ينحدر لولا الذي قهر الاقوام كلهم * رأت سليم وكعب كيف يأتمر إذن لصبحهم غبا وظاهرة * حيث استقرت نواهم جحفل ذفر قال ابن اسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الاشعري، فأدرك من الناس بعض من أنهزم، فناوشوه القتال، فرمي أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الاشعري وهو ابن عمه، فقاتلهم ففتح الله عليهم وهزمهم الله عزوجل، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر الاشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله وقال: إن تسألوا عني فإني سلمه * ابن سمادير (1) لمن توسمه أضرب بالسيف رؤس المسلمه قال ابن إسحاق: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه: أن أبا عامر الاشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقي العاشر فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي فكف
عنه أبو عامر، فأفلت، فأسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: " هذا شريد أبي عامر " قال: ورمى أبا عامر، أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث، من بني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته فقتلاه، وولى الناس أبا موسى، فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جشم [ بن معاوية ] (2) يرثيهما: إن الرزية قتل العلا * ء وأوفى جميعا ولم يسندا هما القاتلان أبا عامر * وقد كان داهية أربدا (3)
__________
(1) سمادير: أم سلمة بن دريد.
(2) من ابن هشام.
(3) في ابن هشام: ذا هبة، وهبة السيف اهتزازه.
هما تركاه لدى معرك * كأن على عطفه مجسدا (1) فلم ير في الناس مثليهما * أقل عثارا وأرمى يدا وقال البخاري: ثنا محمد بن العلاء، وحدثنا أبو أسامة، عن يزيد (2) بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، قال: فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك ؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت ؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت: لابي عامر قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء.
قال: يا ابن أخي اقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقوله: قل له استغفر
لي، قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر " ورأيت بياض إبطيه ثم قال " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس " فقلت ولي فاستغفر، فقال: " اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما " قال أبو بردة: إحداهما لابي عامر والاخرى لابي موسى رضي الله عنهما (3).
ورواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد (4) عن أبي أسامة به نحوه وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأ سفيان - هو الثوري - عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) [ النساء: 24 ] قال فاستحللنا بها فروجهن.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان البتي به.
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري.
وقد رواه الامام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم وشعبة والترمذي من حديث همام
__________
(1) المجسد: الثوب المصبوغ بالجساد، وهو الزعفران.
(2) من البخاري وفي الاصل يزيد بن عبد الله.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (55) باب الحديث 4323 فتح الباري 8 / 41.
ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (38) باب.
الحديث (165).
ورواه البيهقي في الدلائل في باب ما جاء في جيش أوطاس: ج 5 / 152 - 153.
(4) من صحيح مسلم، وفي الاصل عبد الله بن أبي براد وهو تحريف.
وعبد الله بن براد هو أبو عامر الاشعري
عن يحيى ثلاثتهم عن قتادة، عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) وهذا لفظ أحمد بن حنبل فزاد في هذا الاسناد أبا علقمة الهاشمي وهو ثقة
وكان هذا هو المحفوظ والله أعلم.
وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الامة طلاقها.
روى ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بريرة حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو إبقاءه، فلو كان بيعها طلاقها لها لما خيرت، وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير بما فيه كفاية وسنذكره إن شاء الله في الاحكام الكبير، وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الامة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس، وخالفهم الجمهور وقالوا هذه قضية عين فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات وموضع تقرير ذلك في الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
من استشهد يوم حنين وأوطاس أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أيمن بن عبيد، وزيد (1) بن زمعة بن الاسود ابن المطلب بن أسد جمح به فرسه الذي يقال له الجناح فمات، وسراقة بن مالك بن الحارث بن عدي الانصاري من بني العجلان، وأبو عامر الاشعري أمير سرية أوطاس، فهؤلاء أربعة رضي الله عنهم.
ما قيل من الاشعار في غزوة هوازن فمن ذلك قول بجير بن زهير بن أبي سلمى: لولا الاله وعبده وليتم * حين استخف الرعب كل جبان (2) بالجزع يوم حبالنا أقراننا * وسوابح يكبون للاذقان (3) من بين ساع ثوبه في كفه * ومقطر بسنابك ولبان (4) والله أكرمنا وأظهر ديننا * وأعزنا بعبادة الرحمن والله أهلكهم وفرق جمعهم * وأذلهم بعبادة الشيطان
__________
(1) في ابن هشام: يزيد، والواقدي وابن سعد لم يذكراه بل ذكرا: رقيم بن ثعلبة بن زيد بن لوذان (انظر ابن حزم ومغازي الواقدي 3 / 922 - طبقات ابن سعد 2 / 152).
(2) جيان، وتروى جنان، والجنان: القلب.
(3) الجزع: ما انعطف من الوادي.
(4) مقطر: مرمي على قطره، وهو جنبه، والسنابك: جمع سنبك وهو طرف مقدم الحافر.
واللبان: الصدر
قال ابن هشام ويروي فيها بعض الرواة: إذ قام عم نبيكم ووليه * يدعون: يا لكتيبة الايمان أين الذين هم أجابوا ربهم * يوم العريض وبيعة الرضوان (1) وقال عباس بن مرداس السلمي: فإني والسوابح يوم جمع * وما يتلو الرسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف * بجنب الشعب أمس من العذاب هم رأس العدو من أهل نجد * فقتلهم ألذ من الشراب هزمنا الجمع جمع بني قسي * وحلت بركها ببني رئاب وصرما من هلال غادرتهم * بأوطاس تعفر بالتراب ولو لاقين جمع بني كلاب * لقام نساؤهم والنقع كابي ركضنا الخيل فيهم بين بس * إلى الاورال تنحط بالتهاب (2) بذي لجب رسول الله فيهم * كتيبته تعرض للضراب وقال عباس بن مرداس أيضا: يا خاتم النباء إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا ثم الذين وفوا بما عاهدتهم * جند بعثت عليهم الضحاكا رجلا به ذرب (3) السلاح كأنه * لما تكنفه العدو يراكا يغشى ذوي النسب القريب وإنما * يبغي رضا الرحمن ثم رضاكا أنبئك أني قد رأيت مكره * تحت العجاجة يدمغ الاشراكا
طورا يعانق باليدين وتارة * يفري الجماجم صارما فتاكا (4) وبنو سليم معنقون أمامه * ضربا وطعنا في العدو دراكا يمشون تحت لوائه وكأنهم * أسد العرين أردن ثم عراكا ما يرتجون من القريب قرابة * إلا لطاعة ربهم وهواكا
__________
(1) العريض: واد بالمدينة.
(2) بس: موضع في أرض بني جشم، والاورال: أجيل ثلاثة سود، وفي نسخ البداية المطبوعة أوراد وهو تحريف.
(3) ذرب السلاح: حدته ومضاؤه، وفي نسخ البداية المطبوعة درب بالدال وهو تحريف.
(4) بعده في ابن هشام: يغشى به هام الكماة ولو ترى * منه الذي عاينت كان شفاكا
هذي مشاهدنا التي كانت لنا * معروفة وولينا مولاكا وقال عباس بن مرداس أيضا (1): عفا مجدل من أهله فمتالع * فمطلا أريك قد خلا فالمصانع (2) ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا * رخي وصرف الدهر للحي جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى * لبين فهل ماض من العيش راجع فإن تبتغي الكفار غير ملومة * فإني وزير للنبي وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالاخشبين وإنما * يد الله بين الاخشبين نبايع فجسنا مع المهدي مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع علانية والخيل يغشى متونها * حميم وآن من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن * إلينا وضاقت بالنفوس الاضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الاعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف (3) السحابة لامع عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع (4) نذود أخانا عن أخينا ولو ترى (5) * مصالا لكنا الاقربين نتابع ولكن دين الله، دين محمد * رضينا به فيه الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لامر حمه الله دافع وقال عباس أيضا: تقطع باقي وصل أم مؤمل * بعاقبة واستبدلت نية خلفا (6) وقد حلفت بالله لا تقطع القوى * فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
__________
(1) هذه القصائد من هنا إلى آخرها سقطت من نسخة التيمورية.
(2) مجدل ومتالع وأربك: اسماء مواضع.
(3) خذروف السحابة: طرفها، يريد به: سرعة تحرك هذا اللواء واضطرابه.
(4) معتص: ضارب، وكانع: قريب.
(5) يريد أنه من بني سليم.
وسليم من قيس: كما أن هوازن من قيس.
(6) النية: ما ينويه الانسان من وجه ويقصده.
وقال السهيلي: النية من النوى: البعد.
خفافية بطن العقيق مصيفها * وتحتل في البادين وجرة فالعرفا (1) فإن تتبع الكفار أم مؤمل * فقد زودت قلبي على نأيها شغفا وسوف ينبئها الخبير بأننا * أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا وإنا مع الهادي النبي محمد * وفينا ولم يستوفها معشر ألفا بفتيان صدق من سليم أعزة * أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا خفاف وذكوان وعوف تخالهم * مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن نسيج الشهب والبيض ملبس * أسودا تلاقت في مراصدها غضفا بنا عز دين الله غير تنحل * وزدنا على الحي الذي معه ضعفا بمكة إذ جئنا كأن لواءنا * عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا على شخص الابصار تحسب بينها * إذا هي جالت في مراودها عزقا (2) غداة وطئنا المشركين ولم نجد * لامر رسول الله عدلا ولا صرفا بمعترك لا يسمع القوم وسطه * لنا زحمة إلا التذامر والنقفا ببيض تطير الهام عن مستقرها * وتقطف أعناق الكماة بها قطفا فكائن تركنا من قتيل ملحب * وأرملة تدعو على بعلها لهفا رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي * ولله ما يبدو جميعا وما يخفى وقال عباس أيضا رضي الله عنه: ما بال عينك فيها عائر سهر * مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر (3) عين تأوبها من شجوها أرق * فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمه * تقطع السلك منه فهو منتثر يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن أتى دونه الصمان فالحفر (4) دع ما تقدم من عهد الشباب فقد * ولى الشباب وزار الشيب والزعر (5) واذكر بلاء سليم في مواطنها * وفي سليم لاهل الفخر مفتخر قوم هموا نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر
__________
(1) العقيق ووجرة والعرف: اسماء مواضع.
(2) مراود: جمع مرود وهو الوتد، قال السهيلي: يجوز أن يكون جمع مراد، وهو حيث ترود الخيل.
(3) العائر: كل ما أعل العين من رمد أو قذى.
والحماطة: تبن الذرة.
والشغر: أصل منبت الشعر في الجفن (4) الصمان والحفر: موضعان.
(5) الزعر: قلة الشعر.
إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الاخطار والعكر (1) تدعى خفاف وعوف في جوانبها * وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر (2) الضاربون جنود الشرك ضاحية * ببطن مكة والارواح تبتدر حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر إذ نركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأزق من مجر الحرب كلكلها * تكاد تأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا * لله ننصر من شئنا وننتصر حتى تأوب أقوام منازلهم * لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا وقد أصبح منا فيهم أثر وقال عباس أيضا رضي الله عنه: يا أيها الرجل الذي تهوي به * وجناء مجمرة المناسم عرمس (3) إما أتيت على النبي فقل له * حقا عليك إذا اطمأن المجلس ياخير من ركب المطي ومن مشى * فوق التراب إذا تعد الانفس إنا وفينا بالذي عاهدتنا * والخيل تقدع بالكماة وتضرس إذ سال من أفناء بهثة كلها * جمع تظل به المخارم ترجس (4) حتى صبحنا أهل مكة فيلقا * شهباء يقدمها الهمام الاشوس من كل أغلب من سليم فوقه * بيضاء محكمة الدخال وقونس يروي القناة إذا تجاسر في الوغى * ونخاله أسدا إذا ما يعبس
يغشى الكتيبة معلما وبكفه * عضب يقد به ولدن مدعس (5) وعلى حنين قد وفى من جمعنا * ألف أمد به الرسول عرندس
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة: مغرية أثبتنا مقربة من ابن هشام، والعكر: الابل الكثيرة.
والاخطار: الجماعات من الابل.
(2) خفاف وعوف وذكوان: قبائل.
(3) الوجناء: الناقة الضخمة الوجنات، والمناسم: جمع منسم وهو مقدم طرف خف البعير.
العرمس الشديدة القوية.
(4) بهثة: حي من سليم.
والمخارم: الطرق في الجبال.
(5) مدعس: السريع الطعن، وغصب: السيف القاطع.
كانوا أمام المؤمنين دريئة * والشمس يومئذ عليهم أشمس (1) نمصي ويحرسنا الاله بحفظه * والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا * رضي الآله به فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدة * كفت العدو وقيل منها يا احبسوا تدعو هوازن بالاخوة بيننا * ثدي تمد به هوازن أيبس حتى تركنا جمعهم وكأنه * عير تعاقبه السباع مفرس وقال أيضا رضي الله عنه: من مبلغ الاقوام أن محمدا * رسول الاله راشد حيث يمما دعا ربه واستنصر الله وحده * فأصبح قد وفى إليه وأنعما سرينا وواعدنا قديدا محمدا * يؤم بنا أمرا من الله محكما تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا * مع الفجر فتيانا وغابا مقوما (2) على الخيل مشدودا علينا دروعنا * ورجلا كدفاع الاتي عرمرما
فإن سراة الحي إن كنت سائلا * سليم وفيهم منهم من تسلما وجند من الانصار لا يخذلونه * أطاعوا فما يعصونه ما تكلما فإن تك قد أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره * تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برة لمحمد * فأكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبي المؤمنين تقدموا * وحب إلينا أن نكون المقدما وبتنا بنهي المستدير ولم يكن * بنا الخوف إلا رغبة وتحزما أطعناك حتى أسلم الناس كلهم * وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما (3) يضل الحصان الابلق الورد وسطه * ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى * وكل تراه عن أخيه قد أحجما لدن غدوة حتى تركنا عشية * حنينا وقد سالت دوامعه دما إذا شئت من كل رأيت طمرة * وفارسها يهوي ورمحا محطما وقد أحرزت منا هوازن سربها * وحب إليها أن نخيب ونحرما
__________
(1) دريئة: الكتيبة المدافعة.
(2) الغاب: هنا الرماح.
(3) يلملم: ميقات الحاج القادم من جهة اليمن، وهو جبل على مرحلتين من مكة .
هكذا أورد الامام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الاطالة وخوف الملامة، ثم أورد من شعر غيره أيضا وقد حصل ما فيه كفاية من ذلك والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الطائف
قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان: وقال محمد بن إسحاق: ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبو اب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش (1) يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور (2): قال ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين فقال كعب بن مالك في ذلك: قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجمعنا السيوفا نخبرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن: دوسا أو ثقيفا فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوقا كأمثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا (3) تخال جدية الابطال فيها * غداة الزحف جاديا مدوفا (4) أجدهم أليس لهم نصيح * من الاقوام كان بنا عريفا يخبرهم بأنا قد جمعنا * عتاق الخيل والنجب الطروفا (5) وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي وكان صلبا * نقي القلب مصطبرا عزوفا
__________
(1) جرش: من مخاليف اليمن من جهة مكة.
(2) الضبور: جلود يغشى بها خشب يتقى بها في الحرب عند الانسحاب (قاله الخليل) وفي اللسان: الضبر: جلد يغشى خشبا فيها رجال تقرب إلى الحصون لقتال أهلها.
وقال: هي الدبابات التي تقرب للحصون، لتنقب من تحتها.
(3) كتيف: جمع كتيفة وهي الصفيحة الصغيرة.
(4) المدوف: المبلول، المخلوط بغيره.
والجادي: الزعفران.
(5) الطروف: الكرام من الخيل.
رشيد الامر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤفا فإن تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهدكم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا * إلى الاسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي ما لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا (1) وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والانوفا بكل مهند لين صقيل * نسوقهم بها سوقا عنيفا لامر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا وتنسى اللات والعزى وود * ونسليها القلائد والشنوفا فأمسوا قد أقروا واطمأنوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا وقال ابن اسحاق: فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي: قلت: وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في وفد ثقيف فأسلم معهم.
قاله موسى بن عقبة وأبو إسحاق وأبو عمر بن عبد البر وابن الاثير وغير واحد، وزعم المدايني أنه لم يسلم بل صار إلى بلاد الروم فتنصر ومات بها: من كان يبغينا يريد قتالنا * فإنا بدار معلم لا نريمها وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى * وكانت لنا أطواؤها وكرومها
وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر * فأخبرها ذو رأيها وحليمها وقد علمت - إن قالت الحق - أننا * إذا ما أتت صعر الخدود نقيمها نقومها حتى يلين شريسها (2) * ويعرف للحق المبين ظلومها علينا دلاص من تراث محرق * كلون السماء زينتها نجومها (3) نرفعها عنا ببيض صوارم * إذا جردت في غمرة لا نشيمها (4) قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف:
__________
(1) التلاد: القديم، والطريف: الجديد.
(2) الشريس: الشديد.
(3) دلاص: الدروع اللينة.
محرق: يريد عمرو بن عامر وهو أول من حرق العرب بالنار (قاله السهيلي).
(4) لا نشيمها: لا نقيمها
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر إن التي حرقت بالسد فاشتعلت * ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني من حنين إلى الطائف - على نخلة اليمانية (1) ثم على قرن (2) ثم على المليح (3) ثم على بحرة الرغاء (4) من ليلة فابتنى بها مسجدا فصلى فيه.
قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب أنه عليه السلام أقاد يومئذ ببحرة الرغاء، حين نزلها، بدم، وهو أول دم أقيد به في الاسلام، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم.
قال ابن إسحاق: ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة فلما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن اسمها فقال: ما اسم هذه الطريق ؟ فقيل الضيقة فقال بل هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب (5) حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن تخرج إلينا وإما أن
نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باخرابه.
وقال إبن إسحاق: عن اسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير سمعت عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه " قال فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن.
ورواه أبو داود عن يحيى بن معين عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به.
ورواه البيهقي: من حديث يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية به.
قال ابن اسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فتأخروا إلى موضع مسجده عليه السلام اليوم بالطائف الذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه عمرو بن أمية بن وهب وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم إلا سمع لها نقيض فيما يذكرون، قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، قال ابن هشام ويقال سبع عشرة ليلة،
__________
(1) نخلة اليمانية: واد يصب فيه يدعان وبه مسجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عسكرت هوازن يوم حنين (معجم البلدان).
(2) قرن: قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلا.
(معجم البلدان).
(3) المليح: واد بالطائف (معجم البلدان).
(4) بحرة الرغاء: موضع في لية من ديار بني نصر (معجم ما استعجم).
(5) نخب: واد بالطائف.
وقال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وترك السبى بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم ولم يخرج إليه أحد منهم غير أبي بكرة بن مسروح
أخي زياد لامه، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرت الجراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت لهم ثقيف: لا تفسدوا الاموال فإنها لنا أو لكم.
وقال عروة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات (1) وبعث مناديا ينادي من خرج إلينا فهو حر، فاقتحم إليه نفر فيهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبي سفيان لامه، فأعتقهم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله (2).
وقال الامام أحمد: ثنا يزيد، ثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين.
وقال أحمد: ثنا عبد القدوس ابن بكر بن خنيس، ثنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فخرج إليه عبد ان فأعتقهما أحدهما أبو بكرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا خرجوا إليه.
وقال أحمد أيضا: ثنا نصر بن رئاب، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف " من خرج إلينا من العبيد فهو حر " فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث تفرد به أحمد ومداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، لكن ذهب الامام أحمد إلى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الاسلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما، وقال آخرون إنما كان هذا شرطا لا حكما عاما ولو صح الحديث لكان التشريع العام أظهر كما في قوله عليه السلام " من قتل قتيلا فله سلبه " وقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن المكرم (3) الثقفي قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبد اللحارث ابن كلدة والمنبعث وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبعث، ويحنس ووردان في رهط من رقيقهم فأسلموا.
فلما قدم وفد أهل الطائف فأسلموا قالوا يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك ؟ قال: " لا أولئك عتقاء الله " ورد على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله له (4).
وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن عاصم: سمعت أبا عثمان قال سمعت سعدا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة وكان تسور حصن الطائف في أناس فجاء
__________
(1) في رواية البيهقي عنه: خمس نخلات أو حبلات من كرومهم.
(2) رواية موسى بن عقبة ذكرها ابن عبد البر في الدرر مختصرة ص (228)، ورواها البيهقي في الدلائل ج 5 / 157 - 158.
(3) من ابن هشام.
وفي الاصل المكرم وهو تحريف.
(4) رواه البيهقي عن ابن اسحاق في الدلائل ج 5 / 159 .
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام " ورواه مسلم من حديث عاصم به.
قال البخاري: وقال هشام أنبأ معمر، عن عاصم، عن أبي العالية أو أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عاصم: قلت لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال أجل أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف.
قال محمد ابن اسحاق: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة (1) فضرب لهما قبتين فكان يصلي بينهما، فحاصرهم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل.
قال ابن هشام: ورماهم بالمنجنيق.
فحدثني من أثق به أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من رمى في الاسلام بالمنجنيق رمى به أهل الطائف.
وذكر ابن إسحق أن نفرا من الصحابة دخلوا تحت دبابة ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف فأرسلت عليهم سكك الحديد محماة، فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فحينئذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون، قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة مناديا ثقيفا بالامان حتى يكلموهم فأمنوهم فدعوا نساء من قريش وبني كنانة ليخرجن إليهم وهما يخافان عليهن السباء إذا فتح الحصن، فأبين، فقال لهما أبو الأسود بن مسعود: ألا أدلكما على خير مما جئتما له ؟ إن مال أبي الاسود حيث قد علمتما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بواد يقال له العقيق وهو بين مال بني الاسود وبين الطائف وليس بالطائف مال أبعد رشاء، ولا أشد مؤونة ولا أبعد عمارة منه، وأن
محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم.
فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم.
وقد روى الواقدي عن شيوخه نحو هذا وعنده أن سلمان الفارسي هو الذي أشار بالمنجنيق وعمله بيده وقيل قدم به وبدبابتين فالله أعلم.
وقد أورد البيهقي: من طريق ابن لهيعة، عن أبي الاسود عن عروة: أن عيينة بن حصن استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأتي أهل الطائف فيدعوهم إلى الاسلام فأذن له، فجاءهم فأمرهم بالثبات في حصنهم وقال لا يهولنكم قطع ما قطع من الاشجار في كلام طويل، فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما قلت لهم " قال دعوتهم إلى الاسلام وأنذرتهم النار وذكرتهم بالجنة، فقال " كذبت بل قلت لهم كذا وكذا " فقال: صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك (2).
وقد روى البيهقي: عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن
__________
(1) ذكرهما الواقدي: أم سلمة وزينب.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 163 في باب استئذان عيينة بن حصن بن بدر في مجيئه ثقيفا، ورواه أبو نعيم في الدلائل ص (465) ونقله عنهما الصالحي في السيرة الشامية (5 / 562)
سالم بن أبي الجعد، عن سعدان (1) بن أبي طلحة، عن ابن أبي نجيح السلمي وهو عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: حاصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من بلغ بسهم فله درجة في الجنة " فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، وسمعته يقول " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فإن الله جعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها من النار " (2).
ورواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث قتادة به.
وقال البخاري ثنا الحميدي، سمع سفيان، ثنا هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله بن أبي أمية: أرأيت إن فتح الله
عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يدخلن هؤلاء عليكن " (3) قال ابن عيينة وقال ابن جريج: المخنث هيت.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به وفي لفظ وكانوا يرونه من غير أولى الاربة من الرجال، وفي لفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكن هؤلاء " يعني إذا كان ممن يفهم ذلك فهو داخل في قوله تعالى [ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) والمراد بالمخنث في عرف السلف الذي لا همة له إلى النساء وليس المراد به الذي يؤتى إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما كما دل عليه الحديث وكما قتله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومعنى قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان يعني بذلك عكن بطنها فإنها تكون أربعا إذا أقبلت ثم تصير كل واحدة ثنتين إذا أدبرت، وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان بن سلمة من سادات ثقيف، وهذا المخنث قد ذكر البخاري عن ابن جريج أن اسمه هيت وهذا هو المشهور.
لكن قال يونس عن ابن اسحاق قال: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له مانع يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، ولا نرى أنه يفطن لشئ من أمور النساء مما يغطن إليه رجال، ولا يرى أن له في ذلك إربا فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلا تنفلتن منكم بادية بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع هذا منه " ألا أرى هذا يفطن لهذا " الحديث ثم قال لنسائه " لا يدخلن
__________
(1) من دلائل البيهقي، وفي الاصول معدان.
(2) دلائل البيهقي ج 5 / 159.
(3) أخرجه البخاري في المغازي (56) باب الحديث (4324) فتح الباري 8 / 43، وأخرجه في كتاب النكاح، وفي اللباس.
وأخرجه مسلم في كتاب السلام (13) باب الحديث (32).
وأخرجه ابن ماجة في النكاح وفي الحدود، وأبو داود في الادب كلاهما عن أبي بكر بن أبي شيبة
عليكم " فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان، عن
عمرو، عن أبي العباس الشاعر الاعمى عن عبد الله بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وآله الطائف فلم ينل منهم شيئا قال " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فنقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتح ؟ فقال " اغدوا على القتال " فغدوا فأصابهم جراح فقال " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فأعجبهم فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال سفيان مرة فتبسم (2).
ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به وعنده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب واختلف في نسخ البخاري ففي نسخة كذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
والله أعلم.
وقال الواقدي: حدثني كثير بن زيد عن (3) الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الدئلي فقال " يا نوفل ما ترى في المقام عليهم ؟ " (4) قال: يا رسول الله ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر وهو محاصر ثقيفا " يا أبا بكر إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها " فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنا لا أرى ذلك " قال: ثم إن خولة (5) بنت حكيم السلمية وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلى الفارعة بنت عقيل - وكانت من أحلى نساء ثقيف - فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها " وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة " فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته ؟ قال: " قد قلته " قال أو ما أذن
__________
(1) روى الخبر البيهقي عنه في الدلائل ج 5 / 160.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 56 باب الحديث 4325 فتح الباري 7 / 44.
وفي كتاب الادب (68) باب.
وفي 97 كتاب التوحيد (31) باب.
وفي جميع الروايات عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد (29) باب الحديث (82) عن عبد الله بن عمرو.
قال ابن حجر: وقع في رواية الكشميهني والنسفي والاصيلي (عبد الله بن عمرو) والصواب عبد الله بن عمر بن الخطاب.
ورواه الامام أحمد عن سفيان بن عيينة وجاء في بداية روايته: قيل لسفيان - وهو يحدث - ابن عمرو ؟ قال: لا، ابن عمر..وتابع حديثه.
وقول سفيان صراحة انه عبد الله بن عمر يقطع كل شك في انه ابن عمر بن الخطاب وليس ابن عمرو بن العاص.
وقال البيهقي عن علي بن المديني: حدثنا بهذا الحديث سفيان ولم يقل مرة عبد الله بن عمرو بن العاص.
(3) من مغازي الواقدي، وفي الاصل بن تحريف.
(4) هكذا في الاصل، وفي الطبري عن الواقدي، والعبارة في المغازي ج 3 / 937 ما تقول ؟ أو ترى.
(5) في ابن هشام: خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص السلمية.
وفي ابن سعد: خولة.
وذكر تمام نسبها .
فيهم ؟ قال: لا، قال: أفلا اؤذن بالرحيل ؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل.
فلما استقبل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبي عمرو بن علاج: ألا إن الحي مقيم، قال: يقول عيينة بن حصن أجل والله مجده كراما، فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره ؟ فقال: إني والله ماجئت لاقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لي رجلا فإن ثقيفا [ قوم ] (1) مناكير.
وقد روى ابن لهيعة: عن أبي الاسود، عن عروة قصة خولة بنت حكيم وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال.
وتأذين عمر بالرحيل، قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن لا يسرحوا ظهرهم فلما أصبحوا ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعا حين ركب قافلا فقال " اللهم أهدهم واكفنا مؤنتهم " (2) وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال " اللهم اهد ثقيفا " ثم قال هذا حديث حسن غريب.
وروى يونس عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكدم (3) عمن أدركوا من أهل العلم قالوا: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم المدينة فجاءه وفدهم في
رمضان فأسلموا.
وسيأتي ذلك مفصلا في رمضان من سنة تسع إن شاء الله.
وهذه تسمية من استشهد من المسلمين بالطائف فيما قاله ابن إسحاق فمن قريش، سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية.
وعرفطة بن حباب حليف لبني أمية بن الاسد بن الغوث، وعبد الله ابن أبي بكر الصديق رمي بسهم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي من رمية رميها يومئذ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لبني عدي، والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وأخوه عبد الله، وجليحة بن عبد الله من بني سعد بن ليث، ومن الانصار ثم من الخزرج: ثابت بن الجذع الاسلمي، والحارث بن سهل بن أبي صعصعة المازني، والمنذر بن عبد الله من بني ساعدة، ومن الاوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية فقط (4)، فجميع من استشهد يومئذ اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الانصار، ورجل من بني ليث رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن إسحاق: ولما نصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا عن الطائف قال بجير بن زهير بن أبي سلمى يذكر حنينا والطائف:
__________
(1) من ابن هشام.
ومناكير: ذوي دهاء وفطنة.
(2) نقل الخبر بتمامه البيهقي في الدلائل ج 5 / 168 - 169.
(3) من دلائل البيهقي.
ج 5 / 169.
(4) لم يذكره الواقدي، وذكر من بني أسد يزيد بن زمعة بن الاسود، جمح به فرسه إلى حصن الطائف فقتلوه .
كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الابرق جمعت باغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق لم يمنعوا منا مقاما واحدا * إلا جدارهم وبطن الخندق ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فاستحصنوا منا بباب مغلق ترتد حسرانا إلى رجراجة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حصنا لظل كأنه لم يخلق (1)
مشي الضراء على الهراس كأننا * قدر تفرق في القياد ويلتقي في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق (2) وقال أبو داود: ثنا عمر بن الخطاب، أبو حفص، ثنا الفريابي، ثنا أبان ثنا عمرو - هو ابن عبد الله بن أبي حازم - ثنا عثمان بن أبي حازم عن أبيه عن جده صخر - هو أبي العيلة الاحمسي - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثقيفا فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهد وذمة لا أفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب إليه صخر، أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل بهم وهم في خيلي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة جامعة فدعا لاحمس عشر دعوات " اللهم بارك لاحمس في خيلها ورجالها ".
وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا رسول الله إن صخرا أخذ عمتي ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع إلى المغيرة عمته " فدفعها إليه وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء لبني سليم قد هربوا عن الاسلام وتركوا ذلك الماء فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومي ؟ قال " نعم " فأنزله وأسلم - يعني الاسلميين، فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فقال " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إليهم ماءهم " قال: نعم يا نبي الله فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء.
تفرد به أبو داود وفي إسناده اختلاف.
قلت: وكانت الحكمة الالهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ ليلا يستأصلوا قتلا لانه قد تقدم أنه عليه السلام لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه عزوجل وذلك بعد موت عمه أبي طالب فردوا عليه قوله وكذبوه فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند
__________
(1) في ابن هشام: حضنا بدل حصنا.
وحضن: اسم جبل بأعلى نجد.
(2) آل محرق هم آل عمرو بن هند ملك الحيرة
قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل فناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك فإن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا " فناسب قوله بل أستأني بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
مرجعه عليه السلام من الطائف وقسمة غنائم هوازن قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا (1) حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ومعه من هوازن سبي كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله ادع عليهم فقال " اللهم اهد ثقيفا وائت بهم " قال: ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الابل والشاء ما لا يدرى عدته.
قال ابن اسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب وفي رواية يونس بن بكير عنه قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام خطيبهم زهير بن صرد، أبو صرد، فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك (2) اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا (3) لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت رسول الله خير المكفولين، ثم أنشا يقول: أمنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وننتظر (4) أمنن على بيضة (5) قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر (6) هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر
__________
(1) دحنا: من مخاليف الطائف.
(2) إشارة إلى حاضنته، حليمة، وكانت من بني سعد بن بكر من هوازن وكانت ظئرا له.
(3) ملحنا: قال ابن هشام: ما لحنا.
أي أرضعنا.
(4) في روايتي الواقدي والبيهقي: وندخر.
(5) في الواقدي: نسوة.
(6) في البيهقي: الحرب: والبيت لم يذكره الواقدي.
إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما (1) حين يختبر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر (2) أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزنيك ما تأتي وما تذر (3) لا تجعلنا كمن شالت نعامته (4) * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر آلاء وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم ؟ " فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا ؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا فإني سأعطيكم عند ذلك وأسال لكم " فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت الانصار: وما كان لنا، فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الاقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال: يقول عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أمسك منكم بحقه، فله بكل إنسان ستة فرائض، من أول فئ نصيبه " فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال " أيها الناس ردوا علي ردائي فوالذي نفسي في يده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال " أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " فجاء رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه لاخيط بها برذعة بعير لي دبر " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) في الواقدي: حتى.
(2) في الواقدي: إذ فوك مملوءة من محضها الدرر، والمحض: الدفعات الكثيرة من اللبن.
(3) البيت في الواقدي: اللائي إذ كنت طفلا كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتي وما تذر وصدره في السهيلي: إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها.
(4) شالت نعامته: أي تفرقت كلمتهم، أو ذهب عزهم (القاموس)
" أما حقي منها فلك " فقال الرجل: أما إذا بلغ الامر فيها فلا حاجة لي بها فرمى بها من يده.
وهذا السياق يقتضي أنه عليه السلام رد إليهم سبيهم قبل القسمة كما ذهب إليه محمد بن إسحاق ابن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره.
وفي صحيح البخاري: من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال ؟ وقد كنت
استأنيت بكم " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حنى قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال " أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ الله علينا فليفعل " فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال لهم " إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا.
فهذا ما بلغنا عن سبي هوازن (1).
ولم يتعرض البخاري لمنع الاقرع وعيينة وقومهما بل سكت عن ذلك والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت.
وروى البخاري: من حديث الزهري أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال " أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا " تفرد به البخاري.
وقال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى علي ابن أبي طالب جارية، يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبد الله.
وقال ابن إسحاق: فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال: بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح، ليصلحوا لي منها ويهيئوها حتى أطوف بالبيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فجئت من المسجد حين فرغت، فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم ؟ قالوا رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وابناءنا، قلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح فاذهبوا فخذوها فذهبوا إليها فأخذوها (2).
قال ابن إسحاق:
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (54) باب.
فتح الباري 8 / 26 - 27.
وأخرجه البخاري في الوكالة، وفي
كتاب الخمس، وفي كتاب الهبة مختصرا.
وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في فداء الاسير بالمال.
(2) الخبر في أمر أموال هوازن وسباياها وعطاياها في سيرة ابن هشام ج 4 / 132 - 133.
وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أوى عجوزا إني لاحسب لها في الحي نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها، فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض (1) أبي أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (2)، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة فردها بست فرائض قال الواقدي: ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الابل وأربعون شاة (3).
وقال سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن رجلا ممن شهد حنين قال: والله إني لاسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال: " أوجعتني فتأخر عني " فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسني قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالامس، قال فجئته وأنا أتوقع فقال " إنك أصبت رجلي بالامس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لاعوضك منها " فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني، والمقصود من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره، وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبي وركب علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له أقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال " ردوا علي ردائي أيها الناس فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا " كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه.
وكأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نساءهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها عليه الصلاة
والسلام بالجعرانة كما أمره الله عزوجل وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم فعتب عليه أناس من الانصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطبيبا لقلوبهم، وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذي الخويصرة وأشباهه قبحه الله كما سيأتي تفصيله وبيانه في الاحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان.
قال الامام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقول: ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال:
__________
(1) الفرائض: جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمي فريضة لانه فرض على رب المال، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة.
(2) ماكد: غزير.
(3) العبارة في الواقدي: أربع من الابل أو أربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة من الابل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له، 3 / 949.
فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف (1) وعلى مجنبة (2) خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوذ (3) خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا للمهاجرين (4) يا للمهاجرين يا للانصار ؟ - قال أنس هذا حديث عمية (5) - قال قلنا لبيك يا رسول الله قال: وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة، قال فنزلنا فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل المائتين، قال فتحدث الانصار بينها أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه ؟ ! فرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بسراة المهاجرين والانصار أن يدخلوا عليه ثم قال " لا يدخلن علي إلا أنصاري - أو الانصار " قال فدخلنا القبة حتى ملاناها قال نبي الله صلى الله عليه وسلم " يا معشر الانصار " أو
كما قال " ما حديث أتاني ؟ " قالوا ما أتاك يا رسول الله قال " ما حديث أتاني " قالوا ما أتاك يا رسول الله، قال " ألا ترضون أن يذهب الناس بالاموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم ؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله، قال فرضوا أو كما قال (6) وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما كانوا في اثني عشر ألفا، وقوله إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة فالله أعلم.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام، ثنا معمر، عن الزهري حدثني أنس بن مالك قال: قال ناس من الانصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا المائة من الابل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ؟ قال أنس بن مالك: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم،
__________
(1) (1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل وعلمه على قوله ستة آلاف قال: أظنه يريد الانصار، وقال القاضي: هذا وهم من الراوي عن الانس.
(2) مجنبة: قال شمر: المجنبة هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق.
وهما مجنبتان: ميمنة، وميسرة بجانبي الطريق، والقلب بينهما.
(3) في مسلم: تلوي.
(4) في مسلم: يال المهاجرين: يال بلام مفصولة مفتوحة.
وتفتح اللام في المستغاث به.
(5) من مسلم، وفي الاصل: عمته تحريف.
قال القاضي: ضبطت على أوجه: عمية، وعمية أي حدثني به عمي.
وقال الخليل: العم: الجماعة وقال الحميدي: عمية بتشديد الياء: وفسره بعمومتي، أي حديث فضل أعمامي.
(6) الحديث في مسند الامام أحمد ج 3 / 158 ومسلم في الزكاة (46) باب.
الحديث (136)
فأرسل إلى الانصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ما حديث بلغني عنكم ؟ " قال فقهاء الانصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا،
وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإني لاعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالاموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا: يا رسول الله قد رضينا فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " فستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " قال أنس: فلم يصبروا (1).
تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه البخاري ومسلم: من حديث ابن عون (2) عن هشام بن زيد، عن جده أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا فقال " يا معشر الانصار " قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك.
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أنا عبد الله ورسوله " فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الانصار شيئا، فقالوا، فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال " أما ترضون أن تذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ؟ " صلى الله عليه وسلم [ قالوا بلى ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ".
وفي رواية للبخاري من هذا الوجه قال لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بن عمهم وذراريهم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال " يا معشر الانصار ؟ " قالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال " يا معشر الانصار ؟ " فقالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: " أنا عبد الله ورسوله " فانهزم المشركون، وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء.
ولم يعط الانصار شيئا، فقالت الانصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال " يا معشر الانصار، ما حديث بلغني ؟ " فسكتوا فقال " يا معشر الانصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم ؟ " قالوا: بلى، فقال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ".
قال هشام: قلت يأبا حمزة وأنت شاهد ذلك ؟ قال وأين أغيب عنه (3) ثم رواه البخاري ومسلم
أيضا: من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار فقال " إن
__________
(1) أخرجه البخاري في 57 كتاب الخمس (19) باب.
ومسلم في كتاب الزكاة (46) باب.
الحديث (132).
(2) من البخاري ومسلم وفي الاصل: ابن عوف تحريف.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (56) باب غزوة الطائف.
ومسلم في الزكاة (46) باب اعطاء المؤلفة قلوبهم الحديث (135)
قريشا حديثوا (1) عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ؟ قالوا: بلى، قال " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت وادي الانصار أو شعب الانصار " (2) وأخرجاه أيضا: من حديث شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم، والغنائم تقسم فيهم، فخطبهم وذكر نحو ما تقدم.
وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثناد حماد، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان وعيينة والاقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الانصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم ؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال " فيكم أحد من غيركم ؟ " قالوا لا إلا أبن اختنا، قال " ابن اخت القوم منهم " ثم قال " أقلتم كذا وكذا ؟ " قالوا: نعم، قال " أنتم الشعار والناس الدثار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دياركم ؟ " قالوا: بلى، قال " الانصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار " (3) وقال: قال حماد: أعطى مائة من الابل فسمى كل واحد من هؤلاء.
تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال
" أفلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا فأويناك، ومخذولا فنصرناك ؟ " قالوا بل لله المن علينا ولرسوله.
وهذا إسناد ثلاثي على شرط الصحيحين فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك.
وقد روي عن غيره من الصحابة.
قال البخاري: ثنا موسى بن اسماعيل، ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الانصار شيئا فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصيبهم.
ما أصاب الناس، فخطبهم فقال " يا معشر الانصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن،
__________
(1) حديثو عهد بجاهلية: أي كانوا قريب عهد بجاهلية، يعني أن زمانهم قريب من زمان الكفر.
قال ابن حجر: وقع بالافراد في الصحيحين " حديث عهد " والمعروف حديثو عهد.
وفعيل يستوي فيه الافراد وغيره.
(2) أخرجه البخاري في 57 كتاب فرض الخمس (19) باب.
ومسلم في كتاب الزكاة (46) باب (حديث: 133) و (134).
(3) مسند الامام أحمد: ح 3 / 222.
قال " لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الانصار وشعبها.
الانصار شعار والناس دثار (1)، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ".
ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازني به وقال يونس بن بكير، عن محمد ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش، وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الانصار منها شئ قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الانصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الانصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ؟ فقال " فيم ؟ " قال: فيما كان من
قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فاعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فاذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم، حتى إذا لم يبق من الانصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الانصار حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا: بلى ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تجيبون يا معشر الانصار ؟ " قالوا: وما نقول يا رسول الله ؟ وبماذا نجيبك ؟ المن لله ولرسوله قال: " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك " فقالوا: المن لله ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الانصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام، أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب (2) الانصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار (3)، اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار " قال:
__________
(1) قال أهل اللغة: الشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوقه.
ومعنى الحديث أن الانصار هم البطانة والخاصة والاصفياء.
وألصق الناس بي من سائر الناس.
(2) قال الخليل: الشعب هو ما انفرج بين جبلين، وقال ابن السكين، هو الطريق في الجبل.
والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم أراد أنه مع الانصار قال الخطابي: ويحتمل أنه يريد بالشعب - الوادي - أي المذهب.
(3) قال الخطابي: أراد: تأليف الانصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم.
وقال القرطبي: معناه لتسميت .
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا (1).
وهكذا رواه الامام أحمد: من حديث إبن اسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح وقد رواه الامام أحمد: عن يحيى بن بكير، عن الفضل بن مرزوق، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال رجل من الانصار لاصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الامور قد آثر عليكم، قال فردوا عليه ردا عنيفا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها قالوا: بلى يا رسول الله، قال " وكنتم لا تركبون الخيل " وكلما قال لهم شيئا قالوا: بلى يا رسول الله ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم.
تفرد به أحمد أيضا.
وهكذا رواه الامام أحمد منفردا به من حديث الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بنحوه ورواه أحمد أيضا عن موسى بن عقبة عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مختصرا.
وقال سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن جده رافع بن خديج: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين مائة من الابل، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة.
وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة.
وأعطى الاقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، ولم يبلغ به أولئك فأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العب * يد بين عيينة والاقرع (2) فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرئ * فلم أعط شيئا ولم أمنع قال فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة.
رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه وهذا لفظ البيهقي (3) وفي رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن اسحاق فقال: كانت نهابا تلافيتها * بكري على المهر في الاجرع (4) وإيقاظي الحي أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع
__________
= باسمكم وانتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت ما سوى
ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها.
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 141 - 143 ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 176 - 178.
(2) العبيد: اسم فرس عباس بن مرداس.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 178 - 179 ومسلم في كتاب الزكاة.
الحديث 137.
(4) النهاب: جمع نهب، وهو ما ينهب ويغنم، والاجرع: المكان السهل
فأصبح نهي ونهب العب * يد بين عيينة والاقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرئ * فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفايل أعطيتها * عديد قوائمها الاربع (1) وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع (2) وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له " أنت القائل أصبح نهبي ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة ؟ " فقال أبو بكر: ما هكذا قال يا رسول الله ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغي لك، فقال " كيف قال ؟ " فأنشده أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقطعوا عني لسانه " فخشي بعض الناس أن يكون أراد المثلة به وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم العطية، قال وعبيد فرسه (3)، وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة عن أبي موسى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة (4) ومعه بلال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني ؟ فقال له " ابشر " فقال: قد أكثرت على من أبشر ! فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال " رد البشرى فأقبلا أنتما " ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ثم قال: " اشربا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما وابشرا " فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لامكما.
فأفضلا لها منه
طائفة.
هكذا رواه.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.
وقد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مائة من الابل وهم: أبو سفيان صخر بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث (5) بن كلدة أخو بني عبد
__________
(1) الافايل: جمع أفيل.
وهو الصغير من الابل.
(2) في رواية عروة وابن عقبة وابن إسحاق: شيخي بدلا من مرداس.
وحصن: هو أبو عيينة.
(3) الخبر والابيات في سيرة ابن هشام ج 4 / 136 ونقلها البيهقي في الدلائل عن ابن عقبة.
ج 5 / 181.
(4) من صحيح البخاري، وفي نسخ البداية المطبوعة يزيد وهو تحريف.
(5) قال القسطلاني: قال الداودي: وهو وهم والصواب بين مكة والطائف، وبه جزم النووي وغيره.
وقال ياقوت: الجعرانة ماء بين مكة والطائف وهي إلى مكة أقرب.
وقال الباجي: بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلا.
(6) في السيرة: الحارث بن الحارث بن كلدة، وقال ابن هشام: نصير.
وعند الواقدي: النضير.
الدار، وعلقمة بن علاثة، والعلاء بن حارثة (1) الثقفي حليف بني زهرة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم (2)، ومالك بن عوف النصري، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وعيينة بن حصن، وصفوان بن أمية، والاقرع بن حابس، قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي: أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة والاقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري (3) ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الارض كلهم مثل عيينة والاقرع، ولكن تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه " ثم ذكر ابن اسحاق من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم
دون المائة ممن يطول ذكره.
وفي الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه.
قدوم مالك بن عوف النصري على الرسول قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل ؟ فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال " أخبروه إنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الابل " فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة (4).
أو بمكة - فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه أهله وماله ولما أعطاه مائة فقال مالك بن عوف رضي الله عنه: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد (5) وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهري وضرب كل مهند (6) فكأنه ليث على أشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد (7) قال واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وتلك القبائل ثمالة وسلمة
__________
(1) في ابن هشام: ابن جارية.
وفي الواقدي: أعطاه خمسين بعيرا.
(2) لم يذكره ابن إسحاق في السيرة، ولا الواقدي.
وذكر الواقدي: قيس بن عدي فيمن أعطوا مائة.
(3) قال السهيلي: نسب ابن إسحاق جعيلا إلى ضمرة، وهو معدود في غفار لان غفارا هم بنو مليل بن ضمرة.
(4) جزم الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد ركب من الجعرانة.
(5) اجتدى: أي طلب منه الجدوى، وهو العطية (شرح أبي ذر).
(6) عردت: عوجت (قاله أبو ذر)، وفي الواقدي بالمشرفي بدل بالسمهري.
قال أبو عبيدة: نسب السيوف المشرفية إلي مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف.
قال في الصحاح: يقال سيف مشرفي ولا يقال مشارفي.
(7) الهباءة: الغبار.
الخادر: الاسد الداخل في خدره أي عرينه.
والخدر هنا غابة الاسد.
وفهم (1)، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرج إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم.
وقال البخاري: ثنا موسى بن اسماعيل ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن حدثني عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال " إني أعطى قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب " قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم، زاد أبو عاصم عن جرير: سمعت الحسن ثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال أو سبي - فقسمه بهذا.
وفي رواية للبخاري قال: أتي رسول الله بمال - أو بشئ - فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " أما بعد " فذكره مثله سواء.
تفرد به البخاري وقد ذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال فيما كان من أمر الانصار وتأخرهم عن الغنيمة: ذر الهموم (2) فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر وجدا بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا ذنن فيها ولا خور (3) دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا وشر وصال الواصل النزر وائت الرسول وقل يا خبر مؤتمن * للمؤمنين إذا ما عدد (4) البشر علام تدعى سليم وهي نازحة * قدام قوم هموا آووا وهم نصروا (5) سماهم الله أنصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترضوا * للنائبات وما خانوا وما ضجروا والناس إلب علينا فيك ليس لنا (6) * إلا السيوف وأطراف القناوزر تجالد الناس لا نبقي على أحد * ولا نضيع ما توحي به السور ولا تهز جناة الحرب نادينا (7) * ونحن حين تلظى نارها سعر كما رددنا ببدر دون ما طلبوا * أهل النفاق وفينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا
__________
(1) قال الواقدي: هوازن وفهم.
وقال السهيلي: " والمعروف في قبائل قيس سلمة بالفتح.
إلا أن يكونوا من الازد، فإن ثمالة المذكورين معهم حي من الازد، وفهم من دوس وهم من الازد أيضا.
".
(2) في ابن هشام: زادت هموم.
(3) ذنن، وفي ديوانه دنس.
قال أبو ذر: ذنن القذر.
وتروى دنن: معناه تطامن بالصدر.
(4) في الديوان: عدل.
(5) في الديوان: أمام بدلا من قدام.
(6) في الديوان: ثم ليس لنا.
(7) صدره في الديوان: ولا يهر جناب الحرب مجلسنا، وما قبله غير مذكور في الديوان.
اعترض بعض أهل الشقاق على الرسول قال البخاري: ثنا قبيصة ثنا سفيان عن الاعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة حنين قال رجل من الانصار: ما أراد بها وجه الله، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتغير وجهه ثم قال " رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ".
ورواه مسلم من حديث الاعمش به.
ثم قال البخاري ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جرير، عن منصور، عن ابي وائل عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم ناسا، أعطى الاقرع بن حابس مائة من الابل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله.
فقلت: لاخبرن النبي صلى الله عليه وسلم، [ فأخبرته ] (1) فقال " رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ".
وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به.
وفي رواية البخاري: فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، فقلت والله لاخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته فقال " من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ؟ ! رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " (2).
وقال محمد
ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم، أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثي، حتى أتينا عبد الله بن عمرو ابن العاص، وهو يطوف بالبيت، معلقا نعله بيده، فقلنا له هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين ؟ قال: نعم جاء رجل من بني تميم، يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أجل فكيف رأيت ؟ " قال لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ " فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله ؟ فقال " دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل، فلا يوجد شئ ثم في القدح فلا يوجد شئ، ثم في الفوق، (3) فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم " وقال الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل بالجعرانة النبي صلى الله عليه وسلم منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: " ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل " فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل
__________
(1) من صحيح البخاري.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي - باب غزوة حنين، وفي كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم.
ورواه مسلم في الزكاة (46) باب.
الحديث (140).
(3) القدح: السهم.
والفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر.
والخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 139.
هذا المنافق ؟ فقال " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية " (1) ورواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث.
وقال أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا قرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مغانم حنين إذ قام إليه رجل فقال اعدل، فقال " لقد شقيت إذ لم
أعدل " (2) ورواه البخاري عن مسلم بن ابراهيم عن قرة بن خالد السدوسي به.
وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت، إذ لم أعدل فمن يعدل ؟ " فقال عمر ابن الخطاب: يا رسول الله إيذن لي فيه فأضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدر در ويخرجون على حين فرقة من الناس " قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فألتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت (3).
ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد به نحوه.
مجئ أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة عليه بالجعرانة قال ابن اسحاق: وحدثني بعض بني سعد بن بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هوازن " إن قدرتم على نجاد (4) - رجل من بني سعد بن بكر - فلا يفلتنكم " وكان قد أحدث حدثا، فلما
__________
(1) رواه مسلم في كتاب الزكاة " (47) باب ذكر الخوارج الحديث (142) ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 185 - 186.
(2) مسند الامام أحمد ج 3 / 332.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (25) باب علامات النبوة في الاسلام.
وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة (47) باب ذكر الخوارج (الحديث 148).
في الحديث: الرصاف: مدخل النصل من السهم.
والنفي: السهم بلا نصل ولا ريش.
والقذذ: ريش السهم.
وتدردر: تضطرب وتتحرك وتذهب وتجئ.
(4) في ابن هشام والواقدي بجاد، وكان قد أتاه رجل مسلم، فأخذه بجاد فقطعه عضوا عضوا ثم حرقه بالنار.
فكان قد عرف جرمه فهرب، فأخذته الخيل، ثم ضموه إلى الشيماء: وبعد رحيل الشيماء إلى قومها عادت وكلمته صلى الله عليه وسلم أن يهبها بجاد ويعفو عنه ففعل.
مغازي الواقدي: 3 - 913.
ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، قال: فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين: تعلمون والله إني لاخت صاحبكم من الرضاعة ؟ فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدي - هو أبو وجزة - قال: فلما انتهي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إني أختك من الرضاعة، قال: " وما علامة ذلك ؟ " قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال " إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت ؟ " قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية (1).
وروى البيهقي من حديث الحكم بن عبد الملك، عن قتادة قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا أختك أنا شيماء بنت الحارث، فقال لها " إن تكوني صادقة فإن بك مني أثر لا يبلى " قال: فكشف عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله [ حملتك ] (2) وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، قال: فبسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه، ثم قال " سلي تعطي واشفعي تشفعي ".
وقال البيهقي: أنبأ أبو نصر ابن قتادة، أنبأ عمرو بن اسماعيل بن عبد السلمي ثنا مسلم (3) ثنا أبو عاصم ثنا جعفر بن يحيى ابن ثوبان أخبرني عمي عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم نعما بالجعرانة، قال: فجاءته امرأة فبسط لها رداءه، فقلت: من
هذه ؟ قالوا أمه التي أرضعته (4).
هذا حديث غريب ولعله يريد أخته وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا فان من وقت أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك، وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبو يه من الرضاعة قدما عليه والله أعلم بصحته.
قال أبو داود في المراسيل (5) ثنا أحمد بن سعيد الهمداني، ثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 100 - 101.
(2) من الدلائل: وانظر.
الخبر فيها ج 5 / 199 - 200.
(3) في الدلائل: أخبرنا نصر بن قتادة، قال: أنبأنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي، قال: أنبأنا أبو مسلم.
(4) دلائل البيهقي 5 / 199 وأخرجه أبو داود في كتاب الادب - باب في بر الوالدين 4 / 337.
وقال في بذل المجهود (20 / 81): هي حليمة السعدية، وبه جزم السيوطي في شرح الترمذي.
(5) الحديث أخرجه أبو داود في الادب 4 / 337 الحديث 5145 في باب: بر الوالدين. ==
=========ج18***************ج18*****ج18.===========================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
ج18.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه، وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بني سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن، فقال خطيبهم زهير بن صرد: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك وقال فيما قال: أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملؤه من محضها درر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتي وما تذر فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما.
وقد ذكر الواقدي: عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال: كان
النضير بن الحارث بن كلدة من أجمل الناس فكان يقول: الحمد لله الذي من علينا بالاسلام، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم نمت على ما مات عليه الآباء، وقتل عليه الاخوة، وبنو العم.
ثم ذكر عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه خرج مع قومه من قريش إلى حنين وهم على دينهم بعد، قال ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه فلم يمكنا ذلك، فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أنضير ؟ " قلت لبيك، قال " هلك لك إلى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه ؟ " قال فأقبلت إليه سريعا فقال " قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع " قلت قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم زده ثباتا " قال النضير: فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين، وتبصرة بالحق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحمد لله الذي هداه " (1).
عمرة الجعرانة في ذي القعدة قال الامام أحمد: ثنا بهز وعبد الصمد المعنى قالا: ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات.
عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة، حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته (2).
ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به.
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال الامام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: إعتمر رسول الله
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 205.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (35) باب الحديث (4148) ومسلم في كتاب الحج (35) باب.
الحديث (217).
صلى الله عليه وسلم أربع عمر، عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع
حجته.
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار به.
وحسنه والترمذي.
وقال الامام أحمد: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - قال: إعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الجحر.
(الحجر) غريب من هذا الوجه وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة وإن أراد ابتداء الاحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية لانه صد عنها ولم يفعلها.
والله أعلم.
قلت: وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري: ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به، قال وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا ؟ قال من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي، قال اذهب فأرسل الجاريتين.
قال نافع: ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله، وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر به.
ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد ابن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها.
وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وذكر ذلك أصحاب المغازي والسنن كلهم.
وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب وقالت: يغفر الله لابي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط.
وقال الامام أحمد: ثنا ابن نمير، ثنا الاعمش، عن مجاهد قال سأل عروة بن الزبير ابن عمر في أي
شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال في رجب فسمعتنا عائشة فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر عمرة قط إلا في ذي القعدة، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه.
ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبي اسحاق عن مجاهد سئل ابن عمركم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال مرتين، فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع.
قال الامام أحمد ثنا يحيى بن آدم، ثنا مفضل، عن منصور عن مجاهد قال: دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس
يصلون الضحى، فقال عروة: أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة ؟ قال بدعة، فقال له عروة أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله ؟ فقال أربعا إحداهن في رجب، قال وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب ؟ فقلت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط (1).
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور وقال حسن صحيح غريب.
وقال الامام أحمد: ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضي عمرته، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق - طريق المدينة - بسرف قال مخرش: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس (2).
ورواه الامام أحمد: عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج كذلك وهو من إفراده والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها والله أعلم.
ثم وهم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين، وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير قائلا: حدثنا الحسن بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي
شيبة، ثنا محمد بن الحسن الاسدي ثنا ابراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم إعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا وفي إسناده نظر والله أعلم.
وقال البخاري: ثنا يعقوب بن ابراهيم، ثنا اسماعيل، ثنا ابن جريج أخبرني عطاء أن صفوان ابن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه، قال فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه اعرابي عليه جبة متضمخ بطيب، قال فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده، أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال " أين الذي يسألني عن العمرة آنفا ؟ " فالتمس الرجل فأتي به، قال " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى ن أمية به.
وقال الامام أحمد: ثنا أبو أسامة، أنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى.
وقال أبو داود: ثنا موسى أبو سلمة، ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه (ج 2 / 206) ومسلم في صحيحه في كتاب الحج، الحديث (220) .
الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى.
تفرد به أبو داود ورواه أيضا وابن ماجه من حديث ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس مختصرا.
وقال الامام: أحمد ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن مسلم، عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو قال: رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة.
وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به.
ورواه مسلم أيضا: من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن
طاوس، عن ابن عباس عن معاوية به.
ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به.
وقال عبد الله بن الامام أحمد: حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة.
والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الايام، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق، فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا والله تعالى أعلم.
وقال محمد بن إسحاق رحمه الله.
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا وأمر ببقاء (1) الفئ فحبس بمجنة بناحية مر الظهران.
قلت: الظاهر أنه عليه السلام إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الاعراب فيما بين مكة والمدينة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل (2) يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.
وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة.
وقال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال لما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم فليست لي حاجة إلى أحد.
قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة وقدم المدينة في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة.
قال ابن هشام: قدمها لست (3)
__________
(1) في ابن هشام: ببقايا.
(2) في الواقدي: أنه خلف معاذ وأبا موسى الاشعري يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين.
(3) في الواقدي: لثلاث بقين من ذي القعدة يوم الجمعة
بقين من ذي القعدة فيما قال أبو عمرو المديني.
قال ابن إسحاق: وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان.
قال وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع.
إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى وذكر قصيدته: بانت سعاد قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير ابن أبي سلمى إلى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش، ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض.
وكان كعب قد قال: ألا بلغا عني بجيرا رسالة * فويحك (1) فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل * على أي شئ غير ذلك دلكا على خلق لم ألف يوما أبا له * عليه وما تلقى عليه أبا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعالكا سقاك بها المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا (2) قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: من مبلغ عني بجيرا رسالة * فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا وخالفت أسباب الهدى واتبعته * على أي شئ ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا (3) * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فان أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعالكا
قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير أكره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع سقاك بها المأمون " صدق وإنه لكذوب أنا المأمون "
__________
(1) في ابن هشام: فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا.
(2) النهل: الشرب الاول.
والعلل: الشرب الثاني.
والمأمون يعني النبي صلى الله عليه وسلم كانت قريش تسميه به وبالامين قبل مبعثه.
(3) قال السهيلي.
إنما قال ذلك لان أمهما واحدة، وهي كبشة بنت عمار السحيمية، فيما ذكر ابن الكلبي.
ولما سمع على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه.
قال " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه " (1) قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له: من مبلغ كعبا فهل لك في التي * تلوم عليا باطلا وهي أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده * فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت * من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شئ دينه * ودين أبي سلمى علي محرم قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا هو مقتول، فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه، فذكر لي: أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه ووضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الانصار فقال: يا رسول
الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا " قال: فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الانصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها (2) لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول (3) هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكي قصر منها ولا طول (4) تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت * كأنه مهل بالراح معلول (5) شجت بذي شيم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول (6)
__________
(1) زاد الزرقاني عن ابن الانباري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه الابيات أهدر دمه وقال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله.
(2) في ابن هشام والعقد الفريد: أثرها.
ومتبول: اسقمه الحب وأضناه لبعده عن حبيبته سعاد.
قال الزرقاني: هي إمرأته وبنت عمه.
(3) أغن: الظبي الصغير الذي في صوته غنة.
(4) سقط البيت من الاصل، واستدرك من ابن هشام والعقد الفريد.
(5) عوارض: جمع عارض أو عارضة وهي الاسنان.
والظلم: ماء الاسنان ورقتها وبياضها.
(6) مشمول: الذي ضربته ريح الشمال حتى برد، وهي أشد تبريدا للماء من غيرها
تنفي الرياح القدى عنه وأفرطه * من صوب عادية بيض يعاليل (1) فيا لها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أو لو آن النصح مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل (2) فما تدوم على حال تكون بها * كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالعهد الذي زعمت * إلا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يعرنك ما منت وما وعدت * إن الاماني والاحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعدها إلا الاباطيل (3) أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما لهن أخال الدهر تعجيل (4) أمست سعاد بأرض لا تبلغها * إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرة * فيها على الابن إرقال وتبغيل (5) من كل نضاحة الذفري إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول (6) ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق * إذا توفدت الحزان والميل (7) ضخم مقلدها فعم مقيدها * في خلقها عن بنات الفحل تفضيل حرف أخوها أبوها من مهجنة * وعمها خالها قوداء شمليل (8) يمشي الفراد عليها ثم يزلقه * منها لبان وأقراب زهاليل (9) عيرانة قذفت بالنحض عن عرض * مرفقها عن بنات الزور مفتول (10) فنواء في حريتها للبصير بها * عتق مبين وفي الخدين تسهيل (11)
__________
(1) الصوب: المطر.
اليعاليل: الحباب الذي يعلو وجه الماء.
(2) سيط: أي خلط بلحمها ودمها.
(3) عرقوب: رجل اشتهر باخلاف الوعد، فضرب به المثل في ذلك.
(4) في ابن هشام: وما أخال لدينا منك تنويل.
(5) عذافرة: الناقة الصلبة العظيمة.
والارقال والتبغيل: ضربان من السير السريع.
(6) النضاخة: الغزيرة.
الذفرى: النقرة التي خلف أذن الناقة.
(7) المفرد: الثور الوحشي الذي تفرد في مكان.
اللهق: الابيض.
(8) الشمليل: الخفيفة والسريعة.
والحرف: الناقة الضامرة أو الصلبة والقوية.
وفي ابن هشام قبله بيتان: غلباء وجناء علكوم مذكرة * في دفها سعه قدامها ميل وجلدها من أطوم ما يؤيسه * طبلح بضاحية المتنين مهزول
(9) الاقراب: الخواصر.
والزهاليل: جمع زحلول وهو الاملس.
(10) العيرانة: الناقة النشيطة السريعة.
بنات الزور: ما يتصل بالصدر مما حوله من الاضلاع وغيرها.
(11) قنواء: محدودبة الانف وهو عيب في الفرس، وقد قاله الشاعر في موضع المدح .
كأنما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل (1) تمر مثل عسيب النخل ذا خصل * في غادر لم تخونه الاحاليل (2) تهوي على يسرات وهي لاهية * ذوابل وقعهن الارض تحليل (3) يوما تظل به الحرباء مصطخدا * كأن ضاحيه بالشمس محلول (4) وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا (5) أوب يدي فاقد شمطاء معولة (6) * قامت فجاء بها نكر مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعى بكرها الناعون معقول (7) تفري اللبان بكفيها ومدرعها * مشقق عن تراقيها رعابيل (8) تسعى الغواة جنابيها وقولهم * إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول (9) وقال لكل صديق كنت آمله * لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول (10) نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول (11) مهلا هداك الذي أعطاك نافلة * القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
__________
(1) برطيل: حجر مستطيل صلب.
(2) وفي غارز: اي على ضرع.
الاحاليل: مخارج اللبن.
(3) تهوي، وتروى: تخدي أن تسرع.
يسرات: القوائم الخفاف.
لاهية وتروى: لاحقة، أي غافلة عن السير (4) فهي تسرع فيه من غير اغتراث ومبالاة.
(5) مصطخدا: محترقا بحر الشمس.
ضاحيه: ما برز للشمس منه.
محلول: مذاب، وتروى مملول: وهو الموضوع في الملة.
وهي الرماد الحار.
(6) ورق: جمع أورق أو ورقاء.
التي يضرب لونها إلى السواد.
(7) رواية الشطر في ابن هشام: شد النهار ذراعا عيطل نصف المثاكل: جمع مثكال: وهي الكثيرة الثكل.
الشمطاء: التي خالطها الشيب.
والمعولة: الرافعة صوتها بالبكاء.
(8) رخوة الضبعين: مسترخية العضدين.
(9) المدرع: القميص.
رعابيل: جمع رعبول، قطع متفرقة، الممزقة.
(10) جنابيها: تثنية جناب، حولها، وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه.
والبيت في البيهقي: تسعى الغواة بدفيها وقيلهم * بأنك يا ابن أبي سلمى لمقتول (11) آلة حدباء: النعش الذي يحمل عليه الموت.
(12) شرع الشاعر من هذا البيت في الدخول إلى ما قصد منه - بعدما مهد فيما سبق من الغزل والوصف - من هنا يبدأ في التنصل مما نسب إليه وما اتهم به، ويطلب العطف والرحمة ويرجو رسول الله أن يغفر له ذنبه ويعفو عن مساوئه وأخطائه.
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم * أذنب ولو كثرت في الاقاويل (1) لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى وأسمع ما قد يسمع الفيل لظل يرعد من وجد موارده (2) * من الرسول بإذن الله تنويل حتى وضعت يميني ما أنازعها * في كف ذي نقمات قوله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه * وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الارض مخدره * في بطن عثر غيل ذونه غيل (3) يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما * لحم من الناس معفور خراديل (4) إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن إلا وهو مغلول
منه تظل حمير الوحش نافرة * ولا تمشي بواديه الاراجيل (5) ولا يزال بواديه أخو ثقة * مضرج البز والدرسان مأكول (6) إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا (7) زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل (8) يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض موابغ قد شكت لها حلق * كأنها حلق القفعاء مجدول (9) ليسوا معاريج إن نالت رماحهم * قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم * ولا لهم عن حياض الموت تهليل
__________
(1) في البيت تذلل وتضرع، وفيه رجاء الا يستباح دمه بسبب أقوال الوشاة والمفسدين.
(2) في ابن هشام: لظل يرعد إلا أن يكون له.
التنويل: التأمين.
(3) ضراء الارض: الارض التي فيها شجر.
عثر: اسم مكان مشهور بكثرة السباع.
الغيل: الشجر الكثير الملتف.
(4) المعفور: الملقى في الترب.
والخراديل: قطع صغار.
(5) في ابن هشام: منه تظل سباع الجو نافرة.
الجو: اسم موضع.
والاراجيل جماعات الرجال.
(6) البز: السلاح، والدرسان: الثياب الخلقة.
(7) زولوا: فعل أمر من زال.
يريد تحولهم من مكة إلى المدينة.
(8) الانكاس: جمع نكس وهو الجبان والرجل الضعيف.
والكشف: جمع أكشف وهو الذي لا ترس معه.
المعازيل: الذي لا سلاح معهم.
(9) قفعاء ضرب من الحسك تشبه به حلق الدار .
قال ابن هشام: هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا، وقد رواها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة بإسناد متصل فقال: أنا أبو عبد الله الحافظ، انا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الاسدي بهمذان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى عن أبيه عن جده قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير، حتى أتيا أبرق العزاف (1) فقال بجير لكعب: أثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرجل - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأسمع ما يقول فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبا فقال: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة * على أي شئ ويب غيرك دلكا (2) على خلق لم تلف ء أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخالكا سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا فلما بلغت الابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه وقال " من لقي كعبا فليقتله " فكتب بذلك بجير إلى أخيه وذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ويقول له: النجاء وما أراك تنفلت، ثم كتب إليه بعد ذلك: أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل، قال: فأسلم كعب وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل المسجد ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم [ والقوم ] متحلقون معه حلقة خلف حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم.
قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد، [ ثم دخلت المسجد ] فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة، حتى جلست إليه فأسلمت، وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنك محمد رسول الله الامان يا رسول الله، قال " ومن أنت ؟ " قال: كعب بن زهير، قال " الذي يقول " ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إلى أبي بكر ] فقال " كيف قال يا أبا بكر ؟ " فأنشده أبو بكر:
سقاك بها المأمون (3) كأسا روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا قال يا رسول الله ما قلت هكذا، قال " فكيف قلت ؟ " قال قلت:
__________
(1) ابرق العزاف: ماء لبني أسد بن خزيمة بن مدركة، وهو في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة، سمي العزاف لانهم يسمعون فيه عزيف الجن.
(معجم البلدان) وقال البكري: ويقال أبرق الحنان وفي هامشه: العزاف من المدينة على اثني عشر ميلا إلى المدينة (معجم ما استعجم).
(2) في دلائل البيهقي: على أي شئ غير ذلك دلكا.
(3) في دلائل البيهقي: أبو بكر.
سقاك بها المأمون (1) كأسا روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مأمون والله " ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وهي هذه القصيدة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يفد مكبول وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقي (2) رحمهما الله عز وجل.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول قال: فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من معه أن اسمعوا.
وقد ذكر ذلك (3) قبله موسى بن عقبة في مغازيه ولله الحمد والمنة.
قلت: ورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة، وقد نظم ذلك الصرصري في بعض مدائحه وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة قال وهي البردة التي عند الخلفاء.
قلت: وهذا من الامور المشهورة جدا ولكن لم أر ذلك في شئ من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه فالله أعلم.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما قال: بانت سعاد ومن سعاد ؟ قال زوجتي يا رسول الله، قال لم تبن ولكن لم يصح ذلك وكأنه على ذلك توهم أن بأسلامه تبين امرأته والظاهر أنه إنما أراد البينوتة الحسية لا الحكمية والله تعالى أعلم.
قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب - يعني في قصيدته - إذا عرد السود التنابيل وإنما يريدنا معشر الانصار، لما كان صاحبنا صنع به [ ما صنع ] (4) وخص المهاجرين من قريش بمدحته غضبت عليه الانصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الانصار، ويذكر بلاءهم من رسول صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن:
__________
(1) في دلائل البيهقي: أبو بكر.
وميمون الثانية في البيهقي: المأمور.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مأمور والله.
(2) الخبر في دلائل النبوة باب ما جاء في قدوم كعب بن زهير على النبي صلى الله عليه وسلم ج 5 / 207 وما بعدها.
(3) نقل البيهقي في الدلائل ما ذكره ابن عقبة، فذكر البيت الاول أما الثاني ففيه قوله: في فتية من قريش..الخ..(4) من ابن هشام.
من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الانصار (1) ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيار هموا بنوا الاخيار المكرهين السمهري بأذرع * كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار (2) يتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت بطون خفية * غلب الرقاب من الاسود ضواري (3) وإذا حللت لينعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الاعفار (4)
ضربوا عليا يوم بدر ضربة * دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الاقوام علمي كله * فيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم * للطارقين النازلين مقارى (5) قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده بانت سعاد " لو ذكرت الانصار بخير فإنهم لذلك أهل " فقال كعب هذه الابيات وهي في قصيدة له.
قال وبلغني عن علي ابن زيد بن جدعان: أن كعب بن زهير أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.
وقد رواه الحافظ البيهقي باسناده المتقدم إلى ابراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني معن بن عيسى، حدثني محمد بن عبد الرحمن الافطس (6) عن ابن جدعان فذكره وهو مرسل.
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في كتاب الاستيعاب في معرفة الاصحاب بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال: وقد كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير وكعب أشعرهما وأبو هما زهير فوقهما ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله: لو كنت أعجب من شئ لاعجبني * سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لامور ليس يدركها * فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا تنتهي العين حتى ينتهي الاثر (7)
__________
(1) مقنب: الجماعة من الخيل.
ويريد بهم القوم على ظهور جيادهم.
(2) بعده في ابن هشام: والقائدين الناس عن أديانهم * بالمشرفي وبالقنا الخطار (3) دربوا: تعوذا.
غلب الرقاب: غلاظ الاعناق.
(4) الاعفار: جمع عفر، وهو ولد الوعل.
(5) المقاري: جمع مقراة، وهي الجفنة التي يصنع فيها الطعام للاضياف.
(6) في الدلائل: الاوقص.
ج 5 / 211.
(7) الابيات في الاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 300.
ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها ولم يؤرخ وفاته، وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الاثير في كتاب الغابة في معرفة الصحابة ولكن حكى أن أباه توفي قبل المبعث بسنة فالله أعلم.
وقال السهيلي ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجري به الناقة الادماء معتجرا * بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم ففي عطافيه أو أثناء بردته * ما يعلم الله من دين ومن كرم الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات فكان في جمادى منها وقعة مؤتة، وفي رمضان غزوة فتح مكة، وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين، وبعده كان حصار الطائف.
ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة.
قال الواقدي: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لليالي بقين من ذي الحجة في سفرته هذه.
قال الواقدي: وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الازد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الاعراب، قال وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه عليه السلام ففارقها، وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها.
قال وفي ذي الحجة منها ولد ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مملوكا ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول، وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف وذلك لخمس بقين من رمضان منها.
قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل برهاط، هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه ولم يجد في خزائنه شيئا، وفيها هدم مناة بالمشلل، كانت الانصار أوسها وخزرجها
يعظمونه، هدمه سعد بن زيد الاشهلي رضي الله عنه وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى).
قلت: وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية (2) ولتلك -
__________
(1) في تاريخ الطبري نقلا عن الواقدي: أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش..وفي رواية لابن سعد: دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له: أبو سيف.
(2) الكعبة اليمانية والكعبة الشامية: قال ابن حجر: كذا فيه قيل وهو غلط والصواب اليمانية فقط سموها بذلك =
الكعبة اليمانية.
فقال البخاري: ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قبس (قيس)، عن جرير قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تريحني من ذي الخلصة ؟ " (3) فقلت: بلى فانطلقت في خمسين ومائة (2) فارس من أحمس (3) وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال فما وقعت عن فرس بعد.
قال وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية.
قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرتها، قال: فلما قدم جرير اليمن.
كان بها رجل يستقسم بالازلام، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ها هنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لاضربن عنقك ؟ فكسرها وشهد.
ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة (4) إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
ورواه مسلم من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه (5).
تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير
على الخيل، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال فما وقعت عن فرس بعد.
قال وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية.
قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرتها، قال: فلما قدم جرير اليمن.
كان بها رجل يستقسم بالازلام، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ها هنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لاضربن عنقك ؟ فكسرها وشهد.
ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة (4) إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
ورواه مسلم من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه (5).
تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير ويتلوه الجزء الخامس وأوله ذكر غزوة تبوك في رجب منها.
__________
= مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية، فسموا التى بمكة شامية والتي عندهم يمانية تعزيقا بينهما.
وكان يقال لها شامية باعتبار انهم جعلوا بابها مقابل الشام.
(1) ذوالخلصة: الخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق.
وذو الخلصة: اسم للبيت الذي كان فيه الصنم.
وقيل اسم البيت الخلصة واسم الصنم: ذوالخلصة.
(2) قال الطبراني: كانوا سبعمائة وروايته ضعيفة.
(3) أحمس: وهم رهط جرير بن عبد الله وهم أخوة بجيلة ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وهناك أحمس أخرى ينتسبون إلى بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
(4) واسم أبي ارطأة حصين بن ربيعة بن عامر بن الازور البجلي له صحبة، لم يرد ذكره إلا في هذا الحديث.
(5) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 62 باب غزوة الخلصة (الحديث 4356) وفي مواضع: الحديث (4355) والحديث (3020) وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة 29 باب - الحديث 137
البداية والنهاية - ابن كثير ج 5
البداية والنهاية
ابن كثير ج 5
البداية والنهاية
البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفي سنة 774 ه حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الخامس دار احياء التراث العربي
طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 ه 1988 م
بسم الله الرحمن الرحيم سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك (1) في رجب منها قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * [ التوبة: 28 - 29 ] روي عن ابن
عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره.
قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر والاسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
قلت: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم، لانهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الاسلام وأهله.
وقد قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم
__________
(1) انظر في غزوة تبوك: تاريخ الطبري (3 / 142 دار القاموس) سيرة ابن هشام (4 / 159) فتح الباري (8 / 90) مغازي الواقدي (3 / 989) عيون الاثر (2 / 275) شرح المواهب اللدنية للزرقاني (3 / 62) السيرة الشامية (5 / 626).
طبقات ابن سعد (2 / 165).
وتبوك: بفتح الفوقية وضم الموحدة، وهي في طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين المدينة اثنتا عشرة مرحلة.
قال السهيلي: سميت الغزوة بعين تبوك.
قال ياقوت: نزلوا على عين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان لا أحد يمس من مائها، فسبق إليها رجلان وهي تبض بشئ من ماء فجعلا يدحلان فيها سهمين ليكثر ماؤها فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: ما زلتما تبوكان منذ اليوم، فسميت بذلك تبوك.
والبوك: ادخال اليد في الشئ وتحريكه.
ومنه باك الحمار الاتان إذا نزا عليها، يبوكها بوكا.
وقال ياقوت: هي موضع بين وادي القرى والشام (معجم البلدان 2 / 14).
من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) * [ التوبة: 123 ] فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال، جلى للناس أمرها ودعى من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين ألفا وتخلف آخرون فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال.
فقال تعالى
* (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) * [ التوبة: 41 - 42 ] ثم الآيات بعدها: ثم قال تعالى * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * [ التوبة: 122 ] فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعني من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم.
فذكر الزهري (1) ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في (2) الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد إليه، ليتأهب الناس لذلك أهبته.
فأمرهم بالجهاد (3) وأخبرهم أنه يريد الروم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة " يا جد، هل لك العام في جلاد بني الاصفر ؟ " فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فو الله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني اخشى إن رأيت نساء بني الاصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " قد أذنت لك " ففي الجد أنزل الله هذه الآية * (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * [ التوبة: 49 ].
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكا في الحق، وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم * (وقالوا لا تنفروا في
__________
(1) في ابن هشام: وقد ذكر لنا الزهري.
(2) في ابن هشام: على الحال.
(3) في ابن هشام: فأمر الناس بالجهاز.
الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) * [ التوبة: 81 - 82 ].
قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة.
فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلى كسيرا ومرفق (1) سلام عليكم لا أعود لمثلها * أخاف ومن تشمل به النار يحرق قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش (2) وحص أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
قال ابن هشام: فحدثني من أثق به: أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم أرض عن عثمان فإني عنه راض " (2).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة، ثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير (4) مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء: عثمان بن عفاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع، عن ضمرة به.
وقال حسن غريب.
وقاله
عبد الله بن أحمد في مسند أبيه.
حدثني أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي.
قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: علي مائة اخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب " ما
__________
(1) طبقت: علوت.
الكبس: البيت الصغير من طين.
(2) الانكماش: الاسراع.
في القاموس: كمش وتكمش كانكمش: أعجل وأسرع.
(3) سيرة ابن هشام ج 4 / 161.
(4) من المسند والبيهقي.
وهو كثير بن أبي كثير روى عن مولاه وجماعة وروى عنه قتادة وجماعة وثق وكاشف الذهبي (3 / 6).
وفي الاصل كثة وهو تحريف.
والحديث رواه الترمذي في كتاب المناقب 19 باب مناقب عثمان الحديث (3702) ص (5 / 626).
على عثمان ما عمل بعد هذا " (1) وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه.
ورواه البيهقي: من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة (2) به وقال ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.
قال عبد الرحمن: فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر " ما ضر عثمان بعدها - أو قال - بعد اليوم " وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الاحنف بن قيس قال: سمعت عثمان بن عفاف يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: اللهم نعم ! ورواه النسائي من حديث حصين به (3).
فصل
فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم قال الله تعالى * (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم، وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأ ذنونك وهم اغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) * [ براءة: 86 - 93 ] قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 4 / 75.
والترمذي المصدر السابق ح (3700) ص (5 / 625) وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة، وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة ".
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 214 وفيه عن السكن بن أبي كريمة.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 215، والنسائي في حديث طويل أخرجه في كتاب الاحباس، باب وقف المساجد (6 / 234).
على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه.
قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم، فمن بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى
عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري (1).
قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير (2) بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال ما يبكيكما ؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضجا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين المتصدق هذه الليلة " فلم يقم أحد ثم قال " أين المتصدق فليقم " فقام إليه فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشر فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة " (3).
وقد أورد الحافظ البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الاشعري فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد المازني (4) حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة وهي (5) غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله ! إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال " والله لا أحملكم على شئ " ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس ؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خذ هذين القرينين (6) وهذين القرينين وهذين القرينين " لستة أبعرة
__________
(1) في تسمية البكائين خلاف: ففي رواية ابن عقبة ستة نفر، وسارية لم يذكره.
ومن بني سلمة ذكر: عمر بن عثمة.
وذكر الواقدي: عمرو بن عتبة، وذكر من بني زريق: سلمة بن صخر وشكك في ابن المغفل،
وقال: هؤلاء أثبت ما سمعنا.
(انظر الزرقاني - ابن سعد - الواقدي).
(2) في شرح المواهب للزرقاني: لقي يامين بن عمرو.
وفي الواقدي: لقي يامين بن عمير.
(3) الجزء الاول من الحديث في سيرة ابن هشام ج 4 / 163 والقسم الاخير منه - رواية يونس بن بكير - نقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 218.
(4) في دلائل البيهقي: الحارثي.
(5) من دلائل البيهقي، وسقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(6) في نسخ البداية المطبوعة القربتين وهو تحريف.
والقرينان البعيران المشدودان أحدهما إلى الآخر.
ابتاعهن حينئذ من سعد فقال " انطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء [ فاركبوهن.
قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي ] (1) فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم، ومنعه لي في أول مرة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، قال: فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء (2).
وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الاشعريين ليحملنا " فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه " قال ثم جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب أبل فأمر لنا بست ذودعر الذرى فأخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا، فرجعنا له فقال " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " ثم قال " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها ".
قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة (3) حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن
ربيع، أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خثيمة أخو بني سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم.
قلت: أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى وهم الذين أنزل الله فيهم * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) * وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي.
فصل قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير.
فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه - وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين - فلما سار رسول
__________
(1) ما بين معكوفين سقط من الاصل، واستدركت من دلائل البيهقي.
(2) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 216 - 217.
وأخرجه البخاري في كتاب المغازي - (78) باب الحديث: 4415 فتح الباري (8 / 90) ومسلم في كتاب الايمان (3) باب الحديث (8).
(3) في ابن هشام: النية.
الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي، في طائفة من المنافقين وأهل الريب.
قال ابن هشام: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال: وذكر الدراوردي: أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة.
قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا، ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه.
فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف (1) فأخبره بما قالوا فقال: " كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " فرجع
علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره.
ثم قال ابن إسحاق.
حدثني محمد بن طلحه بن يزيد بن ركانة.
عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة.
وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث: من طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به (2).
وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ".
وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه، وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة.
وقال الامام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد، عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - وخلفه في بعض مغازيه - فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال " يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا أنه لا نبي بعدي " ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة: زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به.
وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف ! والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا ففعلتا.
ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل
__________
(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
(2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله باب مناقب علي بن أبي طالب (5 / 22).
وفي كتاب المغازي باب غزوة تبوك فتح الباري (ج 8 / 91).
ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (4) باب الحديث
(30 - 31 - 32).
تبوك، وكان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كن أبا خيثمة " فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة.
فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له " أولى لك يا أبا خيثمة " ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير.
وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف.
فالله أعلم.
قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التي كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدي لمحمد * فلم أكتسب إثما لم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما (1) وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق، عن بريدة (2)، عن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف، فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان فيقول " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره فقال " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو
ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده " قال فضرب [ الدهر من ] (3) ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا ؟ فقيل جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكى وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل
__________
(1) الخضيب: المرأة المخضوبة.
والصرمة: هنا جماعة النخل.
الصفايا: كثيرة الثمر.
(2) في رواية البيهقي: بريدة بن سفيان، وفي هامشه: " قال البخاري في التاريخ الكبير: فيه نظر، وضعفه النسائي وأبو داود وأحمد والدار قطني.
(3) بياض بالاصل، والزيادة من رواية البيهقي.
فوليه بنفسه حتى أجنه (1).
إسناده حسن ولم يخرجوه قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله [ عز وجل ] * (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) * [ التوبة: 117 ] قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر (2)، قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد (3) بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال " أو تحب ذلك ؟ " قال: نعم ! قال: فرفع يديه نحو
السماء فلم يرجعهما حتى قالت (4) السماء فأطلت ثم سكبت، فملاوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (5).
اسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه: أن هذه القصة كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شئ ؟ ! فقال سحابة مارة، وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري - وكان عنده - " إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها " فانطلقوا فجاؤوا بها فرجع عمارة إلى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت (6) وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري، أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني.
فقال بعض الناس إن زيدا تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك.
قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 168 ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 221 - 222.
(2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 227.
(3) في دلائل البيهقي: سعد.
(4) قالت: بمعنى استعدت وتهيأت (القاموس).
(5) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 231.
والهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 194 - 195 وقال: رواه البزار، والطبراني في الاوسط، ورجال البزار ثقات.
(6) قال ابن هشام: يقال لصيب، وفي الاصابة لصيت وقيل لصيب، وفي الطبري: لصيب.
حديث الاعمش وقد رواه الامام أحمد عن أبي معاوية، عن الاعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري - شك الاعمش - قا لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة
فقالوا: يا رسول الله لو أذنت فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا ؟ (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " افعلوا " فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة، فقال رسول الله " نعم ! " فدعا بنطع فبسطه ثم عاد بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة، ويجئ الآخرة بكف من التمر، ويجئ الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الاعمش به.
ورواه الامام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها.
مروره صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود بالحجر قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر، نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل، ولا تأكلوا منه شيئا " هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد.
وقال الامام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم " وتقنع بردائه وهو على الرجل.
ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه.
وقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " (3).
ورواه البخاري من حديث مالك، ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار.
ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه.
وقال الامام أحمد:
حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال: نزل رسول
__________
(1) وادهنا: أي اتخذنا دهنا من شحومها.
(2) رواه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 11، ومسلم في كتاب الايمان - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.
الحديث (45).
(3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 165، وأخرجه البخاري في فتح الباري 6 / 530 و 8 / 381 ومسلم في الصحيح 4 / 2285.
ورواه البيهقي من طرق متعددة ج 5 / 233.
الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ] " إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم " وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض، عن أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله.
ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به (1).
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " قيل من هو يا رسول الله ؟ قال " هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " إسناده صحيح ولم يخرجوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبي كبشة الانماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس: الصلاة جامعة قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل نعجب منهم ؟ قال " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " (2) اسناده حسن ولم يخرجوه.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك مني - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له " ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد (1) باب الحديث 40، والبخاري في 60 كتاب الانبياء (17) باب قول الله تعالى: وإلى ثمود أخاهم صالحا.
(2) الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (6 / 194) وقال: " رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط ".
ورواه البيهقي من طريق أبي النصر هاشم بن القاسم.
حتى ألقته بحبل طئ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له " ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما (1).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " أخرصوا " فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: " احصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك أن شاء الله " قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله " قال أبو حميد: فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام فيها رجل فألقته في جبل طئ، ثم جاء رسول الله ملك إيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (2) ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة " كم جاءت حديقتك ؟ " قالت عشرة أوسق خرص رسول الله، فقال رسول الله " إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ".
فلما رأى أحدا قال " هذا أحد (3) يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الانصار ؟ " قلنا بلى يا رسول الله قال " خير دور الانصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الاشهل (4)، ثم دار بني ساعدة، ثم في كل دور الانصار خير " (5).
وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه.
وقال الامام مالك رحمه الله عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال " إنكم ستأتون غذا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي "
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 164 - 165.
ونقله البيهقي في الدلائل من طريق أحمد بن عبد الجبار ج 5 / 240.
(2) في الاصل يخبرهم وهو تحريف، وما اثبتناه من ابن هشام.
(3) في رواية البيهقي: هذا أحد، وهو جبل.
(4) زاد البيهقي: ثم دار بني الحارث بن الخزرج.
(5) رواه مسلم في الصحيح، في كتاب الفضائل - (3) باب.
الحديث (11).
والبخاري في الصحيح: في الزكاة (54) باب الحديث (1481) فتح الباري (3 / 343).
قال فجئناها وقد سبق مائها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل مسستما من مائها شيئا "، قالا: نعم فسبهما وقال لهما: ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا " أخرجه مسلم من حديث مالك به (1).
ذكر خطبته صلى الله عليه وسلم إلى تبوك إلى نخلة هناك روى الامام أحمد: عن أبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شئ منه " (2) ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه.
وروى البيهقي: من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران، حدثنا مصعب بن عبد الله عن (3) منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامر الجهني: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر " فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد، ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال " أيها الناس أما بعد، فإن أصذق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة ابراهيم، وخير السنن
سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الامور عوازمها (4) وشر الامور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الانبياء وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا.
ومن الناس من لا يذكر
__________
(1) رواه مسلم في 43 كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وآله، (3) باب الحديث (10).
ورواه البيهقي في الدلائل من طريق يحيى بن بكير.
(2) رواه أحمد في مسنده ج 3 / 37، 41، و 58: وقال هاشم بن القاسم في روايته: لا يدعو إلى شئ.
(3) في دلائل البيهقي: عبد الله بن مصعب بن منظور بن جميل بن سنان.
(4) عوازمها: الفرائض التي عزم الله عليك بفعلها، والمع ؟ نى: الامور ذوات عزمها التي فيها عزم (عن النهاية).
الله إلا هجرا.
ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عزوجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حثاء جهنم [ والسكركي من النار ] (1) والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وأنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والامر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه.
ومن يكظم [ الغيظ ] (2) يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغي (3) السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي " قالها ثلاثا ثم
قال: " استغفر الله لي ولكم " (4) وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي اسناده ضعف والله أعلم بالصواب.
وقال أبو داود ثنا أحمد بن سعيد الهمداني، وسليمان بن داود.
قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا ثم صلى إليها، قال: فأقبلت وأنا غلام اسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال قطع صلاتنا قطع الله أثره.
قال فما قمت عليها إلى يومي هذا (5) ثم رواه أبو داود: من حديث سعيد بن (6) عبد العزيز التنوخي، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران.
قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال: " اللهم اقطع أثره فما مشيت عليها بعد " (7).
وفي رواية " قطع صلاتنا قطع الله أثره ".
الصلاة على معاوية بن أبي معاوية (8) روى البيهقي: من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، قال: سمعت
__________
(1) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل.
(2) من دلائل البيهقي.
(3) في الدلائل: يتبع.
(4) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 241 - 242.
(5) سنن أبي داود: كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة الحديث (707) ص (1 / 188) (6) من أبي داود، وفي الاصل عن عبد العزيز تحريف.
(7) سنن أبي داود كتاب الصلاة الحديث 705 ص (1 / 188) والحديث (706).
(8) هكذا في الاصل ابن أبي معاوية.
وذكره البيهقي معاوية بن معاوية الليثي، وهو معاوية بن معاوية المزني توفي =
أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء ولها شعاع ونور، لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم
طلعت بيضاء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى " قال: ذلك أن معاوية بن أبي معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال " ومم ذاك ؟ " قال: بكثرة قراءته * (قل هو الله أحد) * بالليل والنهار، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الارض فتصلي عليه ؟ قال " نعم ! " قال فصلى عليه ثم رجع.
وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة، والناس يسندون أمرها إلى العلاء بن زيد هذا وقد تكلموا فيه.
ثم قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هاشم (1) بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم، حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبي معاوية المزني، أفتحب أن تصلي عليه ؟ قال " نعم ! " فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له، قال فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت " يا جبريل بما نال هذه المنزلة من الله ؟ " قال بحبه * (قل هو الله أحد) * يقرأها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال.
قال عثمان: فسألت أبي أين كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه (2): وهذا أيضا منكر من هذا الوجه.
قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى بن سليم (3)، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال لقيت التنوخي رسول الله هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص وكان جارا لي شيخنا كبيرا قد بلغ العقد (4) أو قرب.
فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ؟ قال بلى: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه
__________
= في حياة النبي صلى الله عليه وآله، اختلفوا في اسم أبيه، ذكره ابن عبد البرفي الاستيعاب (3 / 391) على هامش الاصابة، وذكره ابن حجر في الاصابة (3 / 436).
ولعل كنية أبيه: أبو معاوية.
(1) في الدلائل: هشام.
(2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 245 - 246 في باب: ما روي في صلاته بتبوك على معاوية بن معاوية الليثي.
وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمته وقال: أسانيد هذه الاحاديث ليست بالقوية، ولو أنها في الاحكام لم يكن في شئ منها حجة...وفضل قل هو الله أحد لا ينكر.
(3) في المسند: سليمان.
(4) في المسند الفند: والفند في الاصل: الكذب، وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم: قد أفند لانه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند.
(عن النهاية).
وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم ؟ وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والارض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب.
والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ ما تحت قدمي ] (1) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز.
فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم (2) ولم يكد وقال: إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال: ادع لي رجلا حافظا للحديث، عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بي فدفع إلي هرقل كتابا فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال، انظر هل يذكر صحيفته إلي التي كتب بشئ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شئ يريبك.
قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت أين صاحبكم ؟ قيل ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ قال " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيكم ابراهيم ؟ " قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك وقال " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين، يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى
كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ويخرق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير " قلت هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا: معاوية فإذا في كتاب صاحبي تدعوني إلى جنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار " قال: فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال " إن لك حقا وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون " قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة ؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الانصار: أنا، فقام الانصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال " تعال يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال " هاهنا امض لما أمرت
__________
(1) من مسند أحمد.
(2) رقأهم: سكنهم، وفي المسند رفأهم: تقرب إليهم.
به " فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحمحمة (1) الضخمة.
هذا حديث غريب واسناده لا بأس به تفرد به الامام أحمد (2).
مصالحته (3) عليه السلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح (4) وأعطوه الجزية، كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم، وكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم،
هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل ايلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله [ وذمة ] (5) محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه.
وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يردونه من بر أو بحر.
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا، وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله.
قال يونس عن ابن أسحاق.
وكتب لاهل جرباء وأذرح: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب (6)، ومائة أوقية طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين.
قال: وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم، قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلثمائة دينار.
بعثة عليه السلام خالد بن الوليد إلى اكيدر دومة قال ابن أسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو
__________
(1) في المسند: الحجمة، وفي نسخة العجمة وهي الاكثر مناسبة، والعجمة بالضم والكسر ما تعقد من الرمل أو كثرة الرمل.
ولعل المراد ناتئ قليلا (القاموس المحيط).
(2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 341 - 342.
(3) وفي النسخة التيمورية: كتابه صلى الله عليه وآله ليحنة.
(4) أيلة: مدينة بالشام على النصف ما بين مصر ومكة على ساحل البحر.
جرباء: بلدة بالشام تلقاء السراة.
أذرح: مدينة بالشام، قيل هي فلسطين، قال في القاموس: بجنب جربا.
(5) من ابن هشام.
(6) في الواقدي والبيهقي نقلا عن ابن اسحاق: في كل رجب وافية طيبة.
(انظر في كتبه صلى الله عليه وآله سيرة ابن هشام 4 / 169 مغازي الواقدي 3 / 1032 - دلائل البيهقي 5 / 247 - 248).
أكيدر بن عبد الملك، رجل من بني كنانة (1) كان ملكا عليها وكان نصرانيا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد " إنك ستجده يصيد البقر " فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته (2).
وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذا ؟ قال: لا أحد فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم (3).
فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به (4) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من هذا [ فوالذي نفسي بيده ] (5) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ".
قال ابن أسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته (6)، فقال رجل من بني طئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك: تبارك سائق البقرات إني * رأيت الله يهدي كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك * فإنا قد أمرنا بالجهاد وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر " لا يفضض الله فاك " فأتت عليه سبعون (7) سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن.
وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما
__________
(1) في ابن هشام: رجل من كندة، قال الواقدي وهو ابن عبد الملك بن عبد الجن.
(2) اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة (قاله الواقدي).
(3) المطارد: جمع المطرد، وزن منبر، وهو رمح قصير يطرد به، وقيل يطرد به الوحش (اللسان).
(4) بعثه مع عمرو بن أمية الضمري.
(5) من ابن هشام ومغازي الواقدي.
(6) قال الواقدي وابن سعد وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا فيه أمانهم وما صالحهم وختمه يومئذ بظفره ونصفه: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لاكيدر حين أجاب إلى الاسلام وخلع الانداد والاصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها.
وان لنا الضاحية من الضحل، والبور، والمعامي، وأغفال الارض، والحلقة، والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها.
عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر معه من المسلمين.
".
(7) في دلائل البيهقي ج 5 / 251: تسعون سنة.
تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر أقبل قادما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحه فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فالله أعلم (1).
وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى: أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل، فالله أعلم (2).
فصل قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، قال: وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه " قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه
شيئا فقال " من سبقنا إلى هذا الماء ؟ " فقيل له يا رسول الله فلان وفلان (3)، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل (4)، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما أن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ".
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر إليها، قال: فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وإذا هو يقول " أدنيا إلي أخاكما " فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال " اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه " قال يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.
قال ابن هشام: إنما سمي ذو البجادين، لانه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا
__________
(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل مطولا ج 5 / 252.
(2) روى الحديث البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 253.
(3) ذكرهم الواقدي قال: أربعة من المنافقين: معتب بن قشير، والحارث بن يزيد الطائي، ووديعة بن ثابت، وزيد بن اللصيت.
(4) الوشل.
حجر أو جبل يقطر منه الماء قليلا قليلا.
والوشل أيضا: القليل من الماء (شرح أبي ذر).
بجاد - وهو الكساء الغليظ - فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى بالاخرى، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين.
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي، عن ابن أخي أبي رهم
الغفاري أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر والقى الله علي النعاس (1) وطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله " حس " فقلت: يا رسول الله استغفر لي، قال " سر " فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فأخبره به.
فقال وهو يسألني " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط (2) الذين لا شعر لهم في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم، قال " فما فعل النفر السود الجعاد القصار " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا قال " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ " (3) فتذكرتهم في بني غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله، إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون والانصار وغفار وأسلم ".
قال ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبصر حذيفة فرجع إليهم ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة " هل عرفت هؤلاء القوم ؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ " قالا: لا، فأخبرهما بما كانوا تملاوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما
__________
(1) العبارة في ابن هشام: ونحن بالاخضر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وألقى علينا النعاس.
(2) الثطاط: جمع ثط، وهو صغير نبات شعر اللحية (قاله السهيلي).
(3) شبكة شدخ: ماء لاسلم من بني غفار.
كما عند ياقوت.
وفي النهاية واللسان: شبكة جرح: موضع بالحجاز في ديار غفار.
ذلك ؟ فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم ؟ فقال " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " (1) وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم باسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الاشبه والله أعلم ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد - يعني عمارا - وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله أنا منهم ؟ قال لا ولا أبرئ بعدك أحدا - يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم -.
قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا، وقيل كانوا اثني عشر رجلا، وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمرهم وبما تمالاوا عليه.
ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم قال وفيهم أنزل الله عزوجل: * (وهموا بما لم ينالوا) * [ التوبة: 74 ].
وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة (2) عن أبي إسحاق، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثنى عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله " هل عرفتم القوم ؟ " قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال
" هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا ؟ " قلنا: لا قال: " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها " قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال " لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم " ثم قال " اللهم ارمهم بالدبيلة " (3) قلنا يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال " هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك " (4).
وفي صحيح مسلم: من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عبادة.
قال، قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأي رأيتموه أم شئ عهده إليكم رسول الله ؟ فقال: ما عهد
__________
(1) روى الخبر البيهقي في دلائله ج 5 / 256 - 258 مطولا باختلاف بسيط في بعض ألفاظه وتعابيره.
ورواه الامام أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، وابن سعد عن جبير بن مطعم والواقدي في مغازيه من طريق صالح بن كيسان.
(2) في الدلائل: سلمة، عن محمد بن إسحاق.
(3) الدبيلة: خراج أو دمل كبير يظهر في الجوف تقتل صاحبها غالبا.
(4) رواه البيهقي في دلائله ج 5 / 260 - 261.
إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في أصحابي أثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " (1) وفي رواية من وجه آخر عن قتادة " إن في أمتي أثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ".
قال الحافظ البيهقي (2): وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر - وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد.
وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع
عن أبي الطفيل.
قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة " قد قد " حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال " يا عمار هل عرفت القوم ؟ " قال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال " هل تدري ما أرادوا ؟ " قال الله ورسوله أعلم، قال: " أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه " قال فسار عمار رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال أربعة عشر رجلا، فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله وما علمنا ما أراد القوم.
فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر (3) الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد.
قصة مسجد الضرار قال الله تعالى * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذوبون، لا تقم فيه
__________
(1) الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة في (50) كتاب المنافقين (الحديث: 9) وعن محمد بن بشار.
الحديث (10).
ص (4 / 2143).
(2) دلائل النبوة ج 5 / 262.
وآخره: ولا علمنا بما أراد القوم.
(3) قال الواقدي: ليس فيهم قرشي، وهو المجتمع عليه عندنا.
ونقل البيهقي في الدلائل، عن ابن اسحاق اسماءهم، عبد الله بن سعد بن أبي سرح (قال في زاد المعاد: لم يعرف له إسلام) وأبو حاضر الاعرابي - وعامر - وأبو عامر (الراهب) - والجلاس بن سويد بن الصامت - ومجمع بن جارية - وفليح التيمي - وحصين بن نمير - وطعمة بن أبيرق - وعبد الله بن عيينة - ومرة بن ربيع.
(ج 5 / 258).
أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين، لا يزال بنينهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم) * [ التوبة: 106 - 110 ] وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.
وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة، ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) * الآية.
أما قوله ضرارا فلانهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، وكفرا بالله لا للايمان به، وتفريقا للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم، فجاؤوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين.
ولهذا قال تعالى * (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) * ثم قاتل * (وليحلفن) * أي الذين بنوه * (إن أردنا إلا الحسنى) * أي إنما أردنا ببنائه الخير.
قال الله تعالى * (والله يشهد إنهم لكاذبون) * ثم قال الله تعالى إلى رسوله * (لا تقم فيه أبدا) * فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم
وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق والاحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد.
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي - رضي الله عنهما فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله.
قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا وهم، خذام بن خالد - وفي جنب داره
كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب: ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الازعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، ويخرج وهو إلى بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية [ بن زيد ] (1).
قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فابطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحسنتم وأصبتم " وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا حدثنا.
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " فقالوا يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال " وهم بالمدينة حبسهم العذر " تفرد به من هذا الوجه (2).
قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من
غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال " هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه " (3) ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك (4).
ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال البيهقي أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
__________
(1) من ابن هشام.
وخبر مسجد الضرار في مغازي الواقدي 3 / 1047 - 1048 وسيرة ابن هشام 4 / 173 - 174.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (81) باب، الحديث (4423) فتح الباري 8 / 126 وأخرجه في كتاب الجهاد (35) باب.
فتح الباري (6 / 46).
وأخرجه أبو داود في الجهاد، والحديث (2508) والامام أحمد في مسنده (3 / 103، 106، 182، 300، 341) وابن ماجه في الجهاد (6) باب، الحديث (2764).
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، الحديث (4422) فتح الباري (8 / 125).
(4) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (196) باب، الحديث (3082) وأبو داود في الجهاد، الحديث (2779).
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم.
فذكرناه ها هنا أيضا (1).
قال البخاري رحمه الله حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حتى تواثبنا (2) على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن يستخفي له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ تلك الغزوة ] (3) حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فارجع ولم اقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم اقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى اسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك " ما فعل كعب ؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب بن مالك: قال: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي
وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من
__________
(1) دلائل النبوة ج 5 / 266 ونقله الصالحي في السيرة الشامية (5 / 673).
(2) في البخاري: حتى تواثقنا.
(3) من البخاري..
أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك " فقلت بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لارجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك " فقمت فثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أراجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا: [ لي ] فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف،
فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا، ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتي إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
قال: وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان (1) [ في سرقة من
__________
(1) هو جبلة بن الايهم حزم بذلك ابن عائذ، وعند الواقدي بالحرث بن أبي شمر.
حرير ] (1) فإذا فيه، أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدر هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك.
فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك (2)، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال " لا ولكن لا يقربك " قالت إنه والله ما به حركة إلى شئ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو أستأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن
هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عزوجل قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع [ يقول ] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله [ للناس ] بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين (3) فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله ؟ قال " لا بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه.
قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله " امسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني
__________
(1) زيادة من الواقدي، ومن رواية ابن مردويه.
(2) وهي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الانصارية وهي أم أولاده الثلاثة: عبد الله وعبيد ومعبد.
(3) في الواقدي: استعارهما من أبي قتادة.
بالصدق، وإن من توبتي ألا اتحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، واني لارجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار) * إلى قوله * (وكونوا مع الصادقين) * [ التوبة: 117 - 119 ] فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لاحد، قال الله تعالى * (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) * إلى قوله * (فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) * [ التوبة: 95 - 96 ] قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم (1) واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) * ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منهم (2)، وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه.
وهكذا رواه محمد بن اسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الامام أحمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة.
ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء قال علي بن طلحة (3) الوالبي، عن ابن عباس في قوله تعالى * (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم) * [ التوبة: 102 ] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فلما مر بهم رسول الله قال " من هؤلاء ؟ " قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا.
فانزل الله عز وجل
__________
(1) وفي ابن هشام والواقدي فعذرهم.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (79) باب.
الحديث (4418) فتح الباري (8 / 113) وأخرجه في الوصايا وفي الجهاد، وفي صفة النبي صلى الله عليه وآله وفي فود الانصار.
وفي الاستئذان، وفي المغازي، وفي التفسير.
وأخرجه مسلم في كتاب التوبة، (9) باب، الحديث (53) ص (4 / 2120 - 2128).
ورواه الواقدي في المغازي (3 / 1049 - 1056) وابن هشام في السيرة (ج 4 / 175 - 181).
- وما بين معكوفين في الحديث زيادة استدركت من صحيح البخاري.
(3) في دلائل البيهقي: ابن أبي طلحة.
* (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) * الآية.
و * (عسى) * من الله واجب.
فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال " ما أمرت أن آخذ أموالكم " فأنزل الله * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ونزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وان الله سميع عليم) * [ التوبة: 103 ] إلى قوله * (وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) * وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فارجئوا حتى نزل قوله تعالى * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين خلفوا) * [ التوبة: 117 ] إلى آخرها.
وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه (1).
وقد ذكر سعيد بن المسيب، ومجاهد، ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكفيك من ذلك الثلث " قال مجاهد وابن اسحاق: وفيه نزل * (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) * الآية: قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام إلا خيرا رضي الله عنه وأرضاه.
قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم
كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم.
وروى الحافظ البيهقي: من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن سليمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إن منكم منافقين فمن سميت فليقل قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان " حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال " إن فيكم - أو أن منكم - منافقين فسلوا الله العافية " قال: فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال: ما شأنك ؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعدا لك سائر اليوم (2).
قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة اقسام، مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاؤون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، أبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون.
ما كان من الحوادث بعد منصرفه من تبوك قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، إملاء، أخبرنا أبو العباس محمد بن
__________
(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل ج 5 / 271 - 272.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 283 - 284.
يعقوب، حدثنا أبو البحتري عبد الله بن شاكر (1)، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عم أبي زخر بن حصن، عن جده حميد بن منهب (2) قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل لا يفضض الله فاك " فقال: من قبلها طبت في الضلال وف * - ي مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لابشر * أنت ولا نطفة (3) ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بينك المهيمن من * خندق علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الار * ض فضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفي الن * - نور وسبل الرشاد يخترق (4) ورواه البيهقي من طريق أخرى عن أبي السكن، زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروي عنه.
قال البيهقي وزاد: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، وهذه الشيماء بنت نفيلة (5) الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود " فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي ؟ قال " هي لك " قال: ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الاسلام فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طلحة بن خويلد، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا: جزى الله عنا طيئا في ديارها * بمعترك الابطال خير جزاء هموا أهل رايات السماحة والندى * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء هموا ضربوا قيسا على الدين بعدما * أجابوا منادي ظلماء ؟ وعماء قال: ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد (6) من العجم أعدى للعرب
__________
(1) في الدلائل: عبد الله بن محمد بن شاكر.
(2) الدلائل: ابن منيب.
(3) في الدلائل: ولا مضغة.
(4) البيت في الدلائل: فنحن من ذلك النور في الضياء * وسبل الرشاد نخترق روى الخبر والابيات البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 268، ورواه الطبراني، والزرقاني في شرح المواهب (3 / 84).
(5) من الدلائل، وفي الاصل بقيلة.
(6) في الدلائل: ولم يكن أحد من الناس.
والاسلام من هرمز، فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز فبرز له فقتله خالد وكتب يخبره إلى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم، قال: ثم قفلنا على طريق الطف إلى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها وقلت هذه وهبها لي رسول الله، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الانصاري فسلمها إلي، فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعنيها، فقلت لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم وسلمتها إليه، فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها اليك، فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة (1).
قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم مالك بن عوف النضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم إلى الدخول في الاسلام، وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الاحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك.
وقال ابن اسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف، وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم.
اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام، فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه - " إنهم قاتلوك " وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على عيلة
له، وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف (2) أخو بني سالم بن مالك، ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة: ما ترى في دينك (3) ؟ قال كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم فزعموا أن
__________
(1) الخبر في دلائل النبوة ج 5 / 28.
(2) زاد الواقدي: وهو الا ثبت عندنا.
(3) في ابن هشام: ما ترى في دمك.
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه " إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه " ؟ كذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم (1).
قال ابن اسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الاحلاف وثلاثة من بني مالك، وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة.
وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر (2) رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل - وهو رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد.
قال ابن اسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والاسلام، إن شرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا
في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهيلة، ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربت عليهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله.
فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم.
قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنه سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدفعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم فقال " أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه " فقالوا
__________
(1) الخبر في سيرة هشام ج 4 / 182 وابن سعد ج 1 / 312 ومغازي الواقدي ج 3 / 960 وجميعهم قالوا: كان ذلك بعد رجوعه صلى الله عليه وآله من حصار الطائف وقدومه المدينة.
ونقل البيهقي رواية عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة في الدلائل ج 5 / 299 - 300.
و 304 وابن عبد البر في الدرر (ص 247).
(2) في الواقدي: كانوا ستة، ويقال بضعة عشر فيهم سفيان بن عبد الله وهذا ما جزم به ابن سعد، والذي قال في رواية أخرى: خرج مع عبد ياليل وابناه كنانة وربيعة (والخمسة الذين ذكرهم ابن اسحاق: فساروا في سبعين رجلا وهؤلاء الستة رؤوسائهم.
(ابن سعد 1 / 313 - مغازي الواقدي 3 / 963).
سنؤتيكها وإن كانت دناءة (1).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، محمد بن مسلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكم أن لا تحشروا (2) ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم
غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه " (3) وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي.
وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي: عن حماد بن سلمة، عن حميد به.
وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني ابراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن وهب سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " (4).
قال ابن اسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم (5) أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 184 - 185 (2) الحشر: الانتداب إلى المغازي.
(3) رواه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 218 ورواه أبو داود في كتاب الخراج باب ما جاء في خبر الطائف الحديث (3026).
(4) أخرجه أبو داود، الحديث (3025) ص (3 / 163).
(5) ذكره أبو عبيد في الاموال عن عروة بن الزبير، قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله لثقيف: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله لثقيف، كتب: أن لهم ذمة الله الذي لا إله إلا هو، وذمة محمد بن عبد الله النبي.
على ما كتب عليهم في هذه الصحيفة: أن واديهم حرام محرم لله كله: عضاه، وصيده، وظلم فيه، وسرق فيه، أو إساءة.
وثقيف أحق الناس بوج ولا يعبر طائفهم.
ولا يدخله عليه أحد من المسلمين يغلبهم عليه.
وما شاؤوا أحدثوا في طائفهم من بنيان أو سواه بواديهم، لا يحشرون ولا يعشرون، ولا يستكرهون بمال ولا نفس، وهم أمة من المسلمين يتولجون من المسلمين حيثما شاؤوا، وأين تولجوا ولجوا، وما كان لهم من أسير فهو لهم، هم أحق الناس به حتى يفعلوا به ما شاؤوا، وما كان لهم من دين في رهن فبلغ أجله فإن لواط مبرأ من الله - وما كان من دين في رهن رواء عكاظ فإنه يقضي إلى عكاظ برأسه.
وما كان لثقيف من دين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس، فإنه لهم.
وما كان لثقيف من وديعة في الناس، أو مال، أو نفس غنمها مودعها، أو أضاعها، ألا فإنها مؤداة، وما كان لثقيف من نفس غائبة أو مال، فإن له
من الامن ما لشاهدهم، وما كان لثقيف من حليف أو تاجر، فأسلم فإن له مثل قضية أمر ثقيف، وإن طعن طاعن على ثقيف أو ظلمهم ظالم، فإنه لا يطاع فيهم في مال ولا نفس.
وإن الرسول ينصرهم على من ظلمهم، والمؤمنون.
ومن كرهوا أن يلج عليهم من الناس فإنه لا يلج عليهم.
وأن السوق والبيع بأفنية البيوت، وأن لا يؤمر عليهم إلا بعضهم على بعض: على بني مالك أميرهم، وعلى الاخلاف أميرهم.
وما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها لمن سقاها.
وما كان لهم من دين في رهن لم يلط فإن وجد ؟ أهله قضاء قضوا، وإن لم يجدوا قضاء فإنه إلى جمادى الاولى من عام قابل، من بلغ أجله يقضه فإنه قد لاطه.
=
أحدثهم سنا - لان الصديق قال: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام، وتعلم القرآن.
وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فإن وجده، نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام (1) وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا.
قال ابن اسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص.
قال: كان من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ثقيف قال " يا عثمان تجوز في الصلاة، وأقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة " وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: " أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " رواه أبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن اسحاق كما تقدم.
وروى أحمد: عن عفان، عن وهب، وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن داود بن أبي عاصم، عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال " إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى
وقت لي أقرأ باسم ربك الذى خلق، وأشباهها من القرآن " وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد بن المسيب قال: حدث عثمان بن أبي العاص.
قال: آخر ما عهد إلي رسول الله أن قال: " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة " (2) ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه.
وقال أحمد حدثنا: أبو أحمد الزبيري، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، فكان آخر ما عهد إلي أن قال " خفف عن الناس الصلاة " تفرد به من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا عمرو بن
__________
= وما كان لهم في الناس من دين فليس عليهم إلا رأسه.
وما كان لهم من أسير باعه ربه فإن له بيعه، وما لم يبع فإن فيه ست قلائص نصفين.
لبون كرام سمان.
وما كان له بيع اشتراه فإن له بيعه " " كتاب الاموال ص 87.
رقم 507.
ونقله الاحمدي في مكاتيب الرسول عنه ص 2 / 263.
وأوعز إليه البلاذري في فتوح البلدان ص 67 وياقوت في معجم البلدان (الطائف) والكامل لابن الاثير ج 1 / 246 وطبقات ابن سعد، والعقد الفريد ج 1 / 135.
(1) زاد البيهقي في رواية ابن عقبة: وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.
دلائل النبوة 5 / 301.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (37) الحديث (187) ورواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 306 من طريق يونس بن حبيب.
عثمان، حدثني موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبي العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ثم قال: " من أم قوما فليخفف بهم فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء " ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت أشياخا من ثقيف قالوا: حدثنا عثمان بن أبي العاص أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم قومك وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة
فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة " وقال أحمد: حدثنا ابراهيم بن إسماعيل، عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: " ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا " قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (1).
ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به.
وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده فقال له " ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم (2).
وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا محمد بن يسار (3)، ثنا محمد بن عبد الله الانصاري، حدثني عيينة بن عبد الرحمن - وهو ابن جوشن - حدثني أبي، عن عثمان بن أبي العاص.
قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شئ في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ابن أبي العاص ؟ " قلت نعم ! يا رسول الله ! قال " ما جاء بك ؟ " قلت يا رسول الله عرض لي شئ في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي قال " ذاك الشيطان أدن " فدنوت منه فجلست على صدور قدمي، قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال " أخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال " الحق بعملك ".
قال فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد (3).
تفرد به ابن ماجه.
قال ابن اسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله، عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا فيأتينا بالسحور فإنا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع ؟ فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها.
وروى
__________
(1) أخرجه مسلم في 39 كتاب السلام (25) باب الحديث (68).
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 307.
(2) أخرجه مسلم في كتاب السلام (24) الحديث 67.
وأخرجه أبو داود في الطب.
باب كيف الرقى الحديث (3891).
وأخرجه الترمذي في الطب، وقال: حسن صحيح.
(3) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب (46) باب الفزع والارق (الحديث: 3548) وفيه: محمد بن بشار.
الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف، قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول " لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا " فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة ؟ فقال: " إنه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجئ حتى أتمه " قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجزئون القرآن ؟ فقالوا ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع وإحدى عشر، وثلاث عشرة.
وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود.
قال ابن اسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم (1)، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بني معتب دونه، خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، قال وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: * لنبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع (2) * قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان: والمغيرة يضربها بالفأس وآها لك آها لك، فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان فقال: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن
عروة بن مسعود وأخيه الاسود بن مسعود والد قارب بن الاسود دينهما من مال الطاغية يقضي ذلك عنهما.
قلت: كان الاسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الاسود رضي الله عنه.
وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها ؟ قال " اهدموها " قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا بن عبد ياليل ما أجهلك، إنما الربة حجر
__________
(1) الهدم، وفي نسخ البداية المطبوعة الهرم تحريف، والهدم: ماء وراء وادي القرى.
(مراصد الاطلاع 2 / 1454).
(2) في ابن هشام: لتبكين.
ودفاع: سموها بذلك لانها - بزعمهم - تدفع عنهم الضرر.
الرضاع: اللئيم المصاع: المضاربة بالسيوف.
فقالوا: إنا لم نأتك يا بن الخطاب، ثم قالوا: يا رسول الله تول أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا، فقال " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاؤوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن، وأنهم إنما جاؤوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا، قال فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه، فافهموا القضية واقبلوا عافية الله، قالوا: فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم
خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لاصحابه: والله لاضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وقالوا لاولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره.
ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض، وجعل سادنها يقول: ليغضبن الاساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله (1).
قال ابن اسحاق: وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج (2) وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا وإن هذا أمر النبي محمد، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه، عن عروة بن الزبير قال: أقبلنا مع
__________
(1) لفظ موسى بن عقبة وروى الخبر عروة بن الزبير بمعناه، والرواية اختصرها ابن عبد البر في الدرر (247)، ونقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 303.
(2) عضاه: واحدته عضة، شجر له شوك، ووج أرض الطائف.
وتقدم قريبا نص الكتاب بتمامه، فليراجع.
رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية (1) حتى إذا كنا عند السدرة، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن حذوها
فاستقبل محبسا ببصره - يعني واديا - ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال " إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله " وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، وقد رواه أبو داود: من حديث محمد بن عبد الله بن انسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في ثقاته.
وقال ابن معين ليس به بأس.
تكلم فيه بعضهم وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه والله أعلم.
موت عبد الله بن أبي، قبحه الله قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد.
قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما والله إن كنت لانهاك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه (2) ؟.
وقال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فقال " قد نهيتك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه وصل علي واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
وروى البيهقي: من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فالله أعلم.
وقد قال اسحاق بن راهويه (4): قلت لابي أسامة أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك الله عنه، فقال رسول الله " إن ربي خيرني فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين " فقال إنه منافق أتصلي عليه ؟ فأنزل الله عز وجل * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله) * [ التوبة: 84 ] فأقر به أبو أسامة وقال
نعم ! وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي أسامة (5)، وفي رواية للبخاري وغيره قال عمر:
__________
(1) لية: ناحية من نواحي الطائف.
(2) نقل الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 285.
(3) رواه الواقدي في مغازيه (3 / 1057) ونقله البيهقي عنه في الدلائل ج 5 / 285 و 288.
(4) في رواية البيهقي: اسحاق بن ابراهيم.
(5) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة براءة (12) باب، الحديث (4670)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين (الحديث: 3).
ونقله البيهقي من طريق ابراهيم بن أبي طالب ج 5 / 287.
فقلت يا رسول الله تصلي عليه وقد قال في يوم كذا وكذا، وقال في يوم كذا وكذا وكذا ! ! فقال " دعني يا عمر فإني بين خيرتين، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت " ثم صلى عليه فأنزل الله عز وجل * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) * الآية.
قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم.
وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه سلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه.
فالله أعلم (1).
وفي صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله وعنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبي (2).
وقد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة (3)، وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى * (ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله) * الآية.
[ التوبة: 75 ].
فصل قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يعدد أيام الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه، قال ابن هشام وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان:
ألست خير معد كلها نفرا * و ؟ شرا إن هموا عموا وإن حصلوا قوم هموا شهدوا بدرا بأجمعهم * مع الرسول فما ألوا وما خذلوا وبايعوه فلم ينكث به أحد * منهم ولم يك في إيمانه دخل (4) ويوم صبحهم في الشعب من أحد * ضرب رصين كحر النار مشتعل ويوم ذي قرد يوم استثار بهم * على الجياد فما خانوا وما نكلوا (5) وذا العشيرة جاسوها بخيلهم * مع الرسول عليها البيض والاسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا * بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (22) باب الحديث 1270 عن مالك بن اسماعيل.
ومسلم في كتاب المنافقين (الحديث 2).
ونقله البيهقي في الدلائل من طريق سعدان بن نصر (5 / 286).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (142) باب الحديث (3008).
ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 286.
(3) دلائل النبوة - باب قصة حاطب بن ثعلبة وما ظهر فيها من الآثار ج 5 / 289 من طريق عطية بن سعد عن ابن عباس.
(4) في ابن هشام: في إيمانهم.
(5) في ابن هشام: فما خاموا بدلا من فما خانوا.
وليلة طلبوا فيها عدوهم * لله والله يجزيهم بما عملوا وليلة بحنين جالدوا معه * فيها يعلهم في الحرب إذ نهلوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم * مع الرسول بها الاسلاب والنفل وغزوة القاع فرقنا العدو به * كما يفرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته * على الجلاد فآسوة وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته * مرابطين فما طاشوا وما عجلوا ويوم خيبر كانوا في كتيبته * يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض نرعش الايمان عارية * تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل ويوم سار رسول الله محتسبا * إلى تبوك وهم راياته الاول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم * حتى بدا لهم الاقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم * قومي أصير إليهم حين أتصل ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم * وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا.
قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر) * إلى قوله * (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر إن الله برئ من المشركين ورسوله) * إلى آخر القصة.
ثم شرح ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة، والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بعد أبي بكر الصديق ليكون معه ويتولى علي بنفسه ابلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه ابن عمه من عصبته.
قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج، قيل له يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بعثت بها إلى بكر فقال " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " ثم دعا علي بن أبي طالب فقال " اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك: ولا يطوف بالبيت عريان، ومن
كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته " فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور ؟ فقال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل [ الناس ] (1) أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقد قال البخاري: باب حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس سنة تسع: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليه النبي صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن في البيت عريان.
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.
قال حميد ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة قال: أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان (3).
وقال البخاري في كتاب الجهاد: حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب، عن الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ويوم الحج الاكبر يوم النحر، وإنما قيل الاكبر من أجل قول الناس العمرة الحج الاصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك.
ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه.
قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كنتم تنادون ؟ قالوا كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف في البيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الاربعة أشهر
__________
(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 190 وبنحو سياقه رواه الواقدي في المغازي ج 3 / 1077.
(3) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة التوبة (22) باب فسيحوا في الارض...الحديث (4655).
فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك.
قال فكنت أنادي حتى صحل صوتي (1).
وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل وهذا يحتمل أن يلتحق بالاول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر لانه أولى ممن ليس له عهد بالكلية والله تعالى أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث براءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " فبعث بها مع علي بن أبي طالب.
وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة وقال حسن غريب من حديث أنس.
وقد روى عبد الله بن أحمد: عن لوين، عن محمد بن جابر، عن سماك عن حلس (2) عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شئ ؟ قال " لا ولكن جبريل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " وهذا ضعيف الاسناد ومتنه فيه نكارة والله أعلم.
وقال الامام
أحمد: حدثنا سفيان عن أبي اسحاق عن زيد بن يثيع (3) - رجل من همدان - قال: سألنا عليا بأي شئ بعثت يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة ؟ قال بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا (4).
وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي اسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به وقال حسن صحيح.
ثم قال وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال عن زيد بن أثيل، ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن علي.
قلت: ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن رأشد أخبرنا حيوة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الاكبر فقال إن رسول الله صلى الله عليه سلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه سلم
__________
(1) صحل صوتي: أي حتى بح.
والخبر في مسند الامام أحمد ج 2 / 299.
(2) كذا بالاصل حلس، والصواب حنش وهو حنش بن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكناني الكوفي، يروي عن علي وأبي ذر، وعنه الحكم وسماك بن حرب...(خلاصة التهذيب / 81).
(3) في المسند: أثيع.
(4) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 79.
فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم.
قال علي فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة.
وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير وذكرنا أسانيد الاحاديث والآثار
في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
قال الواقدي (1) وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلثمائة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج (2) فنادى ببراءة امام الموسم.
فصل كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الامور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه.
قال الواقدي وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس.
وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بن عبد المطلب، وقيل غسلها نسوة من الانصار فيهن أم عطية.
قلت: وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضا أنه عليه السلام لما صلى عليها وأراد دفنها قال: " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " فامتنع زوجها عثمان لذلك ودفنها أبو طلحة الانصاري رضي الله عنه ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم فقال " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء " إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بعيد والله أعلم وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه.
وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد وهو دار حرب في الباطن فأمر به عليه السلام فحرق.
وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالامان وكسرت اللات كما تقدم.
وفيها توفي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها، وقبله بأشهر (3) توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول
__________
(1) مغازي الواقدي 3 / 1077.
(2) العرج: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، وقيل واد به (المراصد).
(3) قوله بأشهر، وفي نسخة بشهر، والمعروف أن ابن أبي مات في ذي القعدة، ومعاوية بن معاوية مات بالمدينة
ورسول الله صلى الله عليه وآله بتبوك - وكانت تبوك في رجب - وهذا يجعل قول من قال " شهر " بعيدا.
الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك.
وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك.
وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره.
كتاب الوفود (1) الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كنت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بأسلامها أمر هذا الحي من قريش، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن ابراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت به قريش ودوخها الاسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال عز وجل * (أفواجا) * يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم * (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) * أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا، وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم باسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر - أي قومي - باسلامهم، فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا، وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري.
قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة.
وقد قال الله تعالى * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) * [ الحديد: 10 ] وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح " لا هجرة ولكن جهاد ونية " فيجب التمييز
__________
(1) انظر في تلك الوفود: (ابن سعد 1 / 291) تاريخ الطبري، ابن حزم (259) سيرة ابن هشام (4 / 206).
السيرة الشامية (6 / 386) ودلائل البيهقي (5 / 309).
بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم.
على أن هؤلاء الائمة الذين اعتنوا بايراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة وذاك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم " فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده: أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا (1) فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا، قال وهو أخو عبد الله ذو البجادين.
وقال البخاري رحمه الله: باب وفد بني تميم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي صخرة، عن صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حصين، قال: أتى نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال، " اقبلوا
البشرى يا بني تميم " قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قبلنا يا رسول الله.
ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * حتى انقضت.
ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى * (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) * الآية.
وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم: الاقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الاهتم، والحتحات (2) بن يزيد، ونعيم بن يزيد،
__________
(1) ذكرها ابن سعد في الطبقات 1 / 292 ومنها: ألا أبلغ خزاعيا رسولا * بأن الذم يغسله الوفاء (2) في نسخة الحجاب، وفي سيرة ابن هشام الحبحاب، وقال ابن هشام: الحتات وهو الذي آخي رسول الله =
وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بنى تميم.
قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا، المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا.
قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل " فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد الله الذي له علينا الفضل والمن وهو
أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة.
فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد ما عددنا، وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكن نخشى (1) من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [ بذلك ] (2).
أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: " قم، فأجب الرجل في خطبته " فقام ثابت فقال: الحمد الله الذي السموات والارض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس احسابا، وأحسن وجوها، وخير الناس فعالا.
ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع (3) وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع (4) بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شعبوا (5)
__________
= صلى الله عليه وآله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان.
واختاره أيضا السهيلي.
(1) في ابن هشام: ولكنا نحيا.
(2) من ابن هشام.
(3) البيع: جمع بيعة، وهي موضع الصلاة.
(4) القزع: السحاب الرقيق.
(5) الكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام.
فما ترانا إلى حي نفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر ترتفع قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ".
فقال حسان: إن الذوائب من فهر وأخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وكل الخير يصطنع (1) قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (2) أعفه ذكرت في الوحي عفتهم * لا يطعمون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع (3) نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساعها فدع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذي منع ؟ وا فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - * شرا يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد في الناس جد القول أو شمعوا (4) وقال ابن هشام: وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم: أن الزبرقان لما قدم على
__________
(1) رواية العجز في الديوان: تقوى الاله وبالامر الذي شرعوا.
(2) في ابن هشام: متعوا.
(3) الذرع: ولد البقرة الوحشية.
(4) شمعوا، وتروى سمعوا، قال السهيلي: ضحكوا، ومنها جارية شموع: أي كثيرة الطرب.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قام فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا اختلفوا (1) عند احتضار المواسم بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الاصيد المتفاقم وإن لنا المرباع في كل غارة * تغير بنجد أو بأرض الاعاجم قال فقام حسان فأجابه فقال: هل المجد إلا السؤدد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم بحي حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم
نصرناه لما حل بين بيوتنا * بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبي الخير من آل هاشم (2) بني دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم فان كنتم جئتم لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزي الاعاجم قال ابن إسحاق.
فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الاقرع بن حابس: وأبي، إن هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولاصواتهم أعلا من أصواتنا.
قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الاهتم - يا رسول الله، إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، قال عمرو بن الاهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه: ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب
__________
(1) في ابن هشام: احتفلوا.
(2) في البيت إشارة أن أم عبد المطلب جد النبي كانت جارية من الانصار، وهي سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية.
وقد روى الحافظ البيهقي: من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا
حماد بن يزيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي.
قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الاهتم.
فقال لعمرو بن الاهتم: " أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه " وأراه كان عرف قيسا، قال فقال: مطاع في أذنيه شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال، قال فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الاب، لئيم الخال، ثم قال: يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن البيان سحرا " وهذا مرسل من هذا الوجه.
قال البيهقي وقد روي من وجه آخر موصولا: أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، ثنا محمد بن محمد بن محمد (1) بن أحمد بن عثمان البغدادي، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن (2) العلاف ببغداد، حدثنا علي بن حرب الطائي، أنبأنا أبو سعد (3) بن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الانصاري عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الاهتم التميميون، ففخر الزبرقان، فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك - يعني عمرو بن الاهتم - قال عمرو بن الاهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه.
فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو بن الاهتم: أنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا.
ولكني رجل إذا رأيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الاولى والاخرى جميعا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من البيان سحرا " (4) وهذا اسناد غريب جدا.
وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فقدم رؤساهم بسبب أسرائهم ويقال قدم منهم
تسعين - أو ثمانين - رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والاقرع بن حابس، ورباح بن الحارث وعمرو بن الاهتم، فدخلوا المسجد وقد
__________
(1) في الدلائل: محمد بن محمد بن أحمد...(2) في الدلائل: الحسين.
(3) في الدلائل: أبو سعد الهيثم.
(4) الخبر في دلائل النبوة مرسلا وموصولا ج 5 / 315 - 316 ورواه المزي في تحفة الاشراف وقال: الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم سوى خمسة أحاديث.
أذن بلال الظهر، والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات، فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه عليه الصلاة والسلام أجازهم على كل رجل اثني عشر أوقية ونشا إلا عمرو بن الاهتم فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم (1).
قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) * [ الحجرات: 4 ] قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) *.
قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن حمدي زين، وذمي شين.
فقال: " ذاك الله عز وجل " وهذا إسناد جيد متصل.
وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الامام أحمد: حدثنا عفاف، ثنا وهب، ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن الاقرع بن حابس أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية يا رسول الله فلم يجبه.
فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين.
فقال: " ذاك الله عز وجل ".
حديث في فضل بني تميم قال البخاري: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة.
قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم: " هم أشد أمتي على الدجال " وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال: " أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " وجاءت صدقاتهم فقال: " هذه صدقات قوم - أو قومي - " (2) وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به.
وهذا حديث يرد على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول: تميم بطرق اللوم أهدى من القطا * ولو سلكت طرق الرشاد لضلت ولو أن برغوثا على ظهر قملة * رأته تميم من بعيد لولت
__________
(1) الخبر في طبقات ابن سعد ج 1 / 293 - 294، قال وفيهم أنزل الله تعالى: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) *.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (68) باب الحديث 4366.
وفد بني عبد القيس ثم قال البخاري بعد وفد بني تميم: باب وفد عبد القيس حدثنا أبو إسحاق (1) حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا قرة، عن أبي جمرة (2) قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة ينتبذ لي فيها فاشربه حلوا في جر إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح ؟ فقال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى " فقال: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فحدثنا بجميل (3) من الامر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا به من وراءنا.
قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الايمان بالله هل تدرون مع الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس.
وأنهلكم عن أربع، ما ينتبذ في
الدباء والنقير والحنتم والمزفت " (4).
وهكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبي جمرة وله طرق في الصحيحين عن أبي جمرة.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن أبي جمرة سمعت ابن عباس يقول: إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه قال " ممن القوم ؟ " قالوا من ربيعة.
قال: " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى " فقالوا يا رسول الله: إنا حي من ربيعة وإنا نأتيك شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ندعوا إليه من وراءنا وندخل به الجنة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان بالله وحده أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع، عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال والمقير - فاحفظوهن وادعوا اليهن من وراءكم " (5) وقد أخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه، وقد رواه مسلم من
__________
(1) في البخاري: اسحاق.
(2) من البخاري، وفي الاصل: أبي حمزة.
(3) في البخاري: بجمل من الامر، وفي مسلم: بأمر فصل.
(4) أخرجه البخاري في الموضع السابق حديث (4368).
- في قوله آمركم بأربع، وإنما ذكر خمسا قال القاضي عياض: كان الاربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الايمان وفروض الاعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم اخراجه إذا وقع لهم جهاد لانهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لانها مسببة عن الجهاد.
أما النووي فقال: أما قوله أن يؤدوا خمسا من المغنم فليس عطفا على قوله " آمركم بأربع..." وإنما هو عطف على قوله بأربع فيكون مضافا إلى الاربع لا واحدا منها...- الدباء: القرع وهو جمع والواحدة دباءة.
الحنتم: الجرار يجلب فيها الخمر.
النقير: جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه.
المقير: المزفت المطلي بالغار...(5) أخرجه أبو داود في الاشربة عن سليمان بن حرب، وفي كتاب السنة عن أحمد بن حنبل.
وأخرجه الترمذي في =
حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد بحديث فصتهم بمثل هذا السياق، وعنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاشج عبد القيس " إن فيك لخلتين يحبهما الله عز وجل، الحلم والاناة " (1) وفي رواية " يحبهما الله ورسوله " فقال يا رسول الله تخلقتهما أم جبلني الله عليهما ؟ فقال: " جبلك الله عليهما " فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا مطر بن عبد الرحمن، سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والاشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده، ثم نزل الاشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل ورسوله، الحلم والاناة " فقال يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما ؟ فقال: " بل الله جبلك عليهما ".
قال الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله عز وجل ورسوله.
فقال الوازع يا رسول الله إن معي خالا لي مصابا فادع الله له فقال: " أين هو آتيني به " قال: فصنعت مثل ما صنع الاشج البسته ثوبيه وأتيته فأخذ من ورائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال " أخرج عدو الله " فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح (2).
وروى الحافظ البيهقي: من طريق هود بن عبد الله بن سعد، أنه سمع جده مزيدة العبدي (3).
قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق " فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال من القوم ؟ فقالوا: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد التجارة ؟ قالوا: لا قال: أما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا، ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر للقوم: وهذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول، ومنهم من سعى حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الاشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع
القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن فيك خلتين يحبهما
__________
= الاشربة وقال حسن صحيح.
والنسائي في العلم، والايمان.
وما لك في الموطأ في الاشربة.
وأخرجه البخاري في أكثر من موضع: في الايمان، وفي كتاب الخمس، وفي كتاب العلم، والصلاة، والزكاة، وفي الادب.
والتوحيد.
(1) أخرجه مسلم في (1) كتاب الايمان (6) باب الحديث (26).
وأبو يعلى والطبراني بسند جيد.
(2) مسند الامام أحمد ج 4 / 206.
(3) في البيهقي: هود بن عبد الله بن سعد، انه سمع مزبدة العصري.
(انظر ترجمة مزبدة في أسد الغابة ج 1 / 96 و 4 / 417).
الله ورسول ".
قال: جبل جبلت [ عليه ] أن تخلقا مني ؟ قال: بل جبل فقال: الحمد الله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله (1).
وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش، أخو عبد القيس.
قال ابن هشام: وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا، قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن قال: لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه الاسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: " والله ما عندي ما أحملكم عليه ".
قال: يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالا من ضوال الناس: أفنتبلغ عليها إلى بلادنا، قال: لا إياك وإياها، فإنما تملك حرق النار.
قال فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك، وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الاول مع الغرور (2) بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر
من لم يشهد.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين (3).
ولهذا روى البخاري: من حديث ابراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة (4) عن ابن عباس.
قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجوانا (5) من البحرين، وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها (6).
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 327، ورواه أبو يعلى والطبراني بسند جيد.
(2) الغرور: واسمه المنذر، قال السهيلي: سمي الغرور لانه غر قومه يوم حرب الردة.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 221 - 222.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: أبي حمزة تحريف.
(5) من البخاري، وفي الاصل حواثي بالجاء، تحريف.
انظر الخبر في المغازي الحديث (4371).
(6) أخرجه البخاري في المغازي (69) باب الحديث (4370).
قال الحافظ ابن حجر: والذي يتبين لنا انه كان لعبد القيس وفادتان: إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: " بينا وبينك كفار مضر " وكان ذلك قديما إما في سنة خمس أو قبلها.
وكان عدد الوفد الاول ثلاثة عشر رجلا، وفيها سألوا عن الايمان وعن الاشربة، وكان فيهم الاشج،،، ثانيتهما كانت في سنة الوفود - سنة تسع - وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، وكان فيهم الجارود العبدي.
قال: ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان...أن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم: ما لي أرى ألوانكم قد تغيرت.
قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام.
والله أعلم.
قصه ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب قال البخاري: باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أثال: حدثنا عبد الله بن يوسف،
حدثنا الليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ قال عندي خير، يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم.
وان تنعم تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت.
فتركه حتى كان الغد، ثم قال له: " ما عندك يا ثمامة) ؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال عندي ما قلت لك.
فقال: " أطلقوا ثمامة " فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الارض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك بأحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت ؟ قال: لا ! ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم (1).
وقد رواه البخاري في في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به.
وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه، وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنه تسع نظر آخر.
وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لان أهل مكة عيروه بالاسلام وقالوا أصبوت فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب، لم يسلم أهلها بعد والله أعلم، ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه ولكن ذكرناه هاهنا إتباعا للبخاري رحمه الله.
وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس: قال: قدم مسيلمة الكذاب (2) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القول: إن جعل لي محمد
__________
(1) اخرجه البخاري في كتاب المغازي (70) باب الحديث (4372).
(2) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحرث من بني حنيفة، قال ابن اسحاق: ادعى النبوة ستة عشر، كنيته أبو ثمامة.
وقيل إن مسيلمة لقب واسمه ثمامة.
قال ابن حجر: إن كان هذا محفوظا فيكون ممن توافقت كنيته واسمه.
الامر من بعده اتبعته، وقدم في بشر كثير من قومه فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه.
فقال له: " لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليقرنك الله، وإني لاراك الذي رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني " ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك الذي رأيت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحى إلي في المنام إن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: أحدهما الاسود العنسي (1) والآخر مسيلمة " (2).
ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر (3) ثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر، عن همام بن منبه (4) أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الارض، فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأوحي إلي أن أنفخهما، فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة " (5).
ثم قال البخاري: ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا يعقوب بن ابراهيم، حدثنا أبي، عن صالح عن ابن عبيدة بن (6) نشيط - وكان في موضع آخر اسمع عبد الله - أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته بنت الحارث بن كريز وهي أم عبد الله بن الحارث (7) بن كريز فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وهو الذي يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة إن شئت خليت بينك وبين الامر، ثم جعلته لنا بعدك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه وإني لاراك الذي رأيت فيه ما رأيت (8)، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك
__________
(1) الاسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب كان يقال له: ذو الخمار.
وهو من بني عنس.
خرج بصنعاء وادعى النبوة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية.
(2) أخرجه البخاري في المغازي (70) باب، الحديث (4373)، وفي كتاب المناقب (25) باب.
وأخرجه مسلم في كتاب الرؤيا (4) باب الحديث (21).
(3) من البخاري، وفي الاصل منصور تحريف.
(4) من البخاري، وفي الاصل هشام بن أمية تحريف.
(5) فتح الباري 8 / 73 الحديث رقم 4375.
(6) في نسخ البداية المطبوعة: عن نشيط، وهو تحريف.
(7) في البخاري: أم عبد الله بن عامر بن كريز.
قال ابن حجر: الصواب أم أولاد عبد الله بن عامر لانها زوجته لا أمه، واسم أمه ليلى بنت أبي حثمة العدوية.
قال ابن سعد: نزلوا في دار رملة بنت الحارث، وكان منزلها معدا للوفود، وهو أكثر احتمالا لان بنت الحارث زوجة مسيلمة لم تكن إذ ذاك بالمدينة وإنما كانت باليمامة ولما قتل مسيلمة تزوجها ابن عمها عبد الله بن عامر.
(8) في البخاري: واني لاراك الذي أريت فيه ما أريت.
عني " فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ عبيد الله بن ] (1) عبد الله سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فقال ابن عباس: ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما (2) وكرهتهما فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان " فقال عبيد الله: [ أحمدهما العنسي الذي قتله ] (3) فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب (4).
وقال محمد بن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزوال بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون وكان قد تسمى بالرحمان فكان يقال له رحمان اليمامة وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من النيرجات فكان يدخل البيضة إلى القارورة وهو أول من فعل ذلك، وكان
يقص جناح الطير ثم يصله ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها.
قلت: وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه الله.
قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الانصار ثم من بني النجار، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه " قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا.
وزعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال " أما أنه ؟ يس بشركم مكانا " أي لحفظه ضيعة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم.
وقال: إني أشركت في الامر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الامر معه، ثم جعل يسجع لهم السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا.
وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي.
فأصفقت (5) معه بنو حنيفة على ذلك.
__________
(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(2) في الاصل ففظعتهما، والصواب من البخاري.
(3) ما بين معكوفين من البخاري.
(4) أخرجه البخاري في المغازي (71) باب الحديث (4378).
(5) أصفقت معه: أجمعوا عليه وتابعوه.
قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان (1).
وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة - وأسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد " فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الامر معه، وألقى إليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي.
قال السهيلي: وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل، وأضيف إليهم سجاح وكانت تكنى أم صادر تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل جنبة بن طارق، ويقال إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا ثم أسلم وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت في الامر معك، فإن لنا نصف الامر، ولقريش نصف الامر، ولكن قريشا قوم يعتدون (2).
فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الارض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
قال وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعني ورود هذا الكتاب - قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: " وأنتما تقولان مثل ما يقول ؟ " قالا: نعم ! فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما (3).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود.
قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لهما: " أتشهدان أني رسول الله " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما " قال عبد الله بن مسعود
فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.
قال عبد الله: فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه.
قال الحافظ البيهقي أما أسامة (4) بن أثال فأنه أسلم وقد مضى الحديث في اسلامه.
وأما ابن النواحة [ فإن ابن مسعود قتله بالكوفة حين أمكن الله منه ] (5)
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 222 - 223.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: لا يعتدون وهو تحريف.
(3) نص الكتابين في سيرة ابن هشام ج 4 / 247.
(4) في الدلائل، ثمامة.
(5) ما بين معكوفين سقط من الاصل واستدرك من دلائل البيهقي ج 5 / 332.
والخبر أخرجه النسائي عن =
فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي (1) أنبانا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرأون قراءة ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما.
قال: فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة، قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم (2).
وقال الواقدي كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال بن عنفوة وطلق بن علي، وعلي بن سنان، ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومره خبزا وسمنا، ومره تمرا ينزلهم.
فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، لما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنه في رحالهم فقال " أما أنه ليس بشركم مكانا " فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه فقال: إنما قال ذلك لانه عرف الامر
لي من بعده، وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة.
قال الواقدي: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بأداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذوه مسجدا ففعلوا (3).
وسيأتي ذكر مقتل الاسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق، وما كان من أمر بني حنيفة إن شاء الله تعالى.
وفد أهل نجران (4) قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، ثنا يحيى بن آدم، عن اسرائيل، عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة.
قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وأبعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال: " لابعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال قم يا أبا عبيدة الجراح، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين هذه
__________
= عبد الرحمن، عن سفيان، وأشار إليه المزي في تحفة الاشراف (7 / 48).
(1) من البيهقي، وفي الاصل المزني.
(2) دلائل البيهقي ج 5 / 333.
(3) الخبر نقله ابن سعد عن الواقدي في الطبقات ج 1 / 316 - 317.
(4) نجران: بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاث وسبعين قرية.
الامة " (1) وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق به.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يشوع (2) عن أبيه عن جده - قال يونس وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى [ أهل ] نجران قبل أن
ينزل عليه طس سليمان (3)، باسم إله ابراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران [ وأهل نجران ] (4) أسلم أنتم فإني أحمد إليكم إله ابراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام.
فلما أتى الاسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من [ أهل ] همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله، لا الاتهم (5)، ولا السيد ولا العاقب - فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه، فقال الاسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لاشرت عليك فيه برأي، وجهدت لك، فقال له الاسقف تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته.
فبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الاسقف: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته، وبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الاسقف فتنحى فجلس ناحيته.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الاسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس، ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (72) باب (4380) و (4381).
(2) في المطبوعة: بن يسوع تحريف.
(3) الآية الاولى من سورة النمل، وقد عقب ابن القيم في زاد المعاد فقال: " وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال:
قبل أن ينزل عليه (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) وذلك غلط على غلط، فإن هذه السوره مكية باتفاق، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك.
".
(4) ما بين معكوفين من الدلائل.
والعبارة في الدلائل: إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله...(وهو المناسب).
(5) الاتهم كذا في الاصل، وفي ابن هشام الابهم، وفي الدلائل: الايهم.
مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الاصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه، فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه نهار طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهما (1) فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس.
فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن ! إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فاقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهار طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما، أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب، وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه، ففعلوا فسلموا فرد سلامهم.
ثم قال: " والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وأن ابليس لمعهم، ثم ساءلهم وسائلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما عندي فيه شئ يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى " فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل هذه الآية * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * [ آل عمران: 59 - 61 ] فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يؤمئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عيبته ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة وإنا أدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، فقال " وما هو " ؟ فقال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمك فينا فهو جائز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعل وراءك أحد يثرب عليك ؟ " فقال
__________
(1) العبارة في الدلائل: وكانا معرفة لهم، كانا يجدعان العتائر إلى نجران في الجاهلية فيشتروا لهما من بزها وثمرها وذرتها..
شرحبيل: سل صاحبي، فقالا: ما ترد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل، [ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كافر أو قال: جاحد موفق ] (1) فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي الامي رسول الله لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء [ وسوداء ] ورقيق، فافضل عليهم، وترك ذلك كله على ألفي حلة [ من حلل الاواقي ]، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، وذكر تمام الشروط (2).
إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر والاقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة (3)، وكتب حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الاسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية
وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الاسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا، فقال له بشر: لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنى الاسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نجعنا (4) لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب نحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته وهو مولي الاسقف ظهره وارتجز يقول:
__________
(1) من دلائل البيهقي.
(2) تمام الكتاب في الدلائل:...ومع كل حلة أوقية من الفضة فما زادت على الخراج أو نقصت عن الاواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي، ومتعتهم ما بين عشرين يوما فدونه، ولا تحبس رسلي فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد ومعرة، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسلي حتى يؤدوه إليهم، ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم ؟ ؟ ضيهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وان لا يغيروا مما كانوا عليه ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيروا أسقف عن اسقفيته ولا راهب من رهبانيته، ولا واقها من وقيهاه، وكلما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل فيهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين بنجران، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منة بريئة، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله عز وجل وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم.
راجع نصه في طبقات ابن سعد 1 / 358 فتوح البلدان (76) أبو عبيد في الاموال ص 187 جمهرة رسائل العرب ج 1 / 76 الخراج لابي يوسف 72 وتاريخ اليعقوبي ج 2 / 67.
(3) قال أبو يوسف في الخراج: كتب لهم هذا الكتاب عبد الله بن أبي بكر، وفي اليعقوبي: كتبه علي ابن أبي طالب
وفي الاموال لابي عبيد: شهد عليه عثمان بن عفان وثقيقيب.
(4) في الدلائل: فبخعنا في الموضعين.
إليك تغدوا وضينها * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك.
قال ودخل الوفد نجران فأتي الراهب بن أبي شمر الزبيدي، وهو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم فقال الراهب أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة قال: فأنزلوه فأخذ معه هدية وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء وقعب وعصا.
فأقام مدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الوحي ثم رجع إلى قومه ولم يقدر له الاسلام ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الاسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه وكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجران بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين وكتب المغيرة بن شعبة (1).
وذكر محمد بن إسحاق: أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم: وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الاتهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء الاربعة عشر يؤل إلى ثلاثة منهم وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون
إلا عن رأيه والسيد وكان ثمالهم وصاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وخيرهم وكان رجل من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل في دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن صده الشرف والجاه من اتباع الحق.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز بن علقمة.
قال: قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم والاربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدارستهم وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن
__________
(1) الخبر مطولا في دلائل النبوة للبيهقي - باب وفد نجران وشهادة الاساقفة لنبينا صلى الله عليه وآله ج 5 / 382 وما بعدها.
علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز: تعس الابعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم -.
فقال أبو حارثة: بل أنت تعست فقال له كرز ولم يا أخي فقال والله أنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز وما يمنعك وأنت تعلم هذا.
فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا واخدمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى قال فاضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك.
وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر من سورة آل عمران والمباهلة فأبوا ذلك وسألوا أن يرسل معهم أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح كما تقدم في رواية البخاري وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة.
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل واربد بن مقيس قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن
مقيس بن جزء بن جعفر (1) بن خالد وجبار (2) بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.
وقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا أبا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم.
قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فانا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ؟ ثم قال لاربد: إن قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني قال: " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " قال: يا محمد خالني، قال: وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شئيا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالني، قال " لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له " فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اكفني عامر بن الطفيل " فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل لاربد: أين ما كنت أمرتك به ؟ والله ما كان على ظهر الارض رجل أخوف على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا.
قال: لا أبالك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف ؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول ؟
__________
(1) في ابن هشام: ابن خالد بن جعفر.
(2) في رواية البيهقي عن ابن اسحاق: حيان بن مسلم بن مالك.
قال ابن هشام: ويقال أغدة كغدة الابل وموت في بيت سلولية (1).
وروى الحافظ البيهقي: من طريق الزبير بن بكار، حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤمل عن أبيها عن جدها مؤمل بن جميل (2) قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له " يا عامر أسلم " فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر: قال: " لا " ثم قال: أسلم، فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر،
قال: لا فولى وهو يقول: والله يا محمد لاملانها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولاربطن بكل نخلة فرسا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامرا واهد قومه.
فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها: سلولية فنزل عن فرسه، ونام في بيتها، فأخذته عدة في حلقه، فوثب على فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجول، وهو يقول غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا (3).
وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بني عامر بن صعصعة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة فأسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
قال الزبير بن بكار: حدثتني ظميا بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن جميل بن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت: حدثني أبي عن أبيه عن موءلة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح يمينه وساق إبله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقها بنت لبون ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته.
قلت والظاهر أن قصة عامر بن لطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي: عن الحاكم عن الاصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الاوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم.
قال الاوزاعي قال يحيى: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت، وابعث عليه ما يقتله فبعث الله عليه الطاعون.
وروي عن همام عن إسحاق بن عبد الله عن أنس في قصة ابن
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 213، ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 318.
(2) من الدلائل، وفي الاصل: عبد العزيز بن موءلة عن أبيها عن جدها موءلة، وفي القاموس: موءلة بن كثيف بن حمل، وفي الاصابة: ابن حميل.
(3) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 320.
ملحان قال: وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ويكون لي أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال: فطعن في بيت امرأة، فقال: غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه (1).
قال ابن إسحاق ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم: فقالوا وما وراءك يا أربد ؟ قال لا شئ: والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت لو أنه عندي الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه (2) فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.
قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه فقال لبيد يبكي أربد: ما أن تعدي (3) المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والاسد فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد حلو أريب وفي حلاوته * مر لصيق الاحشاء والكبد وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد (4) وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد أشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسى الجياد كالقدد (5)
الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الابكار بالجرد فجعني البرق والصواعق بالفا * رس يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد (6) يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد كل بني حرة مصيرهم * قل وإن كثروا من العدد
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 320 وأخرج الجزء الثاني منه البخاري عن همام في كتاب المغازي (28) باب غزوة الرجيع، الحديث (4091) فتح الباري (7 / 385).
(2) في ابن هشام: يتبعه.
(3) من ابن هشام: تعدى أي تترك.
وفي الاصل تعزي، وفي المطبوعة تعري (4) العضد: الشجر ذهبت الريح بأوراقه.
(5) القدد: جمع قدة وهي السير يقطع من الجلد يشبه به الخيل بالسير في النحول والضعف.
(6) الحارب: السالب، والحريب: المسلوب.
والنكيب: المنكوب المصاب.
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما فهم للهلاك والنفد وقد روى ابن إسحاق: عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه والله الموفق للصواب.
قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال فأنزل الله عز وجل في عامر وأربد * (الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) * [ الرعد: 8 ] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى * (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال هو الذى يريكم البرق خوفا وطعما وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها
من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) * [ سورة الرعد: 11 ].
قلت وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد ولله الحمد والمنة، وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام رحمه الله فروينا من طريق الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قا ؟ ؟ المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ".
قال عامر: أتجعل لي الامر إن أسلمت من بعدك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل ".
قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، أجعل لي الوبر ولك المدر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا " فلما قفل (1) من عنده، قال عامر أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يمنعك الله " فلما خرج أربد وعامر قال عامر: يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد افعل.
فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فخليا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه، وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطيع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحرة، حرة واقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدوا الله لعنكما الله، فقال عامر من هذا
__________
(1) من سيرة ابن كثير، وفي الاصل: قفا
يا سعد ؟ قال أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة
فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه بالليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب (1) أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا فأنزل الله فيهما * (الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد) * إلى قوله * (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) * يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وما قتله به فقال * (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) * الآية، وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم من قصة عامر وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه والله أعلم.
وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسي رضي عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وإسلامه وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه وبسطنا ذلك هنالك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كما صنع البيهقي وغيره.
قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا [ عن قومه بني سعد بن بكر ] (2) قال ابن إسحاق حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب عن ابن عباس.
قال: بعث بنو سعيد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخله المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه.
فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا ابن عبد المطلب " فقال: يا محمد قال: نعم.
قال: يا بن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك.
قال " لا أجد في نفسي فسل عما بدالك " فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: " اللهم نهم ! " قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وان نخلع هذه الانداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟ قال: اللهم نعم ! قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس.
قال " نعم ! " قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الاسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما
ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره راجعا.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم أن قال: بئست اللات
__________
(1) يرغب: يكره.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل: وافدا على قومه.
والعزى.
فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون.
فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه.
واني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه.
قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
قال: يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (1).
وهكذا رواه الامام أحمد: عن يعقوب بن ابراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره، وقد روى هذا الحديث أبو داود: من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح لان العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح.
وقد قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس.
قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا غديرتين وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأغلظ في المسألة سأله عمن أرسله وبما أرسله ؟ عن شرائع الاسلام فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الانداد فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما وبنو المساجد وأذنوا بالصلاة (2).
وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت، عن أنس بن مالك.
قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: صدق ! قال: فمن خلق السموات ؟ قال: الله، قال: فمن خلق الارض ؟ قال: الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال: الله.
قال: فبالذي خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك ؟ قال: نعم ! قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ! قال وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: صدق.
قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ! قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ! قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا.
قال: صدق، قال: ثم ولى فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص عليهن شيئا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن صدق ليدخلن الجنة ".
وهذا
__________
(1) الخبر رواه ابن هشام في السيرة ج 4 / 219 - 220 ورواه الامام أحمد، والترمذي والنسائي عن ثابت عن أنس، والبخاري ومسلم.
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن شريك عن أنس.
(2) انظر الخبر في طبقات ابن سعد عن الواقدي ج 1 / 299.
الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه وأخرجه من وجه آخر بنحوه.
فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال.
أيكم محمد ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، قال: فقلنا: هذا الرجل الابيض
المتكئ.
فقال الرجل: يا بن عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجبتك فقال الرجل: يا محمد إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل ما بدا لك.
فقال الرجل: أسألك بربك ورب من كان قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم نعم ! " قال فأنشدك الله.
آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم نعم " [ قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: " اللهم نعم ! ] (1) قال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
وقد رواه البخاري: عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري به وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به.
والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث قال: حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا.
فصل وقد قدمنا ما رواه الامام أحمد: عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وإسلامه وإسلام قومه كما ذكرنا مبسوطا بما أغنى عن إعادته ها هنا ولله الحمد والمنة.
وفد طئ مع زيد الخيل رضي الله عنه [ وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب، أبو مكنف الطائي، وكان من أحسن العرب وأطوله
__________
(1) ما بين معكوفتين سقط من نسخ البداية المطبوعة.
رجلا.
سمي زيد الخيل لخمس أفراس كن له (1).
قال السهيلي: ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها ] (2).
قال ابن اسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طئ وفيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، فأسملوا فحسن إسلامهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما " حدثني من لا أتهم من رجال طئ، ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ الذي فيه ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه، وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه قال " وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى، وغير أم ملدم - لم يثبته - قال فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها ولما أحس بالموت قال: أمر تحل قومي المشارق غدوة * واترك في بيت بفردة منجد الارب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد (3) قال: ولما مات عمدت امرأته بجلهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار.
قلت: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد: أن علي بن أبي طالب بعث.
رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في تربتها فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والاقرع بن حابس، وعتبة بن بدر الحديث.
وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن إن شاء الله تعالى.
قصة عدي بن حاتم الطائي قال البخاري: في الصحيح وفد طئ وحديث عدي بن حاتم: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن عدي بن حاتم.
قال: أتينا عمر ابن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ نكروا.
فقال
__________
(1) قال صاحب الاغاني منها: الهطال، والكميت، والورد، وكامل، ودؤول، ولاحق (16 / 49 ساسي).
(2) ما بين معكوفتين سقط من نسخ البداية المطبوعة.
(3) كذا في الاصول وابن هشام، وفي كتاب شعراء اسلاميون ذكر: أمر تحل صحبي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد سقى الله ما بين القفيل فطابة * فما دون أرمام فما فوق منشد هنالك لو أني مرضت لعادني * عوائد من لم يشف منهن مجهد فليت اللواتي عدنني لم يعدنني * وليت اللواتي غبن عني عودي
عدي: لا أبالي إذا (1)، وقال ابن إسحاق: وأما عدي بن حاتم فكان يقول، فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني، أما أنا فكنت أمرءا شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع (2) وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لابلي: لا أبالك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن.
فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد.
قال: قلت.
فقرب إلي أجمالي فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الحوشية (3) وخلفت بنتا (4) لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيبت ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طئ وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام.
قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة.
فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد: فامنن علي من الله عليك.
قال: ومن وافدك ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله: قالت: ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالامس، قالت حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلميه.
قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد
وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك.
فقال صلى الله عليه وسلم قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك كم يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني، فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن كلميه فقيل لي: علي بن أبي طالب قالت: فقمت حتى قدم من بلي أو قضاعة قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام، فجئت فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ.
قالت: فكساني وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا قال: فقلت: ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت علي انتحلت (5) تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك ؟ قال قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرأ فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت قال: ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها: وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل، قالت
__________
(1) أخرجه البخاري في المغازي (76) باب، الحديث 4394 فتح الباري (8 / 102).
(2) بالمرباع: أي آخذ ربع الغنائم، لاني سيدهم.
(3) الحوشية: جبل للضباب قرب صرية، من أرض نجد، بينها وبين الشام.
(4) بنت حاتم هي سفانة كما رجحه السهيلي.
إذ لم يعرف له غيرها.
(5) في الاصل: استحلت، وأثبتنا: انسحلت - من ابن هشام - أي جرت بالكلام.
أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت.
قال: قلت والله إن هذا الرأي قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه.
فقال: من الرجل ؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال: قلت في نفسي والله ما هذا بملك.
قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال " اجلس على هذه " قال قلت: بل أنت فاجلس عليها.
قال " بل أنت " فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالارض، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال " إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا (1) " قال قلت: بلى ! قال: " أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع " قال: قلت: بلى ! قال " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " قال قلت: أجل ! والله.
قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال " لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ".
قال: فأسلمت، قال: فكان عدي يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه (2).
هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر.
فقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم.
قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب (3) فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له.
قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك.
فقال: ومن وافدك ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الذي فر من الله ورسوله ؟ قالت: فمن علي فلما رجع ورجل إلى جنبه - ترى أنه علي - قال سليه حملانا، قال فسألته فأمر لها عدي: فأتتني فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت إيته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه.
قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر.
فقال
__________
(1) الركوسي: من الركوسية وهم قوم دينهم بين دين النصارى والصابئين.
(2) سيرة ابن هشام ج 4 / 225 - 227.
(3) عقرب هكذا بالاصل، ولعل الصواب عقرباء، وهي اسم مدينة الجولان وهي كورة بدمشق.
له: يا عدي بن حاتم ما أفرك ؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله، ما أفرك ؟ أفرك أن يقال الله أكبر فهل شئ هو أكبر من الله عز وجل، فأسلمت فرأيت وجهه استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى.
قال: ثم سألوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ أمرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة.
قال شعبة - وأكثر علمي أنه قال: بتمرة، بشق تمرة - وإن أحدكم لاقى الله فقائل، ما أقول ألم أجعلك سميعا بصيرا ألم أجعل لك مالا وولدا فماذا قدمت: فينظر من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا، فما يتقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فان لم تجدوه فبكلمة لينة، إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يخاف السرق على ظعينتها (1).
وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس كلاهما عن سماك ثم قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك.
وقال الامام أحمد.
أيضا حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل.
قال قلت لعدي بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك قال: نعم ! لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية حتى قدمت على قيصر - قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه قال قلت: والله لو أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبا لم يضرني وإن كان صادقا علمت، قال: فقدمت فأتيته فلما قدمت قال الناس عدي بن حاتم ؟ فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثا قال قلت: إني على دين.
قال أنا أعلم بدينك منك فقلت أنت تعلم بديني مني ؟ قال: نعم ! ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك ؟ قلت: بلى ! قال هذا لا يحل لك في دينك قال: نعم ! فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال: أما أني أعلم الذي يمنعك من الاسلام تقول إنما اتبعه
ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الامر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال قلت: كنوز ابن هرمز ؟ قال: نعم ! كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد.
قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة [ تخرج ] (2) ! من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها.
ثم قال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة
__________
(1) أخرجه الامام أحمد مطولا في مسنده (4 / 378 - 379)، والترمذي في تفسير سورة الفاتحة الحديث (2953).
(2) من المسند.
عن رجل.
وقال حماد وهشام عن محمد بن أبي عبيدة ولم يذكر عن رجل.
قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته فقال: نعم ! فذكر الحديث.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عمرو الاديب، أنبأنا أبو بكر الاسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا اسرائيل، أنبأنا سعد الطائي أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم.
قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل.
قال: يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة ؟ قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عز وجل.
قال قلت في نفسي: فإن ذعار طيئ - الذين سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة ليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبين ترجمان، فينظر عن
يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله قلا يرى إلا جهنم.
قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة " قال عدي: فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم (1).
وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل به بطوله.
وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر، عن سعد أبي مجاهد الطائي، عن محل بن خليفة عن عدي به.
ورواه الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة عن سعد أبي مجاهد الطائي به.
وممن روى هذه القصة عن عدي: عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه.
وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها (2).
وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة.
وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبي اسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي بن حاتم.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " ولفظ مسلم " من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل " طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم.
وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر (3) محمد بن عبد الله بن يوسف، ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي، ثنا ضرار بن صرد، ثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي.
قال: قال علي بن أبي طالب: يا سبحان الله ! ما أزهد كثيرا من الناس خير، عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 343 - 344.
والبخاري في كتاب المناقب (25) باب، الحديث (3595) (2) نقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 345.
(3) في الاصل: أبو بكر بن محمد تحريف، وأثبتنا ما ورد في الدلائل.
أن يسارع في مكارم الاخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح، فقام إليه رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم ! وما هو خير منه: لما أتي بسبايا طيئ وقفت
جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شماء الانف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين مصقولة المتنين.
قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها [ لما رأيت ] (1) من فصاحتها.
فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق والله يحب مكارم الاخلاق.
فقام أبو بردة بن نيار.
فقال: يا رسول الله تحب مكارم الاخلاق (2) فقال رسول الله " والذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق ".
هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج.
وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيئ أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والاحسان إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالايمان (3) وهو ممن لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدي بن حاتم وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لاحدهما الرسوب والآخر المخذم كان الحارث بن أبي سمر (4) قد نذرهما لذلك الصنم.
قال البخاري رحمه الله: قصة دوس والطفيل بن عمرو حدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن ابن ذكوان - هو عبد الله بن زياد (5) - عن عبد الرحمن الاعرج، عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن دوسا قد هلكت، وعصت وأبت فادع الله عليهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهد دوسا وأت
__________
(1) من الدلائل.
(2) كذا في الاصل، وفي الدلائل: يا رسول الله ! الله يحب مكارم الاخلاق ؟.
(3) معذوق: أي معلق.
(4) كذا في الاصل، وفي تاريخ الطبري 3 / 148: نقلا عن الواقدي: ابن أبي شمر.
(5) قال ابن حجر في الفتح: هو عبد الله أبو الزناد.
بهم ".
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
ثم قال: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل، عن قيس عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت وأبق لي غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، هذا غلامك.
هو حر لوجه الله عز وجل فأعتقته (1).
انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم وهذا الذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو فقد كان قبل الهجرة ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح لان دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة وكان قدوم أبي هريرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه.
قال البخاري رحمه الله: قدوم الاشعريين وأهل اليمن ثم روى من حديث شعبة، عن سليمان بن مهران الاعمش، عن ذكوان أبي صالح السمان، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الابل، والسكينة والوقار في أهل الغنم " ورواه مسلم من حديث شعبة.
ثم رواه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال " أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق
أفئدة.
الفقه يمان، والحكمة يمانية ".
ثم روى عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور عن أبي الغيث (2) عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان يمان، والفتنة ها هنا، ها هنا يطلع قرن الشيطان " ورواه مسلم عن شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
ثم روى البخاري من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الابل، من حديث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر " وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو.
ثم روى من حديث سفيان الثوري، عن أبي صخرة جامع بن شداد، ثنا صفوان بن محرز عن عمران بن حصين.
قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ابشروا يا بني تميم " فقالوا: أما إذ
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (75) باب، الحديث (4392) و (4393).
(2) في نسخ البداية المطبوعة: أبو المغيث، وفي البخاري أبو الغيث واسمه سالم.
بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ناس من أهل اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قبلنا يا رسول الله (1) وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بني تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الاشعريين بل الاشعريين متقدم وفدهم على هذا فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الاشعري في صحبة جعفر بن أبي طالب، وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كما قدمناه مبسوطا في موضعه، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " والله ما أدري بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر " والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال البخاري (2): قصة عمان والبحرين حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان سمع محمد بن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول: قال
لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " ثلاثا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى: من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني.
قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا " قال: فأعرض عني قال جابر فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ثم أتيته فلم يعطني ثم أتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له: قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، فأما أن تعطني وإما أن تبخل عني.
قال: قلت تبخل عني ؟ قال: وأي داء أدوأ من البخل ؟ قالها ثلاثا ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك وهكذا رواه البخاري ها هنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة به ثم قال البخاري بعده: وعن عمرو عن محمد بن علي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: جئته فقال لي أبو بكر: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة، فقال: خذ مثلها مرتين.
وقد رواه البخاري أيضا عن علي بن المديني، عن سفيان هو ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر، عن جابر كروايته له عن قتيبة ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر عن سفيان بن عيينة عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر بنحوه.
وفي رواية أخرى له: أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدها فإذا هي خمسمائة فأضعفها له مرتين يعني فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم.
__________
(1) الاحاديث رواها البخاري في كتاب المغازي (74) باب قدوم الاشعريين وأهل اليمن الاحاديث من (4386 - 4390) ومسلم في كتاب الايمان (21) باب الحديث (89) عن أبي اليمان، عن شعيب عن الزهري.
(2) في كتاب المغازي (73) باب قصة عمان والبحرين.
وفود فروة بن مسيك المرادي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادي (1) مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام أصابت همدان من قومه حتى
أثخنوهم وكان ذلك في يوم يقال له الردم وكان الذي قاد همدان إليهم الاجدع بن مالك قال ابن هشام ويقال مالك بن خريم الهمداني.
قال ابن إسحاق فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم: مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا (2) فإن نغلب فغلابون قدما * وان نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكز صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر * فألفى في الاولى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خؤنا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا قال ابن إسحاق ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا ملوك كندة قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضلها وحسن ثرائها (3) قال: فلما انتهى فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم.
فقال: يا رسول الله من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا " واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
__________
(1) انظر ترجمته في الاصابة وأسد الغابة 4 / 180.
وراجع خبر قدومه إلى النبي صلى الله عليه وآله في طبقات ابن سعد (1 / 328) وسيرة ابن هشام 4 / 228 وعيون الاثر 2 / 305 ونهاية الارب 2 / 239 ودلائل البيهقي 5 / 368.
(2) لفات: من ديار مراد، ولفات: بالكسر: موضع بين مكة والمدينة (معجم ما استعجم).
(3) قال أبو عبيدة: أرجو فواضله وحسن ثنائها.
وفي الاغاني: وحسن ثراها.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 228، ونقله عنه البيهقي في الدلائل ج 5 / 368.
قدوم عمر بن معد يكرب في أناس من زبيد قال إبن إسحاق: وقد كان عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال (1) إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال: خالفني وترك امري ورأيي.
فقال عمرو بن معدي كرب في ذلك: أمرتك يوم ذي صن * - عاء أمرا باديا رشده (2) أمرتك باتقاء الله وال * - معروف تتعده خرجت من المنى مثل ال * - حمير غره وتده تمناني على فرس * عليه جالسا أسده علي مفاضة كالن * - نهي أخلص ماءه جدده ترد الرمح منثنى ال * - سنان عوائرا قصده (3) فلو لاقيتني للقي * - ت ليثا فوقه لبده تلاقى شنبثا شثن ال * - براثن ناشزا كتده (4) يسامي القرن إن قرن * تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه * فيخمضه فيزدرده
ظلوم الشرك فيما أح * - رزت أنيابه ويده قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد، وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أرتد عمرو بن معدي كرب فيمن ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال: وجدنا ملك فروه شر ملك * حمار ساف منخره بثفر (5)
__________
(1) في ابن هشام: يقول.
(2) ذو صنعاء: اسم موضع.
(3) عوائر: متطايرة.
والقصد جمع قصدة وهي ما تكسر من الرمح.
(4) الشنبث: الاسد.
الشثن: الغليظ الاصابع.
(5) ساف: شم.
والثفر: في الحيوان بمنزلة الرحم من الانسان.
وكنت إذا رأيت أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر قلت: ثم رجعت إلى الاسلام وحسن إسلامه وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين توفي سنة إحدى وعشرين بعدما شهد فتح نهاوند وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ قال أبو عمر بن عبد البر وكان وفوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي.
قلت: وفي كلام الشافعي ما يدل عليه.
فالله أعلم.
قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معدي كرب لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال في ذلك: إنني بالنبي موقنة نف * سي وإن لم أر النبي عيانا سيد العالمين طرا وأدنا * هم إلى الله حين بان مكانا جاء بالناموس من لدن الله و * كان الامين فيه المعانا حكمة بعد حكمه وضياء * فاهتدينا بنورها من عمانا
وركبنا السبيل حين ركب * - ناه جديدا بكرهنا ورضانا وعبدنا الاله حقا وكنا * للجهالات نعبد الاوثانا وائتلفنا به وكنا عدوا * فرجعنا به معنا إخوانا فعليه السلام والسلام منا * حيث كنا من البلاد وكانا إن نكن لم نر النبي فإنا * قد تبعنا سبيله إيمانا قدوم الاشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن اسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس، في وفد كندة فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ألم تسلموا ؟ قالوا: بلى ! قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال: فشقوه منها فألقوه.
ثم قال له الاشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنوا آكل المرار وأنت ابن آكل المرار، قال، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وكانا تاجرين إذا شاعا (1) في العرب فسئلا ممن أنتما ؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يعني ينسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد لان كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة نحن بنو آكل المرار وهو الحارث بن عمرو (2) بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن
__________
(1) وفي رواية البيهقي عنه: إذا سارا.
(2) في ابن هشام: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية...
معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.
" لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا (1) أمنا ولا ننتفي من أبينا ".
فقال لهم الاشعث بن قيس والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.
وقد روي هذا الحديث متصلا من وجه آخر فقال الامام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، حدثني عقيل بن طلحة وقال عفان في حديثه أنبأنا عقيل بن
طلحة السلمي: عن مسلم بن هيضم، عن الاشعث بن قيس أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة - قال عفان - لا يروني أفضلهم، قال قلت يا رسول الله: أنا ابن عم إنكم منا.
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة لا نفقوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ".
قال وقال الاشعث: فوالله لا أسمع أحد نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد (2).
وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى عن سليمان بن حرب.
وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الاشعث بن قيس.
قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لي: هل لك من ولد ؟ قلت غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع القوم.
قال: لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك أنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة.
تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الاسناد (3).
قدوم أعشى بن مازن على النبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن الامام أحمد: حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي، حدثني أبي أمين عن أبيه ذروة عن أبيه نضلة: أن رجلا منهم يقال له الاعشى، واسمه عبد الله الاعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، خرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا فعادت برجل منهم يقال له مطرف بن نهشل (4) بن كعب بن قميثع (5) بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها
__________
(1) لا نقفوا أمنا: لا نتبع في نسبنا أمنا.
وقد كان من جدات النبي صلى الله عليه وآله من هي من كندة، قيل هي دعد بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث الكندي، وهي أم كلاب بن مرة، وقيل بل هي جدة كلاب، أم أمه هند (قاله السهيلي).
(2) رواه البيهقي في الدلائل من طريق اسماعيل بن حرب وحجاج ج 5 / 371.
وفي مسند الامام أحمد ج
5 / 211، 212.
(3) مسند الامام أحمد ج 5 / 211، 212.
(4) في المسند: مطرف بن بهصل..وفي الاصابة: مطرف بن بهصلة.
(5) في المسند: قميشع وفي الاصابة: قشع.
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق