حمل القران الكريم وورد وبي دي اف.

حمل القرآن الكريم وورد وPDF.

--------------------------- ------------------------------------------------

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

ج53.. وج54.وج55.{{ .كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي }}



ج53.ج54.وج55 آخر الكتاب 
 
ملف:البداية والنهاية دار ابن كثير.jpg - ويكيبيديا  

53.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي 
 
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 * جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين  

طلب أولئك التتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى رجلين، لا جمع لله بهم شملا وا ؟ بهم مرحبا ولا أهلا.
آمين يا رب العالمين.
صفة خروج المهدى الضال بأرض جبلة وفي هذه السنة خرجت النصيرية (1) عن الطاعة وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعي علي بن أبي طالب فاطر السموات والارض، تعالى الله عما ؟ يقولون علوا كبيرا.
وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف، وبلادا كثيرة ونيابات، وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلو خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان.
وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد واإسلاماه، واسلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله عزوجل، فجمع هذا الضال تلك الاموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين.
وقال لهم لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها.
ونادى في تلك البلاد إن المقاسمة بالعشر لا غير ليرغب فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لم أسروه من المسلمين: قل لا إله إلا علي، واسجد لآلهك المهدي، الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك.
ويكتب لك فرمان، وتجهزوا وعملوا أمرا عظيما جدا، فجردت إليهم العساكر فهزموهم وقتلو منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا، وقتل المهدي أضلهم وهو يكون يوم القيامة مقدمهم إلى عذاب
السعير، كما قال تعالى (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير.
ذلك بما قدمت يداك) الآية [ الحج 3 - 7 ].
وفيها حج الامير حسام الدين مهنا وولده سليمان في ستة آلاف، وأخوه محمد بن عيسى في أربعة آلاف، ولم يجتمع منها بأحد من المصريين ولا الشاميين، وقد كان في المصريين قجليس وغيره والله أعلم.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله المنتزه، كان فاضلا، وكتب حسنا، نسخ التنبيه
__________
(1) النصيرية: فرقة ينسبون إلى نصير غلام علي بن أبي طالب (رض) وهم يعتقدون بألوهيته (صبح الاعشى 13 / 249).

والعمدة وغير ذلك، وكان الناس ينتفعون به ويقابلون عليه ذلك ويصححون عليه، ويجلسون إليه عند صندوق كان له في الجامع، توفي ليلة الاثنين سادس محرم ودفن بالصوفية، وقد صححت عليه في العمدة وغيره.
الشيخ شهاب الدين الرومي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن المراغي، درس بالمعينية (1)، وأم بمحراب الحنفية بمقصورتهم الغربية إذ كان محرابهم هناك، وتولى مشيخة الخاتونية (2)، وكان يؤم بنائب السلطان الافرم، وكان يقرأ حسنا بصوت ملح، وكانت له مكانة عنده، وربما راح إليه الافرم ماشيا حتى يدخل عليه زاويته التي أنشأها بالشرق الشمالي على الميدان الكبير، ولما توفي بالمحرم ودفن بالصوفية قام ولداه عماد الدين وشرف الدين بوظائفه.
الشيخ الصالح العدل
قمر الدين عثمان بن أبي الوفا بن نعمة الله الاعزازي، كان ذاثروة من المال كثير المرؤة والبلاوة أدى الامانة في ستين ألف دينار وجواهر لا يعلم بها إلا الله عزوجل، بعد ما مات صاحبها مجردا في الغزاة وهو عز الدين الجراحي نائب غزة، أودعه إياها فأداها إلى أهلها أثابه الله، ولهذا لما مات يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر حضر جنازته خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، حتى قيل إنهم لم يجتمعوا في مثلها قبل ذلك، ودفن بباب الصغير رحمه الله.
قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن يوسف (3) الزواوي قاضي المالكية بدمشق، من سنة سبع وثمانين وستمائة، قدم مصر من المغرب واشتغل بها وأخذ عن مشايخها منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم قدم دمشق قاضيا في سنة سبع وثمانين وستمائة، وكان مولده تقريبا في سنة تسع وعشرين وستمائة (4).
وأقام شعار مذهب مالك وعمر الصمصامية في أيامه وجدد
__________
(1) المدرسة المعينية: بدمشق أنشأها معين الدين أنر سنة 555 ه (الدارس 1 / 588).
__________
(2) وهي الخانقاه الخاتونية: منسوبة إلى خاتون بنت معين الدين أنر، زوجة نور الدين محمود، والمتوفاة سنة 581 ه (الدارس 507 1 و 2 / 149).
__________
(3) في تذكرة النبيه 2 / 82: سومر.
__________
(4) ذكر النويري في نهاية الارب 30 ورقة 114 انه ولد سنة 626 ه وذكر ابن حبيب في تذكرته 2 / 83 ولادته سنة 630 ه.

عمارة النورية، وحدث بصحيح مسلم وموطا مالك عن يحيى بن يحيى عن مالك، وكتاب الشفا (1) للقاضي عياض، وعزل قبل وفاته بعشرين يوما عن القضاء، وهذا من خيره حيث لم يمت قاضيا، توفي بالمدرسة الصمصامية يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة، وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج (2) وحضر الناس جنازته وأثنوا عليه خيرا، وقد جاوز الثمانين كمالك رحمه الله.
ولم يبلغ إلى سبعة عشر من عمره على مقتضى مذهبه أيضا.
القاضي الصدر الرئيس رئيس الكتاب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن جمال الدين فضل الله بن الحلي (3) القرشي العدوي العمري، ولد سنة تسع (4) وعشرين وستمائة وسمع الحديث وخدم وارتفعت منزلته حتى كتب الانشاء بمصر، ثم نقل إلى كتابة السر بدمشق إن أن توفي في ثامن رمضان، ودفن بقاسيون، وقد قارب التسعين (5)، وهو ممتع بحواسه وقواه، وكانت له عقيدة حسنة في العلماء، ولا سيما في ابن تيمية وفي الصلحاء رحمه الله.
وقد رثاه الشهاب محمود كاتب السر بعد بدمشق، وعلاء الدين بن غانم وجمال الدين بن نابتة.
الفقيه الامام العالم المناظر شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن الامام كمال الدين علي بن إسحاق بن سلام الدمشقي الشافعي ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، واشتغل وبرع وحصل ودرس بالجاروخية (6) والعذراوية، وأعاد بالظاهرية وأفتى بدار العدل، وكان واسع الصدر كثير الهمة كريم النفس مشكورا في فهمه وخطه وحفظه وفصاحته ومناظرته، توفي في رابع عشرين رمضان وترك أولادا ودينا كثيرا، فوفته عنه زوجته بنت زويزان تقبل الله منها وأحسن إليها.
الصاحب أنيس الملوك بدر الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الاربلي، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة، واشتغل
__________
(1) وهو كتاب الشفا في تعريف حقوق المصطفى، للامام الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض القاضي اليحصبي المتوفى سنة 544 ه (كشف الظنون 2 / 1052 وشذرات الذهب 4 / 138).
__________
(2) في الاصل: التاريخ تحريف.
__________
(3) في شذرات الذهب 6 / 46 وتذكرة النبيه 2 / 83: مجلى وانظر الدرر 3 / 42 وفوات الوفيات 2 / 421.
__________
(4) في فوات الوفيات 2 / 421: ثلاث وعشرين (انظر تذكرة النبيه 2 / 83).
__________
(5) في تذكرة النبيه 2 / 421: أربع وتسعين (السلوك 2 / 179 الدرر الكامنة 3 / 42).
__________
(6) في الاصل الجاروضية: وتقدمت الاشارة إليها.

بالادب فحصل على جانب جيد منه وارتزق عند الملوك به.
فمن رفيق شعره ما أورده الشيخ علم الدين في ترجمته قوله: ومدامة حمراء (1) تش * به خد من أهوى ودمعي يسعى بها قمر أعز * ز علي من نظري وسمعي وقوله في مغنية: وعزيزة هيفاء ناعمة الصبا * طوع العناق مريضة الاجفان (2) غنت وماس قوامها فكأنها ال * ورقاء تسجع فوق غصن البان الصدر الرئيس شرف الدين محمد بن جمال الدين إبراهيم ابن شرف الدين عبد الرحمن بن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين الحسن بن هبة الله ابن محفوظ بن صصرى، ذهب إلى الحجاز الشريف، فلما كانوا ببردى اعتراه مرض ولم يزل به حتى مات، توفي بمكة وهو محرم ملب، فشهد الناس جنازته وغبطوه بهذه الموتة، وكانت وفاته يوم الجمعة آخر النهار السابع ذي الحجة ودفن ضحى يوم السبت بمقبرة بباب الحجون رحمه الله تعالى وأكرم مثواه.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة الخليفة والسلطان هما هما، وكذلك النواب والقضاة سوى المالكي بدمشق فإنه العلامة فخر الدين بن سلامة بعد القاضي جمال الدين الزواوي رحمه الله.
ووصلت الاخبار في المحرم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق سنجار والموصل وماردين وتلك النواحي بغلاء عظميم وفناء شديد ؟، وقلة الامطار، وخوف التتار، وعدم الاقوات وغلاء الاسعار، وقلة النفقات، وزوال النعم، وحلول النقم، بحيث إنهم أكلوا ما وجدوه من الجمادات والحيوانات والميتات، وباعوا حتى أولادهم وأهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهما وأقل من ذلك، حتى إن كثيرا كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين، وكانت المرأة تصرح بأنها نصرانية ليشتري منها ولدها لتنتفع بثمنه ويحصل له من يطعمه
__________
(1) من تذكرة النبيه 2 / 88 ودرة الاسلاك ص 88 وفي الاصل: ومدامة خمر تشبه خد من * أهوى ودمعي يسقي بها قمر أعز علي من سمعي ومن بصري
__________
(2) في تذكرة النبيه: وغريرة هيفاء باهرة السنا طوع العناق مريضة الاجفان وفي الدرر 2 / 8: سقيمة الاجفان.

فيعيش، وتأمن عليه من الهلاك فإنالله وإنا إليه راجعون.
ووقعت أحوال صعبة يطول ذكرها، وتنبو الاسماع عن وصفها، وقد ترحلت منهم فرقة قريب الاربعمائة إلى ناحية مراغة فسقط عليهم ثلج أهلكهم عن آخرهم، وصحبت طائفة منهم فرقة من التتار، فلما انتهوا إلى عقبة صعدها التتار ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلفوا بهم فماتوا عن آخرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وفي بكرة الاثنين السابع من صفر قدم القاضي كريم الدين عبد الكريم بن العلم هبة الله وكيل الخاص السلطاني بالبلاد جميعها، قدم إلى دمشق فنزل بدار السعادة وأقام بها أربعة أيام وأمر ببناء جامع القبيبات، الذي يقال له جامع كريم الدين، وراح لزيارة بيت المقدس، وتصدق بصدقات كثيره وافرة، وشرع ببناء جامع بعد سفره، وفي ثاني صفر جاءت ريح شديدة ببلاد طرابلس على ذوق تركمان فأهلكت لهم كثيرا من الامتعة، وقتلت أميرا منه يقال له طرالي وزوجته وابنتيه وابني ابنيه وجاريته وأحد عشر نفسا، وقتلت جمالا كثيرة وغيرها، وكسرت الامتعة والاثاث وكانت ترفع البعير في الهواء مقدار عشرة أرماح ثم تلقيه مقطعا، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد وبرد عظيم بحيث أتلف زروعا كثيرة في قرى عديدة حنجو من أربعة وعشرين قرية، حتى أنها لا ترد بدارها.
وفي صفر أخرج الامير سيف الدين طغاي الحاصلي إلى نيابة صفد (1) فأقيم بها شهرين ثم مسك، والصاحب أمين الدين إلى نظر الاوقاف بطرابلس على معلوم وافر.
قال الشيخ
علم الدين وفي يوم الخميس منتصف ربيع الاول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم بالشيخ الامام العلامة تقي الدين بن تيمية وأشار عليه في ترك الافتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته وأجاب إلى ما أشار به، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتيين، ثم ورد البريد في مستهل جمادى الاولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الافتاء في مسألة الحلف بالطلاق وانعقد بذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونودي به في البلد، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتيين الكبار، وقالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الافتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشيخ نصيحته، وأنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر.
وفي عاشره جاء البريد إلى صفد (1) بمسك سيف الدين طغاي، وتولية بدر الدين القرماني نيابة حمص.
وفي هذا الشهر كان مقتل رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن عالي الهمداني، كان أصله يهوديا عطارا، فتقدم بالطب وشملته السعادة حتى كان عند خربندا الجزء الذي لا يتجزأ، وعلت رتبته وكلمته، وتولى مناصب الوزراء، وحصل له من الاموال والاملاك والسعادة ما لا يحد ولا يوصف وكان قد أظهر الاسلام، وكانت لديه فضائل جمة، وقد فسر القرآن وصنف كتبا كثيرة،
__________
(1) في الاصل: صفت.

وكان له أولاد وثروة عظيمة، وبلغ الثمانين من العمر، وكانت له يد جيدة يوم الرحبة، فإنه صانع عن المسلمين وأتقن القضيه في رجوع ملك التتار عن البلاد الشامية، سنة ثنتي عشرة كما تقدم، وكان يناصح الاسلام، ولكن قد نال منه خلق كثير من الناس واتهموه على الدين وتكلموا في تفسيره هذا، ولا شك أنه كان مخبطا مخلطا، وليس لديه علم نافع، ولا عمل صالح.
ولما تولى أبو سعيد المملكة عزله وبقي مدة خاملا ثم استدعاه جوبان وقال له: أنت سقيت السلطان خربندا سما ؟ فقال له: أنا كنت في غاية الحقارة والذلة، فصرت في أيامه وأيام أبيه في غاية العظمة والعزة، فكيف أعمد إلى سقيه والحالة هذه ؟ فأحضرت الاطباء فذكروا صورة
مرض خربندا وصفته، وأن الرشيد أشار بإسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل، فانطلق باطنه نحوا من سبعين مجلسا، فمات بذلك على وجه أنه أخطأ في الطب.
فقال: فأنت إذا قتلته، فقتله وولده إبراهيم واحتيط على حواصله وأمواله، فبلغت شيئا كثيرا، وقطعت أعضاؤه وحمل كل جزء منها إلى بلدة، ونودي على رأسه بتبريز هذا رأس اليهودي الذي بدل كلام الله لعنه الله، ثم أحترقت جثته، وكان القائم عليه علي شاه.
وفي هذا الشهر - أعني جمادى الاولى - تولى قضاء المالكية بمصر تقي الدين الاخنائي (1) عوضا عن زين الدين بن مخلوف توفي عن أربع وثمانين سنة (2)، وله في الحكم ثلاث وثلاثون سنة.
وفي يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الاوحد خلعة الامرة بمرسوم السلطان، وفي آخر رجب جاء سيل عظيم بظاهر حمص خرب شيئا كثيرا، وجاء إلى البلد ليدخلها فمنعه الخندق.
وفي شعبان تكامل بناء الجامع الذي عمره تنكز ظاهر باب النصر، وأقيمت الجمعة فيه عاشر شعبان، وخطب فيه الشيخ نجم الدين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالفقجازي، من مشاهير الفضلاء ذوي الفنون المتعددة، وحضر نائب السلطنة والقضاة والاعيان والقراء والمنشدون وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الجمعة التي يليها خطب بجامع القبيبات الذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان، وحضر فيه القضاة والاعيان، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الرزين الحراني الاسدي الحنبلي، وهو من الصالحين الكبار، ذوي الزهادة والعبادة والنسك والتوجه وطيب الصوت وحسن السمت.
وفي حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين بن النقيب إلى حمص حاكما بها مطلوبا مولى مرغوبا فيه، وخرج الناس لتوديعه.
__________
(1) هو تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة السعدي الاخنائي المالكي المتوفى سنة 750 ه وهو شقيق علم الدين محمد المتوفى سنة 732 ه (انظر النجوم الزاهرة 10 / 247 الدرر 4 / 27).
__________
(2) في السلوك 2 / 1 / 188 والنجوم الزاهرة 9 / 242: ولد سنة 620 فيكون له 98 سنة، وفي تذكر النبيه 2 / 93: مات وهو من أبناء التسعين.

وفي هذا الشهر حصل سيل عظيم بسلمية ومثله بالشوبك، وخرج المحمل في شوال وأمير الركب الامير علاء الدين بن معبد والي البر، وقاضيه زين الدين ابن قاضي الخليل الحاكم بحلب.
وممن حج في هذه السنة من الاعيان: الشيخ برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن الشريشي وولده وبدر الدين بن العطار.
وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة انتقل الامير فخر الدين إياس الاعسري من شد الدواوين بدمشق إلى طرابلس أميرا.
وفي يوم الجمعة السابع عشر ذي الحجة أقيمت الجمعة في الجامع الذي أنشأه الصاحب شمس الدين غبريال ناظر الدواوين بدمشق خارج باب شرقي، إلى جانب ضرار بن الازور بالقرب من محلة القساطلة، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن التدمري المعروف بالنيرباني، وهو من كبار الصالحين ذوي العبادة والزهادة، وهو من أصحاب شيخ الاسلام ابن تيمية، وحضره الصاحب المذكور وجماعة من القضاة والاعيان.
وفي يوم الاثنين والعشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين بن الشريشي توفي بطريق الحجاز في شوال، وقد كان له في مشيختها ثلاث وثلاثون سنة، وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة.
وفي يوم الثلاثاء صبيحة هذا الدرس أحضر الفقيه زين الدين بن عبيدان الحنبلي من بعلبك وحوقق على منام رآه زعم أنه راه بين النائم واليقظان، وفيه تخطيط وتخبيط وكلام كثير لا يصدر عن مستقيم المزاج، كان كتبه بخطه وبعثه لي بعض أصحابه، فاستسلمه القاضي الشافعي حقن دمه وعزره، ونودي عليه في البلد ومنع من الفتوى وعقود الانكحة، ثم أطلق.
وفي يوم الاربعاء بكرة باشر بدر الدين محمد بن بضحان مشيخة الاقراء يتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ مجد الدين التونسي توفي، وحضر عنده الاعيان الفضلاء، وقد حضرته يومئذ، وقبل ذلك باشر مشيخة الاقراء بالاشرفية عوضا عنه أيضا الشيخ محمد بن خروف الموصلي.
وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشرالشيخ الامام العلامة الحافظ الحجة شيخنا ومفيدنا أبو الحجاج يوسف بن الزكي
عبد الرحمن بن يوسف المزي مشيخة دار الحديث الاشرفية عوضا عن كمال الدين بن الشريشي، ولم يحضر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، ولا أحفظ منه، وما عليه منهم ؟ إذ لم يحضروا عنده فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم عنه أنس والله أعلم.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح العابد الناسك الورع الزاهد القدوة بقية السلف وقدوة الخلف أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي، ولد سنة خمسين

وستمائة ببالس (1)، وسمع من أصحاب ابن طبرزد، وكان شيخا جليلا بشوش الوجه حسن السمت، مقصدا لكل أحد كثير، الوقار عليه سيما العبادة والخير، وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الاسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟ وأبوك وجدك هلاكو كانا كافرين وما غزوا بلاد الاسلام، بل عاهدوا قومنا، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت.
قال: وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب، قام ابن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله عزوجل.
قال وقرب إلى الجماعة طعاما فأكلوا منه إلا ابن تيمية فقيل له ألا تأكل ؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه " اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الاسلام وأهله فأخذ له وزلزله ودمره وأقطع دبره " قال: وقازان يؤمن على دعائه، ويرفع يديه.
قال: فجعلنا
نجمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله.
قال: فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى وغيره: كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم.
قال: فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به والخواقين والامراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذي أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعه من التتر فشلحوهم عن آخرهم، هذا كلام أو نحوه، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد تقدم ذلك.
توفي الشيخ محمد بن قوام ليلة الاثنين الثاني والعشرين من صفر بالزاوية المعروفة بهم غربي الصالحية والناصرية والعادلية، وصلي عليه بها ودفن بها وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير، وكان من جملة الجمع الشيخ تقي بن تيمية، لانه كان يحبه كثيرا، ولم يكن للشيخ محمد مرتب على الدولة ولا غيرهم، ولا لزاويته مرتب ولا وقف، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل، وكان يزار، وكان لديه علم وفضائل جمة، وكان فهمه صحيحا، وكانت له معرفة تامة، وكان حسن العقيدة وطويته صحيحة محبا للحديث وآثار السلف، كثير التلاوة والجمعية على الله عزوجل، وقد صنف جزءا فيه أخبار جيدة، رحمه الله وبل ثراه بوابل الرحمة آمين.
__________
(1) بالس بلدة بالشام بين حلب والرقة (معجم البلدان).

الشيخ الصالح الاديب البارع الشاعر المجيد تقي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ أحمد بن تمام بن حسان البلي (1) ثم الصالحي الحنبلي، أخو الشيخ محمد بن تمام، وله سنة خمس وثلاثين وستمائة وسمع الحديث، وصحب الفضلاء، وكان حسن الشكل والخلق، طيب النفس مليح المجاورة والمجالسة، كثير المفاكهة، أقام مدة بالحجاز واجتمع بان سبعين وبالتقي الحوراني، وأخذ النحو عن ابن مالك وابنه بدر الدين وصحبه مدة، وقد صحبه الشهاب محمود مدة خمسين سنة، وكان يثني عليه بالزهد والفراغ
من الدنيا، توفي ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر ودفن بالسفح، وقد أورد الشيخ علم الدين البرزالي في ترجمته قطعة من شعره.
فمن ذلك قوله: أسكان المعاهد من فؤادي * لكم في خافق منه سكون أكرر فيكم أبدا حديثي * فيحلو والحديث له شجون وأنظمه عقيقا من دموعي * فتنشره المحاجر والجفون وأبتكر المعاني في هواكم * وفيكم كل قافية تهون وأسأل عنكم البكاء سرا * وسر هواكم سر مصون وأغتبق النسيم لان فيه * شمائل من معاطفكم تبين فكم لي في محبتكم غرام * وكم لي في الغرام بكم فنون ؟ قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم بن منعم بن خلف النويري المالكي الحاكم بالديار المصرية، سنة أربع وثلاثين وستمائة (2)، وسمع الحديث واشتغل وحصل، وولي الحكم بعد ابن شاش سنة خمس وثمانين، وطالت أيامه إلى هذا العام، وكان عزير المرؤة والاحتمال والاحسان إلى الفقهاء والشهود، ومن يقصده، توفي ليلة الاربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح المقطم بمصر، وتولي الحكم بعده بمصر تقي الدين الاخنائي المالكي.
الشيخ إبراهيم بن أبي العلاء المقري الصيب المشهور المعروف بابن شعلان، وكان رجلا جيدا في شهود المسمارية،
__________
(1) في الدرر وشذرات الذهب: التلي.
__________
(2) انظر حاشية 2 صفحة 100

ويقصد للختمات لصيت صوته، توفي يوم الجمعة وهو كهل ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن بسفح قاسيون.
الشيخ الامام العالم الزاهد أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن عبد الله بن أبي جعفر أحمد بن خلف بن إبراهيم بن أبي عيسى بن الحاج النجيبي القرطبي ثم الاشبيلي، ولد بإشبيلية سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وقد كان أهله بيت العلم والخطابة والقضاء بمدينة قرطبة، فلما أخذها الفرنج انتقلوا إلى إشبيلية وتمحقت أموالهم وكتبهم، وصادر ابن الاحمر جده القاضي بعشرين ألف دينار، ومات أبوه وجده في سنة إحدى وأربعين وستمائة، ونشأ يتيما ثم حج وأقبل إلى الشام فاستقام بدمشق من سنة أربع وثمانين، وسمع من ابن البخاري وغيره، وكتب بيده نحوا من مائة مجلد، إعانة لولديه أبي عمرو وأبي عبد الله على الاشتغال، ثم كانت وفاته بالمدرسة الصلاحية يوم الجمعة وقت الاذان ثامن عشر رجب، وصلي عليه بعد العصر ودفن عند القندلاوي، بباب الصغير بدمشق، وحضر جنازته خلق كثير.
الشيخ كمال الدين ابن الشريشي أحمد ابن الامام العلامة جمال الدين بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن محد بن سحمان البكري الوايلي الشريشي، كان أبوه مالكيا كما تقدم، واشتغل هو في مذهب الشافعي فبرع وحصل علوما كثيرة، وكان خبيرا بالكتابة مع ذلك، وسمع الحديث وكتب الطباق بنفسه، وأفتى ودرس وناظر وباشر بعدة مدارس ومناصب كبار، أول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس وثمانين وستمائة إلى أن توفي، وناب في الحكم عن ابن جماعة.
ثم ترك ذلك وولي وكالة بيت المال وقضاء العسكر ونظر الجامع مرات، ودرس بالشامية البرانية ودرس بالناصرية (1) عشرين سنة، ثم انتزعها من يده ابن جماعة وزين الدين الفارقي، فاستعادها منهما وباشر مشيخة الرباط الناصري بقاسيون مدة، ومشيخة دار الحديث الاشرفية ؟ ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما يولي من الجهات كلها، وقد عزم في هذه السنه على الحج فخرج بأهله فأدركته منيته بالحسا في سلخ شوال من هذه السنة، ودفن هناك رحمه الله، وتولى بعده الوكالة جمال الدين بن القلانسي، ودرس بالناصرية كمال الدين بن الشيرازي، وبدار الحديث الاشر فية
__________
(1) تطلق الناصرية بدمشق على دار الحديث الناصرية وهي المدرسة الناصرية البرانية، والمدرسة الناصرية الجوانية، وقد درس بها الشريشي، وأنشأ كلاهما الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين بن أيوب المتوفى سنة 659 ه (الدارس 1 / 115، 459).

الحافظ جمال الدين المزي، وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي، وبالرباط الناصري ولده جمال الدين.
الشهاب المقري أحمد بن أبي بكر بن أحمد البغدادي نقيب الاشراف المتعممين، كان عنده فضائل جمة نثرا ونظما مما يناسب الوقائع وما يحضر فيه من التهاني والتعازي، ويعرف الموسيقى والشعبذة، وضرب الرمل، ويحضر المجالس المشتملة على اللهو والمسكر واللعب والبسط، ثم انقطع عن ذلك كله لكبر سنه وهو مما يقال فيه وفي أمثاله: ذهبت عن توبته سائلا * وجدتها توبة إفلاس وكان مولده بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وتوفي ليلة السبت خامس ذي القعدة ودفن بمقابر باب الصغير في قبر أعده لنفسه عن خمس وثمانين سنة، سامحه الله.
قاضي القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدين أبي العباس أحمد بن سلامة (1) الاسكندري المالكي، ولد سنة إحدى وسبعين (2) وستمائة، وبرع في علوم كثيرة، وولي نيابة الحكم في الاسكندرية فحمدت سيرته وديانته وصرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشرها أحسن مباشرة ؟ سنة ونصفا، إلى أن توفي بالصمصامية بكرة الاربعاء مستهل ذي الحجة، ودفن إلى جانب القندلاوي بباب الصغير، وحضر جنازته خلق كثير، وشكره الناس وأثنوا عليه رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمائة
استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، وفي ليلة مستهل محرم هبت ريح شديدة بدمشق سقط بسببها شئ من الجدران، واقتلعت أشجارا كثيرة.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم خلع على جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال عوضا عن ابن الشريشي، وفي يوم الاربعاء الخامس من صفر درس بالناصرية الجوانية ابن صصرى عوضا عن ابن الشريشي أيضا، وحضر عنده الناس على العادة.
وفي عاشره باشر شد الدواوين جمال الدين آقوش الرحبي عوضا
__________
(1) من تذكرة النبيه 2 / 82، 92 وشذرات الذهب 6 / 47 والسلوك 2 / 182، وفي الاصل: سلام.
__________
(2) في السلوك 2 / 187: سنة 641 ه.

عن فخر الدين إياس، وكان آقوش متولي دمشق من سنة سبع وسبعمائة، وولي مكانه الامير علم الدين طرقش الساكن بالعقبية، وفي هذا اليوم نودي بالبلد بصوم الناس لاجل الخروج إلى الاستسقاء، وشرع في قراءة البخاري وتهيأ الناس ودعوا عقيب الصلوات وبعد الخطب، وابتهلوا إلى الله في الاستسقاء، فلما كان يوم السبت منتصف صفر، وكان سابع نيسان، خرج أهل البلد برمتهم إلى عند مسجد القدم، وخرج نائب السلطنة والامراء مشاة يبكون ويتضرعون، واجتمع الناس هنالك وكان مشهدا عظيما، وخطب بالناس القاضي صدر الدين سليمان الجعفري وأمن الناس على دعائه، فلما أصبح الناس من اليوم الثاني جاءهم الغيث بإذن الله ورحمته ورأفته لا بحولهم ولا بقوتهم، ففرح الناس فرحا شديدا وعم البلاد كلها ولله الحمد والمنة، وحده لا شريك له.
وفي أواخر الشهر شرعوا بإصلاح رخام الجامع وترميمه وحلي أبوابه وتحسين ما فيه.
وفي رابع عشر ربيع الآخر درس بالناصرية الجوانية ابن الشيرازي بتوقيع سلطاني، وأخذها من ابن صصرى وباشرها إلى أن مات.
وفي يوم الخميس سادس عشر جمادى الاولى باشر ابن شيخ السلامية فخر الدين أخو ناظر الجيش الحسبة بدمشق عوضا عن ابن الحداد، وباشر ابن الحداد نظر الجامع بدلا عن ابن الشيخ السلامية، وخلع على كل منهما.
وفي بكرة الثلاثاء خامس جمادى الآخره قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين
أبو عبد الله محمد إلى قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن الشيخ زكي الدين ظافر الهمداني المالكي، على قضاء المالكية بالشام، عوضا عن ابن سلامة توفي، وكان بينهما ستة أشهر، ولكن تقليد هذا مؤرخ بآخر ربيع الاول، ولبس الخلعة وقرئ تقليده بالجامع.
وفي هذا الشهر درس بالخاتونية البرانية القاضي بدر الدين بن نويرة الحنفي، وعمره خمس وعشرون سنة، عوضا عن القاضي شمس الدين محمد قاضي ملطية توفي.
وفي يوم السبت خامس رمضان وصل إلى دمشق سيل عظيم أتلف شيئا كبيرا، وارتفع حتى دخل باب الفرج، ووصل إلى العقبية، وانزعج الناس له، وانتقلوا من أماكنهم، ولم تطل مدته لان أصله كان مطرا وقع بأرض وابل السوق والحسينية.
وفي هذا اليوم باشر طرقشي شد الدواوين بعد موت جمال الدين الرحبي، وباشر ولاية المدينة صارم الدين الجوكندار، وخلع عليهما.
ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة وقرئ عليهم كتاب من السلطان يتضمن منع الشيخ تقي الدين بن تيمية من الفتيا بمسألة الطلاق، وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك.
وفي يوم الجمعة تاسع شوال خطب القاضي صدر الدين الداراني عوضا عن بدر الدين بن ناصر الدين بن عبد السلام، بجامع جراح، وكان فيه خطيبا قبله فتولاه بدر الدين حسن العقرباني واستمر ولده في خطابة داريا التي كانت بيد أبيه من بعده.
وفي يوم السبت عشره خرج الركب وأميرهم عز الدين أيبك

المنصوري أمير علم، وحج فيها صدر الدين قاضي القضاة الحنفي، وبرهان الدين بن عبد الحق، وشرف الدين بن تيمية، ونجم الدين الدمشقي وهو قاضي الركب، ورضي الدين المنطيقي، وشمس الدين بن الزريز خطيب جامع القبيبات، وعبد الله بن رشيق المالكي وغيرهم.
وفيها حج سلطان الاسلام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومعه جمع كثير من الامراء، ووكيله كريم الدين وفخر الدين كاتب المماليك، وكاتب السر ابن الاثير، وقاضي القضاة ابن جماعة، وصاحب حماة الملك عماد الدين، والصاحب شمس الدين غبريال، في خدمة السلطان
وكان في خدمته خلق كثير من الاعيان.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين التتار بسبب أن ملكهم أبا سعيد كان قد ضاق ذرعا بجوبان وعجز عن مسكه، فانتدب له جماعة من الامراء عن أمره، منهم أبو يحيى خال أبيه، ودقماق وقرشي وغيرهم من أكابر الدولة، وأرادوا كبس جوبان فهرب وجاء إلى السلطان فأنهى إليه ما كان منهم، وفي صحبته الوزير علي شاه، ولم يزل بالسلطان حتى رضي عن جوبان وأمده بجيش كثيف، وركب السلطان معه أيضا والتقوا مع أولئك فكسروهم وأسروهم، وتحكم فيهم جوبان فقتل منهم إلى آخر هذه السنة نحوا من أربعين أميرا.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ المقري شهاب الدين أبو عبد الله الحسين بن سليمان بن فزارة (1) بن بدر الكفري الحنفي، ولد تقريبا في سنة سبع وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وقرأ بنفسه كتاب الترمذي، وقرأ القراءات وتفرد بها مدة يشتغل الناس عليه، وجمع عليه السبع أكثر من عشرين طالبا، وكان يعرف النحو والادب وفنونا كثيرة وكانت مجالسته حسنة، وله فوائد كثيرة، درس بالطرخانية أكثر من أربعين سنة، وناب في الحكم عن الاذرعي مدة ولايته، وكان خيرا مباركا أضر في آخر عمره، وانقطع في بيته، مواظبا على التلاوة والذكر وإقراء القرآن إلى أن توفي ثالث عشر جمادى الاولى، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ بجامع دمشق، ودفن بقاسيون رحمه الله.
وفي هذا الشهر جاء خبر بموت: الشيخ الامام تاج الدين عبد الرحمن بن محمد بن أبي حامد التبريزي الشافعي المعروف بالافضلي، بعد رجوعه من
__________
(1) من غاية النهاية 1 / 241، وفي الاصل: الحسن بن سليمان بن خزارة تصحيف.

الحج ببغداد في العشر الاول من صفر، وكان صالحا فقيها مباركا، وكان ينكر على رشيد الدولة ويحط عليه، ولما قتل قال: كان قتله أنفع من قتل مائة ألف نصراني، وكان رشيد الدولة يريد أن
يترضاه فلم يقبل، وكان لا يقبل من أحد شيئا، ولما توفي دفن بتربة الشونيزي، وكان قد قارب الستين رحمه الله.
محيي الدين محمد بن مفضل بن فضل الله المصري كاتب ملك الامراء، ومستوفي الاوقاف، كان مشكور السيرة محببا للعلماء والصلحاء، فيه كرم وخدمة كثيرة للناس، توفي في رابع عشرين من جمادى الاولى ودفن بتربة ابن هلال بسفح قاسيون وله ست وأربعون سنة، وباشر بعده في وظيفته أمين الدين بن نحاس.
الامير الكبير غرلو (1) بن عبد الله العادلي كان من أكابر الدولة ومن الامراء المقدمين الالوف (2)، وقد ناب بدمشق عن أستاذه الملك العادل كتبغا نحوا من ثلاثة أشهر في سنة خمس وسبعين وستمائة، وأول سنة ست وتسعين، واستمر أميرا كبيرا إلى أن توفي في سابع جمادى الاولى يوم الخميس ودفن بتربته بشمالي جامع المظفري بقاسيون، وكان شهما شجاعا ناصحا للاسلام وأهله، مات في عشر الستين.
الامير جمال الدين أقوش الرحبي المنصوري، والي دمشق مدة طويلة، كان أصله من قرى إربل، وكان نصرانيا فسبي وبيع من نائب الرحبة، ثم انتقل إلى الملك المنصور فأعتقه وأمره، وتولى الولاية بدمشق نحوا من إحدى عشرة سنة ثم انتقل إلى شد الدواوين مدة أربعة أشهر، وكان محبوبا إلى العامة مدة ولايته.
الخطيب صلاح الدين يوسف بن محمد بن عبد اللطيف بن المعتزل (3) الحموي، له تصانيف وفوائد، وكان
__________
(1) في السلوك 2 / 199: ورد: أغرلو، وفي المنهل الصافي، النجوم الزاهرة 9 / 245 والدرر 1 / 418 ورد: أغزلو.
__________
(2) مقدم الالف (مقدمو ألوف) وظيفتهم تسمى تقدمة أو تقادم ألف أو ألوف أي تحت قيادتهم ألف من أمراء المئين.
أو ألوف من الجنود، وقد وصل عود هؤلاء الامراء الكبار أربعة وعشرون، ولهم رئيس يسمى: رأس مقدمي الالوف (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 319).
__________
(3) في الدرر الكامنة 5 / 245 ودرة الاسلاك ص 218 وتذكرة النبيه 2 / 105: ابن مغيزل.

خطيب جامع السوق الاسفل بحماة، وسمع من ابن طبرزد، توفي في جمادى الآخرة.
العلامة فخر الدين أبو عمرو عثمان بن علي بن يحيى بن هبة الله بن إبراهيم بن المسلم بن علي الانصاري الشافعي المعروف بابن بنت أبي سعد المصري، سمع الحديث وكان من بقايا العلماء، وناب في الحكم بالقاهرة، وولي مكانه في ميعاد جامع طولون الشيخ علاء الدين القونوي شيخ الشيوخ، وفي ميعاد الجامع الازهر شمس الدين بن علان، كانت وفاته ليلة الاحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بمصر وله من العمر سبعون سنة.
الشيخ الصالح العابد أبو الفتح نصر بن سليمان (1) بن عمر المنبجي (2)، له زاوية بالحسينية يزار فيها ولا يخرج منها إلا إلى الجمعة، سمع الحديث، توفي يوم الثلاثاء بعد العصر السادس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد بزاويته المذكورة رحمه الله.
الشيخ الصالح المعمر الرحلة عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد بن إسماعيل بن عطاف بن مبارك بن علي بن أبي الجيش المقدسي الصالح المطعم، راوي صحيح البخاري وغيره، وقد سمع الكثير من مشايخ عدة وترجمه الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه توفي ليلة السبت رابع عشر ذي الحجة، وصلي عليه بعد الظهر في اليوم المذكور بالجامع المظفري، ودفن بالساحة بالقرب من تربة المولهين، وله أربع وسبعون سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة عشرين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وكان السلطان في هذه السنة في الحج، وعاد إلى القاهرة يوم السبت ثاني عشر المحرم، ودقت البشائر، ورجع الصاحب شمس
الدين على طريق الشام وصحبته الامير ناصر الدين الخازندار، وعاد صاحب حماة مع السلطان إلى
__________
(1) في تذكره النبيه 2 / 105: سلمان.
__________
(2) من السلوك 2 / 199 والنجوم الزاهرة 9 / 214 وشذرات الذهب 6 / 52 وتذكرة النبيه.
وفي الاصل: الكبجي تصحيف، والمنبجى نسبة إلى منبج وهي مدينة كبيرة تقع بين الفرات وحلب (معجم البلدان).

القاهرة، وأنعم عليه السلطان ولقب بالملك المؤيد، ورسم أن يخطب له على منابرها وأعمالها، وأن يخطب بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي، على ما كان عليه عمه المنصور.
وفيها عمر ابن المرجاني شهاب الدين مسجد الخيف وأنفق عليه نحوا من عشرين ألفا.
وفي المحرم استقال أمين الدين من نظر طرابلس وأقام بالقدس.
وفي آخر صفر باشر نيابة الحكم المالكي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد القفصي، وكان قد قام مع قاضي القضاة شرف الدين من مصر.
وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الاول ضربت عنق شخص يقال له عبد الله (1) الرومي وكان غلاما لبعض التجار، وكان قد لزم الجامع، ثم ادعى النبوة واستتيب فلم يرجع فضربت عنقه وكان أشقر أزرق العينين جاهلا، وكان قد خالطه شيطان حسن له ذلك، واضطرب عقله في نفس الامر وهو في نفسه شيطان إنسي.
وفي يوم الاثنين ثاني ربيع الآخر عقد عقد السلطان على المرأة التي قدمت من بلاد القبجاق، وهي من بنات الملوك (2)، وخلع على القاضي بدر الدين بن جماعة وكاتب السر وكريم الدين وجماعة الامراء، ووصلت العساكر في هذا الشهر إلى بلاد سيس وغرق في بحر جاهان (3) من عساكر طرابلس نحو من ألف فارس، وجاءت مراسيم السلطان في هذا اليوم إلى الشام في الاحتياط على أخبار آل مهنا وإخراجهم من بلاد الاسلام، وذلك لغضب السلطان عليهم لعدم قدوم والدهم مهنا على السلطان.
وفي يوم الاربعاء رابع عشرين جمادى الاولى درس بالركنية الشيخ محيي الدين الاسمر الحنفي وأخذت منه الجوهرية لشمس الدين البرقي الاعرج، وتدريس جامع القلعة لعماد الدين بن محيي الدين الطرسوسي، الذي ولي قضاء الحنفية بعد هذا، وأخذ من البرقي إمامة مسجد نور الدين له بحارة اليهود،
ولعماد الدين بن الكيال، وإمامة الربوة الشيخ محمد الصبيبي.
وفي جمادى الآخرة اجتمعت الجيوش الاسلامية بأرض حلب نحوا من عشرين ألفا، عليهم كلهم نائب حلب الطنبغا وفيهم نائب طرابلس شهاب الدين قرطبة، فدخلوا بلاد الارمن من اسكندرونة ففتحوا الثغر ثم تل حمدان ثم خاضوا جاهان فغرق منهم جماعة ثم سلم الله من وصلوا إلى سيس فحاصروها وضيقوا على أهلها وأحرقوا دار الملك التي في البلد، وقطعوا أشجار البساتين وساقوا الابقار والجواميس والاغنام وكذلك فعلوا بطرسوس، وخربوا الضياع والاماكن وأحرقوا الزروع ثم رجعوا فخاضوا
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 108: يدعى الجبار وهو من مماليك ركن الدين بيبرس التاجي، وفي نهاية الارب: 3 ورقة 136 اسمه: أقبجا.
__________
(2) اختلفت المصادر في اسمها، وهي ابنة أخي أزبك خان صاحب الموصل فحضرت من بلاد الشرق إلى مصر في محفة مرقومة بالذهب، ثم طلقها - بعد ذلك - فتزوجها الامير منكلي فالامير صوصون، فالامير عمر بن أرغون النائب (كنز الدرر 9 / 302 السلوك 2 / 203 بدائع الزهور 1 / 1 / 4 51 وفيه انها ابنة أزبك خان).
__________
(3) في مختصر أخبار البشر 4 / 88 وتذكرة النبيه 2 / 106: جيحان، وجيحان نهر يمر ببلاد سيس (تقويم البلدان ص 50).

النهر المذكور فلم يغرق منهم أحد، وأخرجوا بعد رجوعهم مهنا وأولاده من بلادهم وساقوا خلفه إلى عانة وحديثه ثم بلغ الجيوش موت صاحب سيس (1) وقيام ولده من بعده، فشنوا الغارات على بلاده وتابعوها وغنموا وأسروا إلا في المرة الرابعة فإنه قتل منهم جماعة.
وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة ببلاد المغرب بين المسلمين والفرنج فنصر الله المسلمين على أعدائهم فقتلوا منهم خمسين ألفا وأسروا خمسة آلاف، وكان في جملة القتلى خمسة وعشرين ملكا من ملوك الافرنج، وغنموا شيئا كثيرا من الاموال، يقال كان من جملة ما غنموا سبعون قنطارا من الذهب والفضة، وإنما كان جيش الاسلام يومئذ ألفين وخمسمائة فارس غير الرماة، ولم يقتل منهم سوى أحد (2) عشر قتيلا، وهذا من غريب ما وقع وعجيب ما سمع.
وفي يوم الخميس ثاني
عشرين رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة، وحضر فيه القضاة والمفتيون من المذاهب، وحضر الشيخ وعاتبوه على العود إلى الافتاء بمسألة الطلاق ثم حبس في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وبعد ذلك بأربعة أيام أضيف شد الاوقاف إلى الامير علا الدين بن معبد إلى ما بيده من ولاية البر وعزل بدر الدين المنكورسي عن الشام.
وفي آخر شعبان مسك الامير علاء الدين الجاولي نائب غزة وحمل إلى الاسكندرية لانه اتهم أنه يريد الدخول إلى دار اليمن، واحتيط على حواصله وأمواله، وكان له بر وإحسان وأوقاف، وقد بنى بغزة جامعا حسنا مليحا.
وفي هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخمور وأبطل الحانات، وأظهر العدل والاحسان إلى الرعايا، وذلك أنه أصابهم برد عظيم وجاءهم سيل هائل فلجأوا إلى الله عز وجل، وابتهلوا إليه فسلموا فتابوا وأنابوا وعملوا الخير عقيب ذلك.
وفي العشر الاول من شوال جرى الماء بالنهر الكريمي الذي اشتراه كريم الدين (3) بخمسة وأربعين ألفا وأجراه في جدول إلى جامعه بالقبيبات فعاش به الناس، وحصل به أنس إلى أهل تلك الناحية، ونصبت عليه الاشجار والبساتين، وعمل حوض كبير تجاه الجامع من الغرب يشرب منه الناس والدواب، وهو حوض كبير وعمل مطهرة، وحصل بذلك نفع كثير، ورفق زائد أثابه الله.
وخرج الركب في حادي عشر شوال وأميره الملك صلاح الدين بن الاوحد، وفيه زين الدين كتبغا الحاجب، وكمال الدين الزملكاني والقاضي شمس الدين بن المعز، وقاضي حماة شر ف الدين البازري، وقطب الدين ابن شيخ السلامية وبدر الدين بن العطار، وعلاء الدين بن غانم، ونور الدين
__________
(1) وهوأوشين بن ليفون وكان مريضا، مات في جمادى الاولى (مختصر أخبار البشر 4 / 89).
__________
(2) في الاصل: إحدى.
__________
(3) وهو القاضي كريم الدين عبد الكريم بن المعلم هبة الله، صاحب جامع الكريمي بالقبيبات.

السخاوي، وهو قاضي الركب.
ومن المصريين قاضي الحنفية ابن الحريري، وقاضي الحنابلة ومجد الدين حرمي والشرف عيسى المالكي، وهو قاضي الركب.
وفيه كملت عمارة الحمام الذي عمره الجيبغا غربي دار الطعم ودخله الناس.
وفي أواخر ذي الحجة وصل إلى دمشق من عند ملك التتر الخواجه مجد الدين إسماعيل بن محمد بن ياقوت السلامي، وفي صحبته هدايا وتحف لصاحب مصر من ملك التتر، وأشهر أنه إنما جاء ليصلح بين المسلمين والتتر، فتلقاه الجند والدولة، ونزل بدار السعادة يوما واحدا، ثم سار إلى مصر.
وفيها وقف الناس بعرفات موقفا عظيما لم يعهد مثله، أتوه من جميع أقطار الارض، وكان من العراقيين محامل كثيرة منها محمل قوم ما عليه من الذهب واللآلئ بألف ألف دينار مصرية، وهذا أمر عجيب.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ إبراهيم الدهستاني وكان قد أسن وعمر، وكان يذكر أن عمره حين أخذت التتر بغداد أربعين سنة، وكان يحضر الجمعه هو وأصحابه تحت قبة النسر، إلى أن توفي ليلة الاربعين السابع والعشرين من ربيع الآخر بزاويته التى عند سوق الخيل بدمشق، ودفن بها وله من العمر مائة وأربع سنين، كما قال، فالله أعلم.
الشيخ محمد بن محمود بن علي الشحام المقرئ شيخ ميعاد ابن عامر، كان شيخا حسنا بهيا مواظبا على تلاوة القرآن إلى أن توفي في ليلة توفي الدهستاني المذكور أو قبله بليلة رحمهما الله.
الشيخ شمس الدين ابن الصائغ اللغوي هو أبو عبد الله محمد بن حسين بن سباع بن أبي بكر الجذامي المصري الاصل، ثم انتقل إلى دمشق، ولد تقريبا سنة خمس وأربعين وستمائة بمصر، وسمع الحديث وكان أديبا فاضلا بارعا بالنظم والنثر، وعلم العروض والبديع والنحو واللغة، وقد اختصر صحاح الجوهري، وشرح
مقصورة ابن دريد، وله قصيدة تائية تشتمل على ألفي بيت فأكثر، ذكر فيها العلوم والصنائع، وكان حسن الاخلاق لطيف المحاورة والمحاضرة ؟، وكان يسكن بين درب الحبالين والفراش عند بستان القط توفي بداره يوم الاثنين ثالث شعبان ودفن بباب الصغير.

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها.
وفي أول يوم منها فتح حمام الزيت الذي في رأس درب الحجر، جدد عمارته رجل ساوي بعد ما كان قد درس ودثر من زمان الخوارزمية من نحو ثمانين سنة، وهو حمام جيد متسع.
وفي سادس المحرم وصلت هدية من ملك التتار أبي سعيد إلى السلطان صناديق وتحف ودقيق.
وفي يوم عاشوراء خرج الشيخ تقي الدين بن تيمية من القلعة بمرسوم السلطان وتوجه إلى داره، وكانت مدة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يوما رحمه الله.
وفي رابع ربيع الآخر وصل إلى دمشق القاضي كريم الدين وكيل السلطان فنزل بدار السعادة وقدم قاضي القضاة تقي الدين بن عوض الحاكم الحنبلي بمصر وهو ناظر الخزانة أيضا، فنزل بالعادلية الكبيرة التي للشافعية، فأقام بها أياما، ثم توجه إلى مصر: جاء في بعض أشغال السلطان وزار القدس.
وفي هذا الشهر كان السلطان قد حفر بركة قريبا من الميدان وكان من جوارها كنيسة فأمر الوالي بهدمها، فلما هدمت تسلط الحرافيش وغيرهم على الكنائس بمصر يهدمون ما قدروا عليه، فانزعج السلطان لذلك وسأل القضاة ماذا يجب على من تعاطى ذلك منهم ؟ فقالوا: يعزر، فأخرج جماعة من السجون ممن وجب عليه قتل فقطع وصلب وحرم وحزم وعاقب، موهما أنه إنما عاقب من تعاطى تخريب ذلك، فسكن الناس وأمنت النصارى وظهروا بعد ما كانوا قد اختفوا أياما.
وفيها ثارت الحرامية ببغداد ونهبوا سوق الثلاثاء وقت الظهر، فثار الناس وراءهم وقتلوا منهم قريبا من مائة وأسروا آخرين.
قال الشيخ علم الدين البرزالي ومن خطه نقلت: وفي يوم الاربعاء السادس من جمادى
الاولى خرج القضاة والاعيان والمفتيون إلى القابون ووقفوا على قبلة الجامع الذي أمر ببنائه القاضي كريم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور، وحرروا قبلته واتفقوا على أن تكون مثل قبلة جامع دمشق.
وفيه وقعت مراجعة من الامير جوبان أحد المقدمين الكبار بدمشق، وبين نائب السلطنة تنكز، فمسك جوبان ورفع إلى القلعة ليلتان، ثم حول إلى القاهرة فعوقب في ذلك، ثم أعطي خبزا يليق به.
وذكر علم الدين أن في هذا اليوم وقع حريق عظيم في القاهرة في الدور الحسنة والاماكن المليحة المرتفقة، وبعض المساجد، وحصل للناس مشقة عظيمة من ذلك، وقنتوا في الصلوات ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من قبل النصارى بسبب ما كان أحرق من كنائسهم وهدم، فقتل السلطان بعضهم (1) وألزم النصارى أن يلبسوا الزرقاء على رؤوسهم وثيابهم كلها
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 121: " قتل منهم ستة، وأسلم عدة " وانظر تفاصيل عن الحريق في عقد الجمان حوادث سنة 720 ه والسلوك 2 / 2 / 220.

وأن يحملوا الاجراس في الحمامات، وأن لا يستخدموا في شئ من الجهات، فسكن الامر وبطل الحريق.
وفي جمادى الآخرة خرب ملك التتار أبو سعيد البازار وزوج الخواطئ وأراق الخمور وعاقب في ذلك العقوبة، وفرح المسلمون بذلك ودعوا له رحمه الله وسامحه.
وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أقيمت الجمعة بجامع القصب وخطب به الشيخ علي المناخلي.
وفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة فتح الحمام الذي أنشأه تنكز تجاه جامعه، وأكري في كل يوم بأربعين درهما لحسنه وكثرة ضوئه ورخامه.
وفي يوم السبت تاسع عشر رجب خربت كنيسة القرائيين (1) التي تجاه حارة اليهود بعد إثبات كونها محدثة وجاءت المراسيم السلطانية بذلك.
وفي أواخر رجب نفذت الهدايا من السلطان إلى أبي سعيد ملك التتار، صحبة الخواجا مجد الدين السلامي، وفيها خمسون جملا وخيول وحمار عتابي.
وفي منتصف رمضان أقيمت الجمعة بالجامع الكريمي بالقابون وشهدها يومئذ القضاة والصاحب وجماعة من الاعيان.
قال الشيخ علم الدين: وقدم دمشق
الشيخ قوام الدين أمير كاتب ابن الامير العميد عمر الاكفاني القازاني، مدرس مشهد الامام أبي حنيفة ببغداد، في أول رمضان، وقد حج في هذه السنة وتوجه إلى مصر وأقام بها أشهرا ثم مر بدمشق متوجها إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية، وهو ذو فنون وبحث وأدب وفقه.
وخرج الركب الشامي يوم الاثنين عاشر شوال وأميره شمس الدين حمزة التركماني، وقاضيه نجم الدين الدمشقي.
وفيها حج تنكز نائب الشام وفي صحبته جماعة من أهله، وقدم من مصر الامير ركن الدين بيبرس الحاجب لينوب عنه إلى أن يرجع، فنزل بالنجيبية البرانية.
وممن حج فيها الخطيب جلال الدين القزويني وعز الدين حمزة بن القلانسي، وابن العز شمس الدين الحنفي، وجلال الدين بن حسام الدين الحنفي، وبهاء الدين بن علية، وعلم الدين البرزالي ودرس ابن جماعة بزاوية الشافعي يوم الاربعاء ثامن عشر شوال عوضا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الانصاري لسوء تصرفه، وخلع على ابن جماعة، وحضر عنده من الاعيان والعامة ما نشأ به جمعية الجمعة وأشعلت له شموع كثيرة وفرح الناس بزوال المعزول.
قال البرزالي ومن خطه نقلت: وفي يوم الاحد سادس عشر شوال ذكر الدرس الامام العلامة تقي الدين السبكي المحدث بالمدرسة الهكارية عوضا عن ابن الانصاري أيضا، وحضر عنده جماعة منهم القونوي، وروى في الدرس حديث المتبايعين بالخيار، عن قاضي القضاة ابن جماعة.
وفي شوال عزل علاء الدين بن معبد عن ولاية البر وشد الاوقاف، وتولى ولاية الولاة بالبلاد القبلية بحوران عوضا عن بكتمر لسفره إلى الحجاز، وباشر أخوه بدر الدين شد الاوقاف، والامير علم
__________
(1) وهم طائفة من اليهود، انظر تفاصيل عن هذه الطائفة في (صبح الاعشى 11 / 387، 13 / 256).

الدين الطرقشي ولاية البر مع شد الدواوين، وتوجه ابن الانصاري إلى حلب متوليا وكالة بيت المال عوضا عن ناصر الدين أخي شرف الدين يعقوب ناظر حلب، بحكم ولاية التاج المذكور نظر الكرك.
وفي يوم عيد الفطر ركب الامير تمرتاش بن جوبان نائب أبي سعيد على بلاد الروم في قيسارية
في جيش كثيف من التتار والتركمان والقرمان، ودخل بلاد سيس فقتل وسبى وحرق وخرب، وكان قد أرسل لنائب حلب الطنبغا ليجهز له جيوشا ليكونون عونا له على ذلك، فلم يمكنه ذلك بغير مرسوم السلطان.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح المقري بقية السلف عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الحق بن عبد الله بن عبد الواحد بن علي القرشي المخزومي الدلاصي شيخ الجرم بمكة، أقام فيه أزيد من ستين سنة، يقرئ الناس القرآن احتسابا، وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع عشر من محرم بمكة، وله أزيد من تسعين سنة رحمه الله.
الشيخ الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني، أبوه الصالحي المعروف بالسكاكيني، ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة بالصالحية، وقرأ بالروايات، واشتغل في مقدمة في النحو، ونظم قويا وسمع الحديث، وخرج له الفخر ابن البعلبكي جزءا عن شيوخه، ثم دخل في التشيع فقرأ على أبي صالح الحلي شيخ الشيعة، وصحب عدنان وقرأ عليه أولاده، وطلبه أمير المدينة النبوية الامير منصور بن حماد فأقام عنده نحوا من سبع سنين، ثم عاد إلى دمشق وقد ضعف وثقل سمعه، وله سؤال في الخبر أجابه به الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكل فيه عنه غيره، وظهر له بعد موته كتاب فيها انتصار لليهود وأهل الاديان الفاسدة فغسله تقي الدين السبكي لما قدم دمشق قاضيا، وكان بخطه، ولما مات لم يشهد جنازته القاضي شمس الدين بن مسلم.
توفي يوم الجمعة سادس عشر صفر، ودفن بسفح قاسيون، وقتل ابنه قيماز على قذفه أمهات المؤمنين عائشة وغيرها رضي الله عنهن وقبح قاذفهن.
وفي يوم الجمعه مستهل رمضان صلي بدمشق على غائبين وهم الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد الاصبهاني، توفي بمكة، وعلى جماعة توفوا بالمدينة النبوية منهم عبد الله (1) بن أبي القاسم بن
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 119 ودرة الاسلاك ص 226: أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري.

فرحون مدرس المالكية بها، والشيخ يحيى الكردي، والشيخ حسن المغربي السقا.
الشيخ الامام العالم علاء الدين علي بن سعيد بن سالم الانصاري، إمام مشهد علي من جامع دمشق، كان بشوش الوجه متواضعا حسن الصوت بالقراءة ملازما لاقراء الكتاب العزيز بالجامع، وكان يؤم نائب السلطنة ولده العلامة، بهاء الدين محمد بن علي مدرس الامينية، ومحتسب دمشق.
توفي ليلة الاثنين رابع رمضان ودفن بسفح قاسيون.
الامير حاجب الحجاب زين الدين كتبغا المنصوري، حاجب دمشق، كان من خيار الامراء وأكثرهم برا للفقراء، يحب الختم والمواعيد والمواليد، وسماع الحديث، ويلزم أهله ويحسن إليهم، وكان ملازما لشيخنا أبي العباس بن تيمية كثيرا، وكان يحج ويتصدق، توفي يوم الجمعة آخر النهار ثامن عشر شوال، ودفن من الغد بتربته قبلي القبيبات، وشهده خلق كثير وأثنوا عليه رحمه الله.
والشيخ بهاء الدين بن المقدسي والشيخ سعد الدين أبي زكريا يحيى المقدسي، والد الشيخ شمس الدين محمد بن سعد المحدث المشهور.
وسيف الدين الناسخ المنادي على الكتب.
والشيخ أحمد الحرام المقرئ على الجنائز، وكان يكرر على التنبيه، ويسأل عن أشياء منها ما هو حسن ومنها ما ليس بحسن.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وسبعمائة استهلت وأرباب الولايات هم المذكورون في التي قبلها، سوى والي البر بدمشق فإنه علم الدين طرقشي، وقد صرف ابن معبد إلى ولاية حوران لشهامته وصرامته وديانته وأمانته.
وفي المحرم حصلت زلزلة عظيمة بدمشق، وقى الله شرها، وقدم تنكز من الحجاز ليلة الثلاثاء حادي
عشر المحرم، وكانت مدة غيبته ثلاثة أشهر، وقدم ليلا لئلا يتكلف أحد لقدومه، وسافر نائب الغيبة عنه قبله بيومين لئلا يكلفه بهدية ولا غيرها، وقدم مغلطاي عبد الواحد الجحدار أحد الامراء بمصر بخلعة سنية من السلطان لتنكز فلبسها وقبل العتبة على العادة، وفي يوم الاربعاء سادس صفر درس الشيخ نجم الدين القفجازي بالظاهرية للحنفية، وهو خطيب جامع تنكز، وحضر عنده القضاة والاعيان، ودرس في قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) [ النساء: 58 ] وذلك بعد وفاة القاضي شمس الدين بن العز الحنفي، توفي مرجعه من الحجاز، وتولى بعده نيابة القضاء عماد الدين الطرسوسي، وهو زوج ابنته، وكان ينوب عنه في حال غيبته، فاستمر بعده، ثم ولي الحكم بعده، مستنيبه فيها.
وفيه قدم الخوارزمي حاجبا

عوضا عن كتبغا، وفي ربيع الاول قدم إلى دمشق الشيخ قوام الدين مسعود بن الشيخ برهان الدين محمد بن الشيخ شرف الدين محمد الكرماني الحنفي، فنزل بالقصاعين وتردد إليه الطلبة ودخل إلى نائب السلطنة واجتمع به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعين وقد اجتمعت به، وكان عنده مشاركة في الفروع والاصول ودعوا أوسع من محصوله، وكانت لابيه وجده مصنفات، ثم صار بعد مدة إلى مصر ومات بها كما سيأتي.
وفي ربيع الاول تكامل فتح إياس (1) ومعاملتها وانتزاعها من أيدي الارمن، وأخذ البرج الاطلس (2) بينه وبينها في البحر رمية ونصف، فأخذه المسلمون بإذن الله وخربوه، وكانت أبوابه مطلية بالحديد والرصاص، وعرض سوره ثلاثة عشر ذراعا بالنجار، وغنم المسلمون غنائم كثيرة جدا، وحاصروا كواره فقوي عليهم الحر والذباب، فرسم السلطان بعودهم، فحرقوا ما كان معهم من المجانيق وأخذوا حديدها وأقبلوا سالمين غانمين، وكان معهم خلق كثير من المتطوعين.
وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الاولى كمل بسط داخل الجامع فاتسع على الناس، ولكن حصل حرج بحمل الامتعة على خلاف العادة، فإن الناس كانوا يمرون وسط الرواق ويخرجون من باب البرادة، ومن شاء استمر يمشي إلى الباب الآخر بنعليه، ولم يكن ممنوعا سوى
المقصورة لا يمكن أحد الدخول إليها بالمداسات، بخلاف باقي الرواقات، فأمر نائب السلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره إلى مراحل.
وفي جمادى الآخرة رجعت العساكر من بلاد سيس ومقدمهم أقوش نائب الكرك.
وفي آخر رجب باشر القاضي محيي الدين بن إسماعيل بن جهبل نيابة الحكم عن ابن صصرى عوضا عن الداراني الجعفري، واستغنى الداراني بخطبة جامع العقبية عنها.
وفي ثالث رجب ركب نائب السلطنة إلى خدمة السلطان فأكرمه وخلع عليه، وعاد في أول شعبان ففرح به الناس.
وفي رجب كملت عمارة الحمام الذي بناه الامير علاء الدين بن صبيح جوار داره شمالي الشامية البرانية.
وفي يوم الاثنين تاسع شعبان عقد الامير سيف الدين أبو بكر بن أرغون نائب السلطنة عقده على ابنة الناصر، وختن في هذا اليوم جماعة من أولاد الامراء بين يديه، وماد سماطا عظيما، ونثرت الفضة على رؤوس المطهرين، وكان يوما مشهودا، ورسم السلطان في هذا اليوم وضع المكس عن المأكولات (3) بمكة، وعوض صاحبها عن ذلك بإقطاع في بلد الصعيد (4).
__________
(1) أياس: من بلاد الارمن على ساحل البحر (تقويم البلدان لابي الفداء ص 248).
__________
(2) وهو أحد ثلاثة أبرجة وهي: الاطلس والشمعة والاياس (تذكرة النبيه 2 / 124).
__________
(3) يعني بذلك مكس الغلال، انظر السلوك 2 / 236 والمواعظ والاعتبار 1 / 88.
__________
(4) عوضه بثلثي بلد دماميل، أو دمامين وهي من البلاد القديمة بمركز قوص، وتعرف حاليا باسم المفرجية نسبة إلى الشيخ مفرج بن موفق بن عبد الله الدماميني المتوفى سنة 648 (انظر القاموس الجغرافي لمحمد رمزي ج 4 / 2 / 185).

وفي أواخر رمضان كملت عمارة الحمام الذي بناه بهاء الدين بن عليم بزقاق الماجية من قاسيون بالقرب من سكنه، وانتفع به أهل تلك الناحية ومن جاورهم.
وخرج الركب الشامي يوم الخميس ثام شوال وأميره سيف الدين بلبطي نائب الرحبة، وكان سكنه داخل باب الجابية بدرب ابن صبرة، وقاضيه شمس الدين بن النقيب قاضي حمص.
وممن توفي فيها من الاعيان: القاضي شمس الدين بن العز الحنفي أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدين أبي البركات محمد بن الشيخ عز الدين أبي العز صالح بن أبي العز بن وهيب بن عطاء بن جبير بن كابن بن وهيب الاذرعي الحنفي، أحد مشايخ الحنفية وأئمتهم وفصلائهم في فنون من العلوم متعددة، حكم نيابة نحوا من عشرين سنة، وكان سديد الاحكام محمود السيرة جيد الطريقة كريم الاخلاق، كثير البر والصلة والاحسان إلى أصحابه وغيرهم، وخطب في جامع الافرم مدة، وهو أول من خطب به، ودرس بالمعظمية واليغمورية والقليجية (1) والظاهرية، وكان ناظر أوقافها، وأذن للناس بالافتاء، وكان كبيرا معظما مهيبا، توفي بعد مرجعه من الحج بأيام قلائل، يوم الخميس سلخ المحرم، وصلي عليه يومئذ بعد الظهر بجامع الافرم ودفن عند المعظمية عند أقاربه، وكانت جنازته حافلة، وشهد له الناس بالخير وغبطوه لهذه الموتة رحمه الله.
ودرس بعده في الظاهرية نجم الدين الفقجازي، وفي المعظمية والقليجية والخطابة بالافرم ابنه علاء الدين، وباشر بعده نيابة الحكم القاضي عماد الدين الطرسوسي، مدرس القلعة.
الشيخ الامام العالم أبو إسحاق بقية السلف رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي الشافعي، إمام المقام (2) أكثر من خمسين سنة، سمع الحديث من شيوخ بلده والواردين إليها ولم يكن له رحلة، وكان يفتي الناس من مدة طويلة، ويذكر أنه اختصر شرح السنة للبغوي.
توفي يوم السبت بعد الظهر ثامن ربيع الاول بمكة، ودفن من الغد، وكان من أئمة المشايخ.
__________
(1) المدرسة القليجية بدمشق، أوصى بوقفها الامير سيف الدين علي بن قليج السوري المتوفى سنة 643 ه (الدارس 1 / 569).
__________
(2) وهو مقام ابراهيم عليه السلام بالمسجد الحرام بمكة.

شيخنا العلامة الزاهد ركن الدين بقية السلف ركن الدين أبويحيى زكريا بن يوسف بن حماد البجلي الشافعي، نائب الخطابة، ومدرس الطيبية والاسدية، وله حلقة للاشتغال بالجامع، يحضر بها عنده الطلبة، كان يشتغل في الفرائض وغيرها، مواظبا على ذلك، توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الاولى عن سبعين سنة، ودفن قريبا من شيخه تاج الدين الفزاري رحمه الله.
نصير الدين أبو محمد عبد الله بن وجيه الدين أبي عبد الله علي بن محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد ابن معالي بن محمد بن أبي بكر الربعي التغلبي التكريتي أحد صدور دمشق، قدم أبوه قبله إليها وعظم في أيام الظاهر وقبله، وكان مولده في حدود خمسين وستمائة، ولهم الاموال الكثيرة والنعمة الباذخة، توفي يوم الخميس عشرين رجب، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله.
وفي يوم الاحد حادي عشر شوال توفي: شمس الدين محمد بن المغربي التاجر السفار، باني خان الصنمين الذي على جادة الطريق للسبيل رحمه الله وتقبل منه، وهو في أحسن الاماكن وأنفعها.
الشيخ الجليل نجم الدين نجم الدين أبو عبد الله الحسين بن محمد بن إسماعيل القرشي المعروف بان عنقود المصري، كانت له وجاهة وإقدام على الدولة، توفي بكرة الجمعة ثالث عشرين شوال، ودفن بزاويته، وقام بعده فيها ابن أخيه.
شمس الدين محمد بن الحسن ابن الشيخ الفقيه محيي الدين أبو الهدى أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبي شامة، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة فأسمعه أبوه على المشايخ وقرأ القرآن واشتغل بالفقه وكان ينسخ ويكثر التلاوة ويحضر المدارس والسبع الكبير، توفي في سابع عشرين شوال، ودفن عند والده بمقابر باب
الفراديس.

الشيخ العابد جلال الدين جلال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن زين الدين محمد بن أحمد بن محمود بن محمد العقيلي المعروف بابن القلانسي، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، وسمع على ابن عبد الدائم جزء ابن عرفة، ورواه غير مرة، وسمع على غيره أيضا، واشتغل بصناعة الكتابة والانشاء ثم انقطع وترك ذلك كله وأقبل على العبادة والزهادة، وبنى له الامراء بمصر زاوية وترددوا إليه، وكان فيها بشاشة وفصاحة، وكان ثقيل السمع، ثم انتقل إلى القدس وقدم دمشق مرة فاجتمع به الناس وأكرموه، وحدث بها ثم عاد إلى القدس وتوفي بها ليلة الاحد ثالث ذي القعدة، ودفن بمقابر ماملي رحمه الله، وهو خال المحتسب عز الدين بن القلانسي، وهذا خال الصاحب تقي الدين بن مراحل.
الشيخ الامام قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي المصري، اختصر الروضة (1) وصنف كتاب التعجيز ودرس بالفاضلية (2) وناب في الحكم بمصر، وكان من أعيان الفقهاء، توفي يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة عن سبعين سنة، وحضر بعده تدريس الفاضلية ضياء الدين المنادي، نائب الحكم بالقاهرة وحضر عنده ابن جماعة، والاعيان والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة استهلت بيوم الاحد في كانون الاصم، والحكام هم المذكورون في التي قبلها، غير أن والي البر بدمشق هو الامير علاء الدين علي بن الحسن المرواني، باشرها في صفر من السنة الماضية.
وفي صفر من هذه السنة باشر ولاية المدينة الامير شهاب الدين بن يرق عوضا عن صارم الدين الجو كنداري وفي صفر عوفي القاضي كريم الدين وكيل السلطان من مرض كان قد أصابه، فزينت القاهرة وأشعلت الشموع وجمع الفقراء بالمارستان المنصوري ليأخذوا من صدقته، فمات بعضهم من الزحام في سلخ ربيع الاول، ودرس الامام العلامة المحدث تقي الدين السبكي الشافعي
بالمنصورية بالقاهرة عوضا عن قاضي جمال الدين الزرعي، بمقتضى انتقاله إلى دمشق، وحضر عنده علاء الدين شيخ الشيوخ القونوي الشافعي عوضا عن النجم ابن صصرى، في يوم الجمعة رابع جمادى الاولى، فنزل العادلية وقد قدم على القضاة ومشيخة الشيوخ وقضاء العساكر وتدريس العادلية والغزالية والاتابكية.
__________
(1) وهو كتاب الروضة في الفروع للامام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676 ه (كشف الظنون 1 / 929).
__________
(2) المدرسة الفاضلية بالقاهرة بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني سنة 580 ه ووقفها على الشافعية والمالكية (انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 396).

وفي يوم الاحد مسك القاضي كريم الدين بن عبد الكريم بن هبة الله بن السديد (1) وكيل السلطان وكان قد بلغ من المنزلة والمكانة عند السلطان ما لم يصل إليه غيره من الوزراء الكبار، واحتيط على أمواله وحواصله، ورسم عليه عند نائب السلطنة، ثم رسم له أن يكون بتربته التي بالقرافة، ثم نفي إلى الشوبك وأنعم عليه بشئ من المال، ثم أذن له بالاقامة بالقدس الشريف برباطه.
ومسك ابن أخيه كريم الدين الصغير ناظر الدواوين، وأخذت أمواله وحبس في البرج، وفرح العامة بذلك ودعوا للسلطان بسبب مسكهما، ثم أخرج إلى صفد (2).
وطلب من القدس أمين الملك عبد الله (3) فولي الوزارة بمصر، وخلع عليه عودا على بدء، وفرح العامة بذلك وأشعلوا له الشموع، وطلب الصاحب بدر الدين غبريال من دمشق فركب ومعه أموال كثيرة، ثم خول أموال كريم الدين الكبير، وعاد إلى دمشق مكرما، وقدم القاضي معين الدين بن الحشيشي على نظر الجيوش الشامية عوضا عن القطب ابن شيخ السلامية عزل منها، ورسم عليه في العذراوية نحوا من عشرين يوما ثم أذن له في الانصراف إلى منزله مصروفا عنها.
وفي جمادى الاولى عزل طرقشي عن شد الدواوين وتولاها الامير بكتمر.
وفي ثاني جمادى الآخرة باشر ابن جهبل نيابة الحكم عن الزرعي، وكان قد باشر قبلها بأيام نظر الايتام عوضا عن ابن هلال.
وفي شعبان أعيد الطرقشي إلى الشد وسافر بكتمر إلى نيابة الاسكندرية، وكان بها إلى
أن توفي.
وفي رمضان قدم جماعة من حجاج الشرق وفيهم بنت الملك أبغا بن هولاكو، وأخت أرغون وعمة قازان وخربندا، فأكرمت وأنزلت بالقصر الابلق، وأجريت عليها الاقامات والنفقات إلى أوان الحج، وخرج الركب يوم الاثنين ثامن شوال وأميره قطلجا الايوبكري، الذي بالقصاعين وقاضي الركب شمس الدين قاضي القضاة ابن مسلم الحنبلي، وحج معهم جمال الدين المزي، وعماد الدين بن الشيرجي، وأمين الدين الوافي، وفخر الدين البعلبكي، وجماعة، وفوض الحكم في ذلك إلى شرف الدين بن سعد الدين بن نجيح.
كذا أخبرني شهاب الدين الظاهري.
ومن المصريين قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وولده عز الدين وفخر الدين كاتب المماليك، وشمس الدين الحارثي، وشهاب الدين الاذرعي، وعلاء الدين الفارسي.
__________
(1) في البداية المطبوعة: الشديد، تصحيف، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 453 أنه تغير عليه ورسم السلطان بنفيه إلى الشوبك في سنة 722 ه.
وعن سبب القبض عليه انظر عقد الجمان حوادث سنة 723 ه والسلوك 2 / 1 / 244 والدرر 3 / 15 وفي هذه المصادر ان السبب حسد الامراء وغيرهم له لقوة تمكنه من السلطان وكثرة ماله وسعة عطائه.
وذكر في النجوم الزاهرة 9 / 72 ان السبب في مسكه كان بسبب ما أحدثه النصارى من حرائق آنذاك في مصر والقاهرة.
__________
(2) في الاصل: صت.
__________
(3) وهو أمين الملك عبد الله بن الغنام قرر في الوزارة يوم الاحد 24 ربيع الآخرة وظل إلى يوم الخميس ثامن رمضان من السنة التالية ثم عزل بعلاء الدين مغلطاي (انظر السلوك 2 / 256 وكنز الدرر 9 / 312).

وفي شوال باشر تقي الدين السبكي مشيخة دار الحديث الظاهرية بالقاهرة بعد زكي الدين المنادي ويقال له عبد العظيم بن الحافظ شرف الدين الدمياطي، ثم انتزعت من السبكي لفتح الدين بن سيد الناس اليعمري، باشرها في ذي القعدة.
وفي يوم الخميس مستهل ذي الحجة خلع على قطب الدين ابن شيخ السلامية وأعيد إلى نظر الجيش مصاحبا لمعين الدين بن الحشيشي، ثم بعد مدة مديدة استقل قطب الدين بالنظر وحده وعزل ابن حشيش.
وممن توفي فيها من الاعيان: الامام المؤرخ كمال الدين الفوطي أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الفوطي عمر بن أبي المعالي الشيباني البغدادي، المعروف بابن الفوطي، وهو حده لامه، ولد سنة اثنتين وأربعين وستمائة ببغداد، وأسر في واقعة التتار ثم تخلص من الاسر، فكان مشارفا على الكتب بالمستنصرية، وقد صنف تاريخا في خمس وخمسين مجلدا، وآخر في نحو عشرين، وله مصنفات كثيرة، وشعر حسن، وقد سمع الحسن من محيي الدين بن الجوزي، توفي ثالث المحرم ودفن بالشونيزية.
قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى أبو العباس أحمد بن العدل عماد الدين بن محمد بن العدل أمين الدين سالم بن الحافظ المحدث بهاء الدين أبي المواهب بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن صصرى التغلبي الربعي الشافعي قاضي القضاة بالشام، ولد في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل وحصل وكتب عن القاضي شمس الدين بن خلكان وفيات الاعيان، وسمعها عليه، وتفقه بالشيخ تاج الدين الفزاري، وعلى أخيه شرف الدين في النحو، وكان له يد في الانشاء وحسن العبارة، ودرس بالعادلية الصغيرة سنة ثنتين وثمانين، وبالامينية سنة تسعين، وبالغزالية سنة أربع وتسعين، وتولى قضاء العساكر في دولة العادل كتبغا، ثم تولى قضاء الشام سنة ثنتين وسبعمائة، بعد ابن جماعة حين طلب لقضاء مصر، بعد ابن دقيق العيد.
ثم أضيف إليه مشيخة الشيوخ مع تدريس العادلية والغزالية والاتابكية، وكلها مناصب دنيوية انسلخ منها وانسلخت منه، ومضى عنها وتركها لغيره، وأكبر أمنيته بعد وفاته أنه لم يكن تولاها وهي متاع قليل من حبيب مفارق، وقد كان رئيسا محتشما وقورا كريما جميل الاخلاق، معظما عند السلطان والدولة، توفي فجأة ببستانه بالسهم ليلة الخميس سادس عشر ربيع الاول وصلي عليه بالجامع المظفري، وحضر منازته نائب السلطنة والقضاة والامراء والاعيان، وكانت جنازته حافلة ودفن بتربتهم عند الركنية.

علاء الدين علي بن محمد ابن عثمان بن أحمد بن أبي المنى بن محمد بن نحلة الدمشقي الشافعي، ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة وقرأ المحرر، ولازم الشيخ زين الدين الفارقي ودرس بالدولعية والركنية، وناظر بيت المال، وابتنى دارا حسنة إلى جانب الركنية، ومات وتركها في ربيع الاول، ودرس بعده بالدولعية القاضي جمال الدين بن جملة، وبالركنية القاضي ركن الدين الخراساني.
وفي ربيع الاول قتل: الشيخ ضياء الدين عبد الله الزربندي النحوي، وكان قد اضطرب عقله فسافر من دمشق إلى القاهرة فأشار شيخ الشيوخ القونوي فأودع بالمارستان فلم يوافق ثم دخل إلى القلعة وبيده سيف مسلول فقتل نصرانيا، فحمل إلى السلطان وظنوه جاسوسا فأمر بشنقه فشنق، وكنت ممن اشتغل عليه في النحو.
الشيخ الصالح المقري الفاضل شهاب الدين أحمد بن الطبيب بن عبيد الله الحلي العزيزي الفوارسي المعروف بابن الحلبية، سمع من خطيب مرداو ابن عبد الدائم، واشتغل وحصل وقرأ الناس، وكانت وفاته في ربيع الاول عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بالسفح.
شهاب الدين أحمد بن محمد ابن قطينة الذرعي التاجر المشهور بكثرة الاموال والبضائع والمتاجر، قيل بلغت زكاة ماله في سنة قازان خمسة وعشرين ألف دينار، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بتربته التي بباب بستانه المسمى بالمرفع عند ثورا، في طريق القابون، وهي تربة هائلة، وكانت له أملاك.
القاضي الامام جمال الدين أبو بكر بن عباس (1) بن عبد الله الخابوري، قاضي بعلبك، وأكبر أصحاب الشيخ تاج
الدين الفزاري (2) ، قدم من بعلبك ليلتقي بالقاضي الذرعي فمات بالمدرسة البادرائية لبلة السبت
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 135 والدرر 1 / 485: عياش.
__________
(2) وهو عبد الرحمن بن ابراهيم بن سباع الفزاري الامام العلامة مفتي الاسلام، توفي سنة 690 ه.

سابع جمادى الاولى ودفن بقاسيون، وله من العمر سبعون سنه اضغاث حلم.
الشيخ المعمر المسن جمال الدين عمر بن الياس بن الرشيد البعلبكي التاجر، ولد سنة ثنتين وستمائة وتوفي في ثاني عشر جمادى الاولى عن مائة وعشرين سنة، ودفن بمطحا رحمه الله.
الشيخ الامام المحدث صفي الدين [ القرافي ] صفي الدين أبو الثناء محمود بن أبي بكر محمد الحسني (1) بن يحيى بن الحسين الارموي، الصوفي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة، وسمع الكثير ورحل وطلب وكتب الكثير، وذيل على النهاية لابن الاثير، وكان قد قرأ التنبيه واشتغل في اللغة فحصل منها طرفا جيدا، ثم اضطرب عقله في سنة سبع وسبعين وغلبت عليه السوداء، وكان يفيق منها في بعض الاحيان فيذاكر صحيصا ثم يعترضه المرض المذكور، ولم يزل كذلك حتى توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة في المارستان النوري، ودفن بباب الصغير.
الخاتون المصونة خاتون بنت الملك الصالح إسماعيل بن العادل بن أبي بكر بن أيوب بن شادي بدارها.
وتعرف بدار كافور، كانت رئيسة محترمة، ولم تتزوج قط، وليس في طبقتها من بني أيوب غيرها في هذا الحين، توفيت يوم الخميس الحادي والعشرين من شعبان، ودفنت بتربة أم الصالح رحمها الله.
شيخنا الجليل المعمر الرحلة بهاء الدين بهاء الدين أبو القاسم بن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر بن نجم الدين أبي الثناء محمود
ابن الامام تاج الامناء أبي الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدمشقي الطبيب المعمر، ولد سنة تسع وعشرين وستمائة، سمع حضورا وسماعا على الكثير من المشايخ، وقد خرج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة سمعناها عليه في سنة وفاته، وكذلك خرج له الحافظ صلاح الدين العلائي عوالي من حديثه، وكتب له المحدث المفيد ناصر الدين بن طغرلبك مشيخة في سبع مجلدات تشتمل على خمسمائة وسبعين شيخا، سماعا وإجازة،
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 138 زاد في عامود نسبه:...محمد الحسني بن حامد بن أبي بكر بن محمد..

وقرئت عليه فسمعها الحافظ وغيرهم.
قال البرزالي: وقد قرأت عليه ثلاثا وعشرين مجلدا بحذف المكررات.
ومن الاجزاء خمسمائة وخمسين جزء بالمكررات.
قال: وكان قد اشتغل بالطب، وكان يعالج الناس بغير أجرة، وكان يحفظ كثيرا من الاحاديث والحكايات والاشعار، وله نظم، وخدم من عدة جهات الكتابة، ثم ترك ذلك ولزم بيته وإسماع الحديث، وتفرد في آخر عمره في أشياء كثيرة، وكان سهلا في التسميع، ووقف آخر عمره داره دار حديث، وخص الحافظ البرزالي والمزي بشئ من بره، وكانت وفاته يوم الاثنين وقت الظهر خامس وعشرين شعبان، ودفن بقاسيون رحمه الله.
الوزير ثم الامير نجم الدين حمد (1) بن الشيخ فخر الدين عثمان بن أبي القاسم البصراوي الحنفي، درس ببصرى بعد عمه القاضي صدر الدين الحنفي، ثم ولي الحسبة بدمشق ونظر الخزانة، ثم ولي الوزارة، ثم سأل الاقامة منها فعوض بأمرية عشرة عنها بإقطاع هائل، وعومل في ذلك معاملة الوزارة في حرمته ولبسته، حتى كانت وفاته ببصرى يوم الخميس ثامن عشرين شعبان، ودفن هناك، وكان كريما ممدحا وهاب نهابا كثير الصدقة والاحسان إلى الناس، ترك أموالا وأولادا ثم تفانوا كلهم بعده وتفرقت أمواله، ونكحت نساؤه وسكنت منازله.
الامير صارم الدين بن قراسنقر الجوكندار
مشد الخاص، ثم ولي بدمشق ولاية ثم عزل عنها قبل موته بستة أشهر، توفي تاسع رمضان ودفن بتربته المشرفة المبيضة شرقي مسجد النارنج (2) كان قد أعدها لنفسه.
الشيخ أحمد الاعقف الحريري شهاب الدين أحمد بن حامد بن سعيد التنوخي الحريري، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة، واشتغل في صباه على الشيخ تاج الدين الفزاري في التنبيه، ثم صحب الحريرية وخدمهم ولزم مصاحبة الشيخ نجم الدين بن إسرائيل، وسمع الحديث، وحج غير مرة، وكان مليح الشكل كثير التودد إلى الناس، حسن الاخلاق، توفي يوم الاحد ثالث عشرين رمضان بزاويته بالمزة، ودفن بمقبرة المزة، وكانت جنازته حافلة.
__________
(1) في شذرات الذهب 6 / 62: محمد.
__________
(2) في البداية المطبوعة: التاريخ تصحيف، وقد تقدمت الاشارة إليه.

وفي يوم الجمعة ثامن عشرين رمضان صلي بدمشق على غائب وهو الشيخ هارون المقدسي توفي ببعلبك في العشر الاخير من رمضان، وكان صالحا مشهورا عند الفقراء.
وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة توفي: الشيخ المقري أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يوسف بن غصن (1) الانصاري القصري ثم السبتي بالقدس، ودفن بماملي، وكانت له جنازة حافلة حضرها كريم الدين والناس مشاة، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وكان شيخا مهيبا أحمر اللحية من الحناء، اجتمعت به وبحثت معه في هذه السنة حين زرت القدس الشريف، وهي أول زيارة زرته، وكان مالكي المذهب، قد قرأ الموطأ في ثمانية أشهر، وأخذ النحو عن أبي الربيع شارح المجمل للزجاجي من طريق شريح.
شيخنا الاصيل شمس الدين شمس الدين أبو نصر محمد بن عماد الدين أبي الفضل محمد بن شمس الدين أبي نصر محمد
ابن هبة الله بن محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي، مولده في شوال تسع وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وأسمع وأفاد في علية شيخنا المزي تغمده الله برحمته، قرأ عليه عدة أجزاء بنفسه أثابه الله، وكان شيخنا حسنا خيرا مباركا متواضعا، يذهب الربعات والمصاحف، له في ذلك يد طولى، ولم يتدنس بشئ من الولايات، ولا تدنس بشئ من وظائف المدارس ولا الشهادات، إلى أن توفي في يوم عرفة ببستانه من المزة، وصلي عليه بجامعها ودفن بتربتها رحمه الله.
الشيخ العابد أبو بكر أبو بكر بن أيوب بن سعد الذرعي الحنبلي، قيم الجوزية، كان رجلا صالحا متعبدا قليل التكلف، وكان فاضلا، وقد سمع شيئا من دلائل النبوة عن الرشيدي العامري، توفي فجأة ليلة الاحد سابع عشر ذي الحجة بالمدرسة الجوزية، وصلي عليه بعد الظهر بالجامع، ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناس خيرا رحمه الله، وهو والد العلامة شمس الدين محمد بن قيم الجوزية صاحب المصنفات الكثيرة النافعة الكافية.
الامير علاء الدين بن شرف الدين محمود بن إسماعيل بن معبد البعلبكي أحد أمراء الطبلخانات، كان والده تاجرا ببعلبك
__________
(1) من غاية النهاية لابن الاثير 2 / 47: عصر تحريف.

فنشأ ولده هذا واتصل بالدولة، وعلت منزلته، حتى أعطي طبلخانة وباشر ولاية البريد بدمشق مع شد الاوقاف ثم صرف إلى ولاية الولاة بحوران، فأعترضه المرض، وكان سبط البدن عبله، فسأل أن يقال فأجيب فأقام ببستانه بالمزة إلى أن توفي في خامس عشرين ذي الحجة، وصلي عليه هناك، ودفن بمقبرة المزة، وكان من خيار الامراء وأحسنهم، مع ديانة وخير سامحه الله.
وفي هذا اليوم توفي: الفقيه الناسك شرف الدين الحراني
شرف الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن سعد الله بن عبد الاحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الواحد (1) بن عمر الحراني، المعروف بابن النجيح، توفي في وادي بني سالم، فحمل إلى المدينة فغسل وصلي عليه في الروضة ودفن بالبقيع شرقي قبر عقيل، فغبطه الناس في هذه الموتة وهذا القبر، رحمه الله، وكان من ؟ غبطه الشيخ شمس الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فمات بعده ودفن عنده وذلك بعده بثلاث سنين رحمهما الله.
وجاء يوم حضر جنازة الشيخ شرف الدين محمد المذكور شرف الدين بن أبي العز الحنفي قبل ذلك بجمعة، مرجعه من الحج بعد انفصاله عن مكة بمرحلتين فغبط الميت المذكور بتلك الموتة فرزق مثلها بالمدينة، وقد كان شرف الدين بن نجيح هذا قد صحب شيخنا العلام تقي الدين بن تيمية، وكان معه في مواطن كبار صعبه لايستطيع الاقدام عليها إلا الابطال الخلص الخواص، وسجن معه، وكان من أكبر خدامه وخواص أصحابه، ينال فيه الاذى وأوذي بسببه مرات، وكل ما له في ازدياد محبة فيه وصبرا على أذى أعدائه، وقد كان هذا الرجل في نفسه وعند الناس جيدا مشكور السيرة جيد العقل والفهم، عظيم الديانة والزهد، ولهذا كانت عاقبته هذه الموتة عقيب الحج، وصلي عليه بروضة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفن بالبقيع بقيع الفرقد بالمدينة النبوية، فختم له بصالح عمله، وقد كان كثير من السلف يتمنى أن يموت عقيب عمل صالح يعمله، وكان له جنازة حافلة رحمه الله تعالى، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها: الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك الناصر، ونائبه بمصر سيف الدين أرغون ووزيره أمين الملك، وقضاته بمصر هم المذكورون في التي قبلها، ونائبه بالشام تنكز، وقضاة الشام الشافعي جمال الدين الزرعي، والحنفي الصدر علي البصراوي، والمالكي شرف الدين الهمداني،
__________
(1) في شذرات الذهب 6 / 61: عبدالاحد.

والحنبلي شمس الدين بن مسلم، وخطيب الاموي جلال الدين القزويني، ووكيل بيت المال جمال الدين بن القلانسي، ومحتسب البلد فخر الدين ابن شيخ السلامية، وناظر الدواوين شمس الدين غبريال ومشد الدواوين علم الدين طرقشي، وناظر الجيش قطب الدين ابن شيخ السلامية، ومعين الدين بن الخشيش، وكاتب السر شهاب الدين محمود، ونقيب الاشراف شرف الدين بن عدنان، وناظر الجامع بدر الدين بن الحداد، وناظر الخزانة عز الدين بن القلانسي، ووالي البر علاء الدين بن المرواني، ووالي دمشق شهاب الدين برق.
وفي خامس عشر ربيع الاول باشر عز الدين بن القلانسي الحسبة عوضا عن ابن شيخ السلامية مع نظر الخزانة، وفي هذا الشهر حمل كريم الدين وكيل السلطان من القدس إلى الديار المصرية فاعتقل ثم أخذت منه أموال وذخائر كثيرة، ثم نفي إلى الصعيد وأجري عليه نفقات سلطانية له ولمن معه من عياله، وطلب كريم الدين الصغير وصودر بأموال جمة.
وفي يوم الجمعة الحادي عشر من ربيع الآخر قرئ كتاب السلطان بالمقصورة من الجامع الاموي بحضرة نائب السلطنة والقضاة، يتضمن إطلاق مكس الغلة (1) بالشام المحروس جميعه، فكثرت الادعية للسلطان، وقدم البريد إلى نائب الشام يوم الجمعة خامس عشرين ربيع الآخر بعزل قاضي الشافعية الزرعي، فبلغه ذلك فامتنع بنفسه من الحكم، وأقام بالعادلية بعد العزل خمسة عشر يوما ثم انتقل منها إلى الاتابكية، واستمرت بيده مشيخة الشيوخ وتدريس الاتابكية، واستدعى نائب السلطان شيخنا الامام الزاهد برهان الدين الفزاري، فعرض عليه القضاء فامتنع، فألح عليه بكل ممكن فأبى وخرج من عنده فأرسل في أثره الاعيان إلى مدرسته فدخلوا عليه بكل حيلة فامتنع من قبول الولاية، وصمم أشد التصميم، جزاه الله خيرا عن مرؤته، فلما كان يوم الجمعة جاء البريد فأخبر بتوليته قضاء الشام، وفي هذا اليوم خلع على تقي الدين سليمان بن مراجل بنظر الجامع عوضا عن بدر الدين بن الحداد توفي، وأخذ من ابن مراجل نظر المارستان الصغير لبدر الدين بن العطار، وخسف القمر ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخرة بعد العشاء، فصلى الخطيب صلاة الكسوف بأربعة سور: ق، واقتربت، والواقعة، والقيامة، ثم صلى العشاء ثم
خطب بعدها ثم أصبح فصلى بالناس الصبح ثم ركب على البريد إلى مصر فرزق من السلطان فتولاه وولاه بعد أيام القضاء ثم كر راجعا إلى الشام فدخل دمشق في خامس رجب على القضاء مع الخطابة وتدريس العادلية والغزالية، فباشر ذلك كله، وأخذت منه الامينية فدرس فيها جمال الدين بن القلانسي، مع وكالة بيت المال، وأضيف إليه قضاء العساكر وخوطب بقاضي القضاة جلال الدين القزويني.
__________
(1) كذا بالاصل والسلوك 2 / 254 وفي تذكرة النبيه 2 / 143: رسم بابطال مكس الغلة بالديار المصرية والبلاد الشامية، ومكس الغلة هو على كل غرارة ثلاثة دراهم (انظر مواعظ الاعتبار 1 / 88 والسلوك 2 / 254).

وفيها قدم ملك التكرور (1) إلى القاهرة بسبب الحج في خامس عشرين رجب، فنزل بالقرافة ومعه من المغاربة والخدم نحو من عشرين ألفا، ومعهم ذهب كثير بحيث إنه نزل سعر الذهب درهمين في كل مثقال، ويقال له الملك الاشرف موسى بن أبي بكر، وهو شاب جميل الصورة، له مملكة متسعة مسيرة ثلاث سنين، ويذكر أن تحت يده أربعة وعشرين (2) ملكا، كل ملك تحت يده خلق وعساكر، ولما دخل قلعة الجبل ليسلم على السلطان أمر بتقبيل الارض فامتنع من ذلك، فأكرمه السلطان، ولم يمكن من الجلوس أيضا حتى خرج من بين يدي السلطان وأحضر له حصان أشهب بزناري أطلس أصفر، وهيئت له هجن وآلات كثيرة تليق بمثله، وأرسل هو إلى السلطان أيضا بهدايا كثيرة من جملتها أربعون ألف دينار، وإلى النائب بنحو عشرة آلاف دينار، وتحف كثيرة.
وفي شعبان ورمضان زاد النيل بمصر زيادة عظيمة، لم ير مثلها من نحو مائة سنة أو أزيد منها ومكث على الاراضي نحو ثلاثة ونصف، وغرق أقصابا كثيرة، ولكن كان نفعه أعظم من ضره.
وفي يوم الخميس ثامن عشر شعبان استناب القاضي جلال الدين القزويني نائبين في الحكم، وهما يوسف بن إبراهيم بن جملة المحجي الصالحي، وقد ولي القضاء فيما بعد ذلك كما سيأتي، ومحمد بن علي بن إبراهيم المصري، وحكما يومئذ، ومن الغد جاء البريد ومعه تقليد
قضاء حلب للشيخ كمال الدين بن الزمكاني، فاستدعاه نائب السلطنة وفاوضه في ذلك فامتنع، فراجعه النائب ثم راجع السلطان فجاء البريد في ثاني عشر رمضان بإمضاء الولاية فشرع للتأهب لبلاد حلب، وتمادى في ذلك حتى كان خروجه إليها في بكرة يوم الخميس رابع عشر شوال، ودخل حلب يوم الثلاثاء سادس عشرين شوال فأكرم إكراما زائدا، ودرس بها وألقى علوما أكبر من تلك البلاد، وحصل لهم الشرف بفنونه وفوائده، وحصل لاهل الشام الاسف على دروسه الانيقة الفائقة، وما أحسن ما قال الشاعر وهو شمس الدين محمد الحناط في قصيدة له مطولة أولها قوله: أسفت لفقدك جلق الفيحاء * وتباشرت بقدومك الشهباء وفي ثاني عشر رمضان عزل أمين الملك عن وزارة مصر وأضيفت الوزارة إلى الامير علاء الدين مغلطاي الحمالي، أستاذ دار السلطان.
وفي أواخر رمضان طلب الصاحب شمس الدين غبريال إلى القاهرة فولي بها نظر الدواوين عوضا عن كريم الدين الصغير، وقدم كريم الدين المذكور إلى دمشق في شوال، فنزل بدار العدل من القصاعين.
وولي سيف الدين قديدار ولاية مصر، وهو شهم سفاك
__________
(1) يقصد بالتكرور دولة مالي الاسلامية أو دولة الماندنجو، فالتكرور أقليم من أقاليم الدولة (صبح الاعشى 5 / 282).
والتكرور أو تكاررة أو تكارنة تستعمل في المشرق للدلالة على جميع سكان السودان الاوسط والغربي.
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 142: أربعة عشر.

للدماء، فأراق الخمور وأحرق الحشيشة وأمسك الشطار، واستقامت به أحوال القاهرة ومصر، وكان هذا الرجل ملازما لابن تيمية مدة مقامه بمصر.
وفي رمضان قدم إلى مصر الشيخ نجم الدين عبد الرحيم بن الشحام الموصلي من بلاد السلطان أزبك.
وعنده فنون من علم الطب وغيره، ومعه كتاب بالوصية به فأعطي تدريس الظاهرية البرانية نزل له عنها جمال الدين بن القلانسي، فباشرها في مستهل ذي الحجة، ثم درس بالجاروضية (1).
ثم خرج الركب في تاسع شوال وأميره كوكنجبار المحمدي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري.
وممن
خرج إلى الحج برهان الدين الفزاري، وشهاب الدين قرطاي الناصري نائب طرابلس، وصاروحا وشهرى وغيرهم.
وفي نصف شوال زاد السلطان في عدة الفقهاء بمدرسته الناصرية، كان فيها من كل مذهب ثلاثون ثلاثون، فزادهم إلى أربعة وخمسين من كل مذهب، وزادهم في الجوامك أيضا.
وفي الثالث والعشرين منه وجد كريم الدين الكبير وكيل السلطان قد شنق نفسه داخل خزانة له قد أغلقها عليه من داخل: ربط حلقه في حبل وكان تحت رجليه قفص فدفع القفص برجليه فمات في مدينة أسوان، وستأتي ترجمته.
وفي سابع عشر ذي القعدة زينت دمشق بسبب عافية السلطان من مرض كان قد أشفى منه على الموت، وفي ذي القعدة درس جمال الدين بن القلانسي بالظاهرية الجوانية عوضا عن ابن الزملكاني، سافر على قضاء حلب، وحضر عنده القاضي القزويني، وجاء كتاب صادق من بغداد إلى المولى شمس بن حسان يذكر فيه أن الامير جوبان أعطى الامير محمد حسيناه قدحا فيه خمر ليشربه، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، فألح عليه وأقسم فأبى أشد الاباء، فقال له إن لم تشربها وإلا كلفتك أن تحمل ثلاثين تومانا، فقال: نعم أحمل ولا أشربها، فكتب عليه حجة بذلك، وخرج من عنده إلى أمير آخر يقال له: بكتي، فاستقرض منه ذلك المال ثلاثين تومانا فأبى أن يقرضه إلا بربح عشرة توامين، فاتفقا على ذلك، فبعث بكتي إلى جوبان يقول له: المال الذي طلبته من حسيناه عندي فإن رسمت حملته إلى الخزانة الشريفة، وإن رسمت تفرقه على الجيش.
فأرسل جوبان إلى محمد حسيناه فأحضره عنده فقال له: تزن أربعين تومانا ولا تشرب قدحا من خمر ؟ قال: نعم، فأعجبه ذلك منه ومزق الحجة المكتوبة عليه، وحظي عنده وحكمه في أموره كلها، وولاه ولايات كتابه، وحصل لجوبان إقلاع ورجوع عن كثير مما كان يتعاطاه، رحم الله حسيناه.
وفي هذه السنة كانت فتنة بأصبهان قتل بسببها ألوف من أهلها، واستمرت الحرب بينهم شهورا.
وفيها كان غلاء مفرط بدمشق، بلغت الغرارة مائتين وعشرين، وقلت الاقوات.
ولو لا أن الله أقام الناس من يحمل لهم الغلة من مصر لاشتد الغلاء وزاد أضعاف ذلك، فكان مات أكثر
__________
(1) تقدم أنها المدرسة الجاروخية نسبة إلى جاروخ التركي.

الناس، واستمر ذلك مدة شهور من هذه السنة، وإلى أثناء سنة خمس وعشرين، حتى قدمت الغلات ورخصت الاسعار ولله الحمد والمنة.
وممن توفي فيها من الاعيان: توفي في مستهل المحرم: بدر الدين بن ممدوح بن أحمد الحنفي قاضي قلعة الروم بالحجاز الشريف، وقد كان عبدا صالحا، حج مرات عديدة، وربما أحرم من قلعة الروم أو حرم بيت المقدس، وصلي عليه بدمشق صلاه الغائب، وعلى شرف الدين ابن العز وعلى شرف الدين بن نجيح توفوا في أقل من نصف شهر كلهم بطريق الحجاز بعد فراغهم من الحج وذلك أنهم غبطوا ابن نجيح صاحب الشيخ تقي الدين بن تيمية بتلك الموتة كما تقدم، فرزقوها فماتوا عقيب عملهم الصالح بعد الحج.
الحجة الكبيرة خوندا بنت مكية زوجة الملك الناصر، وقد كانت زوجة أخيه الملك الاشرف ثم هجرها الناصر وأخرجها من القلعة، وكانت جنازتها حافلة، ودفنت بتربتها التي أنشأتها.
الشيخ محمد بن جعفر بن فرعوش ويقال له اللباد ويعرف بالمؤله، كان يقرئ الناس بجامع نحوا من أربعين سنة، وقد قرأت عليه شيئا من القراءات، وكان يعلم الصغار عقد الراء والحروف المتقنة كالراء ونحوها، وكان متقللا من الدنيا لا يقتني شيئا، وليس له بيت ولا خزانة، إنما كان يأكل في السوق وينام في الجامع، توفي في مستهل صفر وقد جاوز السبعين، ودفن في باب الفراديس رحمه الله.
وفي هذا اليوم توفي بمصر.
الشيخ أيوب السعودي وقد قارب المائة، أدرك الشيخ أبا السعود وكانت جنازته مشهودة.
ودفن بتربة شيخه بالقرافة وكتب عنه قاضي القضاة تقي الدين السبكي في حياته، وذكر الشيخ أبو بكر الرحبي أنه لم
ير مثل جنازته بالقاهرة منذ سكنها رحمه الله.
الشيخ الامام الزاهد نور الدين أبو الحسن علي بن يعقوب بن جبريل البكري المصري الشافعي، له تصانيف، وقرأ مسند

الشافعي على وزيرة بنت المنجا، ثم إنه أقام بمصر، وقد كان في جملة من ينكر على شيخ الاسلام ابن تيمية، أراد بعض الدولة قتله فهرب واختفى عنده كما تقدم لما كان ابن تيمية مقيما بمصر، وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة كدرة لا طمت بحرا عظيما صافيا، أو رملة أرادت زوال جبل، وقد أضحك العقلاء عليه، وقد أرا السلطان قتله فشفع فيه بعض الامراء، ثم أنكر مرة شيئا على الدولة فنفي من القاهرة إلى بلدة يقال لها: ديروط، فكان بها حتى توفي يوم الاثنين سابع ربيع الآخر، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته مشهورة غير مشهودة، وكان شيخه ينكر عليه إنكاره على ابن تيمية، ويقول له أنت لا تحسن أن تتكلم.
الشيخ محمد الباجريقي الذي تنسب إليه الفرقة الضالة الباجريقية، والمشهور عنه أنكار الصانع جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وقد كان والده جمال الدين بن عبد الرحيم بن عمر الموصلي رجلا صالحا من علماء الشافعية ودرس في أماكن بدمشق، ونشأ ولده هذا بين الفقهاء واشتغل بعض شئ ثم أقبل على السلوك ورزم جماعة يعتقدونه ويزورونه ويرزقونه ممن هو على طريقه، وآخرون لا يفهمونه، ثم حكم القاضي المالكي بإراقة دمه فهرب إلى الشرق، ثم إنه أثبت عداوة بينه وبين الشهود فحكم الحنبلي بحقن دمه فأقام بالقابون مدة سنين حين كانت وفاته ليلة الاربعاء سادس عشر ربيع الآخر، ودفن بالقرب من مغارة الدم بسفح قاسيون في قبة في أعلى ذيل الجبل تحت المغارة، وله من العمر ستون سنة.
شيخنا القاضي أبو زكريا محيي الدين أبو زكريا يحيى بن الفاضل جمال الدين إسحاق بن خليل بن فارس الشيباني
الشافعي اشتغل على النواوي ولازم ابن المقدسي، وولي الحكم بزرع وغيرها، ثم قام بدمشق يشتغل في الجامع، ودرس في الصارمية وأعاد في مدارس عدة إلى أن توفي في سلخ ربيع الآخر ودفن بقاسيون وقد قارب الثمانين رحمه الله، وسمع كثيرا وخرج له الذهبي شيئا وسمعنا عليه الدارقطني وغيره.
الفقيه الكبير الصدر الامام العالم الخطيب بالجامع بدر الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمدي الحنبلي، سمع الحديث واشتغل وحفظ المحرر في مذهب أحمد وبرع على ابن حمدان وشرحه عليه في مدة سنين وقد كان ابن حمدان يثني عليه كثيرا وعلى ذهنه وذكائه، ثم اشتغل بالكتابة ولزم خدمة الامير

قراسنقر بحلب، فولاه نظر الاوقاف وخطابة حلب بجامعها الاعظم، ثم لما صار إلى دمشق ولاه خطابة الاموي فاستمر خطيبا فيها اثنين وأربعين يوما، ثم أعيد إليها جلال الدين القزويني، ثم ولي نظر المارستان والحسبة ونظر الجامع الاموي، وعين لقضاء الحنابلة في وقت، ثم توفي ليلة الاربعاء سابع جمادى الآخرة ودفن بباب الصغير رحمه الله.
الكاتب المفيد قطب الدين أحمد بن مفضل بن فضل الله المصري، أخو محيي الدين كاتب تنكز، والد الصاحب علم الدين كان خبيرا بالكتابة وقد ولي استيفاء الاوقاف بعد أخيه، وكان أسن من أخيه، وهو الذي علمه صناعة الكتابة وغيرها، توفي ليلة الاثنين ثاني رجب وعمل عزاؤه بالسميساطية، وكان مباشر أوقافها.
الامير الكبير ملك العرب محمد بن عيسى بن مهنا أخو مهنا، توفي بسلمية يوم السبت سابع رجب، وقد جاوز الستين كان مليح الشكل حسن السيرة عاملا عارفا رحمه الله.
وفي هذا الشهر وصل الخبر إلى دمشق بموت:
الوزير الكبير علي شاه بن أبي بكر التبريزي وزير أبي سعيد بعد قتل سعد الدين الساوي، وكان شيخا جليلا فيه دين وخير، وحمل إلى تبريز فدفن بها في الشهر الماضي رحمه الله.
الامير سيف الدين بكتمر والي الولاة صاحب الاوقاف في بلدان شتى: من ذلك مدرسة بالصلب، وله درس بمدرسة أبي عمر وغير ذلك، توفي بالاسكندرية، وهو نائبها خامس رمضان رحمه الله.
شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الامام العلامة زين الدين بن المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الحنبلي، أخو قاضي القضاة علاء الدين، سمع الحديث ودرس وأفتى، وصحب الشيخ تقي

الدين بن تيمية، وكان فيه دين ومودة وكرم وقضاء حقوق كثيرة، توفي ليلة الاثنين رابع شوال، وكان مولده في سنة خمس وسبعين وستمائة، ودفن بتربتهم بالصالحية.
الشيخ حسن الكردي الموله كان يخالط النجاسات والقاذورات، ويمشي حافيا، وربما تكلم بشئ من الهذيانات التي تشبه علم المغيبات، وللناس فيه اعتقاد كما هو المعروف من أهل العمى والضلالات، مات في شوال.
كريم الدين الذي كان وكيل السلطان عبد الكريم بن العلم هبة الله المسلماني، حصل له من الاموال والتقدم والمكانة الخطيرة عند السلطان ما لم يحصل لغيره في دولة الاتراك، وقد وقف الجامعين بدمشق أحدهما جامع القبيبات والحوض الكبير الذي تجاه باب الجامع، واشترى له نهر ماء بخمسين ألفا، فانتفع به الناس انتفاعا كثيرا، ووجدوا رفقا.
والثاني الجامع الذي بالقابون.
وله صدقات كثيرة تقبل الله منه وعفا عنه، وقد مسك في آخر عمره ثم صودر ونفي إلى الشوبك، ثم إلى القدس، ثم الصعيد فخنق
نفسه كما قيل بعمامته بمدينة أسوان (1)، وذلك في الثالث والعشرين من شوال، وقد كان حسن الشكل تام القامة، ووجد له بعد موته ذخائر كثيرة سامحه الله.
الشيخ الامام العالم علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان بن العطار، شيخ دار الحديث النورية، ومدرس القوصية بالجامع، ولد يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل على الشيخ محيي الدين النواوي ولازمه حتى كان يقال له مختصر النواوي، وله مصنفات وفوائد ومجاميع وتخاريج، وباشر مشيخة النورية من سنة أربع وتسعين إلى هذه السنة، مدة ثلاثين سنة، توفي يوم الاثنين منها مستهل ذي الحجة فولي بعده النورية علم الدين البرزالي، وتولى الغوصية شهاب الدين بن حرز الله وصلي عليه بالجامع ودفن بقاسيون رحمه الله، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وأولها يوم الاربعاء.
وفي خامس صفر
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 133: بمدينة قوص، وفيه ذكر وفاته سنة 723، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 453 ذكر وفاته سنة 722.

منها قدم إلى دمشق الشيخ شمس الدين محمود الاصبهاني بعد مرجعه من الحج وزيارة القدس الشريف وهو رجل فاضل له مصنفات منها: شرح مختصر (1) ابن الحاجب، وشرح التجويد (2) وغير ذلك، ثم إنه شرح الحاجبية أيضا وجمع له تفسيرا بعد صيرورته إلى مصر، ولما قدم إلى دمشق أكرم واشتغل عليه الطلبة، وكان حظيا عند القاضي جلال الدين القزويني، ثم إنه ترك الكل وصار يتردد إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وسمع عليه من مصنفاته ورده على أهل الكلام، ولازمه مدة فلما مات الشيخ تقي الدين تحول إلى مصر وجمع التفسير.
وفي ربيع الاول حرد السلطان تجريدة نحو خمسة آلاف إلى اليمن لخروج عمه عليه (3)، وصحبتهم خلق كثير من الحجاج، منه الشيخ فخر الدين النويري.
وفيها منع شهاب الدين بن
مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر، على طريقة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة، وحضر المذكور بين يدي السلطان وأثنى عليه جماعة من الامراء، مسفر إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل، ثم انتزح إلى بلاد الشرق وأقام بسنجار وماردين ومعاملتهما يتكلم ويعظ الناس إلى أن مات رحمه الله كما سنذكره.
وفي ربيع الآخر عاد نائب الشام من مصر وقد أكرمه السلطان والامراء.
وفي جمادى الاولى وقع بمصر مطر لم يسمع بمثله بحيث زاد النيل بسببه أربع أصابع، وتغير أياما.
وفيه زادت دجلة ببغداد حتى غرقت ما حول بغداد وانحصر الناس بها ستة أيام لم تفتح أبوابها، وبقيت مثل السفينة في وسط البحر، وغرق خلق كثير من الفلاحين وغيرهم، وتلف للناس ما يعلمه إلا الله، وودع أهل البلد بعضهم بعضا، ولجأوا إلى الله تعالى وحملوا المصاحف على رؤوسهم في شدة الشوق في أنفسهم حتى القضاة والاعيان، وكان وقتا عجيبا، ثم لطف الله بهم فغيض الماء وتناقص، وتراجع الناس إلى ما كانوا عليه من أمورهم الجائرة وغير الجائرة، وذكر بعضهم أنه غرق بالجانب الغربي نحو من ستة آلاف وستمائة بيت، وإلى عشر سنين لا يرجع ما غرق.
__________
(1) وهو مختصر منتهى السؤل والامل في علم الاصول والجدل للشيخ عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (كشف الظنون 2 / 1625).
__________
(2) وهو تجريد الكلام للعلامة محمد بن محمد الطوسي، نصير الدين (كشف الظنون 1 / 346).
__________
(3) وهو الملك المجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول.
وقد حكم اليمن في الفترة من 721 - 764 (انظر الدرر 3 / 18 مختصر أخبار البشر 4 / 94).
وفي سبب تجريده هذه الحملة قولان: الاول: ان التجريدة جاءت بناء على طلب الملك واكثاره من ترغيب السلطان في المال الذي باليمن.
فاجتمعوا إليه فور وصولهم وألبسوه خلع السلطنة ثم رجعوا إلى الديار المصرية.
والآخر: انه بلغ السلطان اضطراب حال اليمن وفساد الرعية فأرسل إليها جيشا، وخوفا من هذا الجيش واستيحاشه منه - تمنع الملك المؤيد في قلعة تعز وعصى بها ولم يكن مع الجيش إلا مرسوما بمساعدته وتقرير ولايته فتركوه وعادوا إلى الديار المصرية.
(تذكرة النبيه 2 / 149 مختصر أخبار البشر 4 / 94 كنز الدرر 9 / 318 السلوك 2 / 259).

وفي أوائل جمادى الآخرة فتح السلطان خانقاه سرياقوس التي أنشأها وساق إليها خليجا وبنى عندها محلة، وحضر السلطان بها ومعه القضاة والاعيان والامراء وغيرهم، ووليها مجد الدين الاقصرائي، وعمل السلطان بها وليمة كبيرة، وسمع على قاضي القضاة ابن جماعة عشرين حديثا بقراءة ولده عز الدين بحضرة الدولة منهم أرغون النائب، وشيخ الشيوخ القونوي وغيرهم، وخلع على القارئ عز الدين وأثنوا عليه ثناء زائدا، وأجلس مكرما، وخلع أيضا على والده ابن جماعة وعلى المالكي وشيخ الشيوخ، وعلى مجد الدين الاقصرائي شيخ الخانقاه المذكورة وغيرهم.
وفي يوم الاربعاء رابع عشر رجب درس بقبة المنصورية في الحديث الشيخ زين الدين بن الكتاني الدمشقي، بإشارة نائب الكرك وأرغون، وحضر عنده الناس، وكان فقيها جيدا، وأما الحديث فليس من فنه ولا من شغله.
وفي أواخر رجب قدم الشيخ زين الدين بن عبد الله بن المرحل من مصر على تدريس الشامية البرانية، وكانت بيد ابن الزملكاني فانتقل إلى قضاء حلب، فدرس بها في خامس شعبان وحضر القاضي الشافعي وجماعة.
وفي سلخ رجب قدم القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة من مصر ومعه ولده، وفي صحبته الشيخ جمال الدين الدمياطي وجماعة من الطلبة بسبب سماع الحديث، فقرأ بنفسه وقرأ الناس له واعتنوا بأمره، وسمعنا معهم وبقراءته شيئا كثيرا، نفعهم الله بما قرأوا وبما سمعوا، ونفع بهم.
وفي يوم الاربعاء ثاني عشر شوال درس الشيخ شمس الدين بن الاصبهاني، بالرواحية بعد ذهاب ابن الزملكاني إلى حلب، وحضر عند القضاة والاعيان، وكان فيهم شيخ الاسلام ابن تيمية، وجرى يومئذ بحث في العام إذا خص، وفي الاستثناء بعد النفي ووقع انتشار وطال الكلام في ذلك المجلس، وتكلم الشيخ تقي الدين كلاما أبهت الحاضرين، وتأخر ثبوت عيد الفطر إلى قريب يوم العيد، فلما ثبت دقت البشائر وصلى الخطيب العيد من الغد بالجامع، ولم يخرج الناس إلى المصلى، وتغضب الناس على المؤذنين وسجن بعضهم.
وخرج الركب في عاشره وأميره صلاح الدين بن أيبك الطويل، وفي الركب صلاح الدين بن
أوحد، والمنكورسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهر.
وفي سابع عشره درس الرباط الناصري بقاسيون حسام الدين القزويني الذي كان قاضي طرابلس، قايضه بها جمال الدين الشريشني إلى تدريس المسرورية (0 1)، وكان قد جاء توقيعه بالعذراوية والظاهرية فوقف في طريقه قاضي القضاة جمال الدين ونائباه ابن جملة والفخر المصري، وعقد له ولكمال الدين بن الشيرازي مجلسا، ومعه توقيع بالشامية البرانية، فعطل الامر عليهما لانهما لم يظهرا استحقاقهما في ذلك المجلس، فصارت المدرستان العذراوية والشامية لابن المرحل كما ذكرنا، وعظم القزويني
__________
(1) المدرسة السرورية: بدمشق أنشأها الطواشي شمس الدين الخواص مسرور في العصر الفاطمي (الدارس 1 / 455).

بالمسرورية فقايض منها لابن الشريشي إلى الرباط الناصري، فدرس به في هذا اليوم وحضر عنده القاضي جلال الدين، ودرس بعده ابن الشريشي بالمسرورية وحضر عنده الناس أيضا.
وفيه عادت التجريدة اليمنية وقد فقد منهم خلق كثير من الغلمان وغيرهم، فحبس مقدمهم الكبير ركن الدين بيبرس لسوء سيرته فيهم (1).
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ إبراهيم الصباح وهو إبراهيم بن منير البعلبكي، كان مشهورا بالصلاح مقيما بالمأذنة الشرقية، توفي ليلة الاربعاء مستهل المحرم ودفن بالباب الصغير، وكانت جنازته حافلة، حمله الناس على رؤوس الاصابع، وكان ملازما لمجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية.
إبراهيم الموله الذي يقال له القميني لاقامته بالقمامين خارج باب شرقي، وربما كاشف بعض العوام، ومع هذا لم يكن من أهل الصلاة، وقد استتابه الشيخ تقي الدين بن تيمية وضربه على ترك الصلوات ومخالطة القاذورات، وجمع النساء والرجال حوله في الاماكن النجسة.
توفي كهلا في هذا
الشهر.
الشيخ عفيف الدين محمد بن عمر بن عثمان بن عمر الصقلي ثم الدمشقي، إمام مسجد الرأس، آخر من حدث عن ابن الصلاح ببعض سنن البيهقي، سمعنا عليه شيئا منها، توفي في صفر.
الشيخ الصالح العابد الزاهد الناسك عبد الله بن موسى بن أحمد الجزري، الذي كان مقيما [ بزاوية ] (2) أبي بكر من جامع
__________
(1) تقدم أن الملك المؤيد أثار في وجه الجيش الصعوبات، فوجدوا مشقة عظيمة من العطش والجوع فانتشروا ينهبون ما يجدونه في أيدي الناس، وخرجوا إلى جبل صبر فتخطف أهله جمالهم وغلمانهم ورموا عليهم بالمقاليع..مما جعلهم يقبضون على نائب المملكة ويوسطونه في تهامة وقد علقوه في شجرة..(المختصر في أخبار البشر 4 / 94 كنز الدرر 9 / 318 السلوك 2 / 259).
(2) بياض بالاصل، اختل بسببه المعنى، ولعل ما أثبتناه قريب من الصحة والصواب.

دمشق، كان من الصالحين الكبار مباركا خيرا، عليه سكينة ووقار، وكانت له مطالعة كثيرة، وله فهم جيد وعقل جيد، وكان من الملازمين لمجالس الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان ينقل من كلامه أشياء كثيرة ويفهمها يعجز عنها الفقهاء.
توفي يوم الاثنين سادس عشرين صفر، وصلي عليه بالجامع ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة محمودة.
الشيخ الصالح الكبير المعمر الرجل الصالح تقي الدين بن الصائغ المقري المصري، الشافعي من بقي من مشايخ القراء وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي، توفي في صفر ودفن بالقرافة وكانت جنازته حافلة، قارب التسعين ولم يبق له منها سوى سنة واحدة، وقد قرأ عليه غير واحد وهو ممن طال عمره (1) وحسن عمله.
الشيخ الامام صدر الدين
أبو زكريا يحيى بن علي بن تمام بن موسى الانصاري السبكي الشافعي، سمع الحديث وبرع في الاصول والفقه، ودرس بالسيفية وباشرها بعده ابن أخيه تقي الدين السبكي الذي تولى قضاء الشام فيما بعد.
الشهاب محمود هو الصدر الكبير الشيخ الامام العالم العلامة شيخ صناعة الانشاء الذي لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله في صنعه الانشاء، وله خصائص ليس للفاضل من كثرة النظم والقصائد المطولة الحسنة البليغة، فهو شهاب الدين أبو الثنا محمود بن سلمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة بحلب، وسمع الحديث وعني باللغة والادب والشعر وكان كثير الفضائل بارعا في علم الانشاء نظما ونثرا، وله في ذلك كتب ومصنفات حسنة فائقة، وقد مكث في ديوان الانشاء نحوا من خمسين سنة، ثم ولي كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين إلى أن توفي ليلة السبت ثاني عشرين شعبان في منزله قرب باب النطفانيين وهي دار القاضي الفاضل وصلي عليه بالجامع ودفن بتربة له أنشأها بالقرب من اليغمورية وقد جاوز الثمانين رحمه الله.
شيخنا عفيف الدين الامدي عفيف الدين إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الآمدي ثم الدمشقي
__________
(1) ولد في ثامن عشر جمادى الاولى سنة 636 ه.
وتوفي ثامن عشر صفر (غاية النهاية 2 / 65).

الحنفي شيخ دار الحديث الظاهرية، ولد في حدود الاربعين وستمائة، وسمع الحديث على جماعة كثيرين، منهم يوسف بن خليل ومجد الدين بن تيمية، وكان شيخنا حسنا بهي المنظر سهل الاسماع يحب الرواية ولديه فضيلة، توفي ليلة الاثنين ثاني عشرين رمضان، ودفن بقاسيون، وهو والد فخر الدين ناظر الجيوش والجامع.
وقبله بيوم توفي الصدر معين الدين يوسف بن زغيب الرحبي أحد كبار التجار الامناء.
وفي رمضان توفي..البدر العوام
وهو محمد بن علي البابا الحلبي، وكان فردا في العوم، وطيب الاخلاق، انتفع به جماعة من التجار في بحر اليمن كان معهم فغرق بهم الركب، فلجأوا إلى صخرة في البحر، وكانوا ثلاثة عشر، ثم إنه غطس فاستخرج لهم أموالا من قرار بعد أن أفلسوا وكادوا أن يهلكوا، وكان فيه ديانة وصيانة، وقد قرأ القرآن وحج عشر مرات، وعاش ثمانيا وثمانين سنة رحمه الله، وكان يسمع الشيخ تقي الدين بن تيمية كثيرا.
وفيه توفي: الشهاب أحمد بن عثمان الامشاطي الاديب في الازجان والموشحات والمواليا والدوبيت والبلاليق، وكان أستاذ أهل ذمة الصناعة مات في عشر الستين.
القاضي الامام العالم الزاهد صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح بن خصيب الجعفري الشافعي المعروف بخطيب داريا، ولد سنة ثنتين وأربعين وستمائة، بقرية سرا من عمل السواد، وقدم مع والده فقرأ بالصالحية القرآن على الشيخ نصر بن عبيد، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ محيي الدين النووي، والشيخ تاج الدين الفزاري، وتولى خطابة داريا وأعاد بالناصرية، وتولى نيابة القضاء لابن صصرى مدة، وكان متزهدا لا يتنعم بحمام ولا كتان ولا غيره، ولم يغير ما اعتاده في البر، وكان متواضعا، وهو الذي استسقى بالناس في سنة تسع عشرة فسقوا كما ذكرنا، وكان يذكر له نسبا إلى جعفر الطيار، بينه وبينه عشرة (1) آباء، ثم ولي خطابة العقيبية فترك نيابة الحكم وقال هذه تكفي إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ذي القعدة، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته مشهورة رحمه الله، وتولي بعده الخطابة ولده شهاب الدين.
__________
(1) في شذرات الذهب 6 / 67: ثلاثة عشر.

أحمد بن صبيح المؤذن الرئيس بالعروس بجامع دمشق مع البرهان بدر الدين أبو عبد الله محمد بن صبيح بن عبد
الله التفليسي مولاهم المقري المؤذن، كان من أحسن الناس صوتا في زمانه، وأطيبهم نغمة، ولد سنة ثنتين وخمسين وستمائة تقريبا، وسمع الحديث في سنة سبع وخمسين، وممن سمع عليه ابن عبد الدائم وغيره من المشايخ، وحدث وكان رجلا حسنا، أبوه مولى لامرأة اسمها شامة بنت كامل الدين التفليسي، امرأة فخر الدين الكرخي، وباشر مشارفة الجامع وقراءة المصحف، وأذن عند نائب السلطنة مدة، وتوفي في ذي الحجة بالطواويس، وصلي عليه بجامع العقيبية، ودفن بمقابر باب الفراديس.
خطاب باني خان خطاب الذي بين الكسوة وغباغب.
الامير الكبير عز الدين خطاب بن محمود بن رتقش العراقي، كان شيخنا كبيرا له ثروة من المال كبيرة، وأملاك وأموال، وله حمام بحكر السماق، وقد عمر الخان المشهور به بعد موته إلى ناحية الكتف المصري، مما يلي غباغب، وهو برج الصفر، وقد حصل لكثير من المسافرين به رفق، توفي ليلة سبع عشرة ربيع الآخر ودفن بتربته بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.
وفي ذي القعدة منها توفي رجل آخر اسمه: ركن الدين خطاب بن الصاحب كمال الدين أحمد ابن أخت ابن خطاب الرومي السيواسي، له خانقاه ببلده بسيواس، عليها أوقاف كثيرة وبر وصدقة، توفي وهو ذاهب إلى الحجاز الشريف بالكرك، ودفن بالقرب من جعفر وأصحابه بمؤتة رحمه الله.
وفي العشر الاخير من ذي القعدة توفي: بدر الدين أبو عبد الله محمد بن كمال الدين أحمد بن أبي الفتح بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سليمان بن فتيان الشيباني المعروف بابن العطار، ولد سنة سبعين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وكتب الخط المنسوب واشتغل بالتنبيه ونظم الشعر، وولي كتابة الدرج، ثم نظر الجيش ونظر الاشراف، وكانت له حظوة في أيام الافرم، ثم حصل له خمول قليل، وكان مترفا منعما له ثروة ورياسة وتواضع وحسن سيرة، ودفن بسفح قاسيون بتربتهم رحمه الله.

القاضي محيي الدين أبو محمد بن الحسن بن محمد بن عمار بن فتوح الحارثي، قاضي الزبداني مدة طويلة، ثم ولي قضاء الكرك وبها مات في العشرين من ذي الحجة، وكان مولده سنة خمس وأربعين وستمائة، وقد سمع الحديث واشتغل، وكان حسن الاخلاق متواضعا، وهو والد الشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني مدرس الظاهرية رحمه الله.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، سوى كاتب سر دمشق شهاب الدين محمود فإنه توفي، وولي المنصب من بعده ولده الصدر شمس الدين.
و فيها تحول التجار في قماش النساء المخيط من الدهشة التي للجامع إلى دهشة سوق علي.
وفي يوم الاربعاء ثامن المحرم باشر مشيخة الحديث الظاهرية الشيخ شهاب الدين بن جهبل بعد وفاة العفيف إسحاق وترك تدريس الصلاحية بالقدس الشريف، واختار دمشق، وحضر عند القضاة والاعيان.
وفي أولها فتح الحمام الذي بناه الامير سيف الدين جوبان بجوار داره بالقرب من دار الجالق، وله بابان أحدهما إلى جهة مسجد الوزير، وحصل به نفع.
وفي يوم الاثنين ثاني صفر قدم الصاحب غبريال من مصر على البريد متوليا نظر الدواوين بدمشق على عادته، وانفصل عنها الكريم الصغير، وفرح الناس به.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشرين ربيع الاول بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيثي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله، وصحبته الزنادقة كالنجم بن خلكان، والشمس محمد الباجريقي، وابن المعمار البغدادي، وكل فيهم انحلال وزندقة مشهور بها بين الناس.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر التلاعب بدين الاسلام، والاستهانة بالنبوة والقرآن.
قال وحضر قتله العلماء والاكابر وأعيان الدولة.
قال: وكان هذا الرجل في أول أمره قد حفظ التنبيه، وكان يقرأ في الختم بصوت
حسن، وعنده نباهة وفهم، وكان منزلا في المدارس والترب، ثم إنه انسلخ من ذلك جميعه، وكان قتله عزا للاسلام وذلا للزنادقة وأهل البدع.
قلت: وقد شهدت قتله، وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية حاضرا يومئذ، وقد أتاه وقرعه على ما كان يصدر منه قبل قتله، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك.
وفي شهر ربيع الاول رسم في إخراج الكلاب من مدينة دمشق فجعلوا في الخندق من جهة باب الصغير من ناحية باب شرقي، الذكور على حدة والاناث على حدة، وألزم أصحاب

الدكاكين بذلك، وشددوا في أمرهم أياما.
وفي ربيع الاول ولي الشيخ علاء الدين المقدسي معيد البادرانية مشيخة الصلاحية بالقدس الشريف، وسافر إليها.
وفي جمادى الآخرة عزل قرطاي عن ولاية طرابلس ووليها طينال وأقر قرطاي على خبز القرماني بدمشق بحكم سجن القرماني بقلعة دمشق.
قال البرزالي: وفي يوم الاثنين عند العصر سادس عشر شعبان اعتقل الشيخ الامام العالم العلامة تقي الدين بن تيمية بقلعة دمشق، حضر إليه من جهة نائب السلطنة تنكز مشدا الاوقاف وابن الخطيري أحد الحجاب بدمشق، وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بذلك، وأحضرا معهما مركوبا ليركبه، وأظهر السرور والفرح بذلك، وقال أنا كنت منتظرا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة، وركبوا جميعا من داره إلى باب القلعة، وأخليت له قاعة وأجرى إليها الماء ورسم له بالاقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورسم له ما يقوم بكفايته.
قال البرزالي: وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنه من الفتيا، وهذه الواقعة سببها فتيا وجدت بخطه في السفر وإعمال المطي إلى زيارة قبور الانبياء عليهم الصلاة والسلام، وقبور الصالحين.
وقال: وفي يوم الاربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه، فما تقتضيه الشريعة في أمرهم، وعزر (1) جماعة منهم
على دواب ونودي عليهم ثم أطلقوا، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة، وسكتت القضية.
قال وفي أول رمضان وصلت الاخبار إلى دمشق أنه أجريت عين ماء إلى مكة شرفها الله وانتفع الناس بها انتفاعا عظيما، وهذه العين تعرف قديما بعين باذان، أجراها جوبان من بلاد بعيدة حتى دخلت إلى نفس مكة، ووصلت إلى عند الصفا وباب إبراهيم، واستقى الناس منها فقيرهم وغنيهم وضعيفهم وشريفهم، كلهم فيها سواء، وارتفق أهل مكة بذلك رفقا كثيرا ولله الحمد والمنة.
وكانوا قد شرعوا في حفرها وتجديدها في أوائل هذه السنة إلى العشر الاخر من جمادى الاولى، واتفق أن في هذه السنة كانت الآبار التي بمكة قد يبست وقل ماؤها، وقل ماء زمزم أيضا، فلو لا أن الله تعالى لطف بالناس بإجراء هذه القناة لنزح عن مكة أهلها، أو هلك كثير مما يقيم بها.
وأما الحجيج في أيام الموسم فحصل لهم بها رفق عظيم زائد عن الوصف، كما شاهدنا ذلك في سنة إحدى وثلاثين عام حججنا.
وجاء كتاب السلطان إلى نائبه بمكة بإخراج الزيديين من المسجد الحرام، وأن لا يكون لهم فيه إمام ولا مجتمع، ففعل ذلك.
__________
(1) عزر، أدب، والتعزير: التأديب، وتعزير المذنب تأديبه على ذنب ارتكبه، لم تشرع فيه الحدود بعقوبة ثابتة، ولذا تختلف العقوبة فيه بحسب المذنب والذنب المرتكب (انظر الماوردي: الاحكام السلطانية ص 224 وما بعدها).

وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان درس بالشامية الجوانية شهاب الدين أحمد بن جهبل، حضر عنده القاضي القزويني الشافعي وجماعة عوضا عن الشيخ أمين الدين سالم بن أبي الدر إمام مسجد ابن هشام توفي، ثم بعد أيام جاء توقيع بولاية القاضي الشافعي فباشرها في عشرين رمضان.
وفي عاشر شوال خرج الركب الشامي وأميره سيف الدين جوبان، وحج عامئذ القاضي شمس الدين ابن مسلم قاضي قضاة الحنابلة، وبدر الدين ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، ومعه تحف وهدايا وأمور تتعلق بالامير سيف الدين أرغون نائب مصر، فإنه حج في هذه السنة ومعه أولاده وزوجته بنت السلطان، وحج فخر الدين ابن شيخ السلامية، وصدر الدين المالكي،
وفخر الدين البعلبكي وغيره.
وفي يوم الاربعاء عاشر ذي القعدة درس بالحنبلية برهان الدين أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي، بدلا عن شيخ الاسلام ابن تيمية، وحضر عنده القاضي الشافعي وجماعة من الفقهاء وشق ذلك على كثير من أصحاب الشيخ تقي الدين، وكان ابن الخطيري الحاجب قد دخل على الشيخ تقي الدين قبل هذا اليوم فاجتمع به وسأله عن أشياء بأمرنائب السلطنة.
ثم يوم الخميس دخل القاضي بدر الدين بن جملة وناصر الدين مشد الاوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبور الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالاجماع مقطوعا بها، فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الاسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الانبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الاجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول " زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة " (1) والله سبحانه لا يخفى عليه شئ، ولا يخفى عليه خافية، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) [ الشعراء: 227 ].
وفي يوم الاحد رابع ذي القعدة فتحت المدرسة الحمصية تجاه الشامية الجوانية، ودرس بها محيي الدين الطرابلسي قاضي هكار، وتلقب بأبي رباح، وحضر عنده القاضي الشافعي.
وفي ذي القعدة سافر القاضي جمال الدين الزرعي من الاتابكية إلى مصر، ونزل عن تدريسها لمحيي الدين
__________
(1) أخرجه مسلم في الجنائز ح (108) والترمذي في الجنائز باب (60) والنسائي في الجنائز باب (101) وابن ماجه في الجنائز باب 47 و 48.

ابن جهبل.
وفي ثاني ذي الحجة درس بالنجيبية ابن قاضي الزبداني عوضا عن الدمشقي نائب الحكم مات بالمدرسة المذكورة.
وممن توفي فيها من الاعيان: ابن المطهر الشيعي جمال الدين أبو منصور حسن بن يوسف بن مطهر الحلي (1) العراقي الشيعي، شيخ الروافض بتلك النواحي، وله التصانيف الكثيرة، يقال تزيد على مائة وعشرين مجلدا، وعدتها خمسة وخمسون مصنفا، في الفقه والنحو الاصول والفلسفة والرفض وغير ذلك من كبار وصغار، وأشهرها بين الطلبة شرح ابن الحاجب في أصول الفقه، وليس بذاك الفائق، ورأيت له مجلدين في أصول الفقه على طريقة المحصول والاحكام، فلا بأس بها فإنها مشتملة على نقل كثير وتوجيه جيد، وله كتاب منهاج الاستقامة في إثبات الامامة، خبط فيه في المعقول والمنقول، ولم يدر كيف يتوجه، إذ خرج عن الاستقامة.
وقد انتدب في الرد عليه الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية في مجلدات أتى فيها بما يبهر العقول من الاشياء المليحة الحسنة، وهو كتاب حافل.
ولد ابن المطهر الذي لم تطهر خلائقه ولم يتطهر من دنس الرفض ليلة الجمعة سابع عشرين رمضان سنة ثمان وأربعين وستمائة، وتوفي ليلة الجمعة عشرين محرم من هذه السنة، وكان اشتغاله ببغداد وغيرها من البلاد، واشتغل على نصير الطوسي، وعلى غيره، ولما ترفض الملك خربندا حظي عنده ابن المطهر وساد جدا وأقطعه بلادا كثيرة.
الشمس الكاتب محمد بن أسد الحراني المعروف بالنجار، كان يجلس ليكتب الناس عليه بالمدرسة القليجية، توفي في ربيع الآخر ودفن بباب الصغير.
العز حسن بن أحمد بن زفر الاربلي ثم الدمشقي، كان يعرف طرفا صالحا من النحو والحديث والتاريخ، وكان مقيما بدويره حمد صوفيا بها، وكان حسن المجالسة أثنى عليه البرزالي في نقله وحسن معرفته، مات
بالمارستان الصغير في جمادى الآخرة ودفن بباب الصغير عن ثلاث وستين سنة.
__________
(1) الحلي نسبة إلى الحلة - وبها توفي - وهي قرية مشهورة في طرف بغداد (معجم البلدان).

الشيخ الامام أمين الدين سالم بن أبي الدر عبد الرحمن بن عبد الله الدمشقي الشافعي مدرس الشامية الجوانية، أخذها من ابن الوكيل قهرا وهو إمام مسجد ابن هشام، ومحدث الكرسي به، كان مولده في سنة خمس وأربعين وستمائة، اشتغل وحصل وأثنى عليه النووي وغيره، وأعاد وأفتى ودرس، وكان خبيرا بالمحاكمات، وكان فيه مروءة وعصبيه لمن يقصده، توفي في شعبان ودفن بباب الصغير.
الشيخ حماد وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد حماد الحلبي القطان، كان كثير التلاوة والصلوات، مواظبا على الاقامة بجامع التوبة (1) بالعقيبية بالزاوية الغربية الشمالية، يقرئ القرآن ويكثر الصيام ويتردد الناس إلى زيارته، مات وقد جاوز السبعين سنة على هذا القدم، توفي ليلة الاثنين عشرين شعبان ودفن بباب الصغير، وكان جنازته حافلة رحمه الله.
الشيخ قطب الدين اليونيني وهو الشيخ الامام العالم بقية السلف، قطب الدين أبو الفتح موسى ابن الشيخ الفقيه الحافظ الكبير شيخ الاسلام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد البعلبكي اليونيني الحنبلي، ولد سنة أربعين وستمائة بدار الفضل بدمشق، وسمع الكثير وأحضره والده المشايخ واستجاز له وبحث واختصر مرآة الزمان للسبط (2)، وذيل عليها ذيلا حسنا مرتبا أفاد فيه وأجاد بعبارة حسنة سهلة، بإنصاف وستر، وأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء فائقة رائقه، وكان كثير التلاوة حسن الهيئة متقللا في ملبسه ومأكله، توفي ليلة الخميس ثالث عشر شوال ودفن بباب سطحا عند أخيه الشيخ شرف الدين رحمهما الله.
قاضي القضاة ابن مسلم
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحي الحنبلي، ولد سنة ستين (3) وستمائة، ومات أبوه - وكان من الصالحين - سنة ثمان وستين، فنشأ يتيما فقيرا
__________
(1) جامع التوبة بالعقيبة بدمشق، أنشأه الملك الاشرف موسى بن الملك العادل أبو بكر بن أيوب سنة 632 ه (الدارس في تاريخ المدارس 2 / 426).
__________
(2) يوسف قزاوغلي المعروف بسبط ابن الجوزي وقد تقدمت وفاته سنة 654 ه (كشف الظنون 1647 2).
__________
(3) في تذكرة النبيه 2 / 164 ذكر انه ولد سنة 662 ه.
(شذرات الذهب 6 / 73).

لا مال له، ثم اشتغل وحصل وسمع الكثير وانتصب للافادة والاشتغال، فطار ذكره، فلما مات التقي سليمان (1) سنة خمس عشرة ولي قضاء الحنابلة، فباشره أتم مباشرة، وخرجت له تخاريج كثيرة، فلما كانت هذه السنة خرج للحج فمرض في الطريق فورد المدينة النبوية على ساكنها رسول الله أفضل الصلاة والسلام، يوم الاثنين الثالث والعشرين من ذي القعدة فزار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى في مسجده وكان بالاشواق إلى ذلك، وكان قد تمنى ذلك لما مات ابن نجيح، فمات في عشية ذلك اليوم يوم الثلاثاء وصلي عليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروضة، ودفن بالبقيع إلى جانب قبر شرف الدين بن نجيح، الذي كان قد غبطه بموته هناك سنة حج هو وهو قبل هذه الحجة شرقي قبر عقيل رحمهم الله، وولي بعده القضاء عز الدين بن التقي سليمان.
القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن بن حسن بن معالي الدمشقي الشافعي، ولد سنة تسع وأربعين واشتغل على تاج الدين الفزاري وحصل وبرع وولي الاعادة ثم الحكم بالقدس، ثم عاد إلى دمشق فدرس بالنجيبية، وناب في الحكم عن ابن صصرى مدة، توفي بالنجيبية المذكورة يوم الاحد ثامن عشرين ذي القعدة، وصلي عليه العصر بالجامع، ودفن بباب الصغير.
ابن قاضي شهبة الشيخ الامام العالم شيخ الطلبة ومفيدهم كمال الدين أبو محمد عبد الوهاب بن ذؤيب
الاسدي الشهبي الشافعي، ولد بحوران في سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وقدم دمشق واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، ولازمه وانتفع به، وأعاد بحلقته، وتخرج به، وكذلك لازم أخاه الشيخ شرف الدين، وأخذ عنه النحو واللغة، وكان بارعا في الفقه والنحو، له حلقة يشتغل فيها تجاه محراب الحنابلة، وكان يعتكف جميع شهر رمضان، ولم يتزوج قط، وكان حسن الهيئة والشيبة، حسن العيش والملبس متقللا من الدنيا، له معلوم يقوم بكفايته من إعادات وفقاهات وتصدير بالجامع، ولم يدرس قط ولا أفتى، مع أنه كان ممن يصلح أن يأذن في الافتاء، ولكنه كان يتورع عن ذلك، وقد سمع الكثير: سمع المسند للامام أحمد وغير ذلك، توفي بالمدرسة المجاهدية - وبها كانت إقامته - ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة، وصلي عليه بعد صلاة الظهر، ودفن بمقابر باب الصغير، وفيها كانت وفاة:
__________
(1) وهو أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر أحمد بن قدامة المقدسي.

الشرف يعقوب بن فارس الجعبري التاجر بفرجة ابن عمود، وكان يحفظ القرآن ويؤم بمسجد القصب، ويصحب الشيخ تقي الدين بن تيمية والقاضي نجم الدين الدمشقي، وقد حصل أموالا وأملاكا وثروة، وهو والد صاحبنا الشيخ الفقيه المفضل المحصل الزكي بدر الدين محمد، خال الولد عمر إن شاء الله.
وفيها توفي: الحاج أبو بكر بن تيمراز الصيرفي كانت له أموال كثيرة ودائرة ومكارم وصدقات، ولكنه انكسر في آخر عمره، وكاد أن ينكشف فجبره الله بالوفاة رحمه الله.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة استهلت بيوم الجمعة والحكام: الخليفة والسلطان والنواب والقضاة والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنبلي كما تقدم، وفي العشر من المحرم دخل مصر أرغون نائب
مصر فمسك في حادي عشر وحبس، ثم أطلق أياما وبعثه السلطان إلى نائب حلب فاجتاز بدمشق بكرة الجمعة ثاني عشرين المحرم، فأنزله نائب السلطنة بداره المجاورة لجامعه، فبات بها ثم سافر إلى حلب، وقد كان قبله بيوم قد سافر من دمشق الجاي الدوادار إلى مصر، وصحبته نائب حلب علاء الدين الطنبغا معزولا عنها إلى حجوبية الحجاب بمصر.
وفي يوم الجمعة التاسع عشر ربيع الاول قرئ تقليد قاضي الحنابلة عز الدين محمد بن التقي سليمان بن حمزة المقدسي، عوضا عن ابن مسلم بمقصورة الخطابة بحضرة القضاة والاعيان، وحكم وقرئ قبل ذلك بالصالحية.
وفي أواخر هذا الشهر وصل البريد بتولية ابن النقيب (1) الحاكم بحمص قضاء القضاة بطرابلس، ونقل الذي بها إلى حمص نائبا عن قاضي دمشق، وهو ناصر بن محمود الزرعي.
وفي سادس عشر ربيع الآخر عاد تنكز من مصر إلى الشام، وقد حصل له تكريم من السلطان وفي ربيع الاول حصلت زلزلة بالشام وقي الله شرها.
وفي يوم الخميس مستهل جمادى الاولى باشر نيابة الحنبلي القاضي برهان الدين الزرعي، وحضر عنده جماعة من القضاة.
وفي يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة جاء البريد بطلب القاضي القزويني الشافعي إلى مصر، فدخلها في مستهل رجب، فخلع عليه بقضاء قضاة مصر مع تدريس الناصرية والصالحية ودار الحديث الكاملية، عوضا عن بدر الدين بن جماعة لاجل كبر سنه، وضعف نفسه، وضرر عينيه، فجبروا
__________
(1) وهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن ابراهيم بن النقيب (تذكرة النبيه 2 / 174).

خاطره فرتب له ألف درهم وعشرة أرادب قمح في الشهر، مع تدريس زاوية الشافعي، وأرسل ولده بدر الدين إلى دمشق خطيبا بالاموي، وعلى تدريس الشامية البرانية، على قاعدة والده جلال الدين القزويني في ذلك، فخلع عليه في أواخر رجب ثامن عشرين وحضر عنده الاعيان.
وفي رجب كان عرس الامير سيف الدين قوصون الساقي الناصري، على بنت السلطان، وكان وقتا مشهودا، خلع على الامراء والاكابر.
وفي صبيحة هذه الليلة عقد عقد الامير شهاب الدين أحمد بن الامير بكتمر الساقي، على بنت تنكز نائب الشام، وكان السلطان وكيل أبيها تنكز
والعاقد ابن الحريري.
وخلع عليه وأدخلت في ذي الحجة من هذه السنة في كلفة كثيرة.
وفي رجب جرت فتنة كبيرة بالاسكندرية في سابع رجب، وذلك أن رجلا من المسلمين قد تخاصم هو ورجل من الفرنج، على باب البحر، فضرب أحدهما الآخر بنعل، فرفع الامر إلى الوالي فأمر بغلق باب البلد بعد العصر، فقال له الناس: إن لنا أموالا وعبيدا ظاهر البلد، وقد أغلقت الباب قبل وقته.
ففتحه فخرج الناس في زحمة عظيمة، فقتل منهم نحو عشرة ونهبت عمائم وثياب وغير ذلك، وكان ذلك ليلة الجمعة فلما أصبح الناس ذهبوا إلى دار الوالي فأحرقوها وثلاث دور لبعض الظلمة، وجرت أحوال صعبة، ونهبت أموال، وكسرت العامة باب سجن الوالي فخرج منه من فيه، فبلغ نائب السلطنة فاعتقد النائب أنه السجن الذي فيه الامراء، فأمر بوضع السيف في البلد وتخريبه، ثم إن الخبر بلغ السلطان فأرسل الوزير طيبغا الجمالي سريعا فضرب وصادر، وضرب القاضي ونائبه وعزلهم، وأهان خلقا من الاكابر وصادرهم بأموال كثيرة جدا، وعزل المتولي ثم أعيد، ثم تولى القضاء بهاء الدين علم الدين الاخنائي الشافعي الذي تولى دمشق فيما بعد، وعزل قضاة الاسكندرية المالكي ونائباه، ووضعت السلاسل في أعناقهم وأهينوا، وضرب ابن السني غير مرة.
وفي يوم السبت عشرين شعبان وصل إلى دمشق قاضي قضاة حلب ابن الزملكاني على البريد فأقام بدمشق أربعة أيام ثم سار إلى مصر ليتولى قضاء قضاة الشام بحضرة السلطان، فاتفق موته قبل وصوله إلى القاهرة (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب) [ سبأ: 54 ].
وفي يوم الجمعة سادس عشرين شعبان باشر صدر الدين المالكي مشيخة الشيوخ مضافا إلى قضاء قضاة المالكية، وحضر الناس عنده، وقرئ تقليده بذلك بعد انفصال الزرعي عنها إلى مصر.
وفي نصف رمضان وصل قاضي الحنفية بدمشق لقضاء القضاة عماد الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد الطرسوسي، الذي كان نائبا لقاضي القضاة صدر الدين علي البصروي، فخلفه بعده بالمنصب، وقرئ تقليده بالجامع، وخلع عليه وباشر الحكم، واستناب القاضي عماد الدين بن العز، ودرس بالنورية مع القضاء، وشكرت سيرته.
وفي رمضان قدم جماعة من الاسارى مع تجار الفرنج فأنزلوا بالمدرسة العادلية الكبيرة

واستفكوا من ديوان الاسرى بنحو من ستين ألفا، وكثرت الادعية لمن كان السبب في ذلك.
وفي ثامن شوال خرج الركب الشامي إلى الحجاز وأميره سيف الدين بالبان المحمدي، وقاضيه بدر الدين محمد بن محمد قاضي حران.
وفي شوال وصل تقليد قضاء الشافعية بدمشق لبدر الدين ابن قاضي القضاة بن عز الدين الصائغ والخلعة معه، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، وصمم، وألح عليه الدولة فلم يقبل وكثر بكاؤه وتغير مزاجه واغتاظ، فلما أصر على ذلك راجع تنكز السلطان في ذلك، فلما كان شهر ذي القعدة اشتهر تولية علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي (1) قضاء الشام، فسار إليها من مصر وزار القدس ودخل دمشق يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة، فاجتمع بنائب السلطنة ولبس الخلعة وركب مع الحجاب والدولة إلى العادلية، فقرئ تقليده بها وحكم بها على العادة، وفرح الناس به وبحسن سمته وطيب لفظه وملاحة شمائله وتودده، وولي بعده مشيخة الشيوخ بمصر مجد الدين الاقصرائي الصوفي شيخ سرياقوس.
وفي يوم السبت ثالث عشرين ذي القعدة لبس القاضي محيي الدين بن فضل الله الخلعة بكتابة السر عوضا عن ابن الشهاب محمود، واستمر ولده شرف الدين في كتابة الدست (2).
وفي هذه السنة تولى قضاء حلب عوضا عن ابن الزملكاني القاضي فخر الدين البازري.
وفي العشر الاول من ذي الحجة كمل ترخيم الجامع الاموي أعني حائطه الشمالي وجاء تنكز حتى نظر إليه فأعجبه ذلك، وشكر ناظره تقي الدين بن مراجل.
وفي يوم الاضحى جاء سيل عظيم إلى مدينة بلبيس فهرب أهلها منها وتعطلت الصلاة والاضاحي فيها، ولم ير مثله من مدة سنين متطاولة، وخرب شيئا كثيرا من حواضرها وبساتينها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وممن توفي فيها من الاعيان: الامير أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد أبي حفص الهنتاني الجياني (3) المغربي، أمير بلاد
المغرب.
ولد بتونس قبل سنة خمسين وستمائة، وقرأ الفقه والعربية، وكان ملوك تونس تعظمه وتكرمه، لانه من بيت الملك والامرة والوزارة.
ثم بايعه أهل تونس على الملك في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وكان شجاعا مقداما، وهو أول من أبطل ذكر ابن التومرت من الخطبة، مع أن
__________
(1) القونوي: نسبة إلى مدينة قونية بآسيا الصغرى، وتوفي سنة 729 ه.
__________
(2) وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 458 انه تم عزل محيي الدين عن كتابة السر، واستقر بها شرف الدين بن الشهاب محمود.
__________
(3) كذا بالاصل، وفي شذرات الذهب 6 / 76 وتذكرة النبيه 2 / 176: اللحياني.

جده أبا حفص الهنتاني كان من أصحاب ابن التومرت.
توفي في المحرم من هذه السنة بمدينة الاسكندرية.
رحمه الله.
الشيخ الصالح ضياء الدين ضياء الدين أبو الفدا إسماعيل بن رضي الدين أبي الفضل المسلم بن الحسن بن نصر الدمشقي، المعروف بابن الحموي، كان هو وأبوه وجده من الكتاب المشهورين المشكورين، وكان هو كثير التلاوة والصلاة والصيام والبر والصدقة والاحسان إلى الفقراء والاغنياء.
ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة وسمع الحديث الكثير وخرج له البرزالي مشيخة سمعناها عليه، وكان من صدور أهل دمشق، توفي يوم الجمعة رابع عشر صفر، وصلي عليه ضحوة بوم السبت، ودفن بباب الصغير، وحج وجاور وأقام بالقدس مدة.
مات وله ثنتان وسبعون سنة رحمه الله، وقد ذكر والده أنه حين ولد له فتح المصحف يتفاءل فإذا قوله (الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) [ إبراهيم: 39 ] فسماه إسماعيل.
ثم ولد له آخر فسماه إسحاق، وهذا من الانفاق الحسن رحمهم الله تعالى.
الشيخ علي المحارفي علي بن أحمد بن هوس الهلالي، أصل جده من قرية إيل البسوق، وأقام والده بالقدس،
وحج هو مرة وجاور بمكة سنة ثم حج، وكان رجلا صالحا مشهورا، ويعرف بالمحارفي، لانه كان يحرف الازقة ويصلح الرصفان لله تعالى، وكان يكثر التهليل والذكر جهرة، وكان عليه هيبة ووقار، ويتكلم كلاما فيه تخويف وتحذير من النار، وعواقب الردى، وكان ملازما لمجالس ابن تيمية، وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الاول، ودفن بتربة الشيخ موفق الدين بالسفح، وكانت جنازته حافلة جدا رحمه الله.
الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن السلطان الملك الصالح إسماعيل أبي الجيش بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب أحد أكابر الامراء وأبناء الملوك، كان من محاسن البلد ذكاء وفطنة وحسن عشرة ولطافة كلام، بحيث يسرد كثيرا من الكلام بمنزلة الامثال من قوة ذهنه وحذاقة فهمه، وكان رئيسا من أجواد الناس، توفي عشية الاربعاء عشرين جمادى الاولى (1)
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 177: جمادى الآخرة، وفيها كان مولده بظهر الحجاز الشريف سنة 653 ه.
مات وقد جاوز السبعين.

وصلي عليه ظهر الخميس بصحن الجامع تحت النسر، ثم أرادوا دفنه عند جده لامه الملك الكامل فلم يتيسر ذلك فدفن بتربة أم الصالح سامحه الله، وكان له سماع كثير سمعنا عليه منه، وكان يحفظ تاريخا جيدا، وقام ولده الامير صلاح الدين مكانه في إمرة الطبلخانة، وجعل أخوه في عشرته ولبسا الخلع السلطانية بذلك.
الشيخ الامام نجم الدين أحمد بن محمد بن أبي الحزم القرشي المخزومي القمولي (1)، كان من أعيان الشافعية، وشرح الوسيط (2) وشرح الحاجبية في مجلدين، ودرس وحكم بمصر، وكان محتسبا بها أيضا، وكان مشكور السيرة فيها، وقد تولى بعده الحكم نجم الدين بن عقيل، والحسبة ناصر الدين بن قار السبقوق، توفي في رجب وقد جاوز الثمانين، ودفن بالقرافة رحمه الله.
الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الرحمن بن موسى بن خلف الحزامي، أحد مشاهير الصالحين بمصر، توفي بالروضة وحمل إلى شاطئ النيل، وصلي عليه وحمل على الرؤوس والاصابع، ودفن عند ابن أبي حمزة، وقد قارب الثمانين، وكان ممن يقصد إلى الزيارة رحمه الله.
القاضي عز الدين عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن عيسى بن عمر الخضر الهكاري الشافعي، قاضي المحلة، كان من خيار القضاة، وله تصنيف على حديث المجامع في رمضان، يقال إنه استنبط فيه ألف حكم.
توفي في رمضان، وقد كان حصل كتبا جيدة منها التهذيب لشيخنا المزي.
الشيخ كمال الدين بن الزملكاني (3) شيخ الشافعية بالشام وغيرها، انتهت إليه رياسة المذهب تدريسا وإفتاء ومناظرة، ويقال في
__________
(1) من تذكرة النبيه وشذرات الذهب، وفي الاصل: " التمولي " تحريف.
والقمولي: نسبة إلى قمولة بلد بصعيد مصر، وهي من الاعمال القوصية (القاموس الجغرافي 4 / 183).
__________
(2) وهو كتاب الوسيط في الفروع للامام أبي حامد الغزالي الشافعي المتوفى سنة 505 (كشف الظنون 2 / 2008).
__________
(3) وهو كمال الدين محمد بن علي بن الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الانصاري الزملكاني الشافعي (شذرات الذهب 6 / 78 وبدائع الزهور 1 / 1 / 458 وتذكرة النبيه 2 / 172).

نسبه السماكي نسبة إلى أبي دجانة سماك بن خرشة والله أعلم.
ولد ليلة الاثنين ثامن شوال سنة ست (1) وستين وستمائة، وسمع الكثير واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، وفي الاصول على القاضي بهاء الدين بن الزكي، وفي النحو على بدر الدين بن ملك وغيرهم، وبرع وحصل وساد أقرانه من أهل مذهبه، وحاز قصب السبق عليهم بذهنه الوقاد في تحصيل العلم الذي أسهره ومنعه الرقاد وعبارته التي هي أشهى من كل شئ معتاد، وخطه الذي هو أنضر من أزاهير الوهاد، وقد درس بعدة مدارس بدمشق، وباشر عدة جهات كبار، كنظر الخزانة ونظر المارستان
النوري وديوان الملك السعيد، ووكالة بيت المال.
وله تعاليق مفيدة واختيارات حميدة سديدة، ومناظرات سعيدة.
ومما علقه قطعة كبيرة من شرح المنهاج للنووي، ومجلد في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق وغير ذلك، وأما دروسه في المحافل فلم أسمع أحدا من الناس درس أحسن منها ولا أحلى من عبارته، وحسن تقريره، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه وقوة قريحته وحسن نظمه، وقد درس بالشامية البرانية والعذراوية الجوانية والرواحية والمسرورية، فكان يعطي كل واحدة منهن حقها بحيث كان يكاد ينسخ بكل واحد من تلك الدروس ما قبله من حسنه وفصاحته، ولا يهيله تعداد الدروس وكثرة الفقهاء والفضلاء، بل كلما كان الجمع أكثر والفضلاء أكبر كان الدرس أنضر وأبهر وأحلى وأنصح وأفصح.
ثم لما انتقل إلى قضاء حلب وما معه من المدارس العديدة عامله معاملة مثلها، وأوسع بالفضيلة جميع أهلها، وسمعوا من العلوم ما لم يسمعوا هم ولا آباؤهم.
ثم طلب إلى الديار المصرية ليولي الشامية دار السنة النبوية فعاجلته المنية قبل وصوله إليها، فمرض وهو سائر على البريد تسعة أيام، ثم عقب المرض بحراق الحمام فقبضه هاذم اللذات، وحال بينه وبين سائر الشهوات والارادات، والاعمال بالنيات.
ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متوليا أن يؤذي شيخ الاسلام ابن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله ومراده، فتوفي في سحر يوم الاربعاء سادس عشر شهر رمضان بمدينة بلبيس، وحمل إلى القاهرة ودفن بالقرافة ليلة الخميس جوار قبة الشافعي تغمدها الله برحمته.
الحاج علي المؤذن المشهور بالجامع الاموي الحاج علي بن فرج بن أبي الفضل الكتاني، كان أبوه من خيار المؤذنين، فيه صلاح ودين وله قبول عند الناس، وكان حسن الصوت جهوره، وفيه تودد وخدم وكرم، وحج غير مرة وسمع من أبي عمر وغيره، توفي ليلة الاربعاء ثالث ذي القعدة وصلي عليه غدوة، ودفن بباب الصغير.
وفي ذي القعدة توفي:
__________
(1) في بدائع الزهور وتذكرة النبيه: سبع وستين.
(انظر شذرات الذهب 6 / 7 8).

الشيخ فضل بن الشيخ الرجيحي التونسي وأجلس أخوه يوسف مكانه بالزاوية.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة في ذي القعدة منها كانت وفاة شيخ الاسلام أبي العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه كما ستأتي ترجمة وفاته في الوفيات إن شاء الله تعالى.
استهلت هذه السنة وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها سوى نائب مصر وقاضي حلب.
وفي يوم الاربعاء ثاني المحرم درس بحلقة صاحب حمص الشيخ الحافظ صلاح الدين العلائي، نزل له عنها شيخنا الحافظ المزي، وحضر عنده الفقهاء والقضاة والاعيان، وذكر درسا حسنا مفيدا.
وفي يوم الجمعة رابع المحرم حضر قاضي القضاة علاء الدين القونوي مشيخة الشيوخ بالسمساطية عوضا عن القاضي المالكي شرف الدين، وحضر عنده الفقهاء والصوفية على العادة.
وفي يوم الاحد ثامن عشر صفر درس بالمسرورية تقي الدين عبد الرحمن بن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضا عن جمال الدين بن الشريشي بحكم انتقاله إلى قضاء حمص، وحضر الناس عنده وترحموا على والده.
وفي يوم الاحد خامس عشرين صفر وصل إلى دمشق الامير الكبير صاحب بلاد الروم تمرتاش ابن جوبان، قاصدا إلى مصر، فخرج نائب السلطنة.
والجيش إلى تلقيه، وهو شاب حسن الصورة تام الشكل مليح الوجه.
ولما انتهى إلى السلطان بمصر أكرمه وأعطاه تقدمة ألف، وفرق أصحابه على الامراء وأكرموا إكراما زائدا، وكان سبب قدومه إلى مصر أن صاحب العراق الملك أبا سعيد (1) كان قد قتل أخاه جواجا رمشتق في شوال من السنة الماضية، فهم والده جوبان بمحاربة السلطان أبي سعيد فلم يتمكن من ذلك (2)، وكان جوبان إذ ذاك مدبر الممالك، فخا ف تمرتاش هذا عند ذلك من السلطان ففر هاربا بدمه إلى السلطان الناصر بمصر.
وفي ربيع الاول توجه نائب الشام سيف الدين تنكز إلى الديار المصرية لزيارة السلطان فأكرمه
واحترمه واشترى في هذه السفرة دار الفلوس التي بالقرب من البزوريين والجوزية، وهي شرقيها، وقد كان سوق البزورية اليوم يسمى سوق القمح، فاشترى هذه الدار وعمرها دارا هائلة ليس
__________
(1) وهو أبو سعيد بهادر بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ولي الحكم نحو عشرين سنة 716 - 736 ه (الدرر الكامنة 2 / 34 معجم زامباور 2 / 362).
__________
(2) ثم قتله صاحب هراة (مختصر أخبار البشر 4 / 96 وفي تذكرة النبيه تم قتله هذه السنة 728 ه).

بدمشق دار أحسن منها، وسماها دار الذهب، وهدم حمام سويد تلقاءها وجعله دار قرآن وحديث في غاية الحسن أيضا، ووقف عليها أماكن ورتب فيها المشايخ والطلبة كما سيأتي تفصيله في موضعه، واجتاز برجوعه من مصر بالقدس الشريف وزاره وأمر ببناء حمام به، وبناء دار حديث أيضا به، وخانقاه كما يأتي بيانه.
وفي آخر ربيع الاول وصلت القناة إلى القدس التي أمر بعمارتها وتجديدها سيف الدين تنكز قطلبك، فقام بعمارتها مع ولاة تلك النواحي، وفرح المسلمون بها ودخلت حتى إلى شط المسجد الاقصى، وعمل به بركة هائلة، وهي مرخمة ما بين الصخرة والاقصى، وكان ابتداء عملها من شوال من السنة الماضية.
وفي هذه المدة عمر سقوف شرافات المسجد الحرام وإيوانه، وعمرت بمكة طهارة مما يلي باب بني شيبة.
قال البرزالي: وفي هذا الشهر كملت عمارة الحمام الذي بسوق باب توما، وله بابان.
وفي ربيع الآخر نقض الترخيم الذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزيادة، فوجدوا الحائط متجافيا فخيف من أمره، وحضر تنكز بنفسه ومعه القضاة وأرباب الخبرة، فاتفق رأيهم على نقضه وإصلاحه، وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين ربيع الآخر وكتب نائب السلطنة إلى السلطان يعلمه بذلك ويستأذنه في عمارته، فجاء المرسوم بالاذن بذلك، فشرع في نقضه يوم الجمعة خامس عشرين جمادى الاولى، وشرعوا في عمارته يوم الاحد تاسع جمادى الآخرة، وعمل محراب فيما بين الزيادة ومقصورة الخطابة يضاهي محراب الصحابة، ثم جدوا ولازموا في عمارته، وتبرع كثير من الناس بالعمل فيه من سائر الناس، فكان يعمل فيه
كل من مائة رجل، حتى كملت عمارة الجدار وأعيدت طاقاته وسقوفه في العشرين من رجب وذلك بهمة تقي الدين بن مراجل وهذا من العجب فإنه نقض الجدار وما يسامته من السقف، وأعيد في مدة لا يتخيل إلى أحد أن عمله يفرغ فيما يقارب هذه المدة جزما، وساعدهم على سرعة الاعادة حجارة وجدوها في أساس الصومعة الغربية التي عند الغزالية، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة كما في الغربية والشرقية القبلتين منه فأبيدت السماليتين قديما ولم يبق منهما من مدة ألوف من السنين سوى أس هذا المأذنة الغربية الشمالية، فكانت من أكبر العون على إعادة هذا الجدار سريعا.
ومن العجب أن ناظر الجامع ابن مراجل لم ينقص أحدا من أرباب المرتبات على الجامع شيئا مع هذه العمارة.
وفي ليلة السبت خامس جمادى الاولى وقع حريق عظيم بالقرايين واتصل بالرماحين، واحترقت القيسارية والمسجد الذي هناك، وهلك للناس شئ كثير من الفرا والجوخ والاقمشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الجمعة عاشره بعد الصلاة صلي على القاضي شمس الدين بن الحريري قاضي قضاة الحنفية بمصر، وصلي عليه صلاة الغائب بدمشق.
وفي هذا اليوم قدم البريد يطلب برهان

الدين بن عبد الحق الحنفي إلى مصر ليلي القضاء بها بعد ابن الحريري، فخرج مسافرا إليها، ودخل مصر في خامس عشرين جمادى الاولى، واجتمع بالسلطان فولاه القضاء وأكرمه وخلع عليه وأعطاه بغلة بزناري، وحكم بالمدرسة الصالحية بحضرة القضاة والحجاب، ورسم له بجميع جهات ابن الحريري.
وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة أخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والاوراق والدواة والقلم، ومنع من الكتب والمطالعة، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة.
قال البرزالي: وكانت نحو ستين مجلدا، وأربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفوقوها بينهم، وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه
التقي ابن الاخنائي المالكي في مسألة الزيارة فرد عليه الشيخ تقي الدين واستجهله وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الاخنائي إلى السلطان وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك وكان ما كان، كما ذكرنا.
وفي أواخره رسم لعلاء الدين بن القلانسي في الدست، مكان أخيه جمال الدين توقيرا لخاطره عن المباشرة، وأن يكون معلومه على قضاء العساكر والوكالة، وخلع عليهما بذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرين رجب رسم للائمة الثلاثة الحنفي والمالكي والحنبلي بالصلاة في الحائط القبلي من الاموي، فعين المحراب الجديد الذي بين الزيادة والمقصورة للامام الحنفي، وعين محراب الصحابة للمالكي وعين محراب مقصورة الخضر الذي كان يصلي فيه المالكي للحنبلي، وعوض إمام محراب الصحابة بالكلاسة، وكان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة المعروفة بهم، ومحراب الحنابلة من خلفهم في الرواق الثالث الغربي وكانا بين الاعمدة، فنقلت تلك المحاريب، وعوضوا بالمحاريب المستقرة بالحائط القبلي واستقر الامر كذلك.
وفي العشرين من شعبان مسك الامير تمرتاش بن جوبان الذي أتى هاربا إلى السلطان الناصر بمصر وجماعة من أصحابه، وحبسوا بقلعة مصر، فلما كان ثاني (1) شوال أظهر موته، يقال إنه قتله السلطان وأرسل رأسه إلى أبي سعيد صاحب العراق ابن خربندا ملك التتار.
وفي يوم الاثنين ثاني شوال خرج الركب الشامي وأميره فخر الدين عثمان بن شمس الدين
__________
(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 99: رابع شوال.
وعن سبب قتله قال: أن أبا سعيد كاتب السلطان في أمر تمرتاش بحكم الصلح، إلى جانب أن السلطان قد بلغه عنه انه أخذ أموال أهل بلاد الروم وظلمهم الظلم الفاحش، وحضور أباجي رسول أبي سعيد فبالغ في طلب تمرتاش فاقتضت المصلحة إعدامه، فأعدم بحضور أباجي (وانظر السلوك 2 / 292 النجوم الزاهرة 9 / 272).

لؤلؤ الحلبي أحد أمراء دمشق، وقاضيه قاضي قضاة الحنابلة عز الدين بن التقي سليمان.
وممن
حج الامير حسام الدين الشبمقدار، والامير قبجق والامير حسام الدين بن النجيبي وتقي الدين بن السلعوس وبدر الدين بن الصائغ وابنا جهبل والفخر المصري، والشيخ علم الدين البرزالي، وشهاب الدين الطاهري.
وقبل ذلك بيوم حكم القاضي المنفلوطي الذي كان حاكما ببعلبك بدمشق نيابة عن شيخه قاضي القضاة علاء الدين القونوي، وكان مشكور السيرة، تألم أهل بعلبلك لفقده، فحكم بدمشق عوضا عن القونوي بسبب عزمه على الحج، ثم لما رجع الفخر من الحج عاد إلى الحكم واستمر المنفلوطي يحكم أيضا، فصاروا ثلاث نواب: ابن جملة والفخر المصري والمنفلوطي.
وسافر ابن الحشيشي في ثاني عشرين شوال إلى القاهرة لينوب عن القاضي فخر الدين كاتب المماليك إلى حين رجوعه من الحجاز، فلما وصل ولى حجابة ديوان الجيش، واستمر هناك، واستقل قطب الدين ابن الشيخ السلامية بنظر الجيش بدمشق على عادته.
وفي شوال خلع على أمين الملك بالديار المصرية وولي نظر الدواوين فباشره شهرا ويومين وعزل عنه.
وفاة شيخ الاسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الامام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد القدوة شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الامام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الامام شيخ الاسلام أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتصروا على من يغسله، فلما فرغ من غسله أخرج ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلا بالجامع أيضا وصحنه والكلاسة وباب البريد وباب الساعات إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في
الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصلي عليه أولا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولا الشيخ محمد بن تمام، ثم صلي عليه بالجامع الاموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب والازقة والاسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن يصلي عليه على الرؤوس والاصابع، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الاصوات بالبكاء والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل

الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الابواب الاربعة: باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية.
وعظم الامر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، فلم قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، وأنه لو قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كن على الاسطحة وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فما قيل.
وأما الرجال فحرزوا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف وشرب جماع الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهما، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهما.
وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرع
وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا يبيتون عنده ويصبحون، ورئيت له منامات صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة.
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الاول بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان وابن أبي بكر اليهودي والكمال عبد الرحيم والفخر علي وابن شيبان والشرف ابن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير سمع منهم الحديث، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والاثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وقل أن سمع شيئا إلا حفظه، ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيا كثير المحفوظ فصار إماما في التفسير وما يتعلق به عارفا بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذي كانوا في زمانه وغيره، وكان عالما باختلاف العلماء، عالما في الاصول والفروع والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفا به متقنا له، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظا له مميزا بين صحيحه وسقيمه، عارفا برجاله متضلعا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الاصول والفروع، كمل منها جملة وبيضت

وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن.
وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري وابن الزملكاني وغيرهم، ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه قال: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتدين، وكتب على تصنيف له هذه الابيات:
ماذا يقول الواصفون له * وصفاته جلت عن الحصر هو حجة لله قاهرة * هو بيننا (1) أعجوبة الدهر هو آية في الخلق ظاهرة (2) * أنوارها أربت على الفجر وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نحو ستين سنة، وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو سنة وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع، وهذا الكتاب.
ولما مات كنت غائبا عن دمشق بطريق الحجاز، ثم بلغنا خبر موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يوما لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسف لفقده رحمه الله تعالى.
هذا لفظه في هذا الموضع من تاريخه.
ثم ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الامام أحمد ببغداد وشهرتها، وقال الامام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدار قطني فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول: قولوا لاهل البدع بيننا وبينكم الجنائز، قال ولا شك أن جنازة أحمد ابن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله توفي ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها.
هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 187: هو بيت.
__________
(2) في عقد الجمان وفيات سنة 728 ه وشذرات الذهب 6 / 83: هو آية للخلق ظاهرة.

الاديان، فضلا عن أهل الاسلام.
وهذه كانت جنازته.
قال: وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحراس على الابرجة، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطيب العظيم والامر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجئ منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الاسواق شيئا، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النهار على العادة، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الامكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والاصحاب والاحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويثنون * على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبلته، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه.
وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمة وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) [ القمر: 55 ] فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عبد الله بن المحب وعبد الله الزرعي الضرير - وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما - فابتدآ من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى.
ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين والاخيار، أهل العلم والايمان، فما فرغ منه حتى امتلات القلعة وضج الناس بالبكا والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق العمادية على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سويقة باب البريد كانت قد هدمت لتصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الاموي، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن
يمينها وشمالها ما لا يحصي عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح هكذا تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصا لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة جو الجامع وبرى الازقة والاسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، وقوي خلق الصيام لانهم لا يتفرغون في هذا اليوم لاكل ولا لشرب، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماما، وهو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتموا

بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الاسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن هذا العالم.
وبالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثم دفن عند أخيه قريبا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدرات، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جملة، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس، وتردد شيخنا الامام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الايام الثلاثة وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكبا على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله.
وعملت له ختمات كثيرة ورئيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطولة
جدا.
وقد أفردت له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم، وسألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته الكبار والصغار، التي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسنة وأفتى بها.
وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطأه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " فهو مأجور.
وقال الامام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر.
وفي سادس عشرين ذي القعدة نقل تنكز حواصله وأمواله من دار الذهب داخل باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها، تعرف بدار فلوس، فسميت دار الذهب، وعزل خزنداره ناصر الدين محمد ابن عيسى، وولي مكانه مملوكه أباجي.
وفي ثامن عشرين ذي القعدة جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى وقت العصر، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئا كثيرا، وغرق سبعة نفر، وهلك للناس شئ كثير من الاموال والغلات والامتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم (1) وإنا لله وإنا إليه راجعون.
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 190: خمسمائة ألف درهم.

وفي يوم الاحد ثامن عشر ذي الحجة ألزم القاضي الشافعي الشيخ علاء الدين القونوي جماعة الشهود بسائر المراكز أن يرسلوا في عمائمهم العذبات ليتميزوا بذلك عن عوام الناس، ففعلوا ذلك أياما ثم تضرروا من ذلك فأرخص لهم في تركها، ومنهم من اشتمر بها.
وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أفرج عن الشيخ الامام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قيم الجوزية، وكان معتقلا بالقلعة أيضا، من بعد اعتقال الشيخ تقي الدين بأيام من شعبان سنة ست وعشرين إلى هذا الحين، وجاء الخبر بأن السلطان أفرج عن الجاولي والامير فرج بن قراسنقر، ولاجين المنصوري، وأحضروا
بعد العيد بين يديه، وخلع عليهم.
وفيه وصل الخبر بموت الامير الكبير جوبان نائب السلطان أبي سعيد على تلك البلاد، ووفاة قراسنقر المنصوري أيضا كلاهما في القعدة من هذه السنة.
وجوبان هذا هو الذي ساق القناة الواصلة إلى المسجد الحرام، وقد غرم عليها أموالا جزيلة كثيرة، وله تربة بالمدينة النبوية، ومدرسة مشهورة، وله أثار حسنة، وكان جيد الاسلام له همه عالية وقد دبر الممالك في أيام أبي سعيد مدة طويلة على السداد، ثم أراد أبو سعيد مسكه فتخلص من ذلك كما ذكرنا، ثم إن أبا سعيد قتل ابنه خواجا رمشق في السنة الماضية ففر ابنه الآخر تمرتاش هاربا إلى سلطان مصر، فآواه شهرا ثم ترددت الرسل بين الملكين في قتله فقتله صاحب مصر فيما قيل وأرسل برأسه إليه، ثم توفي أبوه بعده بقليل، والله أعلم بالسرائر.
وإما قراسنقر المنصوري فهو من جماعة كبار أمراء مصر والشام، وكان من جملة من قتل الاشرف خليل بن المنصور كما تقدم، ثم ولي نيابة مصر مدة، ثم صار إلى نيابة دمشق ثم إلى نيابة حلب، ثم فر إلى التتر هو الافرم والزركاشي فآواهم ملك التتار خربندا وأكرمهم وأقطعهم بلادا كثيرة، وتزوج قراسنقر بنت هولاكو ثم كانت وفاته بمراغة (1) بلده التي كان حاكما بها في هذه السنة، وله نحو تسعين (2) سنة والله أعلم.
وممن توفي فيها من الاعيان شيخ الاسلام العلامة تقي الدين بن تيمية كما تقدم ذكر ذلك في الحوادث وسنفرد له ترجمة على حدة إن شاء الله تعالى.
الشريف العالم عز الدين عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن العلوي الحسيني العراقي الاسكندري الشافعي، سمع الكثير وحفظ الوجيز في الفقه، والايضاح في النحو، وكان زاهدا متقللا من الدنيا وبلغ تسعين سنة وعقله وعلمه وذهنه ثابت متيقظ، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الجمعة خامس المحرم، ودفن بالاسكندرية بين المادين رحمه الله.
__________
(1) مراغة: بلدة مشهور وعظيمة، من أشهر بلاد أذربيجان (تقويم البلدان لابي الفداء ص 399).
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 183: سبعين.

الشمس محمد بن عيسى التكريدي كانت فيه شهامه وحزامه، وكان يكون بين يدي الشيخ تقي الدين بن تيمية كالمنفذ لما يأمر به وينهى عنه.
ويرسله الامراء وغير هم في الامور المهمة، وله معرفة وفهم بتبليغ رسالته على أتم الوجوه توفي في الخامس صفر بالقبيبات ودفن عند الجامع الكريمي رحمه الله تعالى.
الشيخ أبو بكر الصالحالي أبو بكر بن شرف بن محسن بن معن بن عمان الصالحي، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وسمع الكثير صحبة الشيخ تقي الدين بن تيمية والمزي، كان ممن يحب الشيخ تقي الدين، وكان معهما كالخادم لهما، وكان فقيرا ذا عيال يتناول من الزكاة والصدقات ما يقوم بأوده، وأقام في آخر عمره بحمص، وكان فصيحا مفوها، له تعاليق وتصانيف في الاصول وغيرها، وكان له عبادة وفيه خير وصلاح، وكان يتكلم على الناس بعد صلاة الجمعة إلى العصر من حفظه، وقد اجتمعت بأمره صحبة شيخنا المزي حين قدم من حمص فكان قوي العبارة فصيحها متوسطا بالعلم، له ميل إلى التصوف والكلام في الاحوال والاعمال والقلوب وغير ذلك، وكان يكثر ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية.
توفي بحمص في الثاني والعشرين من صفر من هذه السنة، وقد كان الشيخ يحض الناس على الاحسان إليه، وكان يعطيه ويرفده.
ابن الدواليبي البغدادي الشيخ الصالح العالم العابد الرحلة المسند المعمر عفيف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسين (1) بن عبد الغفار البغدادي الارجي الحنبلي المعروف بابن الدواليبي، شيخ دار الحديث المستنصرية (2)، ولد في ربيع الاول سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الكثير، وله إجازات عالية، واشتغل بحفظ الخرقي، وكان فاضلا في النحو وغيره، وله شعر حسن، وكان رجلا صالحا جاوز التسعين وصار رحلة العراق، وتوفي يوم الخميس رابع جمادى الاولى ودفن بمقبرة الامام أحمد مقابر الشهداء رحمه الله، وقد أجازني فيمن أجاز من مشايخ بغداد ولله الحمد.
قاضي القضاة شمس الدين ابن الحريري أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن عبد الوهاب الانصاري
__________
  
(1) في تذكرة النبيه 2 / 184 وشذرات الذهب 6 / 88: أبي الحسن.
__________
 
 ** مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة  ** (2) المدرسة المستنصرية ببغداد، أنشأها الخليفة المستنصر بالله أبو جعفر المنصور المتوفى سنة 640 ه ووقفها على المذاهب الاربعة، وهي أول مدرسة في الدولة الاسلامية تدرس المذاهب الاربعة (شذرات الذهب 6 / 209) وقد بدأ بتشييدها سنة 625 وانتهى من بنائها سنة 631 ه.

الحنفي، ولد سنة ثلاث وخمسين، وسمع الحديث واشتغل وقرأ الهداية، وكان فقيها جيدا، ودرس بأماكن كثيرة (1) بدمشق، ثم ولي القضاء بها، ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية فاستمر بها مدة طويلة محفوظ العرض، لا يقبل من أحد هدية ولا تأخذه في الحكم لومة لائم، وكان يقول إن لم يكن ابن تيمية شيخ الاسلام فمن ؟ وقال لبعض أصحابه: أتحب الشيخ تقي الدين ؟ قال: نعم، قال: والله لقد أحببت شيئا مليحا.
توفي رحمه الله يوم السبت رابع جمادى الآخرة ودفن بالقرافة، وكان قد عين لمنصبه القاضي برهان الدين بن عبد الحق فنفذت وصيته بذلك، وأرسل إليه إلى دمشق فأحضر فباشر الحكم بعده وجميع جهاته.
الشيخ الامام العالم المقري شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام تقي الدين محمد بن جبارة بن عبد الولي بن جبارة المقدسي المرداوي الحنبلي، شارح الشاطبية، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وعني بفن القراءات فبرز فيه، وانتفع الناس به، وقد أقام بمصر مدة واشتغل بها على الفزاري في أصول الفقه، وتوفي بالقدس رابع رجب رحمه الله، كان يعد من الصلحاء الاخيار، سمع عن خطيب مردا وغيره.
ابن العاقولي البغدادي الشيخ الامام العلامة جمال الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن حماد بن تائب (2)
لواسطي العاقولي ثم البغدادي الشافعي، مدر س المستنصرية مدة طويلة نحوا من أربعين سنة، وباشر نظر الاوقاف وعين لقضاء القضاة في وقت.
ولد ليلة الاحد عاشر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وبرع واشتغل وأفتى من سنة سبع وخمسين إلى أن مات، وذلك مدة إحدى وسبعين سنة، وهذا شئ غريب جدا، وكان قوي النفس له وجاهة في الدولة، فكم كشف كربة عن الناس بسعيه وقصده، توفي ليلة الاربعاء رابع عشرين شوال، وقد جاوز التسعين سنة، ودفن بداره، وكان قد وقفها على شيخ وعشرة صبيان يسمعون القرآن ويحفظونه، ووقف عليها أملاكه كلها.
تقبل الله منه ورحمه، ودرس بعده بالمستنصرية قاضي القضاة قطب الدين.
الشيخ الصالح شمس الدين السلامي شمس الدين محمد بن داود بن محمد بن ساب، السلامي البغدادي، أحد ذوي اليسار،
__________
(1) درس بالصادرية والظاهرية والخاتونية الجوانية والبرانية (تذكرة النبيه 2 / 182).
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 188: ثابت.

وله بر تام بأهل العلم، ولا سيما أصحاب الشيخ تقي الدين، وقد وقف كتبا كثيرة، وحج مرات، وتوفي ليلة الاحد رابع عشرين ذي القعدة بعد وفاة الشيخ تقي الدين بأربعة أيام، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة ودفن باب الصغير رحمه الله وأكرم مثواه.
وفي هذه الليلة توفيت الوالدة مريم بنت فرج بن علي بن قرية كان الوالد خطيبها، وهي مجيدل القرية سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وصلي عليها بعد الجمعة ودفنت بالصوفية شرقي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله تعالى.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة استهلت والخليفه والحكام هم المباشرون في التي قبلها، غير أن قطب الدين ابن الشيخ السلامية اشتغل بنظر الجيش.
وفي المحرم طلب القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب سر دمشق وولده شهاب الدين، وشرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود إلى مصر على
البريد، فباشر القاضي الصدر الكبير محيي الدين المذكور كتابة السر بها عوضا عن علاء الدين بن الاثير لمرض اعتراه، وأقام عنده ولده شهاب الدين، وأقبل شرف الدين الشهاب محمود إلى دمشق على كتابة السر عوضا عن ابن فضل الله.
وفيه ذهب ناصر الدين مشد الاوقاف ناظرا على القدس والخليل، فعمر هنالك عمارات كثيرة لملك الامراء تنكز، وفتح في الاقصى شباكين عن يمين المحراب وشماله وجاء الامير نجم الدين داود بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن يوسف بن الزيبق من شد الدواوين بحمص إلى شدها بدمشق.
وفي الحادي والعشرين من صفر كمل ترخيم الحائط القبلي من جامع دمشق وبسط الجامه جميعه، وصلى الناس الجمعة به من الغد، وفتح باب الزيادة، وكان له أياما مغلقا وذلك في مباشرة تقي الدين بن مراجل.
وفي ربيع الآخر قدم من مصر أولاد الامير شمس الدين قراسنقر إلى دمشق فسكنوا في دار أبيهم داخل باب الفراديس، في دهليز المقدمية، وأعيدت عليهم أملاكهم المخلفة عن أبيهم، وكانت تحت الحوطة، فلما مات في تلك البلاد أفرج عنها أو أكثرها.
وفي يوم الجمعة آخر شهر ربيع الآخر أنزل الامير جوبان وولده من قلعة المدينة النبوية وهما ميتان مصبران في توابيتهما، فصلي عليهما بالمسجد النبوي، ثم دفنا بالبقيع عن مرسوم السلطان، وكان مراد جوبان أن يدفن في مدرسته فلم يمكن من ذلك.
وفي هذا اليوم صلي بالمدينة النبوية على الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وعلى القاضي نجم الدين البالسي المصري صلاة الغائب.
وفي يوم الاثنين منتصف جمادى الآخرة درس القاضي شهاب الدين أحمد بن جهبل بالمدرسة البادرائية عوضا عن شيخنا برهان الدين الفزاري توفي إلى رحمة الله تعالى، وأخذ مشيخة دار الحديث منه الحافظ شمس الدين الذهبي، وحضرها في يوم

الاربعاء سابع عشره، ونزل عن خطابة بطنا للشيخ جمال الدين الملاتي المالكي، فخطب بها يوم الجمعة تاسع عشره.
وفي أواخر هذا الشهر قدم نائب حلب الامير سيف الدين أرغون إلى دمشق قاصدا باب السلطان، فتلقاه نائب دمشق وأنزله بداره التي عند جامعه، ثم سار نحو مصر فغاب
نحوا من أربعين يوما، ثم عاد راجعا إلى نيابة حلب.
وفي عاشر رجب طلب الصاحب تقي الدين ابن عمر بن الوزير شمس الدين بن السلعوس إلى مصر فولي نظر الدواوين بها حتى مات عن قريب.
وخرج الركب يوم السبت تاسع شوال وأميره سيف الدين بلطي، وقاضيه شهاب الدين القيمري وفي الحجاج زوجة ملك الامراء تنكز، وفي خدمتها الطواشي شبل الدولة وصدر الدين المالكي، وصلاح الدين ابن أخي الصاحب تقي الدين توبة، وأخوه شرف الدين، والشيخ علي المغربي، والشيخ عبد الله الضرير وجماعة.
وفي بكرة الاربعاء ثالث شوال جلس القاضي ضياء الدين علي بن سليم بن ربيعة للحكم بالعادلية الكبيرة نيابة عن قاضي القضاة القونوي، وعوضا عن الفخر المصري بحكم نزوله عن ذلك وإعراضه عنه تاسع عشر رمضان من هذه السنة.
وفي يوم الجمعة سادس ذي القعدة بعد أذان الجمعة صعد إلى منبر جامع الحكم بمصر شخص من مماليك الجاولي يقال له أرصى، فادعى أنه المهدي وسجع سجعات يسيرة على رأي الكهان، فأنزل في شرخيبة، وذلك قبل حضور الخطيب بالجامع المذكور.
وفي ذي القعدة وما قبله وما بعده من أواخر هذه السنة وأوائل الاخرى وسعت الطرقات والاسواق داخل دمشق وخارجها، مثل سوق السلاح والرصيف والسوق الكبير وباب البريد ومسجد القصب إلى الزنجبيلية (1)، وخارج باب الجابية إلى مسجد الدبان، وغير ذلك من الاماكن التي كانت تضيق عن سلوك الناس، وذلك بأمر تنكز، وأمر بإصلاح القنوات، واستراح الناس من ترتيش الماء عليهم بالنجاسات.
ثم في العشر الاخير من ذي الحجة رسم بقتل الكلاب فقتل منه شئ كثير جدا، ثم جمعوا خارج باب الصغير مما يلي باب كيسان في الخندق، وفرق بين الذكور منهم والاناث ليموتوا سريعا، ولا يتوالدوا، وكانت الجيف والميتات تنقل إليهم فاستراح الناس من النجاسة من الماء والكلاب، وتوسعت لهم الطرقات.
وفي يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة حضر مشيخة الشيوخ بالسمساطية قاضي القضاة شرف الدين المالكي بعد وفاة قاضي القضاة القونوي الشافعي، وقرئ تقليده بالسبحة بها وحضره
الاعيان وأعيد إلى ما كان عليه.
__________
(1) المدرسة الزنجبيلية (الزنجيلية) هي المدرسة الزنجارية، أنشأها الامير عثمان بن علي الزنجيلي (الزنجبيلي) المتوفى سنة 626 ه.
(الدارس 1 / 526).

وممن توفي فيها من الاعيان: الامام العالم نجم الدين نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عقيل بن أبي الحسن بن عقيل البالسي الشافعي، شارح التنبيه (1)، ولد سنة ستين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه وغيره من فنون العلم، فبرع فيها ولازم ابن دقيق العيد وناب عنه في الحكم، ودرس بالمغربية والطيبرسية وجامع مصر، وكان مشهورا بالفضيلة والديانة وملازمة الاشتغال.
توفي ليلة الخميس رابع عشر المحرم ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة، رحمه الله.
الامير سيف الدين قطلوبك التشنكير الرومي كان من أكابر الامراء وولي الحجوبية في وقت، وهو الذي عمر القناة بالقدس، توفي يوم الاثنين سابع ربيع الاول ودفن بتربته شمال باب الفراديس، وهي مشهورة حسنة، وحضر جنازته بسوق الخيل النائب والامراء.
محدث اليمن شرف الدين أحمد بن فقيه زبيد أبي الحسين بن منصور الشماخي المذحجي، روى عن المكيين وغيرهم، وبلغت شيوخه خمسمائة أو أزيد، وكان رحلة تلك البلاد ومفيدها الخير، وكان فاضلا في صناعة الحديث والفقه وغير ذلك، توفي في ربيع الاول من هذه السنة.
نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الواحد أبو محمد بن المسلم أحد رؤساء دمشق المشهورين، له بيت كبير ونسب عريق، ورياسة باذخة وكرم زائد، باشر نظر الايتام مدة،
وسمع الكثير وحدث، وكان لديه فضائل وفوائد، وله الثروة الكثيرة، وله سنة تسع وأربعين وستمائة، ومات يوم الاثنين ضحوة خامس ربيع الآخر، وصلي عليه بعد الظهر بالاموي، ودفن بسفح قاسيون بتربة أعدها لنفسه، وقبران عنده، وكتب على قبره (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) الآية [ الزمر: 53 ]، وسمعنا عليه الموطأ وغيره.
__________
(1) وهو كتاب التنبيه في فروع الشافعية للشيخ أبي إسحاق ابراهيم بن علي الفقيه الشافعي المتوفى سنة 476 ه (كشف الظنون 1 / 489).

الامير بكتمر الحاجب صاحب الحمام المشهور خارج باب النصر في طريق مقابر الصوفية من ناحية الميدان، كانت وفاته بالقاهرة في عشرين ربيع الآخر، ودفن بمدرسته التي أنشأها إلى جانب داره هناك.
الشيخ شرف الدين عيسى بن محمد بن قراجا بن سليمان السهروردي الصوفي الواعظ، له شعر ومعرفة بالالحان والانغام، ومن شعره قوله: بشراك يا سعد هذا الحي قد بانا * فحلها سيبطل الابل والبانا (1) منازل ما وردنا طيب منزلها * حتى شربنا كؤوس الموت أحيانا متنا غراما وشوقا في المسير لها * فمنذوا في نسيم القرب أحيانا توفي في ربيع الآخر.
شيخنا العلامة برهان الدين الفزاري هو الشيخ الامام العالم العلامة شيخ المذهب وعلمه ومفيد أهله، شيخ الاسلام مفتي الفرق بقية السلف برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ تاج الدين أبي محمد عبد الرحمن ابن الشيخ الامام المقري المفتي برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري المصري الشافعي، ولد في ربيع الاول سنة ستين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل على أبيه وأعاد
في حلقته وبرع وساد أقرانه، وسائر أهل زمانه من أهل مذهبه في دارية المذهب ونقله وتحريره، ثم كان في منصب أبيه في التدريس بالبادرائية، وأشغل الطلبة بالجامع الاموي فانتفع به المسلمون، وقد عرضت عليه المناصب الكبار فأباها، فمن ذلك أنه باشر الخطابة بعد عمه العلامة شرف الدين مدة ثم تركها وعاد إلى البادرائية، وعرض عليه قضاء قضاة الشام بعد ابن صصرى وألح نائب الشام عليه بنفسه وأعوانه من الدولة فلم يقبل، وصمم وامتنع أشد الامتناع، وكان مقبلا على شأنه عارفا بزمانه مستغرقا أوقاته في الاشتغال والعبادة ليلا ونهارا، كثير المطالعة وإسماع الحديث، وقد سمعنا عليه صحيح مسلم وغيره، وكان يدرس بالمدرسة المذكورة، وله تعليق كثير على التنبيه، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، وله تعليق على مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، وله مصنفات في غير ذلك كبار.
وبالجملة فلم أر شافعيا من مشايخنا مثله، وكان حسن الشكل عليه البهاء والجلالة والوقار، حسن الاخلاق، فيه حدة ثم يعود قريبا، وكرمه زائد
__________
(1) كذا بالاصل، العجز غير مستقيم الوزن.

وإحسانه إلى الطلبة كثير، وكان لا يقتني شيئا ويصرف مرتبه وجامكية مدرسته في مصالحه، وقد درس بالادرائية من سنة سبعين وستمائة إلى عامه هذا، توفي بكرة يوم الجمعة سابع جمادى الاولى بالمدرسة المذكورة، وصلي عليه عقب الجمعة بالجامع وحملت جنازته على الرؤوس وأطراف الانامل، وكانت حافلة، ودفن عند أبيه وعمه وذويه بباب الصغير رحمه الله تعالى.
الشيخ الامام العالم الزاهد الورع مجد الدين إسماعيل الحراني الحنبلي، ولد سنة ثمان (1) وأربعين وستمائة، وقرأ القراءات وسمع الحديث في دمشق حين انتقل مع أهله إليها سنة إحدى وسبعين، واشتغل على الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، ولازمه وانتفع به، وبرع في الفقه وصحة النقل وكثرة الصمت عما لا يعنيه، ولم يزل مواظبا على جهاته ووظائفه لا ينقطع عنها إلا من عذر شرعي، إلى أن توفي ليلة الاحد تاسع جمادى الاولى ودفن بباب الصغير رحمه الله.
وفي هذا الحين توفي:
الصاحب شرف الدين يعقوب بن عبد الله (2) الذي كان ناظر الدواوين بحلب، ثم انتقل إلى نظرها بطرابلس.
توفي بحماة، وكان محبا للعلماء وأهل الخير، وفيه كرم وإحسان، وهو والد القاضي ناصر الدين كاتب السر بدمشق، وقاضي العساكر الحلبية ومشيخة الشيوخ بالسمساطية، ومدرس الاسدية بحلب، والناصرية والشامية الجوانية بدمشق.
القاضي معين الدين هبة الله بن علم الدين مسعود بن أبي المعالي عبد الله بن أبي الفضل بن الخشيشي (3) الكاتب وناظر الجيش بمصر في بعض الاحيان، ثم بدمشق مدة طويلة مستقلا ومشاركا لقطب الدين ابن شيخ السلامية، وكان خبيرا بذلك يحفظه على ذهنه، وكانت له يد جيدة في العربية والادب والحساب وله نظم جيد، وفيه تردد وتواضع.
توفي بمصر (4) في نصف جمادى الآخرة ودفن بتربة الفخر كاتب المماليك.
__________
(1) في شذرات الذهب 6 / 89: سنة خمس أو ست وأربعين وستمائة.
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 196 ورد اسمه: يعقوب بن عبد الكريم المصري.
__________
(3) في تذكرة النبيه 2 / 197 وشذرات الذهب 6 / 92: ابن حشيش.
__________
(4) في تذكرة النبيه 2 / 197: بالقاهرة، ومولده سنة 666 ه.

قاضي القضاة علاء الدين القونوي علاء الدين القونوي، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي التبريزي الشافعي ولد بمدينة قونية في سنة ثمان وستين وستمائة تقريبا واشتغل هناك، وقدم دمشق سنة ثلاث وتسعين، وهو معدود من الفضلاء فازداد بها اشتغالا، وسمع الحديث وتصدر للاشتغال بجامعها ودرس بالاقبالية ثم سافر إلى مصر فدرس بها في عدة مدارس كبار، وولي مسيخة الشيوخ بها وبدمشق، ولم يزل يشتغل بها وينفع الطلبة إلى أن قدم دمشق قاضيا عليها في سنة سبع وعشرين،
وله تصانيف في الفقه وغيره، وكان يحرز علوما كثيرة منها النحو والتصريف والاصلان والفقه، وله معرفة جيدة بكشاف الزمخشري، وفهم الحديث، وفيه إنصاف كثير وأوصاف حسنة، وتعظيم لاهل العلم، وخرجت له مشيخة سمعناها عليه، وكان يتواضع لشيخنا المزي كثيرا، توفي ببستانه بالسهم يوم سبت بعد العصر رابع عشر ذي القعدة، وصلي عليه من الغد، ودفن بسفح قاسيون سامحه الله.
الامير حسام الدين لاجين المنصور الحسامي ويعرف بلاجين الصغير، ولي البر بدمشق مدة، ثم نيابة غزة ثم نيابة البيرة، وبها مات في ذي القعدة، ودفن هناك، وكان ابنتى تربة لزوجته ظاهر باب شرقي فلم يتفق دفنه بها (وما تدري نفس بأي أرض تموت) [ لقمان: 34 ].
الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن عز الدين أبي غالب المظفر ابن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي بن أسعد بن العميد أبي يعلى بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي بن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، ورواه وسمعنا عليه، وله رياسة باذخة وأصالة كثيرة وأملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا ولم يزل معه صناعة للوظائف إلى أن ألزم بوكالة بيت السلطان ثم بالوزارة في سنة عشر كما تقدم، ثم عزل، وقد صودر في بعض الاحيان، وكانت له مكارم على الخواص والكبار، وله إحسان إلى الفقراء والمحتاجين.
ولم يزل معظما وجيها عند الدولة من النواب والملوك والامراء وغيرهم إلى أن توفي ببستانه ليلة السبت سادس الحجة، وصلي عليه من الغد ودفن بتربته بسفح قاسيون، وله في الاملحية رباط حسن بمأذنة، وفيه دار حديث وبر وصدقة رحمه الله.
ثم دخلت سنة ثلاثون وسبعمائة استهلت بالاربعاء والحكام بالبلاد هم المذكورون بالتي قبلها سوى الشافعي فإنه توفي وولي

مكانه في رابع المحرم منها علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السبكي الاخنائي الشافعي وقدم دمشق في الرابع والعشرين منه صحبة نائب السلطنة تنكز، وقد زار القدس وحضر معه تدريس التنكزية التي أنشأها بها.
ولما قدم دمشق نزل بالعادلية الكبيرة على العادة، ودرس بها وبالغزالية، واستمر نيابة المنفلوطي، ثم استناب زين الدين بن المرحل، وفي صفر باشر شرف الدين محمود بن الخطيري شد الاوقاف وانفصل عنها نجم الدين بن الزيبق إلى ولاية نابلس.
وفي ربيع الآخر شرع بترخيم الجانب الشرقي من الاموي نسبة الجانب الغربي، وشاور ابن مراجل النائب والقاضي على جمع الفصوص من سائر الجامع في الحائط القبلي، فرسما له بذلك.
وفي يوم.
الجمعة أقيمت الجمعة في إيوان الشافعية بالمدرسة الصالحية بمصر، وكان الذي أنشأها ذلك الامير جمال الدين نائب الكرك، بعد أن استفتى العلماء في ذلك.
وفي ربيع الآخر تولى القضاء بحلب شمس الدين بن النقيب (1) عوضا عن فخر الدين بن البارزي (2)، توفي، وولي شمس الدين بن مجد البعلبكي قضاء طرابلس عوضا عن ابن النقيب.
وفي آخر جمادى الاولى باشر نيابة الحكم عن الاخنائي محيي الدين بن جميل عوضا عن المنفلوطي توفي وفي هذا الشهر وقف الامير الوزير علاء الدين مغلطاي الناصري مدرسة على الحنفية وفيها صوفية أيضا، ودرس بها القاضي علاء الدين بن التركماني، وسكنها الفقهاء.
وفي جمادى الآخرة زينت البلاد المصرية والشامية ودقت البشائر بسبب عافية السلطان من وقعة انصدعت منها يده، وخلع على الامراء والاطباء بمصر، وأطلقت الحبوس.
وفي جمادى الآخرة قدم على السلطان رسل من الفرنج (3) يطلبون منه بعض البلاد الساحلية فقال لهم: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، ثم سيرهم إلى بلادهم خاسئين.
وفي يوم الاحد سادس رجب حضر الدرس الذي أنشأه القاضي فخر الدين كاتب المماليك على الحنفية بمحرابهم بجامع دمشق، ودرس به الشيخ شهاب الدين ابن قاضي الحصين، أخو قاضي القضاة برهان الدين بن عبد الحق بالديار المصرية، وحضر عنده القضاة والاعيان، وانصرفوا من عنده إلى عند ابن أخيه صلاح الدين بالجوهرية، ودرس بها عوضا عن حموه شمس
الدين بن الزكي نزل له عنها وفي آخر رجب خطب بالجامع الذي أنشأها الامير سيف الدين
__________
(1) وهو قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ بدر الدين أبي بكر بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن نجدة بن حمدان النقيب المتوفى سنة 745 ه.
__________
(2) وهو أبو عمرو عثمان بن كمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن ابراهيم بن هبة الله بن البارزي الجهني الحموي الشافعي، توفي فجأة بعد وضوئه لصلاة العصر في صفر، وكان مولده سنة 668 ه.
__________
(3) وهم رسل فيليب السادس ملك فرنسا، وقد بلغ عددهم 120 رجلا، وطالبوا السلطان ناصر محمد بتسليم القدس وسواحل الشام (انظر السلوك 2 / 2 / 319).

ألماس (1) الحاجب ظاهر القاهرة بالشارع، وخطب بالجامع الذي أنشأه قوصون (2) بين جامع طولون والصالحية، يوم الجمعة حادي عشر رمضان وحضر السلطان وأعيان الامراء الخطبة، خطب به يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي، وخلع عليه خلعة سنية، واستقل في خطابته بدر الدين بن شكري.
وخرج الركب الشامي يوم السبت حادي عشر شوال وأميره سيف الدين المرساوي صهر بلبان البيري، وقاضيه شهاب الدين ابن المجد عبد الله مدرس الاقبالية، ثم تولى قضاء القضاة كما سيأتي، وممن حج في هذه السنة رضي الدين بن المنطيقي، والشمس الاردبيلي شيخ الجاروخية (3) وصفي الدين بن الحريري، وشمس الدين ابن خطيب بيروذ، والشيخ محمد النيرباني وغيرهم، فلما قضوا مناسكهم رجعوا إلى مكة لطوا ف الوداع، فبينما هم في سماع الخطبة إذ سمعوا جلبة الخيل من بني حسن وعبيدهم، قد حطموا على الناس في المسجد الحرام، فثار إلى قتالهم الاتراك فاقتتلوا فقتل أمير من الطبلخانات بمصر، يقال له سيف الدين جخدار وابنه خليل، ومملوك له، وأمير عشيرة يقال له الباجي، وجماعة من الرجال والنساء ونهبت أموال كثيرة، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وتهارب الناس إلى منازلهم بأبيار الزاهر، وما كادوا يصلون إليها وما أكملت الجمعة إلا بعد جهد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
واجتمعت الامراء كلهم على الرجعة
إلى مكة للاخذ بالثأر منهم، ثم كروا راجعين وتبعهم العبيد حتى وصلوا إلى مخيم الحجيج، وكادوا ينهبون الناس عامة جهرة، وصار أهل البيت في آخر الزمان يصدون الناس عن المسجد الحرام، وبنو الاتراك هم الذين ينصرون الاسلام وأهله ويكفون الاذية عنهم بأنفسهم وأموالهم، كما قال تعالى (إن أولياؤه إلا المتقون) [ الانفال: 34 ].
وممن توفي فيها من الاعيان: علاء الدين بن الاثير كاتب السر بمصر، علي بن أحمد بن سعيد بن محمد بن الاثير الحلبي الاصل، ثم المصري، كانت له حرمة ووجاهة وأموال وثروة ومكانة عند السلطان، حتى ضربه الفالج في آخر عمره فانعزل عن الوظيفة وباشرها ابن فضل الله في حياته.
__________
(1) في الاصل، الماشي، وهو ألماس بن عبد الله الحاجب الناصري، الامير سيف الدين، قتل سنة 734 ه كما في السلوك 2 / 365 والدرر 1 / 438 وفي درة الاسلاك ص 279 ذكر انه توفي سنة 733، وعن جامع ألماس انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 307).
__________
(2) هو قوصون بن عبد الله الناصري الساقي، الامير سيف الدين، قتل في الحبس بالاسكندرية سنة 742 (النجوم الزاهرة 10 / 75 وعن جامعه انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 307).
__________
(3) في الاصل، الجاروضية وقد تقدمت الاشارة إليها

الوزير العالم أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن محمد بن سهل الازدي الغرناطي الاندلسي، من بيت الرياسة والحشمة ببلاد المغرب، قدم علينا إلى دمشق في جمادى الاولى سنة أربع وعشرين، وهو بعزم الحج، سمعت بقراءته صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني.
قراءة صحيحة، ثم كانت وفاته في القاهرة في ثاني عشرين المحرم، وكانت له فضائل كثيرة في الفقه والنحو والتاريخ والاصول، وكان عالي الهمة شريف النفس محترما ببلاده جدا، بحيث إنه
يولي الملوك ويعزلهم، ولم يل هو مباشرة شئ ولا أهل بيته، وإنما كان يلقب بالوزير مجازا.
شيخنا الصالح العباد الناسك الخاشع شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح العابد شرف الدين أبي الحسن بن حسين ابن غيلان البعلبكي الحنبلي، إمام مسجد السلالين بدار البطيخ العتيقة، سمع الحديث وأسمعه، وكان يقرئ القرآن طرفي النهار، وعليه ختمت القرآن في سنة أحد عشر وسبعمائة، وكان من الصالحين الكبار، والعباد الاخيار، توفي يوم السبت سادس صفر وصلي عليه بالجامع ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة.
وفي هذا الشهر - أعني صفر - كانت وفاة والي القاهرة القديدار وله آثار غريبة ومشهورة.
بهادرآص الامير الكبير رأس ميمنة الشام، سيف الدين بهادرآص المنصوري أكبر أمراء دمشق، وممن طال عمره في الحشمة والثروة، وهو ممن اجتمعت فيه الآية الكريمة (زين للناس حب الشهوات من النساء) الآية [ آل عمران: 14 ]، وقد كان محببا إلى العامة، وله بر وصدقة وإحسان، توفي ليلة الثلاثاء ودفن بتربته خارج الجابية، وهي مشهورة أيضا.
الحجار ابن الشحنة الشيخ الكبير المسند المعمر الرحلة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن بن علي بن بيان الدير مقرني ثم الصالحي الحجار المعروف بابن الشحنة، سمع البخاري على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة بقاسيون، وإنما ظهر سماعه سنة ست وسبعمائة ففرح بذلك المحدثون وأكثروا السماع عليه، فقرئ البخاري عليه نحوا من ستين (1) مرة وغيره، وسمعنا
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 200: سبعين مرة.

عليه بدار الحديث الاشرفية في أيام الشتويات نحوا من خمسمائة جزء بالاجازات والسماع، وسماعه من الزبيدي وابن اللتي، وله إجازة من بغداد فيها مائة وثمانية وثلاثون شيخا من العوالي
المسندين، وقد مكث مدة مقدم الحجارين نحوا من خمس وعشرين سنة، ثم كان يخيط في آخر عمره، واستقرت عليه جامكيته لما اشتغل بإسماع الحديث، وقد سمع عليه السلطان الملك الناصر، وخلع عليه وألبسه الخلعة بيده، وسمع عليه من أهل الديار المصرية والشامية أمم لا يحصون كثيرا، وانتفع الناس بذلك، وكان شيخا حسنا بهي المنظر سليم الصدر ممتعا بحواسه وقواه، فإنه عاش مائة سنة محققا، وزاد عليها، لانه سمع البخاري من الزبيدي في سنة ثلاثين وستمائة وأسمعه هو في ثلاثين وسبعمائة في تاسع صفر بجامع دمشق، وسمعنا عليه يومئذ ولله الحمد، ويقال إنه أدرك موت المعظم عيسى بن العادل لما توفي، والناس يسمعهم يقولون مات المعظم، وقد كانت وفاة المعظم في سنة أربع وعشرين وستمائة، وتوفي الحجار يوم الاثنين خامس عشرين صفر من هذه السنة، وصلي عليه بالمظفري يوم الثلاثاء ودفن بتربة له عند زاوية الدومي، بجوار جامع الافرم.
وكانت جنازته حافلة رحمه الله.
الشيخ نجم الدين بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن أبي نصر المحصل المعروف بابن الشحام، اشتغل ببلده ثم سافر وأقام بمدينة سراي من مملكة إربل، ثم قدم دمشق في سنة أربع وعشرين فدرس بالظاهرية البرانية ثم بالجاروخية، وأضيف إليه مشيخة رباط القصر، ثم نزل عن ذلك لزوج ابنته نور الدين الاردبيلي، توفي في ربيع الاول وكان يعرف طرفا من الفقه والطب.
الشيخ إبراهيم الهدمة أصله كردي من بلاد المشرق، فقدم الشام، وأقام بين القدس والخليل، في أرض كانت مواتا فأحياها وغرسها وزرع فيها أنواعا، وكان يقصد للزيارة، ويحكي الناس عنه كرامات صالحة، وقد بلغ مائة سنة، وتزوج في آخر عمره ورزق أولادا صالحين توفي في جمادى الآخرة رحمه الله.
الست صاحبة التربة بباب الخواصين الخوندة المعظمة المحجة المحرمة: ستيته بنت الامير سيف الدين
كركاي المنصوري، زوجة نائب الشام تنكز، توفيت بدار الذهب وصلي عليها بالجامع ثالث رجب، ودفنت بالتربة التي أمرت بإنشائها بباب الخواصين، وفيها مسجد وإلى جانبها رباط

للنساء ومكتب للايتام.
وفيها صدقات وبر وصلات، وقراء عليها، كل ذلك أمرت به، وكانت قد حجت في العام الماضي رحمها الله.
قاضي قضاة طرابلس شمس الدين محمد بن عيسى بن محمود البعلبكي المعروف بابن المجد الشافعي، اشتغل ببلده وبرع في فنون كثيرة، وأقام بدمشق مدة يدرس بالقوصية وبالجامع، ويؤم بمدرسة أم الصالح، ثم انتقل إلى قضاء طرابلس فأقام بها أربعة أشهر، ثم توفي سادس رمضان وتولاها بعده ولده تقي الدين وهو أحد الفضلاء المشهورين، ولم تطل مدته حتى عزل عنها وأخرج منها.
الشيخ الصالح عبد الله بن أبي القاسم بن يوسف بن أبي القاسم الحوراني، شيخ طائفتهم وإليه مرجع زاويتهم بحوران، كان عنده تفقه بعض شئ، وزهادة ويزار، وله أصحاب يخدمونه، وبلغ السبعين سنة، وخرج لتوديع بعض أهله إلى ناحية الكرك من ناحية الحجاز فأدركه الموت هناك، فمات في أول ذي القعدة.
الشيخ حسن بن علي ابن أحمد الانصاري الضرير كان بفرد عين أولا، ثم عمي جملة، وكان يقرأ القرآن ويكثر التلاوة ثم انقطع إلى المنارة الشرقية، وكان يحضر السماعات ويستمع ويتواجد، ولكثير من الناس فيه اعتقاد على ذلك، ولمجاورته في الجامع وكثرة تلاوته وصلاته والله يسامحه، توفي يوم السبت في العشر الاول من ذي الحجة بالمأذنة الشرقية، وصلي عليه بالجامع، ودفن بباب الصغير.
محيي الدين أبو الثناء محمود ابن الصدر شرف الدين القلانسي، توفي في ذي الحجة ببستانه، ودفن بتربتهم بسفح
قاسيون وهو جد الصدر جلال الدين بن القلانسي، وأخيه علاء، وهم ثلاثتهم رؤساء.
الشاب الرئيس صلاح الدين يوسف بن القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية، ناظر الجيش أبوه، نشأ هذا الشاب في نعمة وحشمة وترفه وعشرة واجتماع بالاصحاب، توفي يوم السبت تاسع

عشرين ذي الحجة فاستراح من حشمته وعشرته إن لم تكن وبالا عليه، ودفن بتربتهم تجاه الناصرية بالسفح، وتأسف عليه أبواه ومعارفه وأصحابه سامحه الله.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، وقد ذكرنا ما كان من عبيد مكة إلى الحجاج، وأنه قتل من المصريين أميران، فلما بلغ الخبر السلطان عظم عليه ذلك، وامتنع من الاكل على السماط فيما يقال أياما، ثم جرد ستمائة فارس وقيل ألفا، والاول أصح، وأرسل إلى الشام أن يجرد مقدما آخر، فجرد الامير سيف الدين الجي بغا العادلي.
وخرج من دمشق يوم دخلها الركب في سادس عشرين المحرم، وأمر أن يسير إلى إيلة ليجتمع مع المصريين، وأن يسيروا جميعا إلى الحجاز.
وفي يوم الاربعاء تاسع صفر وصل نهر الساجور (1) إلى مدينة حلب، وخرج نائب حلب أرغون ومعه الامراء مشاة إليه في تهليل وتكبير وتحميد، يتلقون هذ النهر، ولم يكن أحد من المعالي ولا غيرهم أن يتكلم بغير ذكر الله تعالى، وفرح الناس بوصوله إليهم فرحا شديدا، وكانوا قد وسعوا في تحصيله من أماكن بعيدة احتاجوا فيها إلى نقب الجبال، وفيها ضخور ضخام وعقدوا له قناطر على الاودية، وما وصل إلا بعد جهد جهيد، وأمر شديد، فلله الحمد وحده لا شريك له.
وحين رجع نائب حلب أرغون مرض مرضا شديدا ومات (2) رحمه الله.
وفي سابع صفر وسع تنكز الطرقات بالشام ظاهر باب الجابية، وخرب كل ما يضيق الطرقات.
وفي ثاني ربيع الاول لبس علاء الدين القلانسي خلعة سنية لمباشرة نظر الدواوين ديوان
ملك الامراء، وديوان نظر المارستان، عوضا عن ابن العادل، ورجع ابن العادل إلى حجابة الديوان الكبير.
وفي يوم ثاني ربيع الاول لبس عماد الدين بن الشيرازي خلعة نظر الاموي عوضا عن ابن مراجل عزل عنه لا إلى بدل عنه، وباشر جمال الدين بن القويرة نظر الاسرى بدلا عن ابن الشيرازي.
وفي يوم الخميس آخر ربيع الاول لبس القاضي شرف الدين بن عبد الله بن شرف الدين حسن بن الحافظ أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي خلعة قضاء الحنابلة عوضا عن عز الدين بن التقي سليمان، توفي رحمه الله، وركب من دار السعادة إلى الجامع، فقرئ تقليده تحت النسر بحضرة القضاة والاعيان، ثم ذهب إلى الجوزية فحكم بها، ثم إلى الصالحية وهو لابس الخلعة، واستناب يومئذ ابن أخيه النقي عبد الله بن شهاب الدين أحمد.
وفي
__________
(1) نهر الساجور: نهر بمنبج (معجم البلدان).
__________
(2) وكانت وفاته في ربيع الاول (مختصر أخبار البشر 4 / 102 - شذرات الذهب 6 / 95 - تذكرة النبيه 2 / 211).

سلخ ربيع الآخر اجتاز الامير علاء الدين الطنبغا بدمشق وهو ذاهب إلى بلاد حلب نائبا عليها، عوضا عن أرغون توفي إلى رحمة الله، وقد تلقاه النائب والجيش.
وفي مستهل جمادى الاولى حضر الامير الشريف رميثة بن أبي نمي إلى مكة، فقرئ تقليده بأمرة مكة من جهة السلطان، صحبة التجريدة (1)، وخلع عليه وبايعه الامراء المجردون من مصر والشام داخل الكعبة، وقد كان وصول التجاريد إلى مكة في سابع ربيع الاول (2)، فأقاموا بباب المعلى، وحصل لهم خير كثير من الصلاة والطواف، وكانت الاسعار رخيصة معهم.
وفي يوم السبت سابع ربيع الآخر خلع على القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة بوكالة السلطان ونظر جامع طولون ونظر الناصرية، وهنأه الناس عوضا عن التاج ابن إسحاق عبد الوهاب، توفي ودفن بالقرافة.
وفي هذا الشهر تولى عماد الدين ابن قاضي القضاة الاخنائي تدريس الصارمية وهو صغير بعد وفاة النجم هاشم بن عبد الله البعلبكي الشافعي، وحضرها في رجب وحضر عنده الناس خدمة لابيه، وفي حادي عشرين جمادي الآخرة رجعت التجريدة من
الحجاز صحبة الامير سيف الدين الجي بغا، وكانت غيبتهم خمسة أشهر وأياما (3) وأقاموا بمكة شهرا واحدا ويوما واحدا وحصل للعرب منهم رعب شديد، وخوف أكيد، وعزلوا عن مكة عطية وولوا أخاه رميثة وصلوا وطافوا واعتمروا، ومنهم من أقام هناك ليحج.
وفي ثاني رجب خلع على ابن أبي الطيب بنظر ديوان بيت المال عوضا عن ابن الصاين توفي.
وفي أوائل شعبان حصل بدمشق هواء شديد مزعج كسر كثيرا من الاشجار والاغصان، وألقى بعض الحيطان والجدران، وسكن بعد ساعة بإذن الله، فلما كان كان يوم تاسعه سقط برد كبار مقدار بيض الحمام، وكسر بعض جامات الحمام.
وفي شهر شعبان هذا خطب بالمدرسة المعزية على شاطئ النيل أنشأها الامير سيف الدين طغزدمر، أمير مجلس الناصري، وكان الخطيب عز الدين عبد الرحيم بن الفرات الحنفي.
وفي نصف رمضان قدم الشيخ تاج الدين عمر بن علي بن سالم الملحي بن الفاكهاني المالكي، نزل عند القاضي الشافعي، وسمع عليه شيئا من مصنفاته، وخرج إلى الحج عامئذ مع الشاميين، وزار القدس قبل وصوله إلى دمشق.
وفي هذا الشهر وطئ سوق الخيل وركبت فيه حصبات كثيرة، وعمل فيه نحو من أربعمائة نفس في أربعة أيام حتى ساووه وأصلحوه، وقد كان قبل ذلك يكون فيها مياه كثيرة، وملقات.
وفيه أصلح سوق الدقيق داخل باب الجابية إلى الثابتية وسقف عليه السقوف.
__________
(1) التجريدة دوريات منظمة لمنع قرصنة العدو في البحر، أو فرقة من الجيش (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 73).
__________
(2) في مختصر أخبار البشر 4 / 103: سابع عشر ربيع الآخرة.
__________
(3) في مختصر اخبار البشر 4 / 103: خمسة اشهر سوى اربعة أيام.

وخر الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال وأميره عز الدين أيبك، أمير علم، وقاضيه شهاب الدين الظاهري.
وممن حج فيه شهاب الدين بن جهبل وأبو النسر وابن جملة والفخر المصري والصدر المالكي وشرف الدين الكفوي الحنفي، والبهاء ابن إمام المشهد وجلال الدين
الاعيالي ناظر الايتام، وشمس الدين الكردي، وفخر الدين البعلبكي، ومجد الدين بن أبي المجد، وشمس الدين بن قيم الجوزية، وشمس الدين ابن خطيب بيرة، وشرف الدين قاسم العجلوني، وتاج الدين بن الفاكهاني والشيخ عمر السلاوي وكاتبه إسماعيل بن كثير، وآخرون من سائر المذاهب، حتى كان الشيخ بدر الدين يقول: اجتمع في ركابنا هذا أربعمائة فقيه وأربع مدارس وخانقاه، ودار حديث، وقد كان معنا من المفتيين ثلاثة عشر نفسا، وكان في المصريين جماعة من الفقهاء منهم قاضي المالكية تقي الدين الاخنائي، وفخر الدين النويري، وشمس الدين بن الحارثي، ومجد الدين الاقصرائي، وشيخ الشيوخ الشيخ محمد المرشدي.
وفي ركب العراق الشيخ أحمد السروجي أشد وكان من المشاهير.
وفي الشاميين الشيخ علي الواسطي صحبة ابن المرجاني، وأمير المصريين مغلطاي الجمالي الذي كان وزيرا في وقت، وكان إذ ذاك مريضا، ومررنا بعين تبوك وقد أصلحت في هذه السنة، وصينت إمن دوس الجمال والجمالين، وصار ماؤها في غاية الحسن والصفاء والطيب، وكانت وقفة الجمعة ومطرنا بالطواف، وكانت سنة مرخصة آمنة.
وفي نصف ذي الحجة رجع تنكز من ناحية قلعة جعبر، وكان في خدمته أكثر الجيش الشامي، وأظهر أبهة عظيمة في تلك النواحي.
وفي سادس عشر ذي الحجة وصل توقيع القاضي علاء الدين بن القلانسي بجميع جهات أخيه جمال الدين بحكم وفاته مضافا إلى جهاته، فاجتمع له من المناصب الكبار ما لم يجتمع لغيره من الرؤساء في هذه الاعصار، فمن ذلك: وكالة بيت المال، وقضاء العسكر وكتابة الدست، ووكالة ملك الامراء، ونظر البمارستان، ونظر الحرمين، ونظر ديوان السعيد، وتدريس الامينية (1) والظاهرية (2) والعصرونية (3) وغير ذلك انتهى.
وممن توفي فيها من الاعيان: قاضي القضاة عز الدين المقدسي عز الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر
__________
(1) المدرسة الامينية: أول مدرسة للشافعية بدمشق أنشأها أتابك العساكر بدمشق ابن الدولة كمشتكين بن عبد الله
الطغتكيني المتوفى سنة 541 (الدارس في تاريخ المدارس 1 / 178).
__________
(2) هي الظاهرية الجوانية التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس وكانت للحنفية والشافعية، قيل إن أول من درس بها زكي الدين أبو إسحاق من المالكية (الدارس 1 / 348 كرد علي: خطط الشام 6 / 82).
__________
(3) العصرونية بدمشق أنشأها فقيه الشام عبد الله بن محمد بن أبي عصرون المتوفى سنة 585 (الدارس 1 / 391).

ابن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، ولد سنة خمس وستين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل على والده واستنابه في أيام ولايته، فلما ولي ابن مسلم (1) لزم بيته يحصر درس الجوزية ودار الحديث الاشرفية بالجبل ويأوي إلى بيته، فلما توفي ابن مسلم ولي قضاء الحنابلة بعده نحوا من أربع سنين، وكان فيه تواضع وتودد وقضاء لحوائج الناس، وكانت وفاته يوم الاربعاء تاسع صفر، وكان يوما مطيرا، ومع هذا شهد الناس جنازته، ودفن بتربتهم رحمهم الله، وولي بعده نائبه شرف الدين ابن الحافظ، وقد قارب الثمانين.
وفي نصف صفر توفي: الامير سيف الدين قجليس سيف النعمة، وقد كان سمع على الحجار ووزيرة بالقدس الشريف.
وفي منتصف صفر (2) توفي الامير الكبير سيف الدين أرغون بن عبد الله الدويدار الناصري، وقد عمل على نيابة مصر مدة طويلة، ثم غضب عليه السلطان فأرسله إلى نيابة حلب، فمكث بها مدة ثم توفي بها في سابع ربيع الاول، ودفن بتربة اشتراها بحلب، وقد كان عنده فهم وفقه، وفيه ديانة واتباع للشريعة، وقد سمع البخاري على الحجار وكتبه جميعه بخطه، وأذن له بعض العلماء في الافتاء، وكان يميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وهو بمصر، توفي ولم يكمل الخمسين سنة، وكان يكره اللهو رحمه الله.
ولما خرج يلتقي نهر الساجور خرج في ذل ومسكنة، وخرج معه الامراء كذلك مشاة في تكبير وتهليل وتحميد، ومنع المغاني ومنت اللهو واللعب في ذلك رحمه الله.
القاضي ضياء الدين
أبو الحسن علي بن سليم بن ربيع (3) بن سليمان الاذرعي (4) الشافعي، تنقل في ولاية الاقضية بمدارس كثيرة، مدة ستين سنة، وحكم بطرابلس وعجلون وزرع وغيرها، وحكم بدمشق نيابة عن القونوي نحوا من شهر، وكان عنده فضيلة وله نظم كثير.
نظم التنبيه في نحو ستة عشر (5) ألف بيت، وتصحيحها في ألف وثلثمائة بيت، وله مدائح ومواليا وأزجال وغير ذلك، ثم كانت وفاته بالرملة يوم الجمعة ثالث عشرين ربيع الاول عن خمس وثمانين سنة رحمه
__________
(1) وهو محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحي الحنبلي المتوفى سنة 729 ه.
__________
(2) كذا بالاصل وهو تصحيف، وسيرد بعد قليل وفاته في ربيع الاول
__________
(3) في تذكرة النبيه 2 / 212 وشذرات الذهب 6 / 96 والدرر 3 / 123: ربيعة.
__________
(4) في البداية المطبوعة: الازرعي وهتحريف، والاذرعي نسبة إلى أذرعات: وهي بلد في أطراف الشام يجاور البلقاء وعمان.
(معجم البلدان).
__________
(5) في الاصل ست عشرة.

الله، وله عدة أولاد منهم عبد الرزاق أحد الفضلاءة، وهو ممن جمع بين علمي الشريعة والطبيعة.
أبو دبوس عثمان بن سعيد المغربي تملك في وقت بلاد قابس ثم تغلب عليه جماعة فاتنزعوها منه فقصد مصر فأقام بها وأقطع اقطاعا، وكان يركب مع الجند في زي المغاربة متقلدا سيفا، وكان حسن الهيئة يواظب على الخدمة إلى أن توفي في جمادى الاولى.
الامام العلامة ضياالدين أبو العباس أحمد بن قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي الشافعي، مدرس لحسامية ونائب الحكم بمصر، وأعاد في أماكن كثيرة، وتفقه على والده، توفي في جمادى الآخرة وتولى الحسامية بعده ناصر الدين التبريزي.
الصدر الكبير تاج الدين الكارمي المعروف بان الرهايلي، كان أكبر تجار دمشق الكارمية وبمصر، توفي في جمادى الآخرة، يقال إنه خلف مائة ألف دينار غير البضائع والاثاث والاملاك.
الامام العلامة فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان بن المارداني التركماني الحنفي شرخ فخر الدين هذا الجامع (1) وألقاه دروسا في مائة كراس، توفي في رجب وله إحدى وسبعون سنة، كان شجاعا عالما فاضلا، وقورا فصيحا حسن المفاكهة، وله نظم حسن.
وولي بعده المنصورية (2) ولده تاج الدين.
تقي الدين عمر ابن الوزير شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس، كان صغيرا لما مات أبوه تحت العقوبة، ثم نشأ في الخدم ثم
__________
(1) وهو كتاب " الجامع الكبير في الفروع " للامام محمد بن الحسن الشيباني المتوفي سنة 187 ه (كشف الظنون 1 / 569).
__________
(2) المدرسة المنصورية بالقاهرة، أنشأها الملك منصور قلاوون الصالحي، وهي داخل باب المارستان المنصوري الكبير (انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 379).

طلبه السلطان في آخر وقت فولاه نظر الدواوين بمصر، فباشره يوما واحدا وحضر بين يدي السلطان يوم الخميس، ثم خرج من عنده وقد اضطرب حاله فما وصل إلى منزله إلا في محفة، ومات بكرة يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة، وصلي عليه بجامع عمرو بن العاص، ودفن عند والده بالقرافة وكانت جنازته حافلة.
جمال الدين أبو العباس أحمد بن شرف الدين بن جمال الدين محمد بن أبي الفتح نصر الله بن أسد بن حمزة بم أسد ابن علي بن محمد التميمي الدمشقي بن القلانسي، قاضي العساكر ووكيل بيت المال ومدرس
الامينية وغيرها حفظ التنبيه ثم المحرر للرافعي، وكا يستحضره، واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، وتقدم لطلب العلم والرئاسة، وباشر جهات كبارا، ودرس بأماكن وتفرد في وقته بالرياسة والبيت والمناصب الدينية والدنيوية، وكان فيه تواضع وحسن سمت وتودد وإحسان وبر بأهل العلم والفقراء والصالحين وهو ممن أذن له في الافتاء وكتب إنشاء ذلك وأنا حاضر على البديهة فأفاد وأجاد، وأحسن التعبير وعظم في عيني.
توفي يوم الاثنين ثامن عشرين ذي القعدة، ودفن بتربتهم بالسفح، وقد سمع الحديث على جماعة من المشايخ وخرج له فخر الدين البعلبكي مشيخة سمعناها عليه رحمه الله.
ثم دخلت سنة اثنتي وثلاثين وسيعمائة استهلت وحكام البلاد هم هم، وفي أولها فتحت القيسارية التي كانت مسبك الفولاذ جوا باب الصغير حولها تنكز قيسارية ببركة.
وفي يوم الاربعاء ذكر الدرس بالامينية والظاهرية علاء الدين بن القلانسي عوضا عن أخيه جمال الدين، وذكر ابن أخيه أمين الدين محمد بن جمال الدين الدرس في العصرونية، تركها له عمه، وحضر عندهما جماعة من الاعيان.
وفي تاسع المحرم جاء إلى حمص سيل عظيم غرق بسببه خلق كثير وجم غفير، وهلك للناس أشياء كثيرة.
وممن مات فيه نحو مائتي امرأة (1) بحمام النائب، كن مجتمعات على عروس أو عروسين فهلكن جميعا.
وفي صفر أمر تنكز ببياض الجدران المقابلة لسوق الخيل إلى باب الفراديس، وأمر بتجديد خان الظاهر، فغرم عليه نحوا من سبعين ألفا.
وفي هذا الشهر وصل تابوت لاجين الصغير من البيرة فدفن بتربته خارج باب شرقي.
وفي تاسع ربيع الآخر حضر الدرس بالقيمازية عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضا عن الشيخ رضي الدين المنطيقي، توفي، وحضر عنده القضاة
__________
(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 104، مات بحمام تنكز نحو مائتي امرأة وصغير وصغيرة وجماعة رجال دخلوا ليخلصوا النساء (انظر تذكرة النبيه 2 / 219).

والاعيان.
وفي أول ربيع الآخر خلع على الملك الافضل محمد (1) بن الملك المؤيد صاحب حماة
وولاة السلطان الملك الناصر مكان أبيه بحكم وفاته، وركب بمصر بالعصائب (2) والشبابة والغاشية أمامه.
وفي نصف هذا الشهر سافر الشيخ شمس الدين الاصفهاني شارح المختصر ومدرس الرواحية إلى الديار المصرية على خيل البريد وفارق دمشق وأهلها واستوطن القاهرة.
وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خطب بالجامع الذي أنشأه الامير سيف الدين آل ملك واستقر فيه خطيبا نور الدين علي بن شبيب الحنبلي.
وفيه أرسل السلطان جماعة من الامراء إلى الصعيد فأحاطوا على ستمائة رجل ممن كان يقطع الطريق فأتلف بعضهم.
وفي جماى الآخرة تولى شد الدواوين بدمشق نور الدين بن الخشاب عوضا عن الطرقشي.
وفي يوم الاربعاء حادي عشر رجب خلع على قاضي القضاة علاء الدين بن الشيخ زين الدين بن المنجا بقضاء الحنابلة عوضا عن شرف الدين بن الحافظ، وقرئ تقليده بالجامع، وحضر القضاة والاعيان.
وفي اليوم الثاني استناب برهان الدين الزرعي.
وفي رجب باشر شمس الدين موسى بن التاج إسحاق نظر الجيوش بمصر عوضا عن فخر الدين (3) كاتب المماليك توفي، وباشر ألنشو مكانه في نظر الخاص، وخلع عليه بطرحه، فلما كان في شعبان عزل هو وأخوه العلم ناظر الدواوين وصودروا وضربوا ضربا عظيما، وتولى نظر الجيش المكين بن قروينة، ونظر الدواوين أخوه شمس الدين بن قروينة.
وفي شعبان كان عرش أنوك، ويقال كان اسمه محمد بن السلطان الملك الناصر، على بنت الامير سيف الدين بكتمر الساقي، وكان جهازها بألف ألف دينار، وذبح في هذا العرس من الاغنام والدجاج والاوز والخيل والبقر نحو من عشرين ألفا، وحملت حلوى بنحو ثمانية عشر ألف قنطار، وحمل له من الشمع ثلاثة آلاف قنطار (4)، قاله الشيخ أبو بكر، وكان هذا العرس ليلة الجمعة حادي عشر شعبان.
وفي شعبان هذا حول القاضي محيي الدين بن فضل الله من كتابة السر بمصر إلى كتابة السر بالشام، ونقل شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود إلى كتابة السر بمصر، وأقيمت الجمعة بالشامية البرانية في خامس عشر شعبان، وحضرها القضاة والامراء، وخطب بها الشيخ زين الدين عبدالنور المغربي وذلك بإشارة الامير حسام الدين اليشمقدار الحاجب بالشام، ثم خطب عنه كمال الدين بن الزكي، وفيه أمر نائب السلطنة
__________
(1) من مختصر أخبار البشر 4 / 104 وتذكرة النبيه 2 / 225 والدرر 4 / 8، وفي الاصل: علي تصحيف.
وقد ولي حكم حماه حتى عزله الاشرف كجك سنة 742 ه وقرره أمير مائة بدمشق فتوفي في نفس السنة.
__________
(2) العصائب جمع عصابة وهي راية عظيمة من حرير أصفر مطرزة بالذهب عليها ألقابه واسمه (صبح الاعشى 4 / 7).
__________
(3) وهو فخر الدين محمد بن فضل الله المصري ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية، مولده في حدود 660 (الدرر 4 / 255 تذكرة النبيه 2 / 227).
__________
(4) في مختصر أخبار البشر 4 / 106: ألف قنطار من الشمع، وفي تذكرة النبيه 2 / 221: ثلاثة الآف شمعة.

بتبييض البيوت من سوق الخيل إلى ميدان الحصا، ففعل ذلك.
وفيه زادت الفرات زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها، واستمرت نحوا من اثني عشر يوما فأتلفت بالرحبة أموالا كثيرة، وكسرت الجسر الذي عند دير بسر، وغلت الاسعار هناك فشرعوا في إصلاح الجسر، ثم انكسر مرة ثانية.
وفي يوم السبت تاسع شوال خرج الركب الشامي وأميره سيف الدين أوزان، وقاضيه جمال الدين بن الشريشي، وهو قاضي حمص الآن، وحج السلطان في هذه السنة وصحبته قاضي القضاة القزويني وعز الدين بن جماعة، وموفق الدين الحنبلي، وسبعون أميرا.
وفي ليلة الخميس حادي عشرين شوال رسم على الصاحب عز الدين غبريال بالمدرسة النجيبية الجوانية، وصودر وأخذت منه أموال كثيرة، وأفرج عنه في المحرم من السنة الآتية.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ عبد الرحمن بن أبي محمد بن محمد ابن سلطان القرامذي، أحد المشاهير بالعبادة والزهادة وملازمة الجامع الاموي، وكثرة التلاوة والذكر، وله أصحاب يجلسون إليه، وله مع هذا ثروة وأملاك، توفي في مستهل المحرم عن خمس أو ست وثمانين سنة، ودفن بباب الصغير، وكان قد سمع الحديث واشتغل بالعلم ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة إلى أن مات.
الملك المؤيد صاحب حماه عماد الدين إسماعيل بن الملك الافضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كانت له فضائل كثيرة في علوم متعددة من الفقه والهيئة والطب وغير ذلك، وله مصنفات عديدة، منها تاريخ حافل في مجلدين كبيرين، وله نظم الحاوي وغير ذلك، وكان يحب العلماء ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من فضلاء بني أيوب، ولي ملك حماه من سنة إحدى وعشرين إلى هذا الحين، وكان الملك الناصر يكرمه ويعظمه، وولي بعده ولده الافضل علي (1) ، توفي في سحر يوم الخميس ثامن عشرين المحرم، ودفن ضحوة عند والديه بظاهر حماه.
القاضي الامام تاج الدين السعدي تاج الدين أبو القاسم عبد الغفار بن محمد بن عبد الكافي بن عوض بن سنان بن عبد الله
__________
(1) انظر حاشية 1 ص 181.
(وانظر بدائع الزهور 1 / 463).

السعدي الفقيه الشافعي، سمع الكثير وخرج لنفسه معجما في ثلات مجلدات، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الخط الجيد، وكان متقنا عارفا بهذا الفن، يقال إنه كتب بخطه نحوا من خمسمائة مجلد، وقد كان شافعيا مفتيا، ومع هذا ناب في وقت عن القاضي الحنبلي، وولي مشيخة الحديث بالمدرسة الصاحبية، وتوفي بمصر في مستهل ربيع الاول عن ثنتين وثمانين سنة، رحمه الله.
الشيخ رضي الدين بن سليمان (1) المنطقي الحنفي، أصله من أب كرم، من بلاد قونية، وأقام بحماه ثم بدمشق.
ودرس بالقيمازية، وكان فاضلا في المنطق والجدل، واشتغل عليه جماعة في ذلك، وبلغ من العمر ستا ثمانين سنة، وحج سبع مرات، توفي ليلة الجمعة سادس عشرين ربيع الاول، وصلي عليه بعد الصلاة ودفن بالصوفية.
وفي ربيع الاول توفي:
الامام علاء الدين طنبغا (2) ودفن بتربته بالصالحية.
وكذلك الامير سيف الدين زولاق، ودفن بتربته أيضا.
قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة، وباشر نيابة ابن مسلم مدة، ثم ولي القضاء في السنة الماضية، ثم كانت وفاته فجأة في مستهل جمادى الاولى ليلة الخميس، ودفن من الغد بتربة الشيخ أبي عمر.
الشيخ ياقوت الحبشي الشاذلي الاسكندراني، بلغ الثمانين، وكان له أتباع، وأصحاب منهم شمس الدين بن اللبان الفقيه الشافعي، وكان يعظمه ويطريه وينسب إليه مبالغات الله أعلم بصحتها وكذبها، توفي في جماد وكانت جنازته حافلة جدا.
__________
(1) وهو ابراهيم بن سليمان الرومي الحنفي المعروف بالمنطقي.
__________
(2) من مختصر أخبار البشر 4 / 105، وفي الاصل: طيبغا.
وهو علاء الدين الطنبغا الصالحي العلائي السلحدار عمل نيابة حمص ثم غزة وبها مات (الدرر 1 / 436).

النقيب ناصح الدين محمد بن عبد الرحيم بن قاسم بن إسماعيل الدمشقي، نقيب المتعممين، تتلمذ أولا للشهاب المقري ثم كان بعده في المحافل العزاء والهناء، وكان يعرف هذ الفن جيدا، وكان كثير الطلب من الناس، ويطلبه الناس لذلك، ومع هذا مات وعليه ديون كثيرة، توفي في أواخر رجب.
القاضي فخر الدين كاتب المماليك وهو محمد بن فضل الله ناظر الجيوش بمصر، أصله قبطي فأسلم وحسن إسلامه، وكانت له أوقاف كثيرة، وبر وإحسان إلى أهل العلم، وكان صدرا معظما، حصل له من السلطان حظ
وافر، وقد جاوز السبعين وإليه تنسب الفخرية بالقدس الشريف، توفي في نصف رجب واحتيط على أمواله وأملاكه بعد وفاته رحمه الله.
الامير سيف الدين الجاي الدويدآر الملكي الناصري كان فقيها حنفيا فاضلا، كتب بخطه ربعة وحصل كتبا كثيرة معتبرة، وكان كثير الاحسان إلى أهل العلم، توفي في سلخ رجب رحمه الله.
الطبيب الماهر الحاذق الفاضل أمين الدين سليمان بن داود بن سليمان، كان رئيس الاطباء بدمشق ومدرسهم مدة، ثم عزل بجمال الدين بن الشهاب الكحال مدة قبل موته لامر تعصب عليه فيه نائب السلطنة، توفي يوم السبت سادس عشرين شوال ودفن بالقبيبات.
الشيخ الامام العالم المقري شيخ القراء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر إبراهيم بن خليل الجعبري، ثم الخليلي الشافعي، صاحب المصنفات الكثيرة في القراءات وغيرها، ولد سنة أربعين وستمائة بقلعة جعبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة يقرئ الناس، وشرح الشاطبية وسمع الحديث، وكانت له إجازة من يوسف بن خليل الحافظ، وصنف بالعربية والعروض والقراءات نظما ونثرا، وكان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرياسة والخير والديانة

والعفة والصيانة، توفي يوم الاحد خامس شهر رمضان، ودفن ببلد الخليل تحت الزيتونة، وله ثنتان وتسعون سنة رحمه الله.
قاضي القضاة علم الدين أبو عبد الله محمد بن القاضي شمس الدين أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الاخنائي السعدي المصري الشافعي الحاكم بدمشق وأعمالها، كان عفيفا نزها ذكيا سار العبارة محبا للفضائل، معظما لاهلها كثير الاسماع الحديث في العادلية الكبيرة، توفي يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون عند زوجته تجاه تربة العادل كتبغا من ناحية الجبل.
قطب الدين موسى ابن أحمد بن الحسين ابن شيخ السلامية ناظر الجيوش الشامية، كانت له ثروة وأموال كثيرة، وله فضائل وإفضال وكرم وإحسان إلى أهل الخير، وكان مقصدا في المهمات، توفي يوم الثلاثاء ثاني [ ذي ] الحجة وقد جاوز السبعين، ودفن بتربته تجاه الناصرية بقاسيون، وهو والد الشيخ الامام العلامة عز الدين حمزة مدرس الحنبلية (1).
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة استهلت يوم الاربعاء والحكام هو المذكورون في التي قبلها، وليس للشافعية قاض، وقاضي الحنفية عماد الدين الطرسوسي، وقاضي المالكية شرف الدين الهمداني، وقاضي الحنابلة علاء الدين بن المنجا، وكاتب السر محيي الدين بن فضل الله، وناظر الجامع عماد الدين بن الشيرازي.
وفي ثاني المحرم قدم البشير بسلامة السلطان من الحجاز وباقتراب وصوله إلى البلاد، فدقت البشائر وزينت البلد.
وأخبر البشير بوفاة الامير سف الدين بكتمر الساقي وولده شهاب الدين أحمد وهما راجعان في الطريق، بعد أن حجا قريبا من مصر: الوالد أولا، ثم من بعده ابنه (2) بثلاثة أيام بعيون القصب، ثم نقلا إلى تربتهما بالقرافة (3)، ووجد لبكتمر من الاموال والجواهر
__________
(1) وهي المدرسة الحنبلية الشريفة، بدمشق (الدارس 2 / 60 خطط الشام 6 / 100).
__________
(2) في الاصل، أبوه تحريف، وما أثبتناه يقتضيه السياق - انظر بدائع الزهور 1 / 1 / 464.
__________
(3) في بدائع الزهور 1 / 1 / 464: مات بكتمر بعيون القصب ودفن بها، ومات ولده أحمد بنخل ودفن بها.
وفي السنة التالية رسم السلطان بنقلهما ودفنا في الخانقاه بالقرافة الصغرى وعن سبب موت بكتمر وولده - وهو صهر السلطان =.

واللآلي والقماش والامتعة والحواصل شئ كثير، لا يكا ينحصر ولا ينضبط، وأفرج عن الصاحب شمس الدين غبريال في المحرم، وطلب في صفر إلى مصر فتوجه على خيل البريد، واحتيط على أهله بعد مسيره وأخذت منهم أموال كثيرة لبيت المال.
وفي أواخر صفر قدم الصاحب أمين الملك (1) على نظر الدواوين بدمشق عوضا عن غبريال، وبعده بأربعة أيام قدم القاضي فخر الدين بن الحلي على نظر الجيش بعد وفاة قطب الدين ابن شيخ السلامية.
وفي نصف ربيع الاول لبس ابن جملة خلعة القضاء للشافعية بدمشق بدار السعادة، ثم جاء إلى الجامع وهي عليه، وذهب إلى العادلية وقرئ تقليده بها بحضرة الاعيان، ودرس بالعادلية والغزالية يوم الاربعاء ثاني عشر الشهر المذكور.
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه حضر ابن أخيه جمال الدين محمود إعادة القيمرية نزل له عنها، ثم استنابه بعد ذلك في المجلس، وخرج إلى العادلية فحكم بها، ثم لم يستمر بعد ذلك، عزل عن النيابة بيومه، واستناب بعده جمال الدين إبراهيم بن شمس الدين محمد بن يوسف الحسباني، وله همة وعنده نزاهة وخبرة بالاحكام.
وفي ربيع الاول ولي شهاب قرطاي نيابة طرابلس وعزل عنها طينال (2) إلى نيابة غزة وتولى نائ ب غزة حمص، وحصل للذي جاء بتقاليدهم مائة ألف درهم منهم، وفي ربيع الآخر أعيد القاضي محيي الدين بن فضل الله وولده إلى كتابة سر مصر، ورجع شرف الدين بن الشهاب محمود إلى كتابة سر الشام كما كان.
وفي منتصف هذا الشهر ولي نقابة الاشراف عماد الين موسى الحسيني عوضا عن أخيه شرف الين عدنان توفي في الشهر الماضي ودفن بتربتهم عند مسجد الدبان.
وفيه درس الفخر المصري بالدولعية عوضا عن ابن جملة بحكم ولايته القضاء.
وفي خامس عشرين رجب درس بالبادرائية القاضي علاء الدين علي بن شريف ويعرف بابن الوحيد، عوضا عن ابن جهبل توفي في الشهر الماضي، وحضر عنده القضاة والاعيان، وكنت إذ ذاك بالقدس أنا والشيخ شمس الدين بن عبد الهادي وآخرون، وفيه رسم السلطان الملك الناصر =
__________
زوح أخته - أنه بلغ السلطان أن بكتمر يقصد الوثوب عليه هناك، فدس عليه من أسقاه سما.
وكان الاتابكي بكتمر يحجر على السلطان إذا رأى منه الجور في حق الرعية، وكان السلطان يخشى منه ولا يخالفه فيما يأمره به، وكان لا يتصرف في شئ من أمور المملكة إلا بعد مشورة الاتابكي بكتمر.
ولما صار صاحب الحل والعقد في دولة الملك الناصر ثقل أمره عليه إلى الغاية (تذكرة النبيه 2 / 236).
ولما لم يمكن السلطان من القبض عليه دس عليه من سقاه السم (بدائع الزهور 1 / 1 / 236).
__________
(1) كذا بالاصل، والصواب أمين الدين، ففي دولة المماليك جرت العادة على تغيير أسماء رجال الدولة من القبط الذين أسلموا باضافة الاسم الاصلي إلى لفظ الدين (صبح الاعشى 5 / 490).
__________
(2) في الاصل طبلان تصحيف، وهو طينال الاشرفي الحاجب، سيف الدين الناصري المتوفي سنة 743 (الدرر 2 / 334 السلوك 2 / 637.

بالمنع من رمي البندق، وأن لا تباع قسيها ولا تعمل، وذلك لافساد رماة البندق أولاد الناس، وأن الغالب على من تعاناه اللواط والفسق وقلة الدين، ونودي بذلك في البلاد المصرية والشامية.
قال البرزالي: وفي نصف شعبان أمر السلطان بتسليم المنجمين إلى والي القاهرة فضربوا وحبسوا لافسادهم حال النساء، فمات منهم أربعة تحت العقوبة، وثلاثة من المسلمين ونصراني، وكتب إلي بذلك الشيخ أبو بكر الرحبي.
وفي أول رمضان وصل البريد بتولية الامير فخر الين ابن الشمس لؤلؤ ولاية البر بدمشق بعد وفاة شهاب الدين بن المرواني، ووصل كتاب من مكة إلى دمشق في رمضان يذكر فيه أنها وقعت صواعق ببلاد الحجاز فقتلت جماعة متفرقين في أماكن شتى، وأمطار كثيرة جدا، وجاء البريد في رابع رمضان بتولية القاضي محيي الدين بن جميل قضاء طرابلس فذهب إليها، ودرس ابن المجد عبد الله بالرواحية عوضا عن الاصبهاني بحكم إقامته بمصر.
وفي آخر رمضان أفرج عن الصاحب علاء الدين وأخيه شمس الدين موسى بن التاج إسحاق بعد سجنهما سنة ونصفا.
وخرج الركب الشامي يوم الخميس عاشر شوال وأميره بدر الدين بن معبد وقاضيه علاء الدين بن منصور مدرس الحنفية بمدرسة تنكز، وفي الحجاج صدر الدين المالكي، وشهاب الدين الظهيري، ومحيي الدين بن الاعقف وآخرون وفي يوم الاحد ثالث عشرة درس بالاتابكية ابن جملة عوضا عن ابن جميل تولى قضاء طرابلس، وفي يوم الاحد عشرينه حكم القاضي شمس الدين محمد بن كامل التدمري، الذي كان في خطابة الخليل بدمشق نيابة عن ابن جملة، وفرح الناس بدينه وفضيلته.
وفي ذي القعدة مسك تنكز دواداره ناصر الدين محمد، وكان عنده بمكانة عظيمة جدا، وضربه بين يديه ضربا مبرحا، واستخلص منه أموالا كثيرة، ثم حسبه بالقلعة ثم نفاه إلى القدس، وضرب جماعة من أصحابه منهم علاء الدين بن مقلد حاجب العرب، وقطع لسانه مرتين، ومات وتغيرت الدولة وجاءت دولة أخرى مقدمها عنده حمزة الذي كان سميره وعشيره في هذه المدة الاخيرة، وانزاحت النعمة عن الدوادار ناصر الدين وذويه ومن يليه.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذي القعدة ركب على الكعبة باب حديد أرسله السلطان مرصعا من البسط (1) الاحمر كأنه آبنوس، مركب عليه صفائح من فضة زنتها خمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وكسر، وقلع الباب العتيق، وهو من خشب الساج (2)، وعليه صفائح تسلمها بنو
__________
(1) كذا بالاصل، وفي تذكرة النبيه 2 / 246: السنط، والسنط قرظ ينبت في الصعيد، وهو أجود حطب يستوقد به الناس (لسان العرب).
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 247: من خشب الساسم، قال في حاشية رقم 2: وهو خشب أسود يشبه الابنوس.

شيبة، وكان زنتها ستين رطلا فباعوها كل درهم بدرهمين، لاجل التبرك.
وهذا خطأ وهو ربا وكان ينبغي أن يبيعوها بالذهب لئلا يحصل ربا بذلك - وترك خشب الباب العتيق داخل الكعبة، وعليه اسم صاحب اليمن في الفردتين، واحدة عليها: اللهم يا ولي يا علي اغفر ليوسف بن عمر ابن علي.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ العالم تقي الدين محمود علي ابن محمود بن مقبل الدقوقي أبو الثناء البغدادي محدث بغداد منذ خمسين سنة، يقرأ لهم الحديث وقد ولي مشيخة الحديث بالمستنصرية، وكان ضابطا محصلا بارعا، وكان يعظ ويتكلم في الاعزية والاهنية، وكان فردا في زمانه وبلاده رحمه الله، توفي في المحرم وله قريب السبعين سنة، وشهد جنازته خلق كثير، ودفن بتربة الامام أحمد، ولم يخلف درهما واحدا، وله قصيدتان رثا بهما الشيخ تقي الدين بن تيمية كتب بهما إلى الشيخ الحافظ البرزالي رحمه الله تعالى. الشيخ الامام العالم عز القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير المالكي الاسكندري، أحد الفضلاء المشهورين، له تفسير في ست مجلدات، وقصائد في رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنة، وله في كان وكان، وقد سمع الكثير وروى، توفي في جماد الاولى عن ثنتين وثمانين سنة، ودفن بالاسكندرية رحمه الله.
ابن جماعة قاضي القضاة العالم شيخ الاسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الامام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم ابن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الحموي الاصل، ولد ليلة السبت رابع ربيع لآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة بحماة، وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وحصل علوما متعددة، وتقدم وساد أقرانه، وباشر تدريس القيمرية، ثم ولي الحكم والخطابة بالقدس الشريف، ثم نقل منه إلى قضاء مصر في الايام الاشرفية، ثم باشر تداريس كباريها في ذلك الوقت، ثم ولي قضاء الشام وجمع له معه الخطابة ومشيخة الشيوخ وتدريس العادلية وغيرها مدة طويلة، كل هذا مع الرياسة والديانة والصيانة والورع، وكف الاذى، وله التصانيف الفائقة النافعة، وجمع له خطبا كان يخطب بها في طيب صوت فيها وفي قراءته في المحراب وغيره، ثم نقل إلى قضاء الديار المصرية بعد وفاة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فلم يزل حاكما بها إلى أن أضر

وكبر وضعفت أحواله، فاستقال فأقيل وتولى مكانه القزويني، وبقيت منه بعض الجهات ورتبت له الرواتب الكثيرة الدارة إلى أن توفي ليلة الاثنين بعد عشاء الآخرة حادي عشرين جمادى الاولى، وقد أكمل أربعا وتسعين سنة وشهرا وأياما، وصلي عليه من الغ الظهر بالجامع الناصري بمصر، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة هائلة رحمه الله.
الشيخ الامام الفاضل مفتي المسلمين
شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محيي الدين يحيى بن تاج الدين إسماعيل بن طاهر بن نصر الله بن جهبل الحلبي الاصل ثم الدمشقي الشافعي، كان من أعيان الفقهاء، ولد سنة سبعين وستمائة واشتغل بالعلم ولزم المشايخ ولزم الشيخ الصدر بن الوكيل، ودرس بالصلاحية (1) بالقدس، ثم تركها إلى دمشق فباشر مشيخة دار الحديث الظاهرية مدة، ثم ولي مشيخة البادرائية فترك الظاهرية وأقام بتدريس البادرائية إلى أن مات، ولم يأخذ معلوما من واحدة منهما، توفي يوم الخميس بعد العصر تاسع جمادى الآخرة وصلي عليه بعد الصلاة ودفن بالصوفية، وكانت جنازته حافلة.
تاج الدين عبد الرحمن بن أيوب مغسل الموتى في سنة ستين وستمائة، يقال إنه غسل ستين ألف ميت، وتوفي في رجب وقد جاوز الثمانين.
الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد العظيم بن السقطي الشافعي، كان مباشرا شهادة الخزانة، وناب في الحكم عند باب النصر ودفن بالقرافة.
الامام الفاضل مجموع الفضائل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب البكري، نسبة إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كان لطيف المعاني ناسخا مطيقا يكتب في ثلاث كراريس، وكتب البخاري ثماني مرات ويقابله ويجلده ويبيع النسخة من ذلك بألف ونحوه، وقد جمع تاريخا في ثلاثين مجلدا، وكان
__________
(1) المدرسة الصلاحية بالقدس أوقفها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب للفقهاء الشافعية سنة 588 (محمد كرد علي: خطط الشام 6 / 122).

ينسخه ويبيعه أيضا بأزيد من ألف، وذكر أن له كتابا سماه منتهى الارب في علم الادب في ثلاثين مجلدا أيضا وبالجملة كام نادرا في وقته، توفي يوم الجمعة عشرين رمضان رحمه الله.
الشيخ الصالح الزاهد الناسك الكثير الحج علي بن الحسن بن أحمد الواسطي المشهور بالخير والصلاح، وكثرة العبادة والتلاوة والحج، يقال إنه حج أزيد من أربعين حجة، وكانت عليه مهابة ولديه فضيلة، توفي وهو محرم يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذي القعدة، وقد قارب الثمانين رحمه الله.
الامير عز الدين إبراهيم بن عبد الرحمن ابن أحمد بن القواس، كان مباشرا الشد في بعض الجهات السلطانية، وله دار حسنة بالعقيبة الصغيرة، فلما جاءت الوفاة أوصى أن تجعل مدرسة، ووقف عليها أوقافا، وجعل تدريسها للشيخ عماد الدين الكردي الشافعي، توفي يوم الاربعاء عشرين [ ذي ] الحجة.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الاحد وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها.
وفي يوم الجمعة ثاني ربيع الاول أقيمت الجمعة بالخاتونية البرانية، وخطب بها شمس الدين النجار المؤذن المؤقت بالاموي، وترك خطابة جامع القابون.
وفي مستهل هذا الشهر سافر الامير شمس الدين محمد التدمري إلى القدس حاكما به، وعزل عن نيابة الحكم بدمشق.
وفي ثالثه قدم من مصر زين الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بخطابة القدس، فخلع عليه من دمشق ثم سافر إليها.
وفي آخر ربيع الاول باشر الامير ناصر الدين بن بكتاش الحسامي شد الاوقاف عوضا عن شرف الدين محمود بن الخطيري، سافر بأهله إلى مصر أميرا نيابة بها عن أخيه بدر الدين مسعود، وعزل القاضي علاء الدين بن القلانسي، وسائر الدواوين والمباشرين الذين في باب ملك الامراء تنكز وصودروا بمائتي ألف درهم، واستدعي من غزة ناظرها جمال الدين يوسف صهر السني المستوفي، فباشر نظر ديوان النائب ونظر المارستان النوري أيضا على العادة.
وفي شهر ربيع الاول أمر تنكز بإصلاح باب توما فشرع فيه بابه عشرة أذرع، وجددت حجارته وحديده في أسرع وقت، وفي هذا الوقت حصل بدمشق سيل خرب بعض الجدران ثم تناقص، وفي أوائل ربيع الآخر قدم من مصر جمال الدين آقوش نائب الكرك مجتازا إلى طرابلس

نائبها عوضا عن قرطاي (1) توفي.
وفي جمادى الاولى طلب القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله إلى دار السعادة فولي وكالة بيت المال عوضا عن بن القلانسي، ووصل تقليده من مصر بذلك، وهنأه الناس.
وفيه طلب الامير نجم الدين بن الزيبق من ولاية نابلس فولي شد الدواوين بدمشق، وقد شغر منصبه شهورا بعد ابن الخشاب.
وفي رمضان خطب الشيخ بدر الدين أبو اليسر بن الصائغ بالقدس عوضا عن زين الدين بن جماعة لاعراضه عنها واختياره العود إلى بلده.
قضية القاضي ابن جملة لما كان في العشر الاخير من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة وبين الظهير شيخ مالك الامراء - وكان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء - فوقع بينهما منافسة ومحاققة في أمور كانت بينه وبين الدوادار المتقدم ذكره ناصر الدين، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف به الآخر عليه، وتفاضلا من دار السعادة في المسجد، فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادلية أرسل إليه الشيخ الظهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة، وذلك عن مرسوم النائب، وكأنه خديعة في الباطن وإظهارا لنصرة القاضي عليه في الظاهر، فبدر به القاضي بادي الرأي فعزره بين يديه، ثم خرج من عنده فتسلمه أعوان ابن جملة فطافوا به البلد على حمار يوم الاربعاء سابع عشرين رمضان، وضربوه ضربا عنيفا، ونادوا عليه: هذا جزاء من يكذب ويفتات على الشرع، فتألم الناس له لكونه في الصيام. وفي العشر الاخير من رمضان، يوم سبع وعشرين، وهو شيخ كبير صائم، فيقال: إنه ضرب يومئذ ألفين ومائة وإحدى وسبعين درة والله أعلم، فما أمسى حتى استفتى على القاضي المذكور وداروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب، فلما كان يوم تاسع عشرين رمضان عقد نائب السلطنة بين يديه بدار السعادة مجلسا حافلا بالقضاة وأعيان المفتيين من سائر المذاهب، وأحضر ابن حملة قاضي الشافعية والمجلس قد احتفل بأهله، ولم يأذنوا لابن جملة في الجلوس، بل قام قائما ثم أجلس بعد ساعة جيدة في طرف الحلقة، إلى جانب المحفة التي فيها
الشيخ الظهير، وادعى عليه عند بقية القضاة أنه حكم فيه لنفسه، واعتدى عليه في العقوبة، وأفاض الحاضرون في ذلك، وانتشر الكلام وفهموا من نفس النائب الحط على ابن جملة، والميل عنه بعد أن كان إليه، فما انفصل المجلس حتى حكم القاضي شرف الدين المالكي بفسقه وعزله وسجنه، فانفض المجلى على ذلك، ورسم على ابن جملة بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة جزاء وفاقا والحمد لله وحده، وكان له في القضاء سنة ونصف إلا أياما، وكان يباشر الاحكام جيدا،
__________
(1) هو قرطاي بن عبد الله الاشرفي المنصوري الجوكندار، الامير شهاب الدين الناصري، كان كبيرا خبيرا، عمر بطرابلس مدرسة محكمة البناء في غاية الحسن " وهي المدرسة القرطائية " وهي من أفخم مدارس طرابلس وبها دفن. وكذا الاقاف المتعلقة به، وفيه نزاهة وتمييز الاوقاف بين الفقهاء والفقراء، وفيه صرامة وشهامة وإقدام، لكنه أخطأ في هذه الواقعة، وتعدى فيها فآل إلى هذا.
وخرج الركب يوم الاثنين عاشر شوال وأميره الجي بغا وقاضيه مجد الدين بن حيان المصري.
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه درس بالاقبالية الحنفية نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضا عن شمس الدين محمد بن عثمان بن محمد الاصبهاني بن العجمي الحبطي، ويعرف بابن الحنبلي، وكان فاضلا دينا متقشفا كثير الوسوسة في الماء جدا، وأما المدارس مكانه وهو نجم الدين بن الحنفي فإنه ابن خمس عشرة سنة، وهو في النباهة والفهم، وحسن الاشتغال والشكل والوقار، بحيث غبط الحاضرون كلهم أباه على ذلك، ولذا آل أمره أن تولى قضاء القضاة في حياة أبيه، نزل له عنه وحمدت سيرته وأحكامه.
وفي هذا الشهر أثبت محضر في حق الصاحب شمس الدين غبريال المتوفى هذه السنة أنه كان يشتري أملاكا من بيت المال ويوقفها ويتصرف فيها تصرف الملاك بنفسه، وشهد بذلك كمال الدين الشيرازي وابن أخيه عماد الدين وعلاء الدين القلانسي وابن خاله عماد الدين القلانسي،
وعز الدين بن المنجا، وتقي الدين بن مراجل، وكمال الدين بن الغويرة، وأثبت على القاضي برهان الدين الزرعي الحنبلي ونفذه بقية القضاة، وامتنع المحتسب عز الدين بن القلانسي من الشهادة فرسم عليه بالعذراوية قريبا من شهر، ثم أفرج عنه وعزل عن الحسبة، واستمر على نظر الخزانة.
وفي يوم الاحد ثامن عشرين ذي القعدة حملت خلعة القضاء إلى الشيخ شهاب الدين بن المجد وكيل بيت المال يومئذ، فلبسها وركب إلى دار السعادة وقرئ تقليده بحضرة نائب السلطنة والقضاة ثم رجع إلى مدرسته الاقبالية فقرئ بها أيضا وحكم بين خصمين، وكتب على أوراق السائلين، ودرس بالعادلية والغزالية والاتابكيتين مع تدريس الاقبالية عوضا عن ابن جملة.
وفي يوم الجمعة حضر الامير حسام الدين مهنا بن عيسى وفي صحبته صاحب حماة الافضل، فتلقاهما تنكز وأكرمهما، وصليا الجمعة عند النائب ثم توجها إلى مصر، فتلقاهما أعيان الامراء وأكرم السلطان منها بن عيسى وأطلق له أموالا جزيلة كثيرة، من الذهب والفضة والقماش، وأقطعه عدة قرى ورسم له بالعود إلى أهله، ففرح الناس بذلك، قالوا وكان جميع ما أنعم به عليه السلطان قيمة مائة ألف دينار، وخلع عليه وعلى أصحابه مائة سبعين خلعة.
وفي يوم الاحد سادس [ ذي ] الحجة حضر درس الرواحية الفخر المصري عوضا عن قاضي القضاة ابن المجد وحضر عنده القضاة الاربعة وأعيان الفضلاء.
وفي يوم عرفة خلع على نجم

الدين بن أبي الطيب بوكالة بيت المال، عوضا عن ابن المجد، وعلى عماد الدين بن الشيرازي بالحسبة عوضا عن عز الدين بن القلانسي وخرج الثلاثة من دار السعادة بالطرحات.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الاجل التاجر بدر الدين بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله عتيق النقيب شجاع الدين إدريس، وكان رجلا حسنا يتجر في الجوخ، مات فجأة عصر يوم الخميس خامس محرم، وخلف أولادا وثروة، ودفن بباب الصغير،
وله بروصدقة ومعروف، وسبع بمسجد ابن هشام.
الصدر أمين الدين محمد بن فخر الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن أبي العيش الانصاري الدمشقي باني المسجد المشهور بالربوة، على حافة بردى، والطهارة الحجارة إلى جانبه، والسوق الذي هناك، وله بجامع النيرب ميعاد.
ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة، وسمع البخاري وحدث به، وكان من أكابر التجار ذوي اليسار، توفي بكر ة الجمعة سادس المحرم ودفن بتربته بقاسيون رحمه الله.
الخطيب الامام العالم عماد الدين أبو حفص عمر الخطيب، ظهير الدين عبد الرحيم بن يحيى بن إبراهيم بن علي ابن جعفر بن عبد الله بن الحسن القرشي الزهري النابلسي، خطيب القدس، وقاضي طرابلس مدة طويلة، ثم جمع له بين خطابة القدس وقضائها، وله اشتغال وفيه فضيلة، وشرح صحيح مسلم في مجلدات، وكان سريع الحفظ سريع الكتابة، توفي ليلة الثلاثاء عاشر المحرم ودفن بماملا رحمه الله.
الصدر شمس الدين محمد بن إسماعيل بن حماد التاجر بقيسارية الشرب، كتب المنسوب وانتفع به الناس، وولي التجار لامانته وديانته، وكانت له معرفة ومطالعة في الكتب، توفى تاسع صفر عن نحو ستين سنة.
ودفن بقاسيون رحمه الله.

جمال الدين قاضي القضاة الزرعي هو أبو الربيع سليمان بن الخطيب مجد الدين (1) عمر بن سالم بن عمر بن عثمان الاذرعي الشافعي ولد سنة خمس وأربعين وستمائة بأذرعات، واشتغل بدمشق فحصل، وناب في الحكم بزرع مدة فعرف بالزرعي لذلك، وإنما هو من أذرعات وأصله من بلاد المغرب، ثم ناب بدمشق
ثم انتقل إلى مصر فناب في الحكم بها، ثم استقل بولاية القضاء بها نحوا من سنة، ولي قضاء الشام مدة مع مشيخة نحوا من سنة، ثم عزل وبقي على مشيخة الشيوخ نحوا من سنة مع تدريس الاتابكية، ثم تحول إلى مصر فولي بها التدريس وقضاء العسكر، ثم توفي بها يوم الاحد سادس صفر وقد قارب السبعين رحمه الله، وقد خرج له البرزالي مشيخة سمعناها عليه وهو بدمشق عن اثنتين وعشرين شيخا.
الشيخ الامام العالم الزاهد زين الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلبكي الحنبلي، أحد فضلاء الحنابلة، ومن صنف في الحديث والفقه والتصوف وأعمال القلوب وغير ذلك، كان فاضلا له أعمال كثيرة، وقد وقعت له كائنة في أيام الظاهر أنه أصيب في عقله أو زوال فكره، أو قد عمل على الرياضة فاحترق باطنه من الجوع، فرأى خيالات لا حقيقة لها فاعتقد أنها أمر خارجي، وإنما هو خيال فكري فاسد.
وكانت وفاته في نصف صفر ببعلبك، ودفن بباب سطحا ولم يكمل الستين، وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب، وعلى القاضي الزرعي معا.
الامير شهاب الدين نائب طرابلس له أوقاف وصدقات، وبروصلات، توفي بطرابلس يوم الجمعة ثامن عشر صفر ودفن هناك رحمه الله.
الشيخ عبد الله بن يوسف بن أبي بكر الاسعردي الموقت كان فاضلا في صناعة الميقات وعلم الاصطرلاب وما جرى مجراه، بارعا في ذلك، غير أنه لا ينفع به لسوء أخلاقه وشراستها، ثم إنه ضعف بصره فسقط من قيسارية بحسى عشية السبت عاشر ربيع الاول، ودفن بباب الصغير.
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 249: سراج الدين، وفي النجوم الزاهرة 9 / 4 ذكره مجد الدين.

الامير سيف الدين بلبان
طرفا بن عبد الله الناصري، كان من المقدمين بدمشق، وجرت له فصول يطول ذكرها، ثم توفي بداره عند مأذنة فيروز ليلة الابعاء حادي عشرين ربيع الاول، ودفن بتربة اتخذها إلى جانب داره، ووقف عليها مقرئين، وبنى عندها مسجدا بإمام ومؤذن.
شمس الدين محمد بن يحيى بن محمد بن قاضي حران ناظر الاوقاف بدمشق، مات الليلة التي مات فيها الذي قبله، ودفن بقاسيون، وتولى مكانه عماد الدين الشيرازي.
الشيخ الامام ذو الفنون تاج الدين أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن عبد الله اللخمي الاسكندراني، المعروف بابن الفاكهاني، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه على مذهب مالك، وبرع وتقدم بمعرفة النحو وغيره، وله مصنفات في أشياء متفرقة، قدم دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة في أيام الاخنائي، فأنزله في دار السعادة وسمعنا عليه ومعه، وحج من دمشق عامئذ وسمع عليه في الطريق، ورجع إلى بلاده، توفي ليلة الجمعة سابع جمادى الاولى، وصلي عليه بدمشق حين بلغهم خبر موته.
الشيخ الصالح العابد الناسك أيمن أمين الدين أيمن بن محمد، وكان يذكر أن اسمه محمد بن محمد إلى سبعة (1) عشر نفسا كلهم اسمه محمد، وقد جاور بالمدينة مدة سنين إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ربيع الاول، ودفن بالبقيع وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب.
الشيخ نجم الدين القباني الحموي عبد الرحمن بن الحسن بن يحيى اللخمي القبابي، قرية من قرى أشمون الرمان، أقام بحماة في زاوية يزار ويلتمس دعاؤه، وكان عابدا ورعا زاهدا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، حسن الطريقة إلى أن توفي بها آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب، عن ست وستين سنة، وكانت جنازته حافلة هائلة جدا، ودفن شمالي حماة، وكان عنده فضيلة، واشتغل على مذهب الامام
أحمد بن حنبل، وله كلام حسن يؤثر عنه رحمه الله.
__________
(1) في الاصل سبع.

الشيخ فتح الدين بن سيد الناس الحافظ العلامة البارع، فتح الدين بن أبي الفتح محمد بن الامام أبي عمروا محمد بن الامام الحافظ الخطيب أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الربعي اليعمري الاندلسي الاشبيلي ثم المصري، ولد في العشر الاول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمائة، وسمع الكثير وأجاز له الرواية عنهم جماعات من المشايخ، ودخل دمشق سنة تسعين فسمع من الكندي وغيره، واشتغل بالعلم فبرع وساد أقرانه في علوم شتى من الحديث والفقه والنحو من العربية، وعلم السير والتواريخ وغير ذلك من الفنون، وقد جمع سيرة حسنة في مجلدين، وشرح قطعة حسنة من أول جامع الترمذي، رأيت منها مجلدا بخطه الحسن، وقد حرر وحبر وأفاد وأجاد، ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشعر الرائق والفائق، والنثر الموافق، والبلاغة التامة، وحسن الترصيف والتصنيف، وجودة البديهية، وحسن الطويلة، وله العقيدة السالفية الموضوعة على الآي والاخبار والآثار والاقتفاء بالآثار النبوية، ويذكر عنه سوء أدب في أشياء أخر (1) سامحه الله فيها، وله مدائح في رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان، وكان شيخ الحديث بالظاهرية بمصر، وخطب بجامع الخندق، ولم يكن في مصر في مجموعه مثله في حفظ الاسانيد والمتون والعلل والفقه والملح والاشعار والحكايات، توفي فجأة يوم السبت حادي عشر شعبان، وصلي عليه من الغد، وكانت جنازته حافلة، ودفن عند ابن أبي حمزة رحمه الله.
القاضي مجد الدين بن حرمي ابن قاسم بن يوسف العامري الفاقوسي الشافعي، وكيل بيت المال، ومدرس الشافعي وغيره، كانت له همة ونهضة، وعلت سنه وهو مع ذلك يحفظ ويشغل ويشتغل، ويلقي الدروس من حفظه إلى أن توفي ثاني ذي الحجة، وولي تدريس الشافعي بعده شمس الدين بن القماح،
والقطبية بهاء الدين بن عقيل، والوكالة نجم الدين الاسعردي المحتسب، وهو كان وكيل بيت الظاهر.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الجامع عز الدين بن المنجا.
والمحتسب عماد الدين الشيرازي وغيرهم.
وفي مستهل المحرم يوم الخميس درس بأم الصالح الشيخ خطيب تبرور عوضا عن قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وحضر عنده القضاة والاعيان.
وفي سادس رجع مهنا بن عيسى من عند السلطان فتلقاه النائب والجيش، وعاد
__________
(1) العبارة في شذرات الذهب 6 / 109: " وتذكر عنه شؤون أخر الله يتولاه فيها ".

إلى أهله في عز وعافية.
وفيه أمر السلطان بعمارة جامع القلعة وتوسيعه، وعمارة جامع مصر العتيق.
وقدم إلى دمشق القاضي جمال الدين محمد (1) بن عماد الدين بن الاثير كاتب سر بها عوضا عن ابن الشهاب محمود (2).
ووقع في هذا لشهر والذي بعده موت كثير في الناس بالخانوق.
وفي ربيع الاول مسك الامير نجم الدين بن الزيبق مشد الدواوين، وصودر وبيعت خيوله وحواصله، وتولاه بعده سيف الدين تمر مملوك بكتمر الحاجب، وهو مشاد الزكاة.
وفيه كملت عمارة حمام الامير شمس الدين حمزة الذي تمكن عند تكنز بعد ناصر الدين الدوادار، ثم وقعت الشناعة عليه بسبب ظلمه في عمارة هذا الحمام فقابله النائب على ذلك وانتصف للناس منه، وضربه بين يديه وضربه بالبندق بيده في وجهه، وسائر جسده، ثم أودعه القلعة ثم نقله إلى بحيرة طبرية فغرقه فيها، وعزل الامير جمال الدين نائب الكرك عن نيابة طرابلس حسب سؤاله في ذلك، وراح إليها طيغال وقدم نائب الكرك إلى دمشق وقد رسم له بالاقامة في سلخد، فلما تلقاه نائب السلطنة والجيش نزل في دار السعادة وأخذ سيفه بها نقل إلى القلعة، ثم نقل إلى صفد (3) ثم إلى الاسكندرية، ثم كان آخر العهد به.
وفي جمادى الاولى احتيط على دار الامير بكتمر الحاجب الحسامي بالقاهرة، ونبشت وأخذ
منها شئ كثير جدا، وكان جد أولاده نائب الكرك المذكور.
وفي يوم السبت تاسع جمادى الآخرة باشر حسام الدين أبو بكر بن الامير عز الدين أيبك النجيبي شد الاوقاف عوضا عن ابن بكتاش، اعتقل، وخلع على المتولي وهنأه الناس.
وفي منتصف هذا الشهر علق الستر الجديد على خزانة المصحف العثماني، وهو من خز طويلة ثمانية أذرع وعرضه أربعة أذرع ونصف، غرم عليه أربعة آلاف وخمسمائة، وعمل في مدة سنة ونصف.
وخرج الركب الشامي يوم الخميس تاسع شوال وأميره علاء الدين المرسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري.
وفيه رجع جيش حلب إليها وكانوا عشرة آلاف سوى من تبعهم من التركمان، وكانوا في بلاد أذنة وطرسوس وإياس، وقد خربوا وقتلوا خلقا كثيرا، ولم يعدم منهم سوى رجل واحد غرق بنهر جاهان، ولكن كان قتل الكفار من كان عندهم من المسلمين نحوا من ألف رجل، يوم عيد الفطر فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيه وقع حريق عظيم بحماة فاحترق منه أسواق كثيرة، وأملاك وأوقاف، وهلكت أموال
__________
(1) ذكره صاحب مختصر أخبار البشر 4 / 114 وتذكرة النبيه 2 / 258: جمال الدين عبد الله بن القاضي كمال الدين محمد بن المولى عماد الدين إسماعيل بن أحمد بن سعيد بن الاثير المتوفى سنة 778 (انظر شذرات الذهب 6 / 257).
__________
(2) وهو حفيد الامام شهاب الدين محمود بن سلمان الحلبي، المولى شهاب الدين أبي بكر بن شمس الدين محمد.
المتوفى سنة 744 ه (مختصر أخبار البشر 4 / 115 تذكرة النبيه 2 / 258)
__________
(3) في الاصل صفت.

لا تحصر، وكذلك احترق أكثر مدينة إنطاكية، فتألم المسلمون لذلك.
وفي ذي الحجة خرب المسجد الذى كان في الطريق بين باب النصر وبين باب الجابية، عن حكم القضاة بأمر نائب السلطنة، وبنى غربيه مسجد أحسن وأنفع من الاول.
وتوفي فيها من الاعيان:
الشيخ الصالح المعمر رئيس المؤذنين بجامع دمشق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الواني، ولد سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وروى، وكان حسن الصوت والشكل، محببا إلى العوام، توفي يوم الخميس سادس صفر ودفن الصغير، وقام من بعده في الرياسة ولده أمين الدين محمد الواني المحدث المفيد، وتوفي بعده ببضع (1) وأربعين يوما رحمهما الله.
الكاتب المطبق المجود المحرر بهاء الدين محمود ابن خطيب بعلبك محيي الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السلمي، ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، واعتنى بهذه الصناعة فبرع فيها، وتقدم على أهل زمانه قاطبة في النسخ وبقية الاقلام، وكان حسن الشكل طيب الاخلاق، طيب الصوت حسن التودد، توفي في سلخ ربيع الاول ودفن بتربة الشيخ أبي عمر رحمه الله.
علاء الدين السنجاري واقف دار القرآن عند باب الناطفانيين شمالس الاموي بدمشق، علي بن إسماعيل بن محمود كان أحد التجار الصدق الاخيار، ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات، توفي بالقاهرة ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن عند قبر القاضي شمس الدين بن الحريري.
العدل نجم الدين التاجر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن الرحبي باني التربة المشهورة بالمزة، وقد جعل لها مسجدا ووقف عليها أوقافا دارة، وصدقات هناك، وكان من أخيار أبناء جنسه، عدل مرضى
__________
(1) في شذرات الذهب 6 / 111: مات بعد والده بشهر، وكان مولده - كما في تذكرة النبيه - سنة 684 ه بدمشق وانظر الدرر 3 / 379.

عند جميع الحكام، وترك أولادا وأموالا جمة، ودارا هائلة، وبساتين بالمزة، وكانت وفاته يوم الاربعاء سابع عشرين جمادى الآخرة ودفن بتربته المذكورة بالمزة رحمه الله.
الشيخ الامام الحافظ قطب الدين أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور بن منير بن عبد الكريم بن علي بن عبد الحق بن عبد الصمد بن عبدالنور الحلبي الاصل ثم المصري، أحد مشاهير المحدثين بها، والقائمين بحفظ الحديث وروايته وتدوينه وشرحه والكلام عليه، ولد سنة أربع وستين وستمائة بحلب، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث وقرأ الشاطبية والالفية، وبرع في فن الحديث، وكان حنفي المذهب وكتب كثيرا وصنف شرحا لاكثر البخاري، وجمع تاريخا لمصر ولم يكملهما، وتكلم على السيرة التي جمعها الحافظ عبد الغني وخرج لنفسه أربعين حديثا متباينة الاسناد، وكان حسن الاخلاق مطرحا للكلفة طاهر اللسان كثير المطالعة والاشتغال، إلى أن توفي يوم الاحد سلخ رجب، ودفن من الغد مستهل شعبان عند خاله نصر المنبجي، وخلف تسعة أولاد رحمه الله.
القاضي الامام زين الدين أبو محمد عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف السبكي، قاضي المحلة، ووالده العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، سمع من ابن الانماطي وابن خطيب المزة، وحدث وتوفي تاسع شعبان، وتبعته زوجته ناصرية بنت القاضي جمال الدين إبراهيم بن الحسين السبكي، ودفنت القرافة، وقد سمعت من ابن الصابوني شيئا من سنن النسائي، وكذلك إبنتها محمدية، وقد توفيت قبلها.
تاج الدين علي بن إبرهيم ابن عبد الكريم المصري، ويعرف بكاتب قطلبك، وهو والد العلامة فخر الدين شيخ الشافعية ومدرسهم في عدة مدارس، ووالده هذا لم يزل في الخدمة والكتابة إلى أن توفي عنده بالعادلية الصغيرة ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان، وصلي عليه من الغد بالجامع، ودفن بباب الصغير.
الشيخ الصالح عبد الكافي ويعرف بعبيد بن أبي الرجال بن حسين بن سلطان بن خليفة المنيني، ويعرف بابن أبي

الازرق، مولده في سنة أربع وأربعين وستمائة بقريته من بلاد بعلبك، ثم أقام بقرية منين، وكان مشهورا بالصلاح وقرئ عليه شئ من الحديث وجاوز التسعين.
الشيخ محمد بن عبد الحق ابن شعبان بن علي الانصاري، المعروف بالسياح، له زاوية بسفح قاسيون بالوادي الشمالي مشهورة به، وكان قد بلغ التسعين، وسمع الحديث وأسمعه، وكانت له معرفة بالامور وعنده بعض مكاشفة، وهو رجل حسن، توفي أواخر شوال من هذه السنة.
الامير سلطان العرب حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا، أمير العرب بالشام، وهم يزعمون أنهم من سلالة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من ذرية الولد الذي جاء من العباسة أخت الرشيد فالله أعلم.
وقد كان كبير القدر محترما عند الملوك كلهم، بالشام ومصر والعراق، وكان دينا خيرا متحيزا للحق، وخلف أولادا وورثة وأموالا كثيرة، وقد بلغ سنا عالية، وكان يحب الشيخ تقي الدين بن تيمية حبا زائدا، هو وذريته وعربه، وله عندهم منزلة وحرمة وإكرام، يسمعون قوله ويمتثلونه، وهو الذي نهاهم أن يغير بعضهم على بعض، وعرفهم أن ذلك حرام، وله في ذلك مصنف جليل، وكانت وفاة مهنا هذا ببلاد سلمية (1) في ثامن عشر ذي القعدة، ودفن هناك رحمه الله.
الشيخ الزاهد فضل العجلوني فضل بن عيسى بن قنديل العجلوني الحنبلي المقيم بالمسمارية، أصله ؟ بلاد حبراحي، كان متقللا من الدنيا يلبس ثيابا طوالا وعمامة هائلة، وهي بأرخص الاثمان، وكان يعرف تعبير الرؤيا ويقصد لذلك، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وقد عرضت عليه وظائف بجوامك كثيرة فلم يقبلها.
بل رضي بالرغيد الهني من العيش الخشن إلى أن توفي في ذي الحجة، وله نحو تسعين
سنة، ودفن بالقرب من قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله، وكانت جنازته حافلة جدا.
__________
(1) سلمية: من أعمال حماة، وكانت تعد من أعمال حمص (تقويم البلدان لابي الفداء ص 264، معجم البلدان ياقوت الحموي).

ثم دخلت سنة ست وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الجمعة والحكام هم المذكورون في التي قبلها.
وفي أول يوم منها ركب تنكز إلى قلعة جعبر ومعه الجيش والمناجنيق فغابوا شهرا وخمسة أيام وعادوا سالمين.
وفي ثامن صفر فتحت الخانقاه التي أنشأها سيف الدين قوصون الناصري خارج باب القرافة (1)، وتولى مشيختها الشيخ شمس الدين الاصبهاني المتكلم.
وفي عاشر صفر خرج ابن جملة من السجن بالقلعة وجاءت الاخبار بموت ملك التتار أبي سعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكزخان، في يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر بدار السلطنة بقراباغ، وهي منزلهم في الشتاء، ثم نقل إلى تربته بمدينته التي أنشأها قريبا من السلطانية (2) مدينة أبيه، وقد كان من خيار ملوك التتار وأحسنهم طريقة وأثبتهم على السنة وأقومهم بها، وقد عز أهل السنة بزمانه وذلت الرافضة، بخلاف دولة أبيه، ثم من بعده لم يقم للتتار قائمة، بل اختلفوا فتفرقوا شذر مذر إلى زماننا هذا، وكان القائم من بعده بالامر ارتكاوون من ذرية أبغا، ولم يستمر له الامر إلا قليلا (3).
وفي يوم الاربعاء عاشر جمادى الاولى درس بالناصرية الجوانية بدر الدين الاردبيلي عوضا عن كمال الدين بن الشيرازي توفي، وحضر عنده القضاة.
وفيه درس بالظاهرية البرانية الشيخ الامام المقري سيف الدين أبو بكر الحريري عوضا عن بدر الدين الاردبيلي، تركها لما حصلت له الناصرية الجوانية، وبعده بيوم درس بالنجيبية كاتبه إسماعيل بن كثير عوضا عن الشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني تركها حين تعين له تدريس الظاهرية الجوانية، وحضر عنده القضاة والاعيان وكان درسا حافلا أثنى عليه الحاضرون وتعجبوا من جمعه وترتيبه، وكان ذلك في تفسير قوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [ فاطر: 28 ] وانساق الكلام إلى مسألة ربا الفضل
وفي يوم الاحد رابع عشره ذكر الدرس بالظاهرية المذكورة ابن قاضي الزبداني عوضا عن علاء الدين بن القلانسي توفي، وحضر عنده القضاة والاعيان، وكان يوما مطيرا.
وفي أول جمادى الآخرة وقع غلاء شديد بديار مصر واشتد ذلك إلى شهر رمضان، وتوجه خلق كثير في رجب إلى مكة نحوا من ألفين وخمسمائة، منهم عز الدين بن جماعة، وفخر الدين النويري وحسن السلامي، وأبو الفتح السلامي، وخلق وفي رجب كملت عمارة جسر باب الفرج وعمل عليه باشورة (4) ورسم باستمرار فتحه إلى بعد العشاء الآخرة كبقية سائر الابواب،
__________
(1) وتقع شمال القرافة مما يلي قلعة الجبل تجاه جامع قوصون (المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 325) وهي محكمة البناء حسنة العمارة والترتيب.
__________
(2) السلطانية: وهي فنغرلان، وهي مدينة محدثة بناها خربندا بن ارغون، وجعلها عاصمة ملكه وهي بالقرب من جبال كيلان (تقويم البلدان لابي الفداء ص 306).
__________
(3) لم يتم له الامر، فاستمر مدة يسيرة نحو شهرين.
__________
(4) في الاصل " باسورة " تحريف.
والباشورة بناء ذو منعطفات أمام كل باب أو خلفه، يقصد به تعويق هجوم =.

وكان قبل ذلك يغلق من المغرب.
وفي سلخ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين ابن خيلخان تجاه باب كيسان من القبلة، وخطب فيه الشيخ الامام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية.
وفي ثاني شعبان باشركتابة السر بدمشق القاضي علم الدين محمد بن قطب الدين أحمد ابن مفضل، عوضا عن كمال الدين (1) ابن الاثير، عزل وراح إلى مصر.
وفي يوم الاربعاء رابع رمضان ذكر الدرس بالامينية الشيخ بهاء الدين ابن إمام المشهد عوضا عن علاء الدين بن القلانسي.
وفي العشرين منه خلع على الصدر نجم الدين بن أبي الطيب بنظر الخزانة مضافا إلى ما بيده من وكالة بيت المال، بعد وفاة ابن القلانسي بشهور.
وخرج الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال وأميره قطلودمر الخليلي.
وممن حج فيه قاضي طرابلس محيي الدين بن جهبل، والفخر المصري، وابن قاضي الزبداني، وابن العز الحنفي،
وابن غانم والسخاوي وابن قيم الجوزية، وناصر الدين بن البربوه الحنفي، وجاءت الاخبار بوقعة جرت بين التتار قتل فيها خلق كثير منهم، وانتصر علي باشا وسلطانه الذى كان قد أقامه، وهو موسى كاوون على اربا كاوون وأصحابه، فقتل هو ووزيره ابن رشيد الدولة، وجرت خطوب كثيرة طويلة، وضربت البشائر بدمشق.
وفي ذي القعدة خلع على ناظر الجامع الشيخ عز الدين بن المنجا بسبب إكماله البطائن في الرواق الشمالي والغربي والشرقي، ولم يكن قبل ذلك له بطائن.
وفي يوم الاربعاء سابع الحجة ذكر الدرس بالشبلية القاضي نجم الدين ابن قاضى القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي، وهو ابن سبع عشرة سنة، وحضر عند القضاة والاعيان، وشكروا من فضله ونباهته، وفرحوا لابيه فيه.
وفيها عزل ابن النقيب عن قضاء حلب ووليها ابن خطيب جبرين (2)، وولي الحسبة بالقاهرة ضياء الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد خطيب بيت الابار، خلع عليه السلطان.
وفي ذي القعدة رسم السلطان باعتقال الخليفة المستكفي وأهله، وأن يمنعوا من الاجتماع، فآل أمرهم كما كان أيام الظاهر والمنصور (3).
__________
= العساكر على الباب وقت الحصار، وتعويق دخول الخيل إلى المدينة في مجموعة كبيرة دفعة واحدة.
وفي معجم دوزي: الباشورة والجمع بواشير: هي الحائط الظاهري من الحصن يختفي وراءه الجند عند القتال.
(انظر ألفاظ الحنفا ص 180 حاشية 3).
__________
(1) كذا بالاصل، وقد تقدم انه جمال الدين عبد الله بن كمال الدين محمد..انظر صفحة 197 حاشية رقم 1.
__________
(2) في الاصل " جسرين " تصحيف، وجبرين قرية من قرى حلب، وابن خطيب جبرين هو: قاضي القضاة فخر الدين أبو محمد عثمان بن الخطيب زين الدين أبي الحسن علي بن عثمان بن اسماعيل الطائي الشافعي المتوفى سنة 739 ه.
(الدرر 3 / 58).
__________
(3) استمر منعه عن الناس ومنعهم من الاجتماع بالخليفة نحو خمسة أشهر حتى شفع فيه بعض الامراء عند السلطان فرسم له بالنزول إلى مناظر الكبش، على عادته والسكن بها.
(بدائع الزهور 1 / 1 / 472).

وممن توفي فيها من الاعيان: السلطان أبو سعيد ابن خربندا وكان آخر من اجتمع شمل التتار عليه، ثم تفرقوا من بعده (1).
الشيخ البندنيجي شمس الدين علي بن محمد بن ممدود بن عيسى البندنيجي الصوفي، قدم علينا من بغداد شيخا كبيرا راويا لاشياء كثيرة، فيها صحيح مسلم والترمذي وغير ذلك، وعنده فوائد، وله سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان والده محدثا فأسمعه أشياء كثيرة على مشايخ عدة، وكان موته بدمشق رابع المحرم.
قاضي قضاة بغداد قطب الدين أبو الفضائل محمد بن عمر بن الفضل التبريزي الشافعي المعروف بالاجوس، سمع شيئا من الحديث واشتغل بالفقه والاصول والمنطق والعربية والمعاني والبيان، وكان بارعا في فنون كثيرة ودرس بالمستنصرية بعد العاقولي.
وفي مدارس كبار، وكان حسن الخلق كثير الخير على الفقراء والضعفاء، متواضعا يكتب حسنا أيضا، توفي في آخر المحرم ودفن بتربة له عند داره ببغداد رحمه الله (2).
الامير صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم بن أبي الزهر، المعروف بالمغزال، كانت له مطالعة وعنده شئ من التاريخ، ويحاضر جيدا، ولما توفي يوم الجمعة وقت الصلاة السادس والعشرين من المحرم دفن بتربة له عند حمام العديم.
الامير علاء الدين مغلطاي الخازن نائب القلعة وصاحب التربة تجاه الجامع المظفري من الغرب، كان رجلا جيدا، له أوقاف وبر وصدقات، توفي يوم الجمعة بكرة عاشر صفر، ودفن بتربته المذكورة.
__________
(1) قال في مختصر أخبار البشر 4 / 118 مات وله بضع وثلاثون سنة - وفي تذكرة النبيه 2 / 272: ثلاثون - وكانت
دولته عشرين سنة.
__________
(2) كان مولده سنة 668 ه بتبريز وتوفي ببغداد (تذكرة النبيه 2 / 2 66).

القاضي كمال الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن الشيرازي الدمشقي، ولد سنة سبعين، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري، والشيخ زين الدين الفارقي، وحفظ مختصر المزني (1) ودرس في وقت بالبادرائية، وفي وقت بالشامية البرانية، ثم ولي تدريس الناصرية الجوانية مدة سنين إلى حين وفاته، وكان صدرا كبيرا، ذكر لقضاء قضاة دمشق غير مرة، وكان حسن المباشرة والشكل، توفي في ثالث صفر ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله.
الامير ناصر الدين محمد بن الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الملك الصالح إسماعيل بن العادل، كان شيخا مسنا قد اعتنى بصحيح البخاري يختصره، وله فهم جيد ولديه فضيلة، وكان يسكن المزة وبها توفي ليلة السبت خامس عشرين صفر، وله أربع وسبعون سنة، ودفن بتربتهم بالمزة رحمه الله.
علاء الدين علي بن شرف الدين محمد بن القلانسي قاضي العسكر ووكيل بيت المال، وموقع الدست، ومدرس الامينية (2) والظاهرية وغير ذلك من المناصب، ثم سلبها كلها سوى التدريسين، وبقي معزولا إلى حين أن توفي بكرة السبت خامس وعشرين صفر، ودفن بتربتهم.
عز الدين أحمد بن الشيج زين الدين محمد بن أحمد بن محمود العقيلي، ويعرف بابن القلانسي، محتسب دمشق وناظر الخزانة، كان محمود المباشرة، ثم عزل عن الحسبة واستمر بالخزانة إلى أن توفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الاولى ودفن بقاسيون.
الشيخ علي بن أبي المجد بن شرف بن أحمد الحمصي
ثم الدمشقي مؤذن البربوة خمسا وأربعين سنة، وله ديوان شعر وتعاليق وأشياء كثيرة مما ينكر أمرها، وكان محمولا في دينه، توفي في جمادى الاولى أيضا.
__________
(1) وهو مختصر المزني في فروع الشافعية، لاسماعيل بن يحيى المزني المتوفى سنة 264 ه (كشف الظنون 2 / 1635).
__________
(2) المدرسة الامينية بدمشق، نشأها يمين الدين كمشتكين أتابك العساكر بدمشق، المتوفى سنة 541 ه (الدارس 1 / 178).

الامير شهاب الدين بن برق (1) متولي دمشق، شهد جنازته خلق كثير، توفي ثاني شعبان ودفن بالصالحية وأثنى عليه الناس.
الامير فخر الدين ابن الشمس لؤلؤ متولي البر، كان مشكورا أيضا، توفي رابع شعبان، وكان شيخا كبيرا، توفي ببستانه ببيت لهيا ودفن بتربته هناك وترك ذرية كثيرة رحمه الله.
عماد الدين إسماعيل ابن شرف الدين محمد بن الوزير فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد (2) بن خالد بن صغير ابن القيسراني، أحد كتاب الدست، وكان من خيار الناس، محببا إلى الفقراء والصالحين، وفيه مروءة كثيرة، وكتب بمصر ثم صار إلى حلب كاتب سرها، ثم انتقل إلى دمشق فأقام بها إلى أن مات ليلة الاحد ثالث عشر القعدة، وصلي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بالصوفية عن خمس وستين سنة، وقد سمع شيئا من الحديث على الابرقوهي وغيره.
وفي ذي القعدة توفي شهاب الدين ابن القديسة المحدث بطريق الحجاز الشريف.
وفي ذي الحجة توفي الشمس محمد المؤذن المعروف بالنجار ويعرف بالبتي، وكان يتكلم وينشد في المحافل والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وسبعمائة
استهلت بيوم الجمعة والخليفة المستكفي بالله قد اعتقله السلطان الملك الناصر، ومنعه من الاجتماع بالناس، ونائب الشام تنكز بن عبد الله الناصري، والقضاة والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها، سوى كاتب السر فإنه علم الدين بن القطب، ووالي البر الامير بدر الدين بن قطلوبك بن شنشنكير، ووالي المدينة حسام الدين طرقطاي الجو كنداري.
وفي أول منها يوم الجمعة وصلت الاخبار بأن علي باشا كسر جيشه، وقيل إنه قتل،
__________
(1) وهو أحمد بن سيف الدين أبي بكر بن برق الدمشقي، ولي دمشق ثلاث عشرة سنة توفي وله 64 سنة (شذرات الذهب 6 / 113).
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 60: محمد.

ووصلت كتب الحجاج في الثاني والعشرين من المحرم تصف مشقة كثيرة حصلت للحجاج من موت الجمال وإلقاء الاحمال ومشي كثير من النساء والرجال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على كل حال.
وفي آخر المحرم قدم إلى دمشق القاضي حسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وكان والوزير نجم الدين محمود بن علي بن شروان الكردي، وشرف الدين عثمان بن حسن البلدي فأقاموا ثلاثة أيام ثم توجهوا إلى مصر فحصل لهم قبول تام من السلطان، فاستقضى الاول على الحنفية كما سيأتي، واستوزر الثاني وأمر الثالث.
وفي يوم عاشوراء أحضر شمس الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين بن اللبان الفقيه الشافعي إلى مجلس الحكم الجلالي، وحضر معه شهاب الدين بن فضل الله مجد الدين الاقصرائي شيخ الشيوخ، وشهاب الدين الاصبهاني، فادعى عليه بأشياء منكرة من الحلول والاتحاد والغلو في القرمطة وغير ذلك، فأقر ببعضها فحكم عليه بحقن دمه ثم توسط في أمره وأبقيت عليه جهاته، ومنع من الكلام على الناس، وقام في صفه جماعة من الامراء والاعيان.
وفي صفر احترق بقصر حجاج حريق عظيم أتلف دورا ودكاكين عديدة.
وفي ربيع الاول ولد للسلطان ولد فدقت البشائر وزينت البلد أياما.
وفي منتصف ربيع
الآخر أمر الامير صارم الدين إبراهيم الحاجب الساكن تجاه جامع كريم الدين طبلخاناه، وهو من كبار أصحاب الشيخ تقي الدين رحمه الله، وله مقاصد حسنة صالحة، وهو في نفسه رجل جيد.
وفيه أفرج عن الخليفة المستكفي وأطلق من البرج في حادي عشرين ربيع الآخر ولزم بيته (1).
وفي يوم الجمعة عشرين جمادى الآخرة أقيمت الجمعة في جامعين بمصر، أحدهما أنشأه الامير عز الدين أيدمر بن عبد الله الخطيري، ومات بعد ذلك بإثني عشر يوما رحمه الله، والثاني أنشأته امرأة يقال لها الست حدق دادة السلطان الناصر عند قنطرة السباع.
وفي شعبان سافر القاضي شهاب الدين أحمد بن شرف بن منصور النائب في الحكم بدمشق إلى قضاء طرابلس، وناب بعده الشيخ شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي.
وفيه خلع على عز الدين بن جماعة بوكالة بيت المال بمصر، وعلى ضياء الدين ابن الخطيب بيت الابار بالحسبة بالقاهرة، مع ما بيده من نظر الاوقاف وغيره.
وفيه أمر الامير ناظر القدس بطلب لخاناه ثم عاد إلى دمشق.
وفي عاشر رمضان قدمت من مصر مقدمتان ألفان إلى دمشق سائرة إلى بلاد سيس، وفيهم علاء الدين (2)، فاجتمع به أهل العلم وهو من أفاضل الحنفية، وله مصنفات في الحديث وغيره.
وخر الركب الشامي يوم الاثنين عاشر شوال وأميره بهادر قبجق، وقاضيه محيي الدين
__________
انظر صفحة 202 حاشية رقم 3

الطرابلسي مدرس الحمصية، وفي الركب تقي الدين شيخ الشيوخ وعماد الدين بن الشيرازي، ونجم الدين الطرسوسي، وجمال الدين المرداوي، وصاحبه شمس الدين بن مفلح، والصدر المالكي والشرف ابن القيسراني، والشيخ خالد المقيم عند دار الطعم، وجمال الدين بن الشهاب محمود.
وفي ذي القعدة وصلت الاخبار بأن الجيش تسلموا من بلاد سيس سبع قلاع (1)، وحصل لهم خير كثير ولله الحمد، وفرح المسلمون بذلك.
وفيه كانت وقعة هائلة بين التتار انتصر فيها الشيخ وذووه.
وفيها (2) نفى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليفة وأهله وذويه، وكانوا
قريبا من مائة نفس إلى بلاد قوص، ورتب لهم هناك ما يقوم بمصالحهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ علاء الدين بن غانم أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن حمائل بن علي المقدسي (3) أحد كبار المشهورين بالفضائل وحسن الترسل، وكثرة الادب والاشعار والمروءة التامة، مولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وحفظ القرآن والتنبيه، وباشر الجهات، وقصده الناس في الامور المهمات وكان كثير الاحسان إلى الخاص والعام.
توفي مرجعه من الحج في منزلة تبوك يوم الخميس ثالث عشر المحرم، ودفن هناك رحمه الله، ثم تبعه أخوه شهاب الدين أحمد في شهر رمضان، وكان أصغر منه سنا بسنة، وكان فاضلا أيضا بارعا كثير الدعابة.
__________
(1) ذكر الخبر ابن حبيب في تذكرة النبيه 2 / 279 قال: " وتسلم المسلمون القلاع العامرة - شرقي نهر جيحان - وهي قلاع: إياس وكاورا وسوندكار والهارونية ونجيمة " وزاد عليها أبو الفداء في مختصره 4 / 118..والمصيصة وباناس والنقير ".
__________
(2) ذكر صاحب بدائع الزهور 1 / 1 / 474 أن: " ذلك يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة سنة 738 ه (انظر تذكرة النبيه 2 / 297 ومختصر أخبار البشر 4 / 122) وقال صاحب البدائع: فهو أول خليفة نفي من مصر من غير جنحة ولا سبب، فشق ذلك على الناس ولم يستحسنوا منه هذه الفعلة.
وتابع قائلا -: وكان سبب ذلك أن الخليفة رفعت إليه قصة بأن شخصا له على الملك الناصر دعوة شرعية فكتب عليها الخليفة " ليحضر أو ليوكل " وأرسلها إلى الملك الناصر، فلما قرأها شق ذلك عليه، وبقي في خاطره منه، فتغافل عنه مدة ثم رسم بإخراجه إلى قوص - إحدى قرى الصعيد وذكر صاحب السلوك سببا آخر في ذلك انظر 2 / 416 - 417.
__________
(3) في شذرات الذهب 6 / 114: المنشي.

الشرف محمود الحريري المؤذن بالجامع الاموي، بنى حماما بالنيرب، ومات في آخر المحرم.
الشيخ الصالح العابد ناصر الدين [ محمد ] بن الشيخ إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد بن مالك الجعبري ثم المصري، ولد سنة خمسين وستمائة بقلعة جعبر، وسمع صحيح مسلم وغيره، وكان يتكلم على الناس ويعظهم ويستحضر أشياء كثيرة من التفسير وغيره، وكان فيه صلاح وعبادة، توفي في الربع والعشرين من المحرم، ودفن بزاويتهم عند والده خارج باب النصر.
الشيخ شهاب الدين عبد الحق الحنفي أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف ابن قاضي الحنفيين ويعرف بابن عبد الحق الحنفي، شيخ المذهب ومدرس الحنفية وغيرها، وكان بارعا فاضلا دينا، توفي في ربيع الاول.
الشيخ عماد الدين إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي الامام العالم العابد شيخ الحنابلة بها وفقيههم من مدة طويلة، توفي في ربيع الاول.
الشيخ الامام العابد الناسك محب الدين عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، سمع كثير وقرأ بنفسه، وكتب الطباق وانتفع الناس به، وكانت له مجالس وعظ من الكتاب والسنة في الجامع الاموي وغيره، وله صوت طيب بالقراءة جدا، وعليه روح وسمينة ووقار، وكانت مواعيده مفيدة ينتفع بها الناس، وكان شيخ الاسلام تقي الدين بن تيمية يحبه ويحب قراءته، توفي يوم الاثنين سابع ربيع الاول، وكانت جنازته حافلة، ودفن بقاسيون وشهد الناس له بخير، رحمه الله تعالى، وبلغ خمسا وخمسين سنة.
المحدث البارع المحصل المفيد المجيد
ناصر الدين محمد بن طغربل بن عبد الله الصيرفي أبوه، الخوارزمي الاصل، سمع الكثير

وقرأ بنفسه، وكان سريع القراءة، وقرأ الكتب الكبار والصغار، وجمع وخرج شيئا كثيرا، وكان بارعا في هذا الشأن، رجل فأدركته منيته بحماة يوم السبت ثاني ربيع الاول، ودفن من الغد بمقابر طيبة رحمه الله.
شيخنا الامام العالم العابد شمس الدين أبو محمد عبد الله بن العفيف محمد بن الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم ابن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي، إمام مسجد الحنابلة بها، ولد سنة سبع وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وكان كثير العبادة حسن الصوت، عليه البهاء والوقار وحسن الشكل والسمت، قرأت عليه عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة مرجعنا من القدس كثيرا من الاجزاء والفوائد، وهو والد صاحبنا الشيخ جمال الدين يوسف أحد مفتية الحنابلة وغيرهم، والمشهورين بالخير والصلاح، توفي يوم الخميس ثاني عشرين ربيع الآخر ودفن هناك رحمه الله.
الشيخ محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم المرشدي المقيم بمنية مرشد (1)، يقصده الناس للزيارة، ويضيف الناس على حسب مراتبهم وينفق نفقات كثيرة جدا، ولم يكن يأخذ من أحد شيئا فيما يبدوا للناس، والله أعلم بحاله، وأصله من قرية دهروط (2)، وأقام بالقاهرة مدة واشتغل بها، ويقال إنه قرأ التنبيه في الفقه، ثم انقطع بمنية مرشد واشتهر أمره في الناس وحج مرات، وكان إذا دخل القاهرة يزدحم عليه الناس، ثم كانت وفاته يوم الخميس ثامن رمضان ودفن بزاويته، وصلي عليه بالقاهرة ودمشق وغيرها.
الامير أسد الدين عبد القادر بن المغيث عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن العادل، ولد سنة ثنتين وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وأسمع، وكان يأتي كل سنة من مصر إلى دمشق ويكرم أهل الحديث،
ولم يبق من بعده من بني أيوب أعلا سنا منه، توفي بالرملة في سلخ رمضان رحمه الله.
الشيخ الصالح الفاضل حسن بن إبراهيم بن حسن الحاكي الحكري إمام مسجد هناك، ومذكر الناس في كل
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 279: بديروط.
__________
(2) ديروط (دهروط) من القرى القديمة وكانت تابعة لثغر الاسكندرية ثم لمركز رشيد، وحاليا تابعة لمركز المحمودية (القاموس الجغرافي 2 / 2 / 270).

جمعة، ولديه فضائل، وفي كلامه نفع كثير إلى أن توفي في العشرين من شوال، ولم ير الناس مثل جنازته بديار مصر رحمه الله.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الاربعاء والخليفة المستكفي منفي ببلاد قوص (1)، ومعه أهله وذووه، ومن يلوذ به، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن الملك المنصور، ولا نائب بديار مصر ولا وزير، ونائبه بدمشق تنكز، وقضاة البلاد ونوابها ومباشروها هم المذكورون في التي قبلها.
وفي ثالث ربيع الاول رسم السلطان بتسفير علي ومحمد ابني داود بن سليمان بن داود بن العاضد آخر خلفاء الفاظميين إلى الفيوم يقيمون به.
وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر عزل القاضي علم الدين ابن القطب عن كتابة السر وضرب وصودر، ونكب بسببه القاضي فخر الدين المصري، وعزل عن مدرسته الدولعية وأخذها ابن جملة، والعادلية الصغيرة باشرها ابن النقيب، ورسم عليه بالعذراوية مائة يوم، وأخذ شئ من ماله.
وفي ليلة الاحد ثالث عشرين ربيع الاول بعد المغرب هبت ريح شديدة بمصر وأعقبها رعد وبرق وبرد بقدر الجوز، وهذا شئ لم يشاهدوا مثله من أعصار متطاولة بتلك البلاد.
وفي عاشر جمادى الاولى استهل الغيث بمكة من أول الليل، فلما انتصف الليل جاء سيل عظيم هائل لم ير مثله من دهر طويل، فخرب دورا كثيرة نحوا من ثلاثين أو أكثر، وغرق جماعة وكسر أبواب المسجد،
ودخل الكعبة وارتفع فيها نحوا من ذراع أو أكثر، وجرى أمر عظيم حكاه الشيخ عفيف الدين الطبري.
وفي سابع عشرين من جمادى الاولى عزل القاضي جلال الدين (2) عن قضاء مصر، واتفق وصول خبر موت قاضي الشام ابن المجد (3) بعد أن عزل بيسير، فولاه السلطان قضاء الشام فسار إليها راجعا عودا على بدء، ثم عزل السلطان برهان الدين بن عبد الحق قاضي الحنفية، وعزل قاضي الحنابلة تقي الدين، ورسم على ولده صدر الدين بأداء ديوان الناس إليهم، وكانت قريبا من ثلثمائة ألف، فلما كان يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة بعد سفر جلال الدين بخمسة أيام طلب السلطان أعيان الفقهاء إلى بين يديه فسألهم عن من يصلح للقضاء بمصر فوقع الاختيار على القاضي عز الدين بن جماعة، فولاه في الساعة الراهنة، وولى قضاء الحنفية لحسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وخرجا من بين يديه إلى المدرسة الصالحية (4)،
__________
(1) انظر ما سبق ص 207 حاشية رقم 2
__________
(2) وهو جلال الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني الشافعي.
__________
(3) وهو قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن مجد الدين عبد الله بن الحسين بن علي الاربلي الدمشقي الشافعي.
__________
(4) المدرسة الصالحية بالقاهرة وهي على يمنة الطالب إلى بين القصرين وباب النصر والخانقاه وخان برجوان والطرق المتفرقة، أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وقد بدأ ببنائها سنة 639 ه.
(تذكرة النبيه 1 / 342). ==

======ج54 ج54 ج54.=================================================

=======================================================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

ج54.كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي

وعليهما الخلع، ونزل عز الدين بن جماعة عن دار الحديث الكاملية لصاحبه الشيخ عماد الدين الدمياطي، فدرس فيها وأورد حديث " إنما الاعمال بالنيات ".
بسنده، وتكلم عليه.
وعزل أكثر نواب الحكم واستمر بعضهم، واستمر بالمنادي الذي أشار بتوليته.
ولما كان يوم خامس عشرين منه ولي قضاء الحنابلة الامام العالم موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد عبد الملك المقدسي عوضا عن المعزول، ولم يبق من القضاة سوى الاخنائي المالكي.
وفي رمضان فتحت الصبابية التي أنشأها شمس الدين بن تقي الدين بن الصباب التاجر دار
قرآن ودار حديث، وقد كانت خربة شنيعة قبل ذلك.
وفي رمضان باشر علاء الدين علي ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله كتابة السر بمصر بعد وفاة أبيه كما سيأتي ترجمته، وخلع عليه وعلى أخيه بدر الدين، ورسم لهما أن يحضرا مجلس السلطان، وذهب أخوه شهاب الدين إلى الحج.
وفي هذا الشهر سقط بالجانب الغربي من مصر برد كالبيض وكالرمان، فأتلف شيئا كثيرا، ذكر ذلك البرزالي ونقله من كتاب الشهاب الدمياطي.
وفي ثالث عشرين رمضان درس بالقبة المنصورية بمشيخة الحديث شهاب الدين العسجدي عوضا عن زين الدين الكناني توفي، فأورد حديثا من مسند الشافعي بروايته عن الجاولي بسنده، ثم صرف عنها بالحجة بالشيخ أثير الدين أبي حيان، فساق حديثا عن شيخه ابن الزبير ودعا للسلطان وحضر عنده القضاة والاعيان، وكان مجلسا حافلا.
وفي ذي القعدة حضر تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب عوضا عن القاضي جمال الدين بن جملة توفي، وحضر خلق كثير من الفقهاء والاعيان، وكان مجلسا حافلا.
وفي ثاني ذي الحجة درس بالعادلية الصغيرة تاج الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني عوضا عن الشيخ شمس الدين بن النقيب بحكم ولايته الشامية البرانية، وحضر عنده القضاة والاعيان.
وفي هذا الشهر درس القاضي صدر الدين بن القاضي جلال الدين بالاتابكية، وأخوه الخطيب بدر الدين بالغزالية والعادلية نيابة عن أبيه.
انتهى والله أعلم.
وممن توفي فيها من الاعيان: الامير الكبير بدر الدين محمد بن فخر الدين عيسى بن التركماني باني جامع المقياس بديار مصر في أيام وزارته بها، ثم عزل أميرا إلى الشام، ثم رجع إلى مصر إلى أن توفي بها في خامس ربيع الآخرة، وكان مشكورا رحمه الله.
انتهى.

قاضي القضاة شهاب الدين
محمد بن المجد بن عبد الله بن الحسين بن علي الرازي الربلي الاصل، ثم الدمشقي الشافعي، قاضي الشافعية بدمشق، ولد سنه ثنتين وستين وستمائة، واشتغل وبرع وحصل وأفتى سنة ثلاث وتسعين، ودرس بالاقبالية ثم الرواحية وتربة أم الصالح، وولي وكالة بيت المال، ثم صار قاضي قضاة الشام إلى أن توفي بمستهل جمادى الاولى (1) بالمدرسة العادلية، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله.
الشيخ الامام العالم ابن المرحل زين الدين محمد بن عبد الله بن الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد بن المرحل مدرس الشامية البرانية والعذراوية بدمشق، وكان قبل ذلك بمشهد الحسين، وكان فاضلا بارعا فقيها أصوليا مناظرا، حسن الشكل طيب الاخلاق، دينا صينا، وناب في وقت بدمشق عن علم الدين الاخنائي فحمدت سيرته، وكانت وفاته ليلة الاربعاء تاسع عشر رجب، ودفن من الغد عند مسجد الديان في تربة لهم هناك، وحضر جنازته القاضي جلال الدين، وكان قد قدم من الديار المصرية له يومان فقط، وقدم بعده القاضي برهان الدين عبد الحق بخمسة أيام، هو وأهله وأولاده أيضا، وباشر بعده تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة جمال الدين بن جملة، ثم كانت وفاته بعده بشهور، وذلك يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة.
وهذه ترجمته في تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي: قاضي القضاة جمال الدين الصالحي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم بن جمله بن مسلم بن همام (2) بن حسين بن يوسف الصالحي الشافعي المحجي والده، بالمدرسة السرورية وصلي عليه عقيب الظهر يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون، ومولده في أوائل سنة ثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن البخاري وغيره، وحدث وكان رجلا فاضلا في فنون، اشتغل وحصل وأفتى وأعاد ودرس، وله فضائل جمة ومباحث وفوائد وهمة عالية وحرمة وافرة، وفيه تودد وإحسان وقضاء للحقوق، وولي القضاء بدمشق نيابة واستقلالا، ودرس بمدارس كبار، ومات وهو مدرس
الشامية البرانية، وحضر جنازته خلق كثير من الاعيان رحمه الله.
__________
(1) في تذكرة النبيه 2 / 289: جمادى الآخرة.
__________
(2) في تذكرة النبيه 2 / 29 2 وشذرات الذهب 6 / 119: تمام.

شيخ الاسلام قاضي القضاة ابن البارزي شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن القاضي شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله الجهيني الحموي، المعروف بابن البارزي قاضي القضاة بحماة، صاحب التصانيف الكثيرة المفيدة في الفنون العديدة، ولد في خامس رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وحصل فنونا كثيرة، وصنف كتبا جما كثيرة (1)، وكان حسن الاخلاق كثير المحاضرة حسن الاعتقاد في الصالحين، وكان معظما عند الناس، وأذن الجماعة من البلد في الافتاء، وعمي في آخر عمره وهو يحكم مع ذلك مدة، ثم نزل عن المنصب لحفيده نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم، وهو في ذلك لا يقطع نظره عن المنصب، وكانت وفاته ليلة الاربعاء العشرين من ذي القعدة بعد أن صلى العشاء والوتر، فلم تفته فريضة ولا نافلة، وصلي عليه من الغد ودفن بعقبة نقيرين، وله من العمر ثلاث وتسعون سنة.
الشيخ الامام العالم شهاب الدين أحمد بن البرهان شيخ الحنفية بحلب، شارح الجامع الكبير، وكان رجلا صالحا منقطعا عن الناس، وانتفع الناس به، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثامن والعشرين من رجب، وكانت له معرفة بالعربية والقراءات، ومشاركات في علوم أخر رحمه الله، والله أعلم.
القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر هو أبو المعالي يحيى بن فضل الله بن المحلي بن دعجان بن خلف العدوي العمر ي، ولد في حادي عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة بالكرك، وسمع الحديث وأسمعه، وكان صدرا
كبيرا معظما في الدولة في حياة أخيه شرف الدين وبعده، وكتب السر بالشام وبالديار المصرية، وكانت وفاته ليلة الاربعاء تاسع رمضان بديار مصر، ودفن من الغد بالقرافة وتولى المنصب بعده، ولده علاء الدين، وهو أصغر أولاده الثلاثة المعينين لهذا المنصب.
الشيخ الامام العلامة ابن الكتاني زين الدين بن الكتاني، شيخ الشافعية بديار مصر، وهو أبو حفص عمر بن أبي الحزم بن
__________
(1) من مصنفاته: الاحكام على أبواب التنبيه، والاساس في معرفة آلة الناس، وتمييز التعجيز في الفروع، روضات جنات المحبين في تفسير القرآن المبين، وأسرار التنزيل، وتيسير الفتاوي من تحرير الحاوي (هدية العارفين 2 / 507).

عبد الرحمن بن يونس الدمشقي الاصل، ولد بالقاهرة في حدود سنة ثلاث وخمسين وستمائة، واشتغل بدمشق ثم رحل إلى مصر واستوطنها وتولى بها بعض الاقضية بالحكر، ثم ناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فحمد ت سيرته، ودرس بمدارس كبار، ولي مشيخة دار الحديث بالقبة المنصورية (1)، وكان بارعا فاضلا، عنده فوائد كثيرة جدا، غير أنه كان سئ الاخلاق منقبضا عن الناس، لم يتزوج قط، وكان حسن الشكل بهي المنظر، يأكل الطيبات ويلبس اللين من الثياب، وله فوائد وزوائد على الروضة (2) وغيرها، وكان فيه استهتار لبعض العلماء فالله يسامحه، وكانت وفاته يوم الثلاثاء المنتصف من رمضان، ودفن بالقرافة رحمه الله انتهى.
الشيخ الامام العلامة ابن القويع ركن الدين بن القويع، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الجليل الوسي الهاشمي الجعفري التونسي المالكي، المعروف بابن القويع، كان من أعيان الفضلاء وسادة الاذكياء، ممن جمع الفنون الكثيرة والعلوم الاخروية الدينية الشرعية الطيبة، وكان مدرسا بالمنكود مرية، وله وظيفة في المارستان المنصوري، وبها توفي في بكرة السابع عشر من ذي الحجة، وترك مالا وأثاثا ورثه بيت المال.
وهذا آخر ما أرخه شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد ذيلت على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الاربعاء من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها آمين.
وإلى هنا انتهى ما كتبته من لدن خلق آدم إلى زماننا هذا ولله الحمد والمنة.
وما أحسن ما قال الحريري.
وإن تجد عيبا فسد الخللا * فجل من لا عيب فيه وعلا كتبه إسماعيل بن كثير بن صنو القرشي الشافعي عفا الله عنه آمين.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة استهلت وسلطان الاسلام بالديار المصرية وما والاها والديار الشامية وما والاها والحرمين الشريفين الملك الناصر بن الملك المنصور قلاوون، ولا نائب له لا وزير أيضا
__________
(1) قال المقريزي في المواعظ: كان بالقبة المنصورية دروس للفقهاء على المذاهب الاربعة (2 / 380).
__________
(2) وهو كتاب الروضة في الفروع " روضة الطالبين وعمدة المتقين) للامام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676 ه (كشف الظنون 1 / 929).

بمصر، وقضاة مصر، أما الشافعي فقاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين محمد ابن إبراهيم بن جماعة، وأما الحنفي فقاضي القضاة حسام الدين الغوري، حسن بن محمد، وأما المالكي فتقي الدين الاخنائي، وأما الحنبلي فموفق الدين بن نجا المقدسي، ونائب الشام الامير سيف الدين تنكز وقضاته جلال الدين القزويني الشافعي المعزول عن الديار المصرية، والحنفي عماد الدين الطرسوسي، والمالكي شرف الدين الهمداني، والحنبلي علاء الدين بن المنجا التنوخي.
ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الامام الحافظ مؤرخ الاسلام محمد بن شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون
محدثا لكل منهم جراى وجامكية كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون ورطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفرا يقرأون القرآن ؟ لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام وقارئ حديث ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهما وثمان أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن في شكالاتها وبنائها، وهي تجاه دار الذهب التي أنشأها الواقف الامير تنكز، ووقف عليها عدة أماكن: منها سوق القشاشيين بباب الفرج، طوله عشرون ذراعا شرقا وغربا.
سماه في كتاب الوقف، وبندر زيدين، وحمام بحمص وهو الحمام القديم، ووقف عليها حصصا في قرايا أخر، ولكنه تغلب على ما عدا القشاشيين، وبندر زيدين، وحمام حمص.
وفيها قدم القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي من الديار المصرية حاكما على دمشق وأعمالها، وفرح الناس به، ودخل الناس يسلمون عليه لعلمه وديانته وأمانته، ونزل بالعادلية الكبيرة على عادة من تقدمه، ودرس بالغزالية والاتابكية، واستناب ابن عمه القاضي بهاء الدين أبو البقاء، ثم استناب ابن عمه أبا الفتح، وكانت ولايته الشام بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني الشافعي، على ما سيأتي بيانه في الوفيات من هذه السنة.
وممن توفي فيها من الاعيان في المحرم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة: العلامة قاضي القضاة فخر الدين عثمان بن الزين علي بن عثمان الحلبي، ابن خطيب جبرين (1) الشافعي، ولي قضاء حلب وكان إماما صنف شرح مختصر ابن الحاجب في الفقه، وشرح البديع لابن الساعاتي، وله فوائد
__________
(1) في الاصل جسرين، تحريف، وجبرين قرية من قرى حلب.

غزيرة ومصنفات جليلة، تولى حلب بعد عزل الشيخ ابن النقيب، ثم طلبه السلطان فمات هو وولده الكمال وله بضع وسبعون سنة.
وممن توفي فيها: قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن
القزويني الشافعي، قدم هو وأخوه أيام التتر من بلادهم إلى دمشق، وهما فاضلان، بعد التسعين وستمائة فدرس إمام الدين في تربة أم الصالح وأعاد جلال الدين بالباد رائية عند الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين شيخ الشافعية، ثم تقلبت بهم الاحوال إلى أن ولي إمام الدين قضاء الشافعية بدمشق، انتزع له من يد القاضي بدر الدين بن جماعة، ثم هرب سنة قازان إلى الديار المصرية مع الناس فمات هنالك، وأعيد ابن جماعة إلى القضاء، وخلت خطابة البلد سنة ثلاث وسبعمائة، فوليها جلال الدين المذكور، ثم ولي القضاء بدمشق سنة خمس وعشرين مع الخطابة، ثم انتقل إلى الديار المصرية سنة سبع وعشرين بعد أن عجر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بسبب الضرر في عينيه فلما كان في سنة ثمان وثلاثين تعصب عليه السلطان الملك الناصر بسبب أمور يطول شرحها، ونفاه إلى الشام، واتفق موت قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد عبد الله كما تقدم، فولاه السلطان قضاء الشام عودا على بدء، فاستناب ولده بدر الدين على نيابة القضاء الذي هو خطيب دمشق، كانت وفاته في أواخر هذه السنة، ودفن بالصوفية، وكانت له يد طولى في المعاني والبيان، ويفتي كثيرا، وله مصنفات في المعاني (1) ومصنف مشهور اختصر فيه المفتاح للسكاكي، وكان مجموع الفضائل، مات وكان عمره قريبا من السبعين أو جاوزها (2).
وممن توفي فيها رابع [ ذي ] الحجة يوم الاحد: الشيخ الامام الحافظ ابن البرزالي علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن البرزالي مؤرخ الشام الشافعي، ولد سنة وفاة الشيخ ابن أبي شامة سنة خمس وستين وستمائة، وقد كتب تاريخا ذيل به على الشيخ شهاب الدين، من حين وفاته ومولد البرزالي إلى أن توفي في هذه السنة، وهو محرم، فغسل وكفن ولم يستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يوما مشهودا، وسمع الكثير أزيد من ألف شيخ، وخرج له المحدث شمس الدين بن سعد مشيخة لم يكملها، وقرأ شيئا كثيرا،
__________
(1) هو كتاب تصانيف الايضاح على صاحب المفتاح في المعاني والبيان، ومن مؤلفاته المشذر المرجاني من شعر الارجاني (هدية العارفين 2 / 150).
__________
(2) كان مولده سنة 666 بالموصل، مات في جمادى الاولى وله ثلاث وسبعون سنة (تذكرة النبيه 2 / 299).

وأسمع شيئا كثيرا، وكان له خط حسن، وخلق حسن، وهو مشكور عند القضاة ومشايخه أهل ؟ العلم، سمعت العلامة ابن تيمية يقول: نقل البرزالي نقر في حجر.
وكان أصحابه من كل الطوائف يحبونه ويكرمونه، وكان له أولاد ماتوا قبله، وكتبت ابنته فاطمة البخاري في ثلاثة عشر مجلدا فقابله لها، وكان يقرأ فيه على الحافظ المزي تحت القبة، حتى صارت نسختها أصلا معتمدا يكتب منها الناس، وكان شيخ حديث بالنورية وفيها وقف كتبه بدار الحديث السنية، وبدار ؟ الحديث القوصية وفي الجامع وغيره وعلى كراسي الحديث، وكان متواضعا محببا إلى الناس، متوددا إليهم، توفي عن أربع وسبعين سنة رحمه الله.
المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجوزي، جمع تاريخا حافلا، كتب فيه أشياء يستفيد منها الحافظ كالمزي والذهبي والبرزالي يكتبون عنه ويعتمدون على نقله، وكان شيخا قد جاوز الثمانين، وثقل سمعه ؟ وضعف خطه، وهو والد الشيخ ناصر الدين محمد وأخوه مجد الدين.
ثم دخلت سنة أربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الناصر، وولاته وقضاته المذكورون في التي قبلها إلا الشافعي بالشام فتوفي القزويني وتولى العلامة السبكي.
ومما وقع من الحوادث العظمية الهائلة أن جماعة من رؤس النصارى اجتمعوا في كنيستهم وجمعوا من بينهم مالا جزيلا فدفعوه إلى راهبين قدما عليها من بلاد الروم، يحسنان صنعة النفط، اسم أحدهما ملاني الآخر عازر فعملا كحطا من نفط، وتلطفا حتى عملاه لا يظهر تأثيره إلا بعد أربع ساعات وأكثر من ذلك، فوضعا في شقوق دكاكين التجار في سوق الرجال عند الدهشة في عدة دكاكين من آخر النهار، بحيث لا يشعر أحد بهما، وهما في زي المسلمين، فلما كان في أثناء الليل لم يشعر الناس إلا والنار قد عملت في تلك الدكاكين حتى تعلقت في درابزينات المأذنة الشرقية المتجهة للسوق المذكور،
وأحرقت الدرابزينات، وجاء نائب السلطنة تنكز والامراء أمراء الالوف، وصعدوا المنارة وهي تشعل نارا، واحترسوا عن الجامع فلم ينله شئ من الحريق ولله الحمد والمنة، وأما المأذنة فإنها تفجرت أحجارها واحترقت السقالات التي تدل السلالم وأعيد بناؤها بحجارة جدد، وهي المنارة الشرقية التي جاء في الحديث أنه ينزل عليها عيسى ابن مريم كما سيأتي الكلام عليه في نزول عيسى عليه السلام والبلد محاصر بالدجال.
والمقصود أن النصارى بعد ليال عمدوا إلى ناحية الجامع من المغرب إلى القيسارية بكمالها، وبما فيها من الاقواس والعدد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وتطاير شرر النار إلى ما حول

القيسارية من الدور والمساكن والمدارس، واحترق جانب من المدرسة الامينية إلى جانب المدرسة المذكورة وما كان مقصودهم إلا وصول النار إلى معبد المسلمين، فحال الله بينهم وبين ما يرومون، وجاء نائب السلطنة والامراء وحالوا بين الحريق والمسجد، جزاهم الله خيرا.
ولما تحقق نائب السلطنة أن هذا من فعلهم أمر بمسك رؤس النصارى فأمسك منهم نحوا من ستين رجلا، فأخذوا بالمصادرات (1) والضرب والعقوبات وأنواع المثلات، ثم بعد ذلك صلب منهم أزيد من عشرة (1) على الجمال، وطاف بهم في أرجاء البلاد وجلعوا يتماوتون واحدا بعد واحد، ثم أحرقوا بالنار حتى صارو رمادا لعنهم الله، انتهى والله أعلم.
سبب مسك تنكز لما كان يوم الثلاثاء (2) الرابع والعشرين من ذي الحجة جاء الامير طشتمر من صغد مسرعا وركب جيش دمشق ملبسا، ودخل نائب السلطنة من قصره مسرعا إلى دار السعادة، وجاء الجيش فوقفوا على باب النصر، وكان أراد أن يلبس ويقابل فعذلوه في ذلك، وقالوا: المصلحة الخروج إلى السلطان سامعا مطيعا، فخرج بلا سلاح، فلما برز إلى ظاهر البلد التف عليه الفخري وغيره، وأخذوه وذهبوا به إلى ناحية الكسوة، فلما كان عند قبة يلبغا نزلوا وقيدوه وخصاياه من قصره، ثم ركب البريد وهو مقيد وساروا به إلى السلطان، فلما وصل أمر بمسيره إلى
الاسكندرية، وسألوا عن ودائعه فأقر ببعض، ثم عوقب حتى أقر بالباقي، ثم قتلوه ودفنوه بالاسكندرية (3)، ثم نقلوه إلى تربته بدمشق رحمه الله، وقد جاوز الستين، وكان عادلا مهيبا عفيف الفرج واليد، والناس في أيامه في غاية الرخص والامن والصيانة فرحمه الله، وبل بالرحمة ثراه.
__________
(1) صودروا بنحو ألف درهم، وصلب منهم عشر نفرا (تذكرة النبيه 2 / 313).
__________
(2) في بدائع الزهور 1 / 1 / 478: يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة.
وفي السلوك 2 / 495 والنجوم الزاهرة 9 / 113: نهار الثلاثاء الحادي والعشرين ذي الحجة.
وعن سبب القبض عليه أشار في بدائع الزهور إلى تمنعه عن الاجابة إلى طلب السلطان إليه بالمسير إلى القاهرة ورغم تكرار الطلب.
أما المقريزي فيرى لتغير السلطان عليه أسبابا أخرى، قال: أنه كان يكتب إلى السلطان يستأذنه في سيره إلى ناحية جعبر، فمنعه السلطان من ذلك لما في تلك البلاد من الغلاء، وألح في الطلب والجواب يرد بمنعه حتى حنق عليه السلطان - فقال تنكز: - والله لقد تغير عقل استاذنا وصار يسمع من الصبيان الذين حوله والله لو سمع مني لكنت أشرت عليه بأن يقيم أحد أولاده وأقوم أنا بتدبير أمره، فكتب بذلك إلى السلطان، وذكر سببا آخر: أن تنكز غضب على بعض مماليك الروم - ومنهم جوبان - فكتب السلطان يشفع بجوبان فلم يجبه تنكز في أمره رغم إلحاحه في أمره فاشتد غضب السلطان عليه.
__________
(3) وكان ذلك يوم الثلاثاء نصف المحرم سنة 741 ه (انظر تاريخ الشجاعي ص 71 - 89 والمصادر السابقة في الحاشية السابقة).

وله أوقاف كثيرة من ذلك مرستان بصفد، وجامع بنابلس وعجلون، وجامع بدمشق، ودار الحديث بالقدس ودمشق، ومدرسة وخانقاه بالقدس، ورباط وسوق موقوف على المسجد الاقصى، وفتح شباكا في المسجد.
انتهى والله تعالى أعلم.
وممن توفي فيها من الاعيان: أمير المؤمنين المستكفي بالله
أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله بن العباس أحمد بن أبي علي الحسن بن أبي بكر بن علي ابن أمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، البغدادي الاصل والمولد، مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة أو في التي قبلها، وقرأ واشتغل قليلا، وعهد إليه أبوه بالامر وخطب له عند وفاة والده سنة إحدى وسبعمائة، وفوض جميع ما يتعلق به من الحل والعقد إلى السلطان الملك لناصر، وسار إلى غزو التتر فشهد مصاف شقحب، ودخل دمشق في شعبان سنة اثنتين وسبعمائة وهو راكب مع السلطان، وجميع كبراء الجيش مشاة، ولما أعرض السلطان عن الامر وانعزل بالكرك ؟ التمس الامراء من المستكفي أن يسلطن من ينهض بالملك، فقلد الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير وعقد له اللواء وألبسه خلعة السلطنة، ثم عاد الناصر إلى مصر وعذر الخليفة في فعله، ثم غضب عليه وسيره إلى قوص فتوفي في هذه السنة في قوص في مستهل شعبان.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وسبعمائة استهلت يوم الاربعاء وسلطان المسلمين الملك الناصر محمد بن قلاوون بن الملك المنصور قلاوون، وقضاته بمصر هم المذكورون في التي قبلها، وليس في دمشق نائب سلطنة، وإنما الذي يسد الامور الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر، الذي جاء بالقبض على الامير سيف الدين تنكز، ثم جاء المرسوم بالرجوع إلى صفد فركب من آخر النهار وتوجه إلى بلده، وحواصل الامير تنكز تحت الحوطة كما هي.
وفي صبيحة يوم السبت رابع المحرم من السنة المذكورة قدم من الديار المصرية خمسة أمراء الامير سيف الدين بشتك الناصري ومعه برصبغا الحاجب (1)، وطاشار الدويدار (2) وبنعرا (3)
__________
(1) وهو سيف الدين برسبغا بن عبد الله الحاجب توفي سنة 742 ه (الدرر الكامنة 1 / 474).
__________
(2) وهو سيف الدين طاجار بن عبد الله الناصري الدوادار توفي سنة 742 (النجوم الزاهرة 10 / 75 الدرر 2 / 213).
__________
(3) وقيل بيغرا، وهو سي ف الدين بيغرا الناصري وفاته سنة 754 (الدرر 1 / 514).

وبطا (1)، فنزل بشتاك بالقصر الابلق والميادين، وليس معه من مماليكه إلا القليل، وإنما جاء لتجديد البيعة إلى السلطان لما توهموا من ممالاة بعض الامراء لنائب الشام المنفصل، وللحوطة على حواصل الامير سيف الدين تنكز المنفصل عن نيابة الشام وتجهيزها للديار المصرية.
وفي صبيحة يوم الاثنين سادسه دخل الامير علاء الدين الطنبغا إلى دمشق نائبا، وتلقاه الناس وبشتك والامراء المصريون، ونزلوا إلى عتبته فقبلوا العتبة الشريفة، ورجعوا معه إلى دار السعادة، وقرئ تقليده.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره مسك من الامراء المقدمين أميران كبيران الجي بغا العادلي، وطنبغا الحجي، ورفعا إلى القلعة المنصورة واحتيط على حواصلهما.
وفي يوم الثلاثاء تحملوا بيت ملك الامراء سيف الدين تنكز وأهله وأولاده إلى الديار المصرية.
وفي يوم الاربعاء خامس عشره ركب نائب السلطنة الامير علاء الدين طنبغا ومعه الامير سيف الدين بشتك الناصري والحاجة رقطية وسيف الدين قطلوبغا الفخري وجماعة من الامراء المقدمين واجتموا بسوق الخيل واستدعوا بمملوكي الامير سيف الدين تنكز وهما بغاي وطغاي.
فأمر بتوسيطهما فوسطا وعلقا على الخشب ونودي عليهما: هذا جزاء من تجاسر على السلطان الناصر.
وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين (2) من هذا الشهر كانت وفاة الامير سيف الدين تنكز نائب الشام بقلعة اسكندرية، قيمخنوقا وقيل مسموما (3) وهو الاصح، وقيل غير ذلك، وتأسف الناس عليه كثيرا، وطال حزنهم عليه، وفي كل وقت يتذكرون ما كان منه من الهيبة والصيانة والغيرة على حريم المسلمين ومحارم الاسلام، ومن إقامته على ذوي الحاجات وغيرهم، ويشتد تأسفهم عليه رحمه الله.
وقد أخبر القاضي أمين الدين بن القلانسي رحمه الله شيخنا الحافظ العلامة عماد الدين بن كثير رحمه الله أن الامير سيف الدين تنكز مسك يوم الثلاثاء ودخل مصر يوم الثلاثاء ودخل الاسكندرية يوم الثلاثاء وتوفي يوم الثلاثاء وصلي عليه بالاسكندرية ودفن بمقبرتها في الثالث والعشرين من المحرم بالقرب من قبر القباري، وكانت له جنازة جيدة.
وفي يوم الخميس سابع شهر صفر قدم الامير سيف الدين طشتمر الذي مسك تنكز إلى دمشق فنزل بوطأة برزة بجيشه ومن معه ثم توجه إلى حلب المحروسة نائبا بها عوضا عن الطنبغا
المنفصل عنها.
وفي صبيحة يوم الخميس ثالث عشر ربيع الاول نودي في البلد بجنازة الشيخ الصالح العابد
__________
(1) بطا أو بكا، وهو سيف الدين بكا بن عبد الله الخضري الناصري كانت وفاته سنة 743 ه (النجوم الزاهرة 10 / 104 والدرر 1 / 480).
__________
(2) انظر حاشية 3 صفحة 218.
__________
(3) في بدائع الزهور 1 / 1 / 479: بعد سجنه أربعين يوما وهو مقيد، رسم السلطان بخنقه، فأرسل إليه الحاج ابراهيم بن صابر، مقدم الدولة، فخنقه وهو بالسجن.

الناسك القدوة الشيخ محمد بن تمام توفي بالصالحية، فذهب الناس إلى جنازته إلى الجامع المظفري، واجتمع الناس على صلاة الظهر فضاق الجامع المذكور عن أن يسعهم، وصلى بالناس في الطرقات وأرجاء الصالحية، وكان الجمع كثيرا جدا لم يشهد الناس جنازة بعد جنازة الشيخ تقي الدين بن تيمية مثلها، لكثرة من حضرها من الناس رجالا ونساء، وفيهم القضاة والاعيان والامراء وجمهور الناس يقاربون عشرين ألفا، وانتظر الناس نائب السلطنة فاشتغل بكتاب ورد عليه من الديار المصرية، فصلى عليه الشيخ بعد صلاة الظهر بالجامع المظفري، ودفن عند أخيه في تربة بين تربة الموفق وبين تربة الشيخ أبي عمر رحمهم الله وإيانا.
وفي أول شهر جمادى الاولى توفيت الشيخة العابدة الصالحة العالمة قارئة القرآن أم فاطمة عائشة بنت إبراهيم بن صديق زوجة شيخنا الحافظ جمال الدين المزي عشية يوم الثلاثاء مستهل هذا الشهر وصلي عليها بالجامع صبيحة يوم الاربعاء ودفنت بمقابر الصوفية غربي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهم الله.
كانت عديمة النظير في نساء زمانها لكثرة عبادتها وتلاوتها وإقرائها القرآن العظيم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح، يعجز كثير من الرجال عن تجويده، وختمت نساء كثيرا، وقرأ عليها من النساء خلق وانتفعن بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا، وتقللها منها، مع طول العمر بلغت ثمانين سنة أنفقتها في طاعة الله صلاة وتلاوة، وكان الشيخ محسنا إليها
مطيعا، لا يكاد يخالفها لحبه لها طبعا وشرعا فرحمها الله وقدس روحها، ونور مضجعها بالرحمة آمين.
وفي يوم الاربعاء الحادي والعشرين منه درس بمدرسة الشيخ أبي عمر بسفح قاسيون الشيخ الامام شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، في التدريس البكتمري عوضا عن القاضي برهان الدين الزرعي، وحضر عنده المقادسة وكبار الحنابلة، ولم يتمكن أهل المدينة من الحضور لكثرة المطر والوحل يومئذ.
وتكامل عمارة المنارة الشرقية في الجامع الاموي في العشر الاخير من رمضان، واستحسن الناس بناءها وإتقانها، وذكر بعضهم أنه لم يبن في الاسلام منارة مثلها ولله الحمد.
ووقع لكثير من الناس في غالب ظنونهم أنها المنارة البيضاء الشرقية التي ذكرت في حديث النواس بن سمعان في نزول عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء في شرقي دمشق، فلعل لفظ الحديث انقلب على بعض الرواة، وإنما كان على المنارة الشرقية بدمشق، وهذه المنارة مشهورة بالشرقية لمقابلتها أختها الغربية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر شوال عقد مجلس في دار العدل بدار السعادة وحضرته يومئذ واجتمع القضاة والاعيان على العادة وأحضر يومئذ عثمان الدكاكي قبحه الله تعالى، وادعي عليه بعظائم من القول لم يؤثر مثلها عن الحلاج ولا عن ابن أبي الغدافر السلقماني، وقامت عليه البينة دعوى ؟ الالهية لعنه الله، وأشياء أخر من التنقيص بالانبياء ومخالطته أرباب الريب من الباجريقية

وغيرهم من الاتحادية عليهم لعائن الله، ووقع منه في مجلس من إساءة الادب على القاضي الحنبلي وتضمن ذلك تكفيره من المالكية أيضا، فادعى أن له دوافع وقوادح في بعض الشهود، فرد إلى السجن مقيدا مغلولا مقبوحا، أمكن الله منه بقوته وتأييده، ثم لما كان يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة أحضر عثمان الدكاكي المذكور إلى دار السعادة وأقيم إلى بين يدي الامراء والقضاة وسئل عن القوادح في الشهود فعجز فلم يقدر، وعجز عن ذلك فتوجه عليه الحكم، فسئل القاضي المالكي الحكم عليه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم حكم بإراقة دمه وإن
تاب، فأخذ المذكور فضربت رقبته بدمشق بسوق الخيل، ونودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية، وكان يوما مشهودا بدار السعادة، حضر خلق من الاعيان والمشايخ، وحضر شيخنا جمال الدين المزي الحافظ، وشيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي، وتكلما وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة، وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي، وهم نفذوا حكمه في المجلس فحضروا قتل المذكور وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره.
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي القعدة أفرج عن الاميرين العقيلين بالقلعة وهما طنبغا حجا والجي بغا، وكذلك أفرج عن خزاندارية تنكز الذي تأخروا بالقعلة، وفرح الناس بذلك.
ذكر وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون في صبيحة يوم الاربعاء السابع والعشرين من ذي الحجة قدم إلى دمشق الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري نائب السلطنة وعامة الامراء لتلقيه، وكان قدومه على خيل البريد، فأخبر بوفاة السلطان الملك الناصر، كانت وفاته يوم الاربعاء آخره.
وأنه صلي عليه ليلة الجمعة بعد العشاء ودفن مع أبيه الملك المنصور على ولده أنوك، وكان قبل موته أخذ العهد لابنه سيف الدين أبي بكر ولقبه الملك المنصور، فلما دفن السلطان ليلة الجمعة حضره من الامراء قليل، وكان قد ولي عليه الامير علم الدين الجاولي، ورجل آخر منسوب إلى الصلاح يقال له الشيخ عمر بن محمد ابن إبراهيم الجعبري، وشخص آخر من الجبابرية، ودفن كما ذكرنا، ولم يحضر ولده ولي عهده دفنه، ولم يخرج من القلعة ليلتئذ عن مشورة الامراء لئلا يتخبط الناس، وصلي عليه القاضي عز الدين بن جماعة إماما، والجاولي وايدغمش وأمير آخر والقاضي بهاء الدين بن حامد ابن قاضي دمشق السبكي، وجلس الملك المنصور سيف الدنيا والدين أبو المعالي أبو بكر على سرير المملكة.
وفي صبيحة يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، بايعه الجيش المصري، وقدم الفخري لاخذ البيعة من الشاميين، ونزل بالقصر الابلق وبايع الناس

للملك المنصور بن الناصر بن المنصور، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة بدمشق صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين منه، وفرح الناس بالملك الجديد، وترحموا على الملك ودسوا له وتأسفوا عليه رحمه الله.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة استهلت بيوم الاحد وسلطان الاسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية وما والاها الملك المصنور سيف الدين أبو بكر بن الملك السلطان الناصر ناصر الدين محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ونائب الشام الامير علاء الدين طنبغا وقضاة الشام ومصر هم المذكورون في التي قبلها، وكذا المباشرون سوى الولاة.
شهر الله المحرم: ولاية الخليفة الحاكم بأمر خالله وفي هذا اليوم بويع بالخلافة أمير المؤمنين أبو القاسم أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان العباسي ولبس السواد وجلس مع الملك المنصور على سرير المملكة، وألبسه خلعة سوداء أيضا، فجلسا وعليهما السواد، وخطب الخليفة يومئذ خطبة بليغة فصيحة مشتملة على أشياء من المواعظ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)، وخلع يومئذ على جماعة من الامراء والاعيان، وكان يوما مشهودا، وكان أبو القاسم هذا قد عهد إليه أبوه بالخلافة (2)، ولكن لم يمكنه الناصر من ذلك، وولى أبا إسحاق إبراهيم بن أخي أبي الربيع، ولقبه الواثق بالله، وخطب به بالقاهرة جمعة واحدة فعزله المنصور وقرر أبا القاسم هذا، وأمضى العهد ولقبه المستنصر بالله كما ذكرنا.
وفي يوم الاحد ثامن المحرم مسك الامير سيف الدين بشتك الناصري آخر النهار، وكان قد كتب تقليده بنيابة الشام وخلع عليه بذلك وبرز ثقله ثم دخل على الملك المنصور ليودعه فرحب به وأجلسه وأحضر طعاما وأكلا، وتأسف الملك على فراقه، وقال: تذهب وتتركني وحدي، ثم قام لتوديعه وذهب بشتك من بين يديه ثماني خطوات أو نحوها، ثم تقدم إليه ثلاثة نفر فقطع أحدهم
سيفه من وسطه بسكين، ووضع الآخر يده على فمه وكتفه الآخر، وقيدوه وذلك كله بحضرة السلطان، ثم غيب ولم يدر أحد إلى أين صار، ثم قالوا لمماليكه: اذهبوا أنتم فائتوا بمركوب
__________
(1) نسخة الخطبة في السلوك 2 / 3 / 559.
__________
(2) في بدائع الزهور 1 / 1 / 474: لما خلع من الخلافة، عهد إلى ولده أحمد من بعده، وثبت ذل ك العهد على قاضي قوص - وكان الخليفة المستكفي قد أبعد إلى قوص وأقام بها ثلاث سنين ونصف ومات هناك في شعبان سنة 741 ه - بشهادة أربعين رجلا من العدول.
وأما الملك الناصر لم يول أحمد المذكور وتروى أربعة أشهر في أمر من يلي الخلافة إلى أن طلب - على حين غفلة - ابراهيم بن الامام أحمد الحاكم بأمر الله وولاه الخلافة.

الامير غدا، فهو بائت عند السلطان.
أصبح السلطان وجلس على سرير المملكة وأمر بمسك جماعة من الامراء وتسعة من الكبار، واحتاطوا على حواصله وأمواله وأملاكه، فيقال إنه وجد عنده من الذهب ألف ألف دينار، وسبعمائة ألف دينار.
وفاة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تمرض أياما يسيرة مرضا لا يشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس، وإسماع الحديث، فلما كان يوم الجمعة حادي عشر صفر أسمع الحديث إلى قريب وقت الصلاة، ثم دخل منزله ليتوضأ ويذهب للصلاة فاعترضه في باطنه مغص عظيم، ظن أنه قولنج، وما كان إلا طاعون، فلم على حضور الصلاة، فلما فرغنا من الصلاة أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه فدخلت عليه فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الالم الذي هو فيه، فسألته عن حاله فجعل يكرر الحمد لله، ثم أخبرني بما حصل له من المرض الشديد، وصلى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة وتوضأ على البركة، وهو في قوة الوجع ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر تغير ذهنه قليلا، فقالت: يا أبة أذن الظهر، فذكر الله وقال: أريد أن أصلي فتيمم وصلى ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه ثم قبضت روحه بين الصلاتين، رحمه الله
يوم السبت ثاني عشر صفر، فلم يمكن تجهيزه تلك الليلة، فلما كان من الغد يوم الاحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غسل وكفن وصلي عليه بالجامع الاموي، وحضر القضاة والاعيان وخلائق لا يحصون كثرة، وخرج بجنازته من باب النصر، وخرج نائب السلطنة الامير علاء الدين طنبغا ومعه ديوان السلطان، والصاحب وكاتب السر وغيرهم من الامراء، فصلوا عليه خارج باب النصر، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكي الشافعي، وهو الذي صلى عليه بالجامع الاموي، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله، عائشة بنت إبراهيم بن صديق، غربي قبر تقي الدين بن تيمية رحمهم الله أجمعين.
كائنة غريبة جدا قدم يوم الاربعاء الثلاثين من صفر أمير من الديار المصرية ومعه البيعة للملك الاشرف علاء الدين كجك بن الملك الناصر، وذلك بعد عزل أخيه المنصور، لما صدر عنه من الافعال التي ذكر أنه تعاطاها من شرب المسكر وغشيان المنكرات، وتعاطي ما لا يليق به، ومعاشرة الخاصكية من المردان وغيرهم، فتمالا على خلعه كبار الامراء لما رأوا الامر تفاقم إلى الفساد العريض فأحضروا الخليفة الحاكم بأمر الله أبي الربيع سليمان فأثبت بين يديه ما نسب إلى الملك المنصور المذكور من الامور فحينئذ خلعه وخلعه الامراء الكبار وغيرهم، واستبدلوا مكانه أخاه هذا المذكور، وسيروه

إذ ذاك إلى قوص مضيقا عليه ومعه إخوة له ثلاثة، وقيل أكثر، وأجلسوا الملك الاشرف هذا على السرير، وناب له الامير سيف الدين قوصون الناصري، واستمرت الامور على السداد وجاءت إلى الشام فبايعه الامراء يوم الاربعاء المذكور، وضربت البشائر عشية الخميس مستهل ربيع الاول وخطب له بدمشق يوم الجمعة بحضرة نائب السلطنة والقضاة والامراء.
وفي يوم الاربعاء سابع عشر ربيع الاول حضر بدار الحديث الاشرفية قاضي القضاة تقي الدين السبكي عوضا عن شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، ومشيخة دار الحديث النورية عوضا عن ابنه رحمه الله.
وفي شهر جمادى الاولى اشتهر أن نائب حلب الامير سيف الدين طشتمر الملقب
بالحمص الاخضر قائم في نصرة ابن السلطان الامير أحمد الذي بالكرك، وأنه يستخدم لذلك ويجمع الجموع فالله أعلم.
وفي العشر الثاني منه وصلت الجيوش صحبة الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري إلى الكرك في طلب ابن السلطان الامير أحمد.
وفي هذا الشهر كثر الكلام في أمر الامير أحمد بن الناصر الذي بالكرك، بسبب محاصرة الجيش الذي صحبة الفخري له، واشتهر أن نائب حلب الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر قائم بجنب أولاد السلطان الذين أخرجوا من الديار المصرية إلى الصعيد، وفي القيام بالمدافعة عن الامير أحمد، ليصرف عنه الجيش، وترك حصاره وعزم بالذهاب إلى الكرك لنصرة أحمد ابن أستاذه، وتهيأ له نائب الشام بدمشق، ونادى في الجيش لملتقاه ومدافعته عما يريد من إقامة الفتنة وشق العصا، واهتم الجند لذلك، وتأهبوا واستعدوا، ولحقهم في ذلك كلفة كثيرة، وانزعج الناس بسبب ذلك وتخوفوا أن تكون فتنة، وحسبوا إن وقع قتال بينهم أن تقوم العشيرات في الجبال وحوران، وتتعطل مصالح الزراعات وغير ذلك، ثم قدم من حلب صاحب السلطان في الرسلية إلى نائب دمشق الامير علاء الدين الطنبغا ومعه مشافهة، فاستمع لها فبعث معه صاحب الميسرة أمان الساقي، فذهبا إلى حلب ثم رجعا في أواخر جمادى الآخرة وتوجها إلى الديار المصرية، واشتهر أن الامر على ما هو عليه حتى توافق على ما ذكر من رجوع أولاد الملك الناصر إلى مصر، ما عدا المنصور، وأن يخلي عن محاصرة الكرك.
وفي العشر الاخير من جمادى الاولى توفي مظفر الدين موسى بن مهنا ملك العرب ودفن بتدمر وفي صبيحة يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة عند طلوع الشمس توفي الخطيب بدر الدين محمد بن القاضي جلال الدين القزويني بدار الخطابة بعد رجوعه من الديار المصرية كما قدمنا، فخطب جمعة واحدة وصلى بالناس إلى ليلة الجمعة الاخرى ثم مرض فخطب عنه أخوه تاج الدين عبد الرحيم على العادة ثلاثة جمع، وهو مريض إلى أن توفي يومئذ، وتأسف الناس عليه لحسن شكله وصباحة وجهه وحسن ملتقاه وتواضعه، واجتمع الناس للصلاة عليه للظهر فتأخر تجهيزه إلى العصر فصلى عليه بالجامع قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وخرج به الناس إلى الصوفية، وكانت جنازته
حافلة جدا، فدفن عند أبيه بالتربة التي أنشأها الخطيب بدر الدين هناك رحمه الله.

وفي يوم الجمعة خامس الشهر بعد الصلاة خرج نائب السلطنة الامير علاء الدين الطنبغا وجميع الجيش قاصدين للبلاد الحلبية للقبض على نائب حلب الامير سيف الدين طشتمر، لاجل ما أظهر من القيام مع ابن السلطان الامير أحمد الذي في الكرك، وخرج الناس في يوم شديد المطر كثير الوحل، وكان يوما مشهودا عصيبا، أحسن الله العاقبة.
وأمر القاضي تقي الدين السبكي الخطيب المؤذنين بزيادة أذكار على الذي كان سنه فيهم الخطيب بدر الدين من التسبيح والتحميد والتهليل الكثير ثلاثا وثلاثين، فزادهم السبكي قبل ذلك: أستغفر الله العظيم ثلاثا، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، ثم أثبت ما في صحيح مسلم بعد صلاتي الصبح والمغرب: اللهم أجرنا من النار سبعا، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثا، وكانوا قبل تلك السنوات قد زادوا بعد التأذين الآية ليلة الجمعة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وآله، يبتدئ الرئيس منفردا ثم يعيد عليه الجماعة بطريقة حسنة، وصار ذلك سببا لاجتماع الناس في صحن الجامع لاستماع ذلك، وكلما كان المبتدئ حسن الصوت كانت الجماعة أكثر اجتماعا، ولكن طال بسبب ذلك الفصل، وتأخرت الصلاة عن أول وقتها.
انتهى.
كائنة غريبة جدا وفي ليلة الاحد عشية السبت نزل الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري بظاهر دمشق بين الجسورة وميدان الحصى بالاطلاب الذين جاؤوا معه من البلاد المصرية لمحاصرة الكرك للقبض على ابن السلطان الامير أحمد بن الناصر، فمكثوا على الثنية محاصرين مضيقين عليه إلى أن توجه نائب الشام إلى حلب، ومضت هذه الايام المذكورة، فما درى الناس إلا وقد جاء الفخري وجموعه، وقد بايعوا الامير أحمد وسموه الناصر بن الناصر، وخلعوا بيعة أخيه الملك الاشرف علاء الدين كجك (1) واعتلوا بصغره، وذكروا إن أتابكة الامير سيف الدين قوصون الناصري قد عدى على ابني السلطان فقتلهما خنقا ببلاد الصعيد (2): جهز إليهما من تولى ذلك، وهما الملك المنصور أبو
بكر ورمضان، فتنكر الامير بسبب ذلك، وقالوا هذا يريد أن يجتاح هذا البيت ليتمكن هو من أخذ المملكة، فحموا لذلك وبايعوا ابن أستاذهم وجاؤو ؟ في الذهاب خلف الجيش ليكونوا عونا للامير سيف الدين طشتمر نائب حلب ومن معه، وقد كتبوا إلى الامراء يستميلونهم إلى هذا، ولما نزلوا بظاهر دمشق خرج إليهم من بدمشق من الاكابر والقضاة والمباشرين، مثل والي البر ووالي المدينة وابن سمندار وغيرهم، فلما كان الصباح خرج أهالي دمشق عن بكرة أبيهم، على عادتهم
__________
(1) قال ابن إياس في بدائع الزهور 1 / 491 أن كجك لفظ أعجمي معناه بالعربية: صغير.
__________
(2) انظر تاريخ الشجاعي ص 219 زاد قائلا: وقطعت الرأس وأرسلت إلى قوصون في جمادى الآخرة سنة 742 ه.
وكان قد خنقه والي قوص.
(انظر بدائع الزهور 1 / 3 / 489 زاد وقال: وكان ذلك سببا لزوال أمر الاتابكي قوصون ودماره).

في قدوم السلاطين، ودخول الحجاج، بل أكثر من ذلك من بعض الوجوه، وخرج القضاة والصاحب والاعيان والولاة وغيرهم، ودخل الامير سيف الدين قطلوبغا في دست نيابة السلطنة التي فوضها إليه الملك الناصر الجديد وعن يمينه الشافعي، وعن شماله الحنفي على العادة، والجيش كله محدق به في الحديد، والعقارات والبوقات والنشابة السلطانية والسناجق الخليفية والسلطانية تخفق، والناس في الدعاء والثناء للفخري، وهم في غاية الاستبشار والفرح، وربما نال بعض جهلة الناس من النائب الآخر الذي ذهب إلى حلب، ودخلت الاطلاب بعده على ترتيبهم، وكان يوما مشهودا، فنزل شرقي دمشق قريبا من خان لاجين، وبعث في هذا اليوم فرسم على القضاة والصاحب، وأخذ من أموال الايتام وغيرها خمسمائة ألف، وعوضهم عن ذلك بقرية من بيت المال، وكتب بذلك سجلات، واستخدم جيدا، وانضاف إليه من الامراء الذين كانوا قد تخلفوا بدمشق جماعة منهم تمر الساقي مقدم، وابن قراسنقر وابن الكامل وابن المعظم وابن البلدي وغيرهم، وبايع هؤلاء كلهم مع مباشري دمشق للملك الناصر بن الناصر، وأقام الفخري على خان لاجين، وخرج المتعيشون بالصنائع إلى عندهم وضربت البشائر بالقعلة صبيحة
يوم الثلاثاء سادس عشر الشهر، ونودي بالبلد إن سلطانكم الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائبكم سيف الدين قطلوبغا الفخري، وفرح كثير من الناس بذلك، وانضاف إليه نائب صفد وبايعه نائب بعلبك، واستخدموا له رجالا وجندا، ورجع إليه الامير سيف الدين سنجر الجمقدار رأس الميمنة بدمشق، وكان قد تأخر في السفر عن نائب دمشق علاء الدين الطنبغا، بسبب مرض عرض له، فلما قدم الفخري رجع إليه وبايع الناصر بن الناصر، ثم كاتب نائب حماة تغردمر الذي ناب بمصر للملك المنصور، فأجابه إلى ذلك وقدم على العسكر يوم السبت السابع والعشرين من الشهر المذكور، في تجمل عظيم وخزائن كثيرة، وثقل هائل.
وفي صبيحة يوم الاحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور كسفت الشمس قبل الظهر، وفي صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، قدم نائب غزة الامير آق سنقر في جيش غزة، وهو قريب من ألفين، فدخلوا دمشق وقت الفجر وغدوا إلى معسكر الفخري، فانضافوا إليهم ففرحوا بهم كثيرا، وصار في قريب من خمسة آلاف مقاتل أو يزيدون.
استهل شهر رجب الفرد والجماعة من أكابر التجار مطلوبون بسبب أموال طلبها منهم الفخري، يقوي بها جيشه الذي معه، ومبلغ ذلك الذي أراده منهم ألف ألف درهم، ومعه مرسوم الناصر بن الناصر ببيع أملاك الامير سيف الدين قوصون، إتابك الملك الاشرف علاء الدين كجك، ابن الناصر التي بالشام، بسبب إبائه عن مبايعة أحمد بن الناصر، فأشار على الفخري من أشار بأن يباع للتجار من أملاك الخاص، ويجعل مال قوصون من الخاص، فرسم بذلك، وأن يباع للتجار قرية دويه قومت بألف ألف وخمسمائة ألف، ثم لطف الله وأفرج عنهم

بعد ليلتين أو ثلاث، وتعرضوا عن ذلك بحواصل قوصون، واستمر الفخري بمن معه ومن أضيف إليه من الامراء والاجناد مقيمين بثنية العقاب، واستخدم من رجال البقاع جماعة كثيرة أكثر من ألف رام، وأميرهم يحفظ أفواه الطرق، وأزف قدوم الامير علاء الدين طنبغا بمن معه من عساكر دمشق، وجمهور الحلبيين وطائفة الطرابلسيين، وتأهب هؤلاء لهم.
فلما كان الحادي من
الشهر اشتهر أن الطنبغا وصل إلى القسطل وبعث طلائعه فالتقت بطلائع الفخري، ولم يكن بينهم قتال ولله الحمد والمنة وأرسل الفخري إلى القضاة ونوابهم وجماعة من الفقهاء فخرجوا ورجع الشافعي من أثناء الطريق، فلما وصلوا أمرهم بالسعي بينه وبين الطنبغا في الصلح، وأن يوافق الفخري في أمره، وأن يبايع الناصر بن الناصر، فأبى فردهم إليه غير مرة، وكل ذلك يمتنع ؟ عليهم، فلما كان يوم الاثنين رابع عشره عند العصر جاء بريد إلى متولي البلد عند العصر من جهة الفخري يأمره بغلق أبواب البلد، فغلقت الابواب، وذلك لان العساكر توجهوا وتوافقوا للقتال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وذلك أن الطنبغا لما علم أن جماعة قطلوبغا على ثنية العقاب دار الذروة من ناحية المعيصرة، وجاء بالجيوش من هناك، فاستدار له الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري بجماعته إلى ناحيته، ووقف له في طريقه، وحال بينه وبين الوصول إلى البلد، وانزعج الناس انزعاجا عظيما، وغلقت القياسرة والاسواق وخاف الناس بعضهم من بعض أن يكون نهب، فركب متولي البلد الامير ناصر الدين بن بكباشي ومعه أولاده ونوابه والرجالة، فسار في البلد وسكن الناس ودعوا له، فلما كان قريب المغرب فتح لهم باب الجابية ليدخل من هو من أهل البلد، فجرت في الباب على ما قيل زحمة عظيمة، وتسخط الجند على الناس في هذه الليلة، واتفق أنها ليلة الميلاد، وبات المسلمون مهمومون بسبب العسكر واختلافهم فأصبحت أبواب البلد مغلقة في يوم الثلاثاء سوى باب الجابية، والامر على ما هو عليه، فلما كان عشية هذا اليوم تقارب الجيشان واجتمع الطنبغا وأمراؤه، واتفق أمراء دمشق وجمهورهم الذين هم معه على أن لا يقاتلوا مسلما ولا يسلوا في وجه الفخري وأصحابه سيفا، وكان قضاة الشام قد ذهبوا إليه مرارا للصلح، فيأبى عليهم إلا الاستمرار على ما هو عليه، وقويت نفسه عليه انتهى.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
عجيبة من عجائب الدهر فبات الناس متقابلين في هذه الليلة وليس بين الجيشين إلا مقدار ميلين أو ثلاثة، وكانت ليلة مطيرة، فما أصبح الصبح إلا وقد ذهب من جماعة الطنبغا إلى الفخري خلق كثير من أجناد
الحلفاء ومن الامراء والاعيان، وطلعت الشمس وارتفعت قليلا فنفذ الطنبغا القضاة وبعض الامراء إلى الفخري يتهدده ويتوعده نفسه عليه.
فما ساروا عنه قليلا إلا ساقت العساكر من الميمنة والميسرة من القلب، ومن كل جانب مقفرين إلى الفخري، وذلك لما هم فيه من ضيق

العيش وقلة ما بأيديهم من الاطعمة وعلف الدواب، وكثرة ما معهم من الكلف، فرأوا أن هذا حال يطول عليهم، ومقتوا أمرهم غاية المقت، وتطايبت قلوبهم وقلوب أولئك مع أهل البلد على كراهته لقوة نفسه فيما لا يجدي عليه ولا عليهم شيئا، فبايعوا على المخامرة عليه، فلم يبق معه سوى حاشيته في أقل من ساعة واحدة، فلما رأى الحال على هذه الصفة كر راجعا هاربا من حيث جاء وصحبته الامير سيف الدين رقطبة (1) نائب طرابلس، وأميران آخران (2)، والتقت العساكر والامراء، وجاءت البشارة إلى دمشق قبل الظهر ففرح الناس فرحا شديدا جدا، الرجال والنساء والولدان، حتى من لا نوبة له، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة، فأرسلوا في طلب من هرب، وجلس الفخري هنالك بقية اليوم يحلف الامراء على أمره الذي جاء له، فحلفوا له، ودخل دمشق عشية يوم الخميس في أبهة عظيمة، وحرمة وافرة، فنزل القصر الابلق ونزل الامير تغردمر بالميدان الكبير، ونزل عمارى بدار السعادة وأخرجوا الموساوي الذي كان معتقلا بالقلعة، وجعلوه مشدا على حوطات حواصل الطنبغا وكان قد تغضب الفخري على جماعة من الامراء منهم الامير حسام الدين السمقدار، أمير حاجب بسبب أنه صاحب لعلاء الدين الطنبغا، فلما وقع ما وقع هرب فيمن هرب، ولكن لم يأت الفخري، بل دخل البلد فتوسط في الامر: لم يذهب مع ذاك ولا جاء مع هذا، ثم إنه استدرك ما فاته فرجع من البار إلى الفخري، وقيل بل رسم عليه حين جاء وهو مهموم جدا، ثم إنه أعطي منديل الامان، وكان معهم كتاب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله، ثم أفرج عنهم، ومنهم الامير سيف الدين حفطية وكان شديد الحنق عليه، فأطلقه من يومه وأعاده إلى الحجوبية، وأظهر مكارم أخلاق عظيمة، ورياسة كبيرة، وكان للقاضي علاء الدين بن المنجا قاضي قضاة الحنابلة في هذه الكائنة سعي مشكور، ومراجعة كبيرة
للامير علاء الدين الطنبغا، حتى خيف عليه منه، وخاطر بنفسه معه، فأنجح الله مقصده وسلمه منه، وكبت عدوه ولله الحمد والمنة.
وفي يوم السبت السادس والعشرين منه قلد قضاء العساكر المنصورة الشيخ فخر الدين بن الصائغ عوضا عن القاضي الحنفي (3)، الذي كان مع النائب المنفصل، وذلك أنهم نقموا عليه إفتاءه الطنبغا بقتال الفخري، وفرح بولايته أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وذلك لانه من أخص من صحبه قديما، وأخذ عنه فوائد كثيرة وعلوما.
وفي يوم الاربعاء سلخ رجب آخر النهار قدم الامير قماري (4) من عند الملك الناصر بن
__________
(1) في السلوك 2 / 585: أرقطاي.
__________
(2) وهما: اسنبغا بن بكتمر البوبكري وأيدمر المرقبي من أمراء دمشق (السلوك 585 2).
__________
(3) وهو قاضي القضاة حسام الدين الغوري الحنفي (السلوك 2 / 591).
__________
(4) وهو قماري بن عبد الله الناصري توفي سنة 743 أما في الدرر الكامنة فقد جعل وفاته في أواخر سنة خمس أو أوائل سنة 746 ه.
(3 / 256).

الناصر من الكرك وأخبره بما جرى من أمرهم وأمر الطنبغا، ففرح بذلك وأخبر قماري بقدوم السلطان ففرح الناس بذلك واستعدوا له بآلات المملكة وكثرت مطالبته أرباب الاموال والذمة بالجزية.
وفي مستهل رجب من هذه السنة ركب الفخري في دست النيابة بالموكب المنصور، وهو أول ركوبه فيه، وإلى جانبه قماري وعلى قماري خلعة هائلة، وكثر دعاء الناس للفخري يومئذ، وكان يوما مشهودا.
وفي هذا اليوم خرج جماعة من المقدمين الالوف إلى الكرك بأخبار ابن السلطان بما جرى: منهم تغردمر وإقبغا عبد الواحد وهو الساقي، وميكلى بغا وغيرهم.
وفي يوم السبت ثالثه استدعى الفخري القاضي الشافعي وألح عليه في إحضار الكتب في سلة الحكم التي كانت أخذت من عند الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله من القعلة المنصورة في أيام جلال الدين القزويني،
فأحضرها القاضي بعد جهد ومدافعة، وخاف على نفسه منه، فقبضها منه الفخري بالقصر وأذن له في الانصراف من عنده، وهو متغضب عليه، وربما هم بعزله لممانعته إياها، وربما قال قائل هذه فيها كلام يتعلق بمسألة الزيارة، فقال الفخري: كان الشيخ أعلم بالله وبرسوله منكم.
واستبشر الفخري بإحضارها إليه واستدعي بأخي الشيخ زين الدين عبد الرحمن، وبالشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن قيم الجوزية وكان له سعي مشكور فيها، فهنأهما بإحضاره الكتب، وبيت الكتب تلك الليلة في خزانته للتبرك وصلى به الشيخ زين الدين أخو الشيخ صلاة المغرب بالقصر، وأكرمه الفخري إكراما زائدا لمحبته الشيخ رحمه الله.
وفي يوم الاحد رابعه دقت البشائر بالقلعة وفي باب الميدان لقدوم بشير بالقبض على قوصون بالديار المصرية، واجتمع الناس لذلك واستبشر كثير منهم بذلك، وأقبل جماعة من الامراء إلى الكرك لطاعة الناصر بن الناصر، واجتمعوا مع الامراء الشاميين عند الكرك، وطلبوا منه أن ينزل إليه فأبى وتوهم أن هذه الامور كلها مكيدة ليقبضوه ويسلموه إلى قوصون، وطلب منهم أن ينظر في أمره وردهم إلى دمشق.
وفي هذه الايام وما قبلها وما بعدها أخذ الفخري من جماعة التجار بالاسواق وغيرها زكاة أموالهم سنة، فتحصل من ذلك زيادة على مائة ألف وسبعة آلاف، وصودر أهل الذمة بقريب من ذلك زيادة على الجزية التي أخذت منهم عن ثلاث سنين سلفا وتعجيلا، ثم نودي في البلد يوم الاثنين الحادي والعشرين من الشهر مناداة صادرة من الفخري برفع الظلامات والطلبات وإسقاط ما تبقى من الزكاة والمصادرة، غير أنهم احتاطوا على جماعة من المشاة المكثرين ليشتروا منهم بعض أملاك الخاص، والبرهان بن بشارة الحنفي تحت المصادرة والعقوبة على طلب المال الذي وجده في طميرة وجدها فيما ذكر عنه والله أعلم.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين منه بعد الصلاة دخل الامراء الستة الذين توجهوا نحو الكرك لطلب السلطان أن يقدم إلى دمشق فأبى عليهم في هذا الشهر، ووعدهم وقتا آخر فرجعوا،

وخرج الفخري لتلقيهم، فاجتمعوا قبلي جامع القبيبات الكريمي، ودخلوا كلهم إلى دمشق في جمع
كثير من الاتراك الامراء والجند، وعليهم خمدة لعدم قدوم السلطان أيده الله.
وفي يوم الاحد قدم البريد خلف قماري وغيره من الامراء يطلبهم إلى الكرك، واشتهر أن السلطان رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يأمره بالنزول من الكرك وقبول المملكة، فانشرح الناس لذلك.
وتوفي الشيخ عمر بن أبي بكر بن اليثمي البسطي يوم الاربعاء التاسع والعشرين، وكان رجلا صالحا كثير التلاوة والصلاة والصدقة، وحضور مجالس الذكر والحديث، له همه وصولة على الفقراء المتشبهين بالصالحين وليسوا منهم، سمع الحديث من الشيخ فخر الدين بن البخاري وغيره وقرأت عليه عن ابن البخاري مختصر المشيخة، ولازم مجالس الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وانتفع به، ودفن بمقابر باب الصغير.
وفي شهر رمضان المعظم أوله يوم الجمعة، كان قد نودي في الجيش: آن الرحيل لملتقى السلطان في سابع الشهر، ثم تأخر ذلك إلى بعد العشر، ثم جاء كتاب من السلطان بتأخر ذلك إلى بعد العيد وقدم في عاشر الشهر علاء الدين بن تقي الحنفي، ومعه ولاية من السلطان الناصر بنظر البيمارستان النوري، ومشيخة الربوة ومرتب على الجهات السلطانية، وكان قد قدم قبله القاضي شهاب الدين بن البارزي بقضاء حمص من السلطان أيده الله تعالى، ففرح الناس بذلك حيث تكلم السلطان في المملكة وباشر وأمر وولى ووقع ولله الحمد.
وفي يوم الاربعاء ثالث عشره دخل الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر من البلاد الحلبية إلى دمشق المحروسة، وتلقاه الفخري والامراء والجيش بكماله، ودخل في أبهة حسنة ودعا له الناس وفرحوا بقدومه بعد شتاته في البلاد وهربه من بين يدي الطنبغا حين قصده إلى حلب كما تقدم ذكره.
وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت الجيوش من دمشق قاصدين إلى غزة لنظرة السلطان حين تخرج من الكرك السعيد، فخرج يومئذ مقدمان: تغردمر واقبغا عبد الواحد فبرزا إلى الكسوة، فلما كان يوم السبت خرج الفخري ومعه طشتمر وجمهور الامراء، ولم يقم بعده بدمشق إلا من احتيج لمقامهم لمهمات المملكة، وخرج معه القضاة الاربعة، وقاضي العساكر والموقعين والمصاحب وكاتب الجيش وخلق كثير.
وتوفي الشيخ الصالح العباد الناسك أحمد بن.
الملقب بالقصيدة ليلة الاحد الرابع والعشرين من رمضان، وصلي عليه بجامع شكر، ودفن بالصوفية قريبا من قبر الشيخ جمال الدين المزي، تغمدهما الله برحمته، وكان فيه صلاح كثير، ومواظبة على الصلاة في جماعة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر مشكورا عند الناس بالخير، وكان يكثر من خدمة المرضى بالمارستان وغيره، وفيها أيثار وقناعة وتزهد كثير، وله أحوال مشهورة رحمه الله وإيانا.

واشتهر في أواخر الشهر المذكور أن السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد خرج من الكرك المحروس صحبة جماعة من العرب والاتراك قاصدا إلى الديار المصرية، ثم تحرر خروجه منها في يوم الاثنين ثامن عشر شهر ؟ المذكور فدخل الديار المصرية بعد أيام.
هذا والجيش صامدون إليه، فلما تحقق دخوله مصر حثوا في السير إلى الديار المصرية، وبعث يستحثهم أيضا، واشتهر أنه لم يجلس على سرير الملك حتى يقدم الامراء الشاميون صحبة نائبه الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري، ولهذا لم تدق البشائر بالقلاع الشامية ولا غيرها فيما بلغنا.
وجاءت الكتب والاخبار من الديار المصرية بأن يوم الاثنين عاشر شوال كان إجلاس السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد على سرير المملكة، صعد هو والخليفة الحاكم بأمر الله أبوا العباس أحمد بن المستكفي فوق المنبر، وهما لابسان السواد، والقضاة تحتهما على درج المنبر بحسب منازلهم، فخطب الخليفة، وخلع الاشرف كجك وولى هذا الناصر، وكان يوما مشهودا، وأظهر ولايته لطشتمر نيابه مصر، والفخري دمشق، وأيدغمش حلب فالله أعلم، ودقت البشائر بدمشق ليلة الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور، واستمرت إلى يوم الاثنين مستهل ذي القعدة، وزينت البلد يوم الاحد ثالث عشرين منه، واحتفل الناس بالزينة.
وفي يوم الخميس المذكور دخل الامير سيف الدين الملك أحد الرؤس المشهورة بمصر إلى دمشق في طلب نيابة حماة حرسها الله تعالى، فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة ورد البريد من الديار المصرية فأخبر أن طشتمر الحمص الاخضر مسك (1)، فتعجب الناس من هذه الكائنة كثيرا،
فخرج من بدمشق من أعيان الامراء أمير الحج وغيره وخيم بوطأة برزه وخرج إلى الحج أمير فأخبره بذلك وأمره عن مرسوم السلطان أن ينوب بدمشق حتى يأتي المرسوم بما يعتمد أمير الحج فأجاب إلى ذلك، وركب في الموكب يوم السبت السادس منه، وأما الفخري فإنه لما تنسم هذا الخبر وتحققه وهو بالزعقة فر في طائفة من مماليكه قريب من ستين أو أكثر، فاحترق وساق سوقا حثيثا وجاءه الطلب من ورائه من الديار المصرية في نحو من ألف فارس، صحبة الاميرين: الطنبغا المارداني، ويبلغا التحناوي، ففاتهما وسبق واعترض له نائب غزة في جنده فلم يقدر عليه، فسلطوا عليه العشيرات ينهبوه فلم يقدروا عليه إلا في شئ يسير، وقتل منهم خلقا، وقصد نحو صاحبه فيما يزعم الامير سيف الدين إيدغمش نائب حلب راجيا منه أن ينصره وأن يوافقه على ما قام بنفسه، فلما وصل أكرمه وأنزله، وبات عنده، فما أصبح قبض عليه وقيده ورده على البريد إلى الديار المصرية، ومعه التراسيم من الامراء وغيرهم.
__________
(1) كذلك يوم السبت عشرين ذي القعدة سنة 742 ه ويرى المقريزي أن السبب في اعتقاله: أنه أكثر من معارضة السلطان بحيث تغلب عليه ورد مراسيمه وصار بتعاظم ويظهر من الترفع على الامراء والاجناد ما لا يحتمل مثله...وانفرد بأمور الدولة (السلوك 2 / 3 / 606 والنجوم الزاهرة نقلا عنه 10 / 63).

ولما كان يوم الاثنين سلخ ذي القعدة خرج السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن الناصر محمد بن المنصور من الديار المصرية في طائفة من الجيش قاصدا إلى الكرك المحروس، ومعه أمواله جزيلة، وحواصل وأشياء كثيرة، فدخلها يوم الثلاثاء من ذي الحجة وصحبته طشتمر في محفة ممرضا والفخري مقيدا، فاعتقلا بالكرك المحروس، وطلب السلطان آلات من أخشاب ونحوها وحدادين وصناع ونحوها لاصلاح مهمات بالكرك، وطلب أشياء كثيرة من دمشق، فحملت إليه، ولما كان يوم الاحد السابع والعشرين من ذي الحجة ورد الخبر بأن الامير ركن الدين بيبرس الاحمدي النائب بصفد ركب في مماليكه وخدمه ومن أطاعه، وخرج منها فارا بنفسه من القبض عليه، وذكر أن نائب غزة قصده ليقبض عليه بمرسوم السلطان ورد عليه من الكرك،
فهرب الاحمدي بسبب ذلك، ولما وصل الخبر إلى دمشق وليس بها نائب انزعج الامراء لذلك، واجتمعوا بدار السعادة، وضربوا في ذلك مشورة ثم جردوا إلى ناحية بعلبك أميرا ليصدوه عن الذهاب إلى البرية.
فلما أصبح الصباح من يوم الاثنين جاء الخبر بأنه في نواحي الكسوه، ولا مانع من خلاصه، فركبوا كلهم ونادى المنادي: من تأخر من الجند عن هذا النفير شنق، واستوثقوا في الخروج وقصدوا ناحية الكسوة وبعثوا الرسل إليه، فذكر اعتذارا في خروجه وتخلص منهم، وذهب يوم ذلك، ورجعوا وقد كانوا ملبسين في يوم حار، وليس معهم من الازواد ما يكفيهم سوى يومهم ذلك، فلما كانت ليلة الثلاثاء ركب الامراء في طلبه من ناحية ثنية العقاب، فرجعوا في اليوم الثاني وهو في صحبتهم، ونزل في القصور التي بناها تنكز رحمه الله، في طريق داريا، فأقام بها، وأجروا عليه مرتبا كاملا من الشعير والغنم وما يحتاج إليه مثله، ومعه مماليكه وخدمه، فلما كان يوم الثلاثاء سادس المحرم ورد كتاب من جهة السلطان فقرئ على الامراء بدار السعادة يتضمن إكرامه واحترامه والصفح عنه لتقدم خدمه على السلطان الملك الناصر وابنه الملك المنصور.
ولما كان يوم الاربعاء سابع المحرم جاء كتاب إلى الامير ركن الدين بيبرس نائب الغيبة ابن الحاجب ألمش بالقبض على الاحدي، فركب الجيش ملبسين يوم الخميس وأوكبوا بسوق الخيل وراسلوه - وقد ركب في مماليكه بالعدد وأظهر الامتناع - فكان جوابه أن لا أسمع ولا أطيع إلا لمن هو ملك الديار المصرية، فأما من هو مقيم بالكرك ويصدر عنه ما يقال عنه من الافاعيل التي قد سارت بها الركبان، فلا.
فلما بلغ الامراء هذا توقفوا في أمره وسكنوا ورجعوا إلى منازلهم، ورجع هو إلى قصره.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة المباركة وسلطان المسلمين الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور قلاوون، وهو مقيم بالكرك، قد حاز الحواصل السلطانية من قلعة الجبل إلى قلعة الكرك، ونائبه الديار المصرية الامير سيف الدين آقسنقر السلاري، الذي كان نائبا بغزة، وقضاة

الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية، سوى القاضي الحنفي.
وأما دمشق فليس لها نائب إلى حينئذ غير أن الامير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخري بدمشق نائب غيبته، فهو الذي يسد الامور مع الحاجب ألمش، وتمر المهمندار، والامير سيف الدين الملقب بحلاوة، والي البر، والامير ناصر الدين بن ركباس متولي البلد، هؤلاء الذي يسدون الاشغال والامور السلطانية، والقضاة هم الذين ذكر ناهم في السنة الخالية، وخطيب البلد تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني، وكاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله.
واستهلت هذه السنة والامير ركن الدين بيبرس الاحمدي نازل بقصر تنكز بطريق داريا، وكتب السلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه والقبض، وأن يمسك ويرسل إلى الكرك، هذا والامراء يتوانون في أمره ويسوفون المراسيم، وقتا بعد وقت، وحينا بعد حين، ويحملهم على ذلك أن الاحمدي لا ذنب له، ومتى مسكه تطرف إلى غيره، مع أن السلطان يبلغهم عنه أحوال لا نرضيهم من اللعب والاجتماع مع الاراذل والاطراف ببلد الكرك، مع قتله الفخري وطشتمر قتلا فظيعا، وسلبه أهلهما وسلبه لما على الحريم من الثياب والحلي، وإخراجهم في أسوأ حال من الكرك، وتقريبه النصارى وحضورهم عنده.
فحمل الامراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم يكشف أمره، فلم يصل إليه، ورجع هاربا خائفا، فلما رجع وأخبر الامراء انزعجوا وتشوشوا كثيرا، واجتمعوا بسوق الخيل مرارا وضربوا مشورة بينهم، فاتفقوا على أن يخلعوه، فكتبوا إلى المصريين بذلك، وأعلموا نائب حلب أيدغمش ونواب البلاد، وبقوا متوهمين من هذا الحال كثيرا ومترددين، ومنهم من يصانع في الظاهر وليس معهم في الباطن، وقالوا لا سمع له ولا طاعة حتى يرجع إلى الديار المصرية، ويجلس على سرير المملكة، وجاء كتابه إليهم يعيبهم ويعنفهم في ذلك، فلم يفد، وركب الاحمدي في الموكب وركبوا عن يمينه وشماله وراحوا إليه إلى القصر، فسلموا عليه وخدموه، وتفاقم الامر وعظم الخطب، وحملوا هموما عظيمة خوفا من أن يذهب إلى الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين، فحمل الناس همهم فالله هو المسؤول أن يحسن العاقبة.
فلما كان يوم الاحد السادس والعشرين من المحرم ورد مقدم البريدية ومعه كتب
المصريين بأنه لما بلغهم خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند الشاميين، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه، ولكن ترددوا خوفا من الشاميين أن يخالفوهم فيه ويتقدموا في صحبة السلطان لقتالهم، فلما اطمأنوا من جهة الشاميين صمموا على عزمهم فخلعوا الناصر أحمد (1) وملكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن المنصور، جعله الله مباركا على المسلمين، وأجلسوا على السرير يوم الثلاثاء (2) العشرين من المحرم المذكور، وجاء
__________
(1) وذلك يوم الاربعاء الحادي والعشرين من المحرم كما في السلوك 2 / 618 والنجوم الزاهرة 10 / 70 وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 499: يوم الخميس ثاني عشر شهر المحرم.
__________
(2) في السلوك 1 / 619: يوم الخميس ثاني عشري المحرم.

كتابه مسلما على أمراء الشام ومقدميه، وجاءت الكتاب الامراء على الامراء بالسلام والاخبار بذلك ففرح المسلمون وأمراء الشام والخاصة والعامة بذلك فرحا شديدا، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة يومئذ، ورسم يتزيين البلد فزين الناس صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين منه، ولما كان يوم الجمعة سلخ المحرم خطب بدمشق للملك الصالح عماد الدنيا والدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور.
وفي يوم الخميس سادس صفر درس بالصدرية صاحبنا الامام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الذرعي إمام الجوزية، وحضر عنده الشيخ عز الدين بن المنجا الذي نزل له عنها، وجماعة من الفضلاء.
وفي يوم الاثنين سادس عشر صفر دخل الامير سيف الدين تغردمر من الديار المصرية، إلى دمشق ذاهبا إلى نيابة حلب المحروسة، فنزل بالقابون.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر صفر توفي الشيخ الامام العالم العامل الزاهد عبد الله بن أبي الوليد المقري المالكي، إمام المالكية، هو وأخوه أبو عمرو، بالجامع الاموي بمحراب الصحابة.
توفي ببستان بقية السحف، وصلي عليه بالمصلى ودفن عند أبيه رحمهما الله بمقابر باب الصغير، وحضر جنازته الاعيان والفقهاء والقضاة، وكان رجلا صالحا مجمعا على ديانته وجلالته رحمه الله.
وفي يوم الخميس العشرين من صفر دخل الامير ايدغمش نائب السلطنة بدمشق ودخل إليها من ناحية القابون قادما من حلب، وتلقاه الجيش بكماله، وعليه خلعة النيابة، واحتفل الناس له وأشعلوا الشموع، وخرج أهل الذمة من اليهود والنصارى يدعون له ومعهم الشموع، وكان يوما مشهودا، وصلى يوم الجمعة بالمقصورة، من الجامع الاموي، ومعه الامراء والقضاة وقرئ تقليده هناك على السدة وعليه خلعته، ومعه الامير سيف الدين ملكتم الرحولي، وعليه خلعة أيضا.
وفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر دخل الامير علم الدين الجاولي دمشق المحروسة ذاهبا إلى نيابة حماة المحروسة، وتلقاه نائب السلطنة والامراء إلى مسجد القدم، وراح فنزل بالقابون، وخرج القضاة والاعيان إليه، وسمع عليه من مسند الشافعي فإنه يرويه، وله فيه عمل، ورتبه ترتيبا حسنا ورأيته، وشرحه أيضا، وله أوقاف على الشافعية وغيرهم.
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين منه عقد مجلس بعد الصلاة بالشباك الكمالي من مشهد عثمان بسبب القاضي فخر الدين المصري، وصدر الدين عبد الكريم بن القاضي جلال الدين

القزويني، بسبب العادلية الصغيرة، فاتفق الحال على أن نزل صدر الدين عن تدريسها، ونزل فخر الدين عن مائة وخمسين على الجامع.
وفي يوم الاحد سلخ الشهر المذكور حضر القاضي فخر الدين المصري ودرس بالعادلية الصغيرة وحضر الناس عنده على العادة، وأخذ في قوله تعالى (هذه بضاعتنا ردت إلينا) [ يوسف: 65 ] وفي آخر شهر ربيع الاول جاء المرسوم من الديار المصرية بأن يخرج تجريدة من دمشق بصحبة الامير حسام الدين السمقدار لحصار الكرك الذي تحصن فيه ابن السلطان أحمد، واستحوذ على ما عنده من الاموال التي أخذها من الخزائن من ديار مصر، وبرز المنجنيق من القلعة إلى قبل جامع القبيبات، فنصب هناك وخرج الناس للتفرج عليه ورمي به ومن نيتهم أن يستصحبوه معهم الحصار.
وفي يوم الاربعاء ثاني ربيع الاخر قدم الامير علاء الدين الطنبغا المارداني من الديار المصرية على قاعدته وعادته.
وفي يوم الخميس عاشره دخل إلى دمشق الاميران الكبيران ركن الدين بيبرس
الاحمدي من طرابلس، وعلم الدين الجاولي من حماة سحرا، وحضرا الموكب ووقفا مكتفين لنائب السلطنة: الاحمدي عن يمينه والجاولي عن يساره، ونزلا ظاهر البلد، ثم بعد أيام يسيرة توجه الاحمدي إلى الديار المصرية على عادته وقاعدته رأس مشورة، وتوجه الجاولي إلى غزة المحروسة نائبا عليها، وكان الامير بدر الدين مسعود بن الخطير على إمرة الطبلخانات بدمشق.
وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت التجريدة من دمشق سحرا إلى مدينة الكرك، والامير شهاب الدين بن صبح والي الولاة بحوران مشد المجانيق، وخرج الامير سيف الدين بهادر الشمس الملقب بحلاوة والي البر بدمشق إلى ولاية الولاة بحوران.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره وقع بين النائب والقاضي الشافعي بسبب كتاب ورد من الديار المصرية فيه الوصايا بالقاضي السبكي المذكور ومعه التوقيع بالخطابة له مضافا إلى القضاء وخلعة من الديار المصرية، فتغيظ عليه النائب لاجل أولاد الجلال، لانهم عندهم عائلة كثيرة وهم فقراء، وقد نهاه عن السعي في ذلك، فتقدم إليه يومئذ أن لا يصلي عنده في الشباك الكمالي، فنهض من هناك وصلى في الغزالية.
وفي يوم الاحد العشرين منه دخل دمشق الامير سيف الدين أريغا زوج أبنة السلطان الملك الناصر مجتازا ذاهبا إلى طرابلس نائبا بها، في تجمل وأبهة ونجائب وجنائب، وعدة وسرك كامل.
وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه دخل الامير بدر الدين ابن الخطيري معزولا عن نيابة غزة المحروسة فأصبح يوم الخميس فركب في الموكب وسير مع نائب السلطنة، ونزل في داره وراح الناس للسلام عليه.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر زينت البلد لعافية السلطان الملك الصالح

لمرض أصابه، ثم شفي منه.
وفي يوم الجمعة السادس عشرينه قبل العصر ورد البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تقي الدين السبكي إليها حاكمها بها، فذهب الناس للسلام عليه ولتوديعه، وذلك بعد ما أرجف الناس به كثيرا، واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الايتام إلى الطنبغا وإلى الفخري، وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتيين فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطه
عليها وحده بعد الصلاة، وسئلت في الافتاء عليها فامتنعت، لما فيها من التشويش على الحكام، وفي أول مرسوم نائب السلطان أن يتأمل المفتون هذا السؤال ويفتوابما يقتضيه حكم الشرع الشريف، وكانوا له في نية عجيبة ففرج الله عنه بطلبه إلى الديار المصرية، فسار إليها صحبة البريد ليلة الاحد، وخرج الكبراء والاعيان لتوديعه، وفي خدمته.
استهل جمادى الآخرة والتجريدة عمالة إلى الكرك والجيش المجردون من الحلقة قريب من ألف ويزيدون، ولما كان يوم الثلاثاء رابعه بعد الظهر مات الامير علاء الدين أيدغمش نائب السلطنة بالشام المحروس في دار وحده في دار السعادة، فدخلوا عليه وكشفوا أمره وأحصروا وخشوا أن يكون اعتراه سكتة، ويقال إنه شفي فالله أعلم، فانتظروا به إلى الغد احتياطا، فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة عليه فصلي عليه خارج باب النصر حتى يصلى على الجنائز، وذهبوا به إلى نحو القبلة، ورام بعض أهله أن يدفن في تربة غبريال إلى جانب جامع القبيبات، فلم يمكن ذلك، فدفن قبلي الجامع على حافة الطريق، ولم يتهيأ دفنه إلا إلى بعد الظهر من يومئذ، وعملوا عنده ختمة ليلة الجمعة رحمه الله وسامحه.
واشتهر في أوائل هذا الشهر أن الحصار عمال على الكرك، وأن أهل الكرك خرجت طائفة منهم فقتل منهم خلق كثير، وقتل من الجيش واحد في الحصار، فنزل القاضي وجماعة ومعهم شئ من الجوهر، وتراضوا على أن يسلموا البلد، فلما أصبح أهل الحصن تحصنوا ونصبوا المجانيق واستعدوا فلما كان بعد أيام رموا منجنيق فكسروا السهم الذي له، وعجزوا عن نقله فحرقوه برأي أمراء المقدمين، وجرت أمور فظيعة، فالله يحسن العاقبة.
ثم وقعت في أواخر هذا الشهر بين الجيش وأهل الكرك وقعة أخرى، وذلك أن جماعة من رجال الكرك خرجوا إلى الجيش ورموهم بالنشاب فخرج الجيش لهم من الخيام ورجعوا مشاة ملبسين بالسلاح فقتلوا من أهل الكرك جماعة من النصارى وغيرهم، وجرح من العسكر خلق، وقتل واحد أو اثنان وأسر الامير سيف الدين أبو بكر بن بهادرآص، وقتل أمير العرب، وأسر

اخرون فاعتقلوا بالكرك، وجرت أمور منكرة، ثم بعدها تعرض العسكر راجعين إلى بلادهم لم ينالوا مرادهم منها، وذلك أنهم رقهم البرد الشديد وقلة الزاد، وحاصروا أولئك شديدا بلا فائدة فإن البلد بريد متطاولة ومجانيق، ويشق على الجيش الاقامة هناك في كوانين، والمنجنيق الذي حملوه معهم كسر، فرجعوا ليتأهبوا لذلك.
ولما كان في يوم الاربعاء الخامس والعشرين منه قدم من الديار المصرية على البريد القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتبا على السر عوضا عن أخيه القاضي شهاب الدين، ومعه كتاب بالاحتياط على حواصل أخيه شهاب الدين، وعلى حواصل القاضي عماد الدين بن الشيرازي المحتسب، فاحتيط على أموالها وأخرج من في ديارهما من الحرم، وضربت الاخشاب على الابواب، ورسم على المحتسب بالعذراوية، فسأل أن يحول إلى دار الحديث الاشرفية فحول إليها.
وأما القاضي شهاب الدين، فكان قد خرج ليلتقي الامير سيف الدين تغردمر الحموي، الذي جاء تقليده بنيابة الشام بدمشق وكان بحلب، وجاء هذا الامر وهو في أثناء الطريق، فرسم برجعته ليصادر هو والمحتسب، ولم يدر الناس ما ذنبهما.
وفي يوم الاحد ثامن شهر رجب آخر النهار رجع قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى دمشق على القضاء، ومعه تقليد بالخطابة أيضا، وذهب الناس إليه للسلام عليه، ودخل نائب السلطنة الامير سيف الدين تغردمر الحموي بعد العصر الخامس عشرينه من حلب، فتلقاه الامراء إلى طريق القابون، ودعا له الناس دعاء كثيرا، وأحبوه لبغضهم النائب الذي كان قبله، وهو علاء الدين أيدغمش سامحه الله تعالى، فنزل بدار السعادة وحضر الموكب صبيحة يوم الاثنين، واجتمع طائفة من العامة وسألوه أن لا يغير عليهم خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم بن جلال الدين، فلم يلتفت إليهم، بل عمل على تقليد القاضي تقي الدين السبكي الخطابة ولبس الخلعة، وأكثر العوام لما سمعوا بذلك الغوغاء، وصاروا يجتمعون حلقا حلقا بعد الصلوات ويكثرون الفرحة في ذلك، لما منع ابن الجلال، ولكن بقي هذا لم يباشر السبكي في المحراب، واشتهر عن العوام كلام كثير، وتوعدوا السبكي بالسفاهة عليه إن خطب، وضاق بذلك ذرعا،
ونهوا عن ذلك فلم ينتهوا، وقيل لهم ولكثير منهم: الواجب عليكم السمع والطاعة لاولي الامر، ولو أمر عليكم عبد حبشي.
فلم يرعوا، فلما كان يوم الجمعة العشرين منه اشتهر بين العامة بأن القاضي نزل عن الخطابة لابن الجلال، ففرح العوام بذلك وحشدوا في الجامع، وجاء نائب السلطنة إلى المقصورة والامراء معه، وخطب ابن الجلال على العادة، وفرح الناس بذلك وأكثروا من الكلام والهرج، ولما سلم عليهم الخطيب حين صعد ردوا عليه ردا بليغا، وتكلفوا في ذلك

وأظهروا بغضة القاضي السبكي، وتجاهروا بذلك، وأسمعوه كلاما كثيرا، ولما قضيت الصلاة قرئ تقليد النيابة على السدة، وخرج الناس فرحى بخطيبهم، لكونه استمر عليهم، واجتمعوا عليه يسلمون ويدعون له.
وفي يوم الاربعاء ثالث شعبان درس القاضي برهان الدين بن عبد الحق بالمدرسة العذراوية بمرسوم سلطاني بتوليته وعزل القفجاري، وعقد لهما مجلس يوم الثلاثاء بدار العدل، فرجح جانب القاضي برهان الدين لحاجته وكونه لا وظيفة له.
وفي يوم الجمعة خامسه توفي الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن الجزري أحد المسندين المكثرين الصالحين، مات عن خمس وتسعين سنة رحمه الله، وصلي عليه يوم الجمعة بالجامع المظفري ودفن بالرواحية.
وفي يوم الاربعاء السابع عشر منه توفي الشيخ الامام العالم العابد الناسك الصالح الشيخ شمس الدين محمد بن الزرير خطيب الجامع الكريمي بالقبيبات، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ بالجامع المذكور، ودفن قبلي الجامع المذكور، إلى جانب الطريق من الشرق رحمه الله.
واشتهر في أوائل رمضان أن مولودا ولد له رأسان وأربع أيد، وأحضر إلى بين يدي نائب السلطنة، وذهب الناس للنظر إليه في محلة ظاهر باب الفراديس، يقال لها حكى الوزير، وكنت فيمن ذهب إليه في جماعة من الفقهاء يوم الخميس ثالث الشهر المذكور بعد العصر، فأحضروه أبوه - واسم أبيه سعادة - وهو رجل من أهل الجبل، فنظرت إليه فإذاهما ولدان مستقلان، فكل قد
اشتبكت أفخاذهما بعضهما ببعض، وركب كل واحد منهما ودخل في الآخر والتحمت فصارت جثة واحدة وهما ميتان، فقالوا أحدهما ذكرا والآخر أنثى، وهما ميتان حال رؤيتي إليهما.
وقالوا إنه تأخر موت أحدهما عن الآخر بيومين أو نحوهما، وكتب بذلك محضر جماعة من الشهود.
وفي هذا اليوم احتيط على أربعة من الامراء وهم أبناء الكامل صلاح الدين محمد، أمير طبلخانات، وغياث الدين محمد أمير عشرة، وعلاء الدين علي، وابن أيبك الطويل طبلخانات أيضا، وصلاح الدين خليل بن بلبان طرنا طبلخانات أيضا.
وذلك بسبب أنهم اتهموا على ممالاة الملك أحمد بن الناصر الذي في الكرك، ومكاتبته، والله أعلم بحالهم، فقيدوا وحملوا إلى القلعة المنصورة من باب اليسر مقابل باب دار السعادة الثلاث الطبلخانات والغياث من بابها الكبير وفرق

بينهم في الاماكن.
وخرج المحمل يوم الخميس خامس عشره ولبس الخطيب ابن الجلال خلعة استقرار الخطابة في هذا اليوم، وركب بها مع القضاة على عادة الخطباء.
وفي هذا الشهر نصب المنجنيق الكبير على باب الميدان الاخضر وطول أكتافه ثمانية عشر ذراعا، وطول سهمه سبعة وعشرون ذراعا، وخرج الناس للفرجة عليه، ورمى به في يوم السبت حجرا زنته ستين رطلا، فبلغ إلى مقابلة القصر من الميدان الكبير، وذكر معلم المجانيق أنه ليس في حصون الاسلام مثله، وأنه عمله الحاج محمد الصالحي ليكون بالكرك، فقدر الله أنه خرج ليحاصر به الكرك، فالله يحسن العاقبة.
وفي أواخره أيضا مسك أربعة أمراء، وهم أقبغا عبد الواحد الذي كان مباشرا الاستدارية للملك الناصر الكبير، فصودر في أيام ابنه المنصور، وأخرج إلى الشام فناب بحمص فسار سيرة غير مرضية، وذمه الناس وعزل عنها وأعطي تقدمة ألف (1) بدمشق، وجعل رأس الميمنة، فلما كان في هذه الايام اتهم بممالاة السلطان أحمد بن الناصر الذي بالكرك، فمسك وحمل إلى القلعة ومعه الامير سيف الدين بلو، والامير سيف الدين سلامش، وكلهم بطبلخانات فرفعوا إلى القلعة المنصورة، فالله يحسن العاقبة.
وفي هذا الشهر خرج قضاء حمص عن نيابة دمشق بمرسوم سلطاني للقاضي شهاب
الدين البارزي، وذلك بعد مناقشة كثيرة وقعت بينه وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وانتصر له بعض الدولة، واستخرج له المرسوم المذكور.
وفيه أيضا أفرد قضاء القدس الشريف أيضا باسم القاضي شمس الدين بن سالم الذي كان مباشرها مدة طويلة قبل ذلك نيابة، ثم عزل عنها وبقي مقيما ببلده غزة، ثم أعيد إليها مستقلا بها في هذا الوقت.
وفي هذا الشهر رجع القاضي شهاب الدين بن فضل الله من الديار المصرية ومعه توقيع بالمرتب الذي كان له أولا كل شهر ألف درهم، وأقام بعمارته التي أنشأها بسفح قاسيون شرقي الصالحية بقرب حمام النحاس.
وفي صبيحة مستهل ذي القعدة خرج المنجنيق قاصدا إلى الكرك على الجمال والعجل، وصحبته الامير صارم الدين إبراهيم المسبقي، أمير حاجب، كان في الدولة السكرية، وهو المقدم عليه يحوطه ويحفظه ويتولى تسييره بطلبه وأصحابه، وتجهز الجيش للذهاب إلى الكرك، وتأهبوا أتم الجهاز، وبرزت أثقالهم إلى ظاهر البلد وضربت الخيام فالله يحسن العاقبة.
__________
(1) في السلوك 2 / 3 / 626: بأمرة مئة بدمشق.

وفي يوم الاثنين رابعه توفي الطواشي شبل الدولة كافور السكري، ودفن صبيحة يوم الثلاثاء خامسه في تربته التي أنشأها قديما ظاهر باب الجابية تجاه تربة الطواشي ظهير الدين الخازن بالقلعة، كان قبيل مسجد الدبان رحمه الله، وكان قديما للصاحب تقي الدين توبة التكريتي، ثم اشتراه تنكز بعد مدة طويلة من ابني أخيه صلاح الدين وشرف الدين بمبلغ جيد وعوضهما إقطاعا بزيادة على ما كان بأيديهما، وذلك رغبة في أمواله التي حصلها من أبواب السلطنة، وقد تعصب عليه أستاذه تنكز رحمه الله في وقت وصودر وجرت عليه فصول، ثم سلم بعد ذلك، ولما مات ترك أموالا جزيلة وأوقافا رحمه الله.
وخرجت التجريدة يوم الاربعاء سادسه والمقدم عليها الامير بدر الدين بن الخطير ومعه مقدم آخر وهو الامير علاء الدين بن قراسنقر.
وفي يوم السبت سلخ هذا الشهر توفي الشاب الحسن شهاب الدين أحمد بن فرج المؤذن بمأذنة العروس، وكان شهيرا بحسن الصوت ذا حظوة عظيمة عند أهل البلد، وكان رحمه الله كما في
النفس وزيادة في حسن الصوت الرخيم المطرب، وليس في القراء ولا في المؤذنين قريب منه ولا من يدانيه في وقته، وكان في آخر وقته على طريقة حسنة، وعمل صالح، وانقطاع عن الناس، وإقبال على شأن نفسه فرحمه الله، وأكرم مثواه، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ ودفن عند أخيه بمقبرة الصوفية.
وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة توفي الشيخ بدر الدين بن نصحان شيخ القراء السبع في البلد الشهير بذلك، وصلي عليه بالجامع بعد الظهر يومئذ، ودفن بباب الفراديس رحمه الله.
وفي يوم الاحد تاسعه وهو يوم عرفة حضر الاقراء بتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ بدر الدين بن نصحان القاضي شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي، وحضر عنده جماعة من الفضلاء وبعض القضاة، وكان حضوره بغتة، وكان متمرضا، فألقى شيئا من القراءات والاعراب عند قوله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لانفسهم) [ آل عمران: 178 ] وفي أواخر هذا الشهر غلا السعر جدا وقل الخبز وازدحم الناس على الافران زحمة عظيمة، وبيع خبز الشعير المخلوط بالزيوان والنقارة، وبلغت الغرارة بمائة ستة وثمانين درهما، وتقلص السعر جدا حتى بيع الخبز كل رطل بدرهم، وفوق ذلك بيسير، ودونه بحسب طيبه ورداءته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكثر السؤال وجاع العال، وضعف كثير من الاسباب والاحوال، ولكن لطف الله عظيم فإن الناس مترقبون مغلا هائلا لم يسمع بمثله من مدة سنين عديدة، وقد اقترب أوانه، وشرع كثير من البلاد في حصاد الشعير وبعض القمح مع كثرة الفول وبوادر التوت، فلولا ذلك لكان غير ذلك، ولكن لطف الله بعباده، وهو الحاكم المتصرف الفعال لما يريد لا إله إلا هو.

ثم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الناصر عماد الدنيا والدين إسماعيل بن الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية
الامير سيف الدين آقسنقر السلاري، وقضاته هم هم المتقدم ذكرهم في العام الماضي، ونائبه بدمشق الامير سيف الدين تغردمر الحموي، وقضاته هم المتقدم ذكرهم، وكذلك الصاحب والخطيب وناظر الجامع والخزانة ومشد الاوقاف وولاية المدينة.
استهلت والجيوش المصرية والشامية محيطة بحصن الكرك محاصرون ويبالغون في أمره، والمنجنيق منصوب وأنواع آلات الحصار كثيرة، وقد رسم بتجريدة من مصر والشام أيضا تخرج إليها.
وفي يوم الخميس عاشر صفر دخلت التجريدة من الكرك إلى دمشق واستمرت التجريدة الجديدة على الكرك ألفان من مصر وألفان من الشام، والمنجنيق منقوض موضوع عند الجيش خارج الكرك، والامور متوفقة على (1) وبرد الحصار بعد رجوع الاحمدي إلى مص 0 ر.
وفي يوم السبت ثاني ربيع الاول توفي السيد الشريف عماد الدين الخشاب بالكوشك في درب السيرجي جوار المدرسة العزية، وصلي عليه ضحى بالجامع الاموي، ودفن بمقابر باب الصغير، وكان رجلا شهما كثير العبادة والمحبة للسنة وأهلها، ممن واظب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله وانتفع به، وكان من جملة أنصاره وأعوانه على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الذي بعثه
__________
(1) كذا بالاصل، وفيه اختل السياق، ولعل الصواب ما أورده المقريزي في السلوك 2 / 653 وما بعدها: - هناك اتصالات تجري بين الناصر أحمد والملك الصالح اسماعيل لمعالجة موضوع حصار الكرك سلميا بينهما، ومع اشتداد الحصار أخذ كثير من الامراء بالفرار من الكرك والالتجاء إلى معسكر الصالح اسماعيل.
تخلى أهل الكرك عن الناصر أحمد، وقلة القوت عنده..فباتت الامور مجمدة في الكرك بانتظار جلاء الاوضاع، ووضوح المواقف لكل من الفريقين المتقاتلين.

إلى صيدنايا مع بعض القسيسين فلوث يده بالعذرة وضرب اللحمة التي يعظمونها هنالك، وأهانها غاية الاهانة لقوة إيمانه وشجاعته رحمه الله وإيانا.
وفي يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب ومشد الدواوين ووكيل بيت المال، ومشد الاوقاف ومباشروا الجامع ومعهم العمالين بالقول والمعاول، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد علي
تحت تلك الصخرة التي كانت هناك، وذلك عن قول رجل جاهل، زعم أن هناك مالا مدفونا فشاوروا نائب السلطنة فأمرهم بالحفر، واجتمع الناس والعامة فأمرهم فأخرجوا وأغلقت أبواب الجامع كلها ليتمكنوا من الحفر، ثم حفروا ثانيا وثالثا فلم يجدوا شيئا إلا التراب المحض، واشتهر هذا الحفير في البلد وقصده الناس للنظر إليه والتعجب من أمره، وانفصل الحال على أن حبس هذا الزاعم لهذا المحال، وطم الحفير كما كان.
وفي يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الاول قدم قاضي حلب ناصر الدين بن الخشاب على البريد مجتازا إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة، وأخبر أنه صلى على المحدث البارع الفاضل الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي المضري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب رحمه الله ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة، وكان قد أتقن طرفا جيدا في علم الحديث، وحفظ أسماء الرجال، وجمع وخرج.
وفي مستهل ربيع الاخر وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الذي بالقرب من جامع المظفري، وكانت جملة الدكاكين التي احترقت قريبا من مائة وعشرين دكانا، ولم ير حريق من زمان أكبر منه ولا أعظم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الجمعة سادسه رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مواذن البلد كما يذكر في مواذن الجامع، ففعل ذلك.
وفي يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقي الدين السبكي قاضي قضاة الشافعية أن يقرض ديوان السلطان شيئا من أموال الغياب التي تحت يده، فامتنع من ذلك امتناعا كثيرا، فجاء شاد الدواوين وبعض حاشية نائب السلطنة ففتحوا مخزن الايتام وأخذوا منه خمسين ألف درهم قهرا، ودفعوها إلى بعض العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني، ووقع أمر كثير لم يعهد مثله.
وفي يوم الاربعاء عاشر جمادى الاولى توفي صاحبنا الشيخ الامام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، مرض قريبا من ثلاثة أشهر بقرحة وحمى سل، ثم تفاقم أمره وأفرط به إسهال، وتزايد ضعفه إلى أن توفي يومئذ قبل أذان العصر، فأخبرني والده أن
آخر كلامه أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
فصلي عليه يوم الخميس بالجامع المظفري وحضر جنازته قضاة البلد وأعيان الناس من العلماء والامراء والتجار والعامة، وكانت جنازته حافلة مليحة، عليها

ضوء ونور، ودفن بالروضة إلى جانب قبر السيف ابن المجد رحمهما الله تعالى، وكان مولده في رجب سنة خمس وسبعمائة فلم يبلغ الاربعين، وحصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والاصلين والتاريخ والقراءات وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة، وكان حافظا جيدا لاسماء الرجال، وطرق الحديث، عارفا بالجرح والتعديل، بصيرا بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن مستقيما على طريقة السلف، واتباع الكتاب والسنة، مثابرا على فعل الخيرات.
وفي يوم الثلاثاء سلخه درس بمحراب الحنابلة صاحبنا الشيخ الامام العلامة شرف الدين بن القاضي شرف الدين الحنبلي في حلقة الثلاثاء عوضا عن القاضي تقي الدين ابن الحافظ رحمه الله، وحضر عنده القضاء والفضلاء، وكان درسا حسنا أخذ في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعد والاحسان) [ النحل: 90 ] وخرج إلى مسألة تفضيل بعض الاولاد.
وفي يوم الخميس ثاني شهر جمادى الاولى خرجت التجريدة إلى الكرك مقدمان من الامراء، وهما الامير شهاب الدين بن صبح، والامير سيف الدين قلاوون، في أبهة عظيمة وتجمل وجيوش وبقارات، وإزعاج كثيرة.
وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة تدل على كفره، وأنه رافضي جلد، فمن ذلك تكفير الشيخين رضي الله عنهما، وقذفه أمي المؤمين عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وزعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد، وإنما كان مرسلا إلى علي، وغير ذلك من الاقوال الباطلة القبيحة قبحه الله، وقد فعل.
وكان والده الشيخ محمد السكاكيني يعرف مذهب الرافضة الشيعة جيدا، وكانت له أسئلة على
مذهب أهل الخير، ونظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الامام العلامة شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن مذهبه، وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم.
وأخبرت أن ولده حسنا هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة.
وفي ليلة الاثنين خامس شهر رجب وصل بدن الامير سيف الدين تنكز نائب الشام كان إلى تربته التي إلى جانب جامعه الذي أنشأه ظاهر باب النصر بدمشق، نقل من الاسكندرية بعد ثلاث سنين ونصف أو أكثر، بشفاعة ابنته زوجة الناصر عند ولده السلطان الملك الصالح، فأذن في ذلك وأرادوا أن يدفن بمدرسته بالقدس الشريف، فلم يمكن، فجئ به إلى تربته بدمشق وعملت له الختم وحضر القضاة والاعيان رحمه الله.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان المبارك توفي صاحبنا الامير صلاح الدين يوسف التكريتي ابن أخي الصاحب تقي الدين بن توبة الوزير، بمنزله بالقصاعين، وكان شابا من أبناء الاربعين،

ذا ذكاء وفطنة وكلام وبصيرة جيدة، وكان كثير المحبة إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، ولاصحابه خصوصا، ولكل من يراه من أهل العلم عموما، وكان فيه إيثار وإحسان ومحبة الفقراء والصالحين، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله، وفي يوم السبت الخامس عشر منه جاءت زلزلة بدمشق لم يشعر بها كثير من الناس لخفتها ولله الحمد والمنة، ثم تواترت الاخبار بأنها شعثت في بلاد حلب شيئا كثيرا من العمران حتى سقط بعض الابراج بقلعة حلب، وكثير من دورها ومساجدها ومشاهدها وجدرانها، وأما في القلاع حولها فكثير جدا، وذكروا أن مدينة منبج لم يبق منها إلا القليل، وأن عامة الساكنين بها هلكوا تحت الردم رحمه الله: وفي أواخر شهر شوال خرجت التجاريد إلى الكرك وهما أميران مقدمان الامير علاء الدين قراسنقر، والامير الحاج بيدمر، وأشتهر في هذه الايام أن أمر الكرك قد ضعف وتفاقم عليهم الامر وضاقت الارزاق عندهم جدا، ونزل منها جماعات من رؤسائها وخاصكية الامير أحمد بن الناصر
مخامرين عليه، فسيروا من الصبح إلى قلاوون وصحبتهم مقدمون من الحلقة إلى الديار المصرية، وأخبروا أن الحواصل عند أحمد قد قلت جدا فالله المسؤول أن يحسن العاقبة.
وفي ليلة الاربعاء الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة توفي القاضي الامام العلامة برهان الدين بن عبد الحق شيخ الحنفية وقاضي القضاة بالديار المصرية مدة طويلة، بعد ابن الحريري، ثم عزل وأقام بدمشق ودرس في أيام تغردمر بالعذراوية لولده القاضي أمين الدين، فذكر بها الدرس يوم الاحد قبل وفاة والده بثلاثة أيام، وكان موت برهان الدين رحمه الله ببستانه من أراضي الارزة بطريق الصالحية، ودفن من الغد بسفح قاسيون بمقبرة الشيخ أبي عمر رحمه الله، وصلي عليه بالجامع المظفري، وحضر جنازته القضاة والاعيان والاكابر رحمه الله.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والديار الشامية وما يتعلق بذلك الملك الصالح ابن إسماعيل بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون في السنة المتقدمة، ونائبه بمصر الحاج سيف الديين ووزيره المتقدم ذكره، وناظر الخاص القاضي مكين الدين، وناظر الجيوش القاضي علم الدين ابن القطب، والمحتسب المتقدم، وشاد الدواوين علم الدين الناصري، وشاد الاوقاف الامير حسام الدين النجيبي، ووكيل بيت المال القاضي علاء الدين شرنوخ، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن أبي الطيب، وبقية المباشرين والنظار هم المتقدم ذكرهم، وكاتب الدست القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتب السر، والقاضي أمين الدين بن القلانسي والقاضي شهاب الدين بن القيسراني، والقاضي شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود، والقاضي علاء الدين شرنوخ.

شهر المحرم أوله السبت استهل والحصار واقع بقلعة الكرك، وأما البلد فأخذ واستنيب فيه الامير سيف الدين قبليه، قدم إليها من الديار المصرية، والتجاريد من الديار المصرية ومن دمشق محيطون بالقلعة، والناصر أحمد بن الناصر ممتنع من التسليم، ومن الاجابة إلى الانابة.
ومن
الدخول في طاعة أخيه، وقد تفاقمت الامور وطالت الحروب، وقتل خلق كثير بسبب ذلك، من الجيوش ومن أهل الكرك، وقد توجهت القضية إلى خير إن شاء الله.
وقبل ذلك بأيام يسيرة هرب من قلعة الكرك الامير سيف الدين أبو بكر بن بهادر آص الذي كان أسر في أوائل حصار الكرك، وجماعة من مماليك الناصر أحمد، كان اتهمهم بقتل الشهيب أحمد، الذي كان يعتني به ويحبه، واستبشر الجيوش بنزول أبي بكر من عنده وسلامته من يده، وجهز إلى الديار المصرية معظما، وهذا والمجانيق الثلاثة مسلطة على القلعة من البلد تضرب عليها ليلا ونهارا، وتدمر في بنائها من داخل، فإن سورها لا يؤثر فيه شئ بالكلية، ثم ذكر أن الحصار فتر ولكن مع الاحتياط على أن لا يدخل إلى القعلة ميرة ولا شئ مما يستعينون به على المقام فيها، فالله المسؤول أن يحسن العاقبة.
وفي يوم الاربعاء الخامس والعشرين من صفر قدم البريد مسرعا من الكرك فأخبر بفتح القلعة، وأن بابها أحرق، وأن جماعة الامير أحمد بن الناصر استغاثوا بالامان، وخرج أحمد مقيدا وسير على البريد إلى الديار المصرية، وذلك يوم الاثنين بعد الظهر الثالث والعشرين (1) من هذا الشهر، ولله عاقبة الامور وفي صبيحة يوم الجمعة رابع ربيع الاول دقت البشائر بالقلعة، وزينت البلد عن مرسوم السلطان الملك الصالح سرورا بفتح البلد، واجتماع الكلمة عليه، واستمرت الزينة إلى يوم الاثنين سابعه، فرسم برفعها بعد الظهر فتشوش كثير من العوام، وأرجف بعض الناس بأن أحمد قد ظهر أمره وبايعه الامراء الذين هم عنده، وليس لذلك حقيقة، ودخلت الاطلاب من الكرك صبيحة يوم الاحد ثالث عشر ربيع الاول بالطب لخانات والجيوش، واشتهر إعدام أحمد بن الناصر (2).
وفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الاول صلي بالجامع الاموي على الشيخ أمين (3) الدين أبي حيان النحوي، شيخ البلاد المصرية من مدة طويلة، وكانت وفاته بمصر عن تسعين سنة وخمسة
__________
(1) في السلوك 2 / 661: ثاني عشرين صفر، وفي بدائع الزهور 1 / 503: ثاني عشرين ذي الحجة.
__________
(2) في السلوك 2 / 662 والنجوم الزاهرة 10 / 93: كان ذلك ليلة الرابع من ربيع الاول سنة 745 ه وفي تاريخ الشجاعي ص 69 وما بعدها: " خنق ليلة السبت سادس ربيع الاول وقطع رأسه واحضرت لاخيه الصالح
ودفنت جثته تحت برج الحرص ": وكان الامير منجك - سيف الدين منجك بن عبد الله اليوسفي الناصري المتوفي سنة 776 - قد توجه إليه إلى الكرك دون علم الامراء فوصل إلى الكرك فدخل على الناصر أحمد وخنقه وقطع رأسه - كما في رواية السلوك، أما في بدائع الزهور 1 / 503 فقد كان ذهاب الامير منجك بطلب السلطان وأمره.
__________
(3) في السلوك 2 / 676 وشذرات الذهب 6 / 145: أثير الدين.
وهو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الاندلسي الغرناطي النفزي (نفزة إحقبائل البربر).

أشهر.
ثم اشتهر في ربيع الآخر (1) قتل السلطان أحمد وحز رأسه وقطع يديه، ودفن جثته بالكرك، وحمل رأسه إلى أخيه الملك الصالح إسماعيل، وحضر بين يديه في الرابع والعشرين من هذا الشهر، ففرح الناس بذلك، ودخل الشيخ إحمد الزرعي على السلطان الملك الصالح فطلب منه أشياء كثيرة من تبطيل المظالم ومكوسات وإطلاق طبلخانات للامير ناصر الدين بن بكتاش، وإطلاق أمراء محبوسين بقلعة دمشق وغير ذلك، فأجابه إلى جميع ذلك، وكان جملة المراسيم التي أجيب فيها بضع وثلاثين مرسوما، فلكا كان آخر شهر ربيع الآخر قدمت المراسيم التي سألها الشيخ أحمد من الملك الصالح، فأمضيت كلها، أو كثير منها، وأفرج عن صلاح الدين بن الملك الكامل، والامير سيف الدين بلو، في يوم الخميس سلخ هذا الشهر، ثم روجع في كثير منها وتوقف حالها.
وفي هذا الشهر عملت منارة باب الفرج وفتحت مدرسة كانت دارا قديمة فجعلت مدرسة للحنفية ومسجدا، وعملت طهارة عامة، ومصلى للناس، وكل ذلك منسوب إلى الامير سيف الدين تقطم الخليلي أمير حاجب كان، وهو الذي جدد الدار المعروفة به اليوم بالقصاعين.
وفي ليلة الاثنين عاشر جمادى الآخرة توفي صاحبنا المحدث تقي الدين محمد بن صدر الدين سليمان الجعبري زوج بنت الشيخ جمال الدين المزي، والد شرف الدين عبد الله، وجمال الدين إبراهيم وغير هم، وكان فقيها بالمدارس، وشاهدا تحت الساعات وغيرها، وعنده فضيلة جيدة في قراءة الحديث وشئ من العربية، وله نظم مستحسن، انقطع يومين وبعض الثالث وتوفي في الليلة
المذكورة في وسط الليل، وكنت عنده وقت العشاء الآخر ليلتئذ، وحدثني وضاحكني، وكان خفيف الروح رحمه الله، ثم توفي في بقية ليلته رحمه الله، وكان أشهدني عليه بالتوبة من جميع ما يسخط الله عز وجل، وأنه عازم على ترك الشهود أيضا رحمه الله، صلي عليه ظهر يوم الاثنين، ودفن بمقابر باب الصغير عند أبويه رحمهم الله.
وفي يوم الجمعة ثاني عشرين شهر رجب خطب القاضي عماد الدين بن العز الحنفي بجامع تنكز خارج باب النصر عن نزول الشيخ نجم الدين علي بن داود القفجاري له عن ذلك، وأيضا نائب السلطنه الامير سيف الدين تغردمر وحضوره عنده في الجامع المذكور يومئذ.
وفي يوم الجمعة تاسع عشرين رجب توفي القاضي الامام العالم جلال الدين أبو العباس أحمد ابن قاضي القضاة حسام الدين الرومي الحنفي، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة بمسجد دمشق، وحضره القضاة والاعيان ودفن بالمدرسة التي أنشأها إلى جانب الزردكاش قريبا من الخاتونية الجوانية، وكان قد ولي قضاء قضاة الحنفية في أيام ولاية أبيه الديار المصرية، وكان مولده سنة
__________
(1) انظر حاشية رقم 2 صفحة 245.

إحدى وخمسين وستمائة، وقدم الشام مع أبيه فأقاموا بها، ثم لما ولي الملك المنصور لاجين ولى أباه قضاء الديار المصرية، وولده هذا قضاء الشام، ثم إنه عزل بعد ذلك واستمر على ثلاث مدارس من خيار مدارس الحنفية ثم حصل له صمم في آخر عمره، وكان ممتعا بحواسه سواه وقواه، وكان يذاكر في العلم وغير ذلك.
وفي يوم الاربعاء الرابع والعشرين من شعبان توفي الشيخ نجم الدين علي بن داود القفجاري خطيب جامع تنكز، ومدرس الظاهرية، وقد نزل عنها قبل وفاته بقليل للقاضي عماد الدين بن العز الحنفي، وصلي عليه بالجامع المذكور بعد صلاة الظهر يومئذ، وعند باب النصر وعند جامع جراح ودفن بمقبرة ابن الشيرجي عند والده، وحضره القضاة والاعيان، وكان أستاذا في النحو وله علوم آخر، لكن كان نهاية في النحو والتصريف.
وفي هذا اليوم توفي الشيخ الصالح العابد الناسك الشيخ عبد الله الضرير الزرعي، وصلي عليه بعد الظهر بالجامع الاموي وبباب النصر وعند مقابر الصوفية، ودفن بها قريبا من الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وكان كثير التلاوة حسنها وصحيحها، كثير العبادة، يقرئ الناس من دهر طويل ويقوم بهم العشر الاخير من رمضان، في محراب الحنابلة بالجامع الاموي رحمه الله.
وفي يوم الجمعة ثاني شهر رمضان المعظم توفي الشيخ الامام العالم العامل العابد الزاهد الورع أبو عمر بن أبي الوليد المالكي إمام محراب الصحابة الذي للمالكية، وصلي عليه بعد الصلاة، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير، وتأسف الناس عليه وعلى صلاحه وفتاويه النافعة الكثيرة، ودفن إلى جانب قبر أبيه وأخيه، إلى جانب قبر أبي الغندلاوي المالكي قريبا من مسجد التاريخ رحمه الله، وولي مكانه في المحراب ولده، وهو طفل صغير، فاستنيب له إلى حين صلاحيته، جبره الله ورحم أباه.
وفي صبيحة ليلة الثلاثاء سادس رمضان وقع ثلج عظيم لم ير مثله بدمشق من مدة طويلة، وكان الناس محتاجين إلى مطر، فلله الحمد والمنة، وتكاثف الثلج على الاسطحة، وتراكم حتى أعيى الناس أمره ونقلوه عن الاسطحة إلى الازقة يحمل، ثم نودي بالامر بإزالته من الطرقات فإنه سدها وتعطلت معايش كثير من الناس، فعوض الله الضعفاء بعلمهم في الثلج، ولحق الناس كلفة كبيرة وغرامة كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من رمضان صلي بالجامع الاموي على نائب وهو الامير علاء الدين الجاولي، وقد تقدم شئ من ترجمته رحمه الله.
وفي أول شوال يوم عيد الفطر وقع فيه ثلج عظيم بحيث لم يتمكن الخطيب من الوصول إلى

المصلى، ولا خرج نائب السلطنة، بل اجتمع الامراء والقضاة بدار السعادة، وحضر الخطيب فصلى بهم العيد بها، وكثير من الناس صلوا العيد في البيوت.
وفي يوم الاحد الحادي والعشرين من ذي الحجة درس قاضي القضاة تقي الدين السبكي
الشافعي بالشامية البرانية عن الشيخ شمس الدين بن النقيب رحمه الله، وحضر عنده القضاة والاعيان والامراء وخلق من الفضلاء، وأخذ في قوله تعالى (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) [ ص: 35 ] وما بعدها.
وفي ذي الحجة استفتي في قتل كلاب البلد فكتب جماعة من أهل البلد في ذلك، فرسم بإخراجهم يوم الجمعة من البلد الخامس والعشرين منه، لكن إلى الخندق ظاهر باب الصغير، وكان الاولى قتلهم بالكلية وإحراقهم لئلا تنتن بريحهم على ما أفتى به الامام مالك بن أنس من جواز قتل الكلاب ببلدة معينة للمصلحة، إذا رأى الامام ذلك، ولا يعارض ذلك النهي عن قتل الكلاب، ولهذا كان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين بالديار المصرية والشامية والحرمين والبلاد الحلبية وأعمال ذلك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون أيضا.
وفي يوم الجمعة سادس عشر محرم كملت عمارة الجامع الذي بالمزة الفوقانية الذي جدده وأنشأه الامير بهاء الدين المرجاني، الذي بنى والده مسجد الخيف بمنى وهو جامع حسن متسع فيه روح وانشراح، تقبل الله من بانيه، وعقدت فيه الجمعة بجمع كثير وجم غفير من أهل المزة، ومن حضر من أهل البلد، وكنت أنا الخطيب - يعني الشيخ عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته - ولله الحمد والمنة.
ووقع كلام وبحث في اشتراط المحلل في المسابقة، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صنف فيه مصنفا من قبل ذلك، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ثم صار يفتي به جماعة من الترك ولا يعزروه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنه قوله وهو مخالف للائمة الاربعة، فحصل عليه إنكار في ذلك، وطلبه القاضي الشافعي، وحصل كلام في ذلك، وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الموافقة للجمهور.
وفاة الملك الصالح إسماعيل
في يوم الاربعاء ثالث شهر ربيع الآخر (1) من هذه السنة أظهر موت السلطان الملك الصالح
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الدليل الشافعي 1 / 129 والمنهل الصافي 2 / 426: مات في العشرين من ربيع الاول سنة 746 =

ه.
وفي السلوك 2 / 677 والنجوم الزاهرة 10 / 95: توفي ليلة الخميس رابع ربيع الآخر، وفي بدائع الزهور 1 / 504: " في الحادي والعشرين من ربيع الآخر ".
عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور آخر النهار، وكان قد عهد بالامر إلى أخيه لابويه الملك الكامل سيف (1) الدين أبي الفتوح شعبان، فجلس على سرير المملكة يوم الخميس رابعه، وكان يوما مشهودا، ثم قدم الخبر إلى دمشق عشية الخميس ليلة الجمعة الثاني عشر منه، وكان البريد قد انقطع عن الشام نحو عشرين يوما للشغل بمرض السلطان (2)، فقدم الامير سيف الدين معزا للبيعة للملك الكامل، فركب عليه الجيش لتلقيه، فلما كان صبيحة الجمعة أخذت البيعة من النائب والمقدمين وبقية الامراء والجند للسلطان الملك الكامل بدار السعادة، ودقت البشائر وزين البلد وخطب الخطباء يومئذ للملك الكامل، جعله الله وجها مباركا على المسلمين.
وفي صبيحة يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الآخر درس القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي بالمدرسة الشامية البرانية، نزل له أبوه عنها، واستخرج له مرسوما سلطانيا بذلك، فحضر عنده القضاة والاعيان وجماعة من الامراء والفقهاء، وجلس بين أبيه والقاضي الحنفي، وأخذ في الدرس في قوله تعالى (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) الآيات [ النمل: 15 ].
وتكلم الشريف مجد الدين المتكلم في الدرس بكلام فيها نكارة وبشاعة، فشنع عليه الحاضرون، فاستنيب بعد انقضاء الدرس وحكم بإسلامه، وقد طلب إلى الديار المصرية نائب دمشق الامير سيف الدين تغردمر وهو متمرض، انقطع عن الجمعة بسبب المرض مرات، والبريد يذهب إلى حلب لمجئ نائبها الامير سيف الدين يلبغا لنيابة دمشق، وذكر أن الحاج أرقطيه تعين لنيابة حلب.
وفي يوم الجمعة رابع جمادى الاولى خرجت أثقال الامير سيف الدين تغردمر النائب وخيوله وهجنه ومواليه
وحواصله وطبل خاناته وأولاده في تجمل عظيم، وأبهة هائلة جدا، وخرجت المحافل والكحارات والمحفات لنسائه وبناته وأهله في هيبة عجيبة، هذا كله وهو بدار السعادة، فلما كان من وقت السحر في يوم السبت خامسه خرج الامير سيف الدين تغر دمر بنفسه إلى الكسوة في محفة لمرضه مصحوبا بالسلامة، فلما طلعت الشمس من يومئذ قدم من حلب أستاذ دار الامير سيف الدين يلبغا اليحياوي (3) فتسلم دار السعادة، وفرح الناس بهم، وذهب الناس للتهنئة والتودد إليهم.
* هامش) * (1) في بدائع الزهور 1 / 504: زين الدين.
__________
(2) في السلوك 2 / 676 والنجوم الزاهرة 10 / 94 " تغير مزاجه في مستهل شهر ربيع الاول ولزم الفراش ولم يخرج إلى الخدمة أياما " وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 183: " مرض في العشرين من صفر " وفي مكان آخر قال في السلوك: 2 / 680: اعتراه القولنج.
__________
(3) من السلوك 2 / 755، وفي الاصل: البحناوي، وهو يلبغا بن عبد الله اليحياوي الناصري، سيف الدين المتوفى سنة 748 ه.
(الدرر 4 / 436 والنجوم الزاهرة 10 / 105).

ولما كان يوم السبت الثاني من جمادي الاولى خرج الجيش بكماله لتلقي نائب السلطنة الامير سيف الدين يلبغا فدخل في تجمل عظيم، ثم جاء فنزل عند باب السر، وقبل العتبة على العادة ثم مشى إلى دار السعادة.
وفي عشية يوم الاثنين رابع عشره قطع نائب السلطنة ممن وجب قطعه في الحبس ثلاثة عشر رجلا وأضاف إلى قطع اليد وقطع الرجل من كل منهم، لما بلغه أنه تكرر من جناياتهم، وصلب ثلاثة بالمسامير ممن وجب قتله، ففرح الناس بذلك لقمعه المفسدين وأهل الشرور، والعيث والفساد.
واشتهر في العشر الاوسط من جمادى الآخرة وفاة الامير سيف الدين تغردمر بعد وصوله إلى الديار المصرية بأيام، وكان ذلك ليلة الخميس مستهل هذا الشهر، وذكر أنه رسم على ولده وأستاذ داره، وطلب منهم مال جزيل، فالله أعلم.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره توفي القاضي علاء الدين بن العز الحنفي نائب الحكم ببستانه بالصالحية ودفن بها، وذلك بعد عود المدرسة الظاهرية إليه، وأخذه إياها من عمه القاضي عماد الدين إسماعيل، كما قدمنا، ولم يدرس فيها إلا يوما واحدا، وهو متمرض، ثم عاد إلى الصالحية فتمادى به مرضه إلى أن مات رحمه الله.
وخرج الركب إلى الحجاز الشريف يوم السبت حادي عشر شوال، وخرج ناس كثير من البلد، ووقع مطر عظيم جدا، ففرح الناس به من جهة أن المطر كان قليلا جدا في شهر رمضان، وهو كانون الاصم، فلما وقع هذا استبشروا به وخافوا على الحجاج ضرره، ثم تداول المطر وتتابع ولله الحمد والمنة، لكن ترحل الحجاج في أوحال كثيرة وزلق كثير، والله المسلم والمعين والحامي.
ولما استقل الحجيج ذاهبين وقع عليهم مطر شديد بين الصمين فعوقهم أياما بها، ثم تحاملوا إلى زرع فلم يصلوها إلا بعد جهد جهيد وأمر شديد، ورجع كثير منهم وأكثرهم، وذكروا أشياء عظيمة حصلت لهم من الشدة وقوة الامطار وكثرة الاوحال، ومنهم من كان تقدم إلى أرض بصرى، فحصل لهم رفق بذلك والله المستعان.
وقيل إن نساء كثيرة من المخدرات مشين حفاة فيما بين زرع والصميين وبعد ذلك، وكان أمير الحاج سيف الدين ملك آص وقاضيه شهاب الدين بن الشجرة الحاكم بمدينة بعلبك يومئذ والله المستعان، انتهى.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد بالديار المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك الكامل سيف الدين شعبان بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، وليس له بمصر نائب، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، ونائب دمشق الامير سيف الدين يلبغا

اليحياوي (1) وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، إلا أن قاضي القضاة عماد الدين بن إسماعيل الحنفي نزل عن القضاء لولده قاضي القضاة نجم الدين، واستقل بالولاية وتدريس النورية، وبقي والده على تدريس الريحانية (2).
وفي يوم الجمعة السادس عشر من المحرم من هذه السنة توفي الشيخ تقي الدين الشيخ الصالح محمد بن الشيخ محمد بن قوام بزاويتهم بالسفح، وصلي عليه الجمعة بجامع الافرم، ثم دفن بالزاوية وحضره القضاة والاعيان وخلق كثير، وكان بينه وبين أخيه ستة أشهر وعشرون يوما، وهذا أشد من ذلك.
وفتحت في أول السنة القيسارية التي أنشأها الامير سيف الدين يلبغا نائب السلطنة ظاهر باب الفرج وضمنت ضمانا باهرا بنحو من سبعة آلاف كل شهر، وداخلها قيسارية تجارة في وسطها بركة ومسجد، وظاهرها دكاكين وأعاليها بيوت للسكن.
وفي صبيحة يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الاول عقد مجلس بمشهد عثمان للنور الخراساني، وكان يقرأ القرآن في جامع تنكز، ويعلم الناس أشياء من فرائض الوضوء والصلاة، ادعي عليه في أنه تكلم في بعض الائمة الاربعة، وأنه تكلم في شئ من العقائد ويطلق عبارات زائدة على ما ورد به الحديث، وشهد عليه ببعض أشياء متعددة، فاقتضى الحال أن عزر في هذا اليوم، وطيف به في البلد، ثم رد إلى السجن معتقلا.
فلما كان يوم الخميس الثاني عشرين منه شفع فيه الامير أحمد بن مهنا ملك العرب عند نائب السلطنة فاستحضره بين يديه وأطلقه إلى أهله وعياله، ولما كان تاريخ يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الاولى صلى نائب السلطنة الامير سيف الدين يلبغا اليحياوي (1) الناصري بجامع تنكز ظاهر دمشق برا باب النصر، وصلى عنده القاضي الشافعي والمالكي وكبار الامراء، ولما أقيمت الصلاة صلى وقعد بعض مماليكه عن الصلاة ومعه السلاح حراسة له، ثم لما انصرف من الصلاة اجتمع بالامراء المذكورين وتشاوروا طويلا، ثم نهض النائب إلى دار السعادة فلما كان آخر النهار برز بخدمه ومماليكه وحشمه ووطاقة وسلاحه وحواصله، ونزل قبلي مسجد القدم وخرج الجند والامراء في آخر النهار وانزعج الناس، واتفق طلوع القمر خاسفا، ثم خرج الجيش ملبسا تحت الثياب وعليه التراكيس بالنشاب والخيول والجنابات، ولا يدري الناس ما الخبر، وكان سبب ذلك أن نائب السلطنة بلغه أن نائب صفد ؟ قد ركب إليه ليقبض عليه (3)،
__________
(1) انظر الحاشية 3 صفحة 249.
__________
(2) وهي المدرسة الريحانية بدمشق.
أنشأها خواجا ريحان الطواشي خادم نور الدين محمود بن زنكي في سنة 565 ه (الدارس 1 / 522).
__________
(3) أشار المقريزي إلى سبب تنكر السلطان على الامير يلبغا نائب الشام، وغضب يلبغا على السلطان وذلك أن السلطان قرر السفر إلى الحجاز وأمر الامراء بحمل ما يحتاج إليه: فورد كتاب يلبغا نائب الشام يتضمن خراب بلاد =

= الشام مما اتفق بها من أخذ الاموال وانقطاع الجالب إليها وأن الرأي تأخير السفر إلى الحجاز في هذه السنة..ورأى السلطان ذلك..ثم غير رأيه تحت ضغط والدته ونسائه وقرر السفر وطلب أن تحمل إليه الاموال وتجدد الطلب على الناس فاشتد الامر على الناس بديار مصر وبلاد الشام وكثر دعاؤهم لماهم فيه من السخر والمغارم.
ولما بلغ يلبغا ذلك، وأن السلطان يريد مسكه جمع أمراء دمشق وحلفهم على القيام معه..وكتبوا بخلع الكامل وظاهروا بالخروج عن طاعته...(السلوك 2 / 707 وما بعدها).
فانزعج لذلك وقال: لا أموت إلا على ظهر أفراسي، لا على فراشي، وخرج الجند والامراء خوفا من أن يفوتهم بالفرار، فنزلوا يمنة ويسرة، فلم يذهب من تلك المنزلة بل استمر بها يعمل النيابة ويجتمع بالامراء جماعة وفرادى، ويستميلهم إلى ما هو فيه من الرأي، وهو خلع الملك الكامل شعبان لانه يكثر من مسك الامراء بغير سبب، ويفعل أفعالا لا تيلق بمثله، وذكروا أمورا كثيرة، وأن يولوا أخاه أمير حاجي بن الناصر لحسن شكالته وجميل فعله، ولم يزل يفتلهم في الذروة والغارب حتى أجابوه إلى ذلك، ووافقوه عليه، وسلموا له ما يدعيه، وتابعوا على ما أشار إليه وبايعوه، ثم شرع في البعث إلى نواب البلاد يستميلهم إلى ما مالا عليه الدمشقيون وكثير من المصريين، وشرع أيضا في التصرف في الامور العامة الكلية، وأخرج بعض من كان الملك الكامل اعتقله بالقلعة المنصورة، ورد إليه إقطاع بعد ما بعث الملك الكامل إلى من أقلعه عن منشوره، وعزل وولى وأخذ وأعطى، وطلب التجار يوم الاربعاء ثامن عشره ليباع عليهم غلال الحواصل السلطانية فيدفعوا أثمانها في الحال، ثم يذهبوا فيتسلموها من البلاد البرانية، وحضر عنده القضاة على العادة والامراء والسادة، وهذا كله وهو مخيم بالمكان المذكور، لا يحصره بلد ولا يحويه سور.
وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة خرجت تجريدة نحو عشرة طليعة لتلقي من يقدم من الديار المصرية من الامراء وغيرهم، ببقاء الامر على ما كان عليه، فلم يصدقهم النائب، وربما عاقب بعضهم، ثم رفعهم إلى القلعة، وأهل دمشق ما بين مصدق باختلاف المصريين وما بين قائل السلطان الكامل قائم الصورة مستمر على ما كان عليه، والتجاريد المصرية واصلة قريبا، ولا بد من وقوع خبطة عظيمة.
وتشوشت أذهان الناس وأحوالهم بسبب ذلك، والله المسؤول أن يحسن العاقبة.
وحاصل القضية أن العامة ما بين تصديق وتكذيب، ونائب السلطنة وخواصه من كبار الامراء على ثقة من أنفسهم، وأن الامراء على خلف شديد في الديار المصرية بين السلطان الكامل شعبان وبين أخيه أمير حاجي، والجمهور مع أخيه أمير حاجي، ثم جاءت الاخبار إلى النائب بأن التجاريد المصرية خرجت تقصد الشام ومن فيه من الجند لتوطد الامر، ثم إنه تراجعت رؤس الامراء في الليل إلى مصر واجتمعوا إلى إخوانهم ممن هو ممالئ لهم على السلطان، فاجتمعوا ودعوا إلى سلطنة أمير حاجي وضربت الطبل خانات وصارت باقي النفوس متجاهرة على نية تأييده،

ونابذوا السلطان الكامل، وعدوا عليه مساويه، وقتل بعض الامراء، وفر الكامل وأنصاره فاختيط عليه.
وخرج أرغون العلائي زوج ابنته واستظهر أيضا أمير حاجي فأجلسوه على السرير ولقبوه بالملك المظفر (1)، وجاءت الاخبار إلى النائب بذلك، فضربت البشائر عنده، وبعث إلى نائب القلعة فامتنع من ضربها، وكان قد طلب إلى الوطاق فامتنع من الحضور، وأغلق باب القلعة، فانزعج الناس واختبط البلد، وتقلص وجود الخير، وحصنت القلعة ودعوا للكامل بكرة وعشية على العادة، وأرجف العامة بالجيش على عادتهم في كثرة فصولهم، فحصل لبعضهم أذية.
فلما كان يوم الاثنين ثامن الشهر قدم نائب حماة إلى دمشق مطيعا لنائب السلطنة في تجمل وأبهة، ثم أجريت له عادة أمثاله.
وفي هذا اليوم وقعت بطاقة بقدوم الامير سيف الدين بيغرا حاجب الحجاب بالديار المصرية
لاجل البيعة للسلطان الملك المظفر، فدقت البشائر بالوطاق، وأمر بتزيين البلد، فزين الناس وليسوا منشرحين، وأكثرهم يظن أن هذا مكر وخديعة، وأن التجاريد المصرية واصلة قريبا.
وامتنع نائب القلعة من دق البشائر وبالغ في تحصين القلعة، وغلق بابها، فلا يفتح إلا الخوخة البرانية والجوانية، وهذا الصنيع هو الذي يشوش خواطر العامة، يقولون: لو كان ثم شئ له صحة كان نائب القلعة يطلع على هذا قبل الوطاق.
فلما كان يوم الثلاثاء بعد الزوال قدم الامير سيف الدين بيغرا إلى الوطاق، وقد تلقوه وعظموه، ومعه تقليد النيابة من المظفر إلى الامير سيف الدين يلبغا نائب السلطنة، وكتاب إلى الامراء بالسلام.
ففرحوا بذلك وبايعوه وانضمت الكلمة ولله الحمد.
وركب بيغرا إلى القلعة فترجل وسل سيفه ودخل إلى نائب القلعة فبايعه سريعا ودقت البشائر في القعلة بعد المغرب، حين بلغه الخبر، وطابت أنفس الناس ثم أصبحت القعلة في الزينة وزادت الزينة في البلد وفرح الناس، فلما كان يوم الخميس حادي عشر الشهر دخل نائب السلطنة من الوطاق إلى البلد والاطلاب بين يديه في تجمل وطبل خانات على عادة العرض، وقد خرج أهل البلد إلى الفرجة، وخرج أهل الذمة بالتوراة، وأشعلت الشموع، وكان يوما مشهودا.
وقد صلى في شهر رمضان من هذه السنة بالشامية البرانية صبي عمره ست سنين، وقد رأيته وامتحنته فإذا هو يجيد الحفظ والاداء، وهذا من أغرب ما يكون.
وفي العشر الاول من هذا الشهر فرغ من بناء الحمامين الذي بناهما نائب السلطنة بالقرب من الثابتية في خان السلطان العتيق، وما حولها من الرباع والقرب وغير ذلك.
وفي يوم الاحد حادي عشره اجتمع نائب السلطنة والقضاة الاربعة ووكيل بيت المال والدولة عند تل المستقين، من أجل أن نائب السلطنة قد عزم على بناء
__________
(1) وذلك يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وله من العمر خمس عشرة سنة (السلوك 2 / 714).

هذه البقعة جامعا بقدر جامع تنكز، فاشتوروا هنالك، ثم انفصل الحال على أن يعمل، والله ولي التوفيق.
وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة صلي على الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن تيمية، أخو الشيخ تقي الدين رحمهما الله.
وفي يوم السبت ثاني عشره توفي الشيخ علي القطناني بقطنا، وكان قد اشتهر أمره في هذه السنين، واتبعه جماعة من الفلاحين والشباب المنتمين إلى طريقة أحمد ابن الرفاعي، وعظم أمره وسار ذكره، وقصده الاكابر للزيارة مرات، وكان يقيم السماعات على عادة أمثاله، وله أصحاب يظهرون إشارة باطلة، وأحوالا مفتعلة، وهذا مما كان ينقم عليه بسببه، فإنه إن لم يكن يعلم بحالهم فجاهل، وإن كن يقرهم على ذلك فهو مثلهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفي أواخر هذا الشهر - أعني ذي الحجة من العيد وما بعده - اهتم ملك الامراء في بناء الجامع الذي بناه تحت القلعة وكان تل المستقين، وهدم ما كان هناك من أبنية، وعملت العجل وأخذت أحجار كثيرة من أرجاء البلد، وأكثر ما أخذت الاحجار من الرحبة التي للمصريين، من تحت المأذنة التي في رأس عقبة الكتاب، وتيسر منها أحجار كثيرة، والاحجار أيضا من جبل قاسيون وحمل على الجمال وغيرها، وكان سلخ هذه السنة - أعني سنة سبع وأربعين وسبعمائة - قد بلغت غرارة القمح إلى مائتين (1) فما دونها، وربما بيعت بأكثر من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك المظفر أمير حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ونائبه بالديار المصرية الامير سيف الدين أرقطيه، وقضاة مصر هم الذين كانوا في الماضية بأعيانهم، ونائبه بالشام المحروسة سيف الدين يلبغا الناصري، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها بأعيانهم، غير أن القاضي عماد الدين الحنفي نزل لولده قاضي القضاة نجم الدين، فباشر في حياة أبيه، وحاجب الحجاب فخر الدين إياس.
واستهلت هذه السنة ونائب السلطنة في همة عالية في عمارة الجامع الذي قد شرع في بنائه غربي سوق الخيل، بالمكان الذي كان يعرف بالتل المستقين.
وفي ثالث المحرم توفي قاضي القضاة شرف الدين محمد بن أبي بكر الهمداني المالكي، وصلي
__________
(1) في السلوك 2 / 72 1: بيع القمح كل غرارة بمائة وسبعين، وبيع الخبز كل رطلين بدرهم، من تأخر المطر بعامة بلاد الشام.

عليه بالجامع، ودفن بتربته بميدان الحصا، وتأسف الناس عليه لرياسته وديانته وأخلاقه وإحسانه إلى كثير من الناس رحمه الله.
وفي يوم الاحد الرابع والعشرين من المحرم وصل تقليد قضاء المالكية للقاضي جمال الدين المسلاتي الذي كان نائبا للقاضي شرف الدين قبله، وخلع عليه من آخر النهار.
وفي شهر ربيع الاول أخذوا لبناء الجامع المجدد بسوق الخيل، أعمدة كثيرة من البلد، فظاهر البلد يعلقون ما فوقه من البناء ثم يأخذونه ويقيمون بدله دعامة وأخذوا من درب الصيقل وأخذوا العمود الذي كان بسوق العلبيين الذي في تلك الدخلة على رأسه مثل الكرة فيها حديد، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر أنه كان فيه طلسم لعسر بول الحيوان إذا داروا بالدابة ينحل أراقيها، فلما كان يوم الاحد السابع والعشرين من ربيع الاول من هذه السنة قلعوه من موضعه بعد ما كان له في هذا الموضع نحوا من أربعة آلاف سنة والله أعلم.
وقد رأيته في هذا اليوم وهو ممدود في سوق العلبيين على الاخشاب ليجروه إلى الجامع المذكور من السوق الكبير، ويخرجوا به من باب الجابية الكبير فلا إله إلا الله.
وفي أواخر شهر ربيع الآخر ارتفع بناء الجامع الذي أنشأه النائب وجفت العين التي كانت تحت جداره حين أسسوه ولله الحمد.
وفي سلخ ربيع الآخر وردت الاخبار من الديار المصرية بمسك (1) جماعة من الاعيان الامراء كالحجازي وآقسنقر الناصري، ومن لف لهما، فتحرك الجند بالشام ووقعت خبطة، ثم استهل شهر جمادى الاولى والجند في حركة شديدة، ونائب السلطنة يستدعي الامراء إلى دار السعادة بسبب ما وقع بالديار المصرية، وتعاهد هؤلاء على أن لا يؤذي أحد، وأن يكونوا يدا واحدة، وفي هذا اليوم تحول ملك الامراء من دار السعادة إلى القصر الابلق واحترز لنفسه، وكذلك
حاشيته.
وفي يوم الاربعاء الرابع عشر منه قدم أمير من الديار المصرية على البريد ومعه كتاب من السلطان فيه التصريح بعزل ملك الامراء يلبغا نائب الشام، فقرئ عليه بحضرة الامراء بالقصر الابلق، فتغمم لذلك وساءه، وفيه طلبه إلى الديار المصرية على البريد ليولى نيابة الديار المصرية،
__________
(1) في السلوك 2 / 729: " قتلا وذلك عصر يوم الاحد تاسع عشر ربيع الآخر، وأمسك الامير بزلار، والامير صمغار، والامير أيتمش عبد الغني، زاد ابن دقماق في الجوهر الثمين 2 / 191: وقرابغا القاسمي.
وأشار المقريزي وابن تغردي بردى في النجوم الزاهرة 10 / 158 إلى سبب قتلهما ومسك الاخرين قال: وسبب ذلك أن السلطان لما أخرج اتفاق (العوادة) وغيرها من عنده، وتشاغل عنهن بالحمام، وصار يحضر إلى الدهيشة الاوباش، وتلعب بالعصا لعب صباح ويحضر الشيخ علي بن الكسيح مع حظاياه، فيسخر له، وينقل له أخبار الناس.
فشق ذلك على الامراء..(وتحدثوا بالامر) فاشتد حنقه وأطلق لسانه (أي السلطان) وكان الامير غرلو قد تمكن منه فأعلمه بما وقع فوقع في الامراء وهونهم عليه وجسره على الفتك بهم والقبض على النائب " - الدهيشة: قاعة كبيرة مرتفعة البناء، كانت مفروشة بأنواع البسط والمقاعد الزركش، بناها الملك الصالح اسماعيل بن محمد بن قلاوون سنة 745 ه.
(السلوك 2 / 212).

والظاهر أن ذلك خديعة له، فأظهر الامتناع، أنه لا يذهب إلى الديار المصرية أبدا، وقال: إن كان السلطان قد استكثر علي ولاية دمشق فيوليني أي البلاد شاء، فأنا راض بها.
ورد الجواب بذلك، ولما أصبح من الغد وهو يوم الخميس وهو خامس عشره، ركب فخيم قريبا من الجسورة في الموضع االذي خيم فيه عام الاول، وفي الشهر أيضا كما تقدم، فبات ليلة الجمعة وأمر الامراء بنصب الخيام هنالك على عادتهم عام أول.
فلما كان يوم الجمعة سادس عشره بعد الصلاة ما شعر الناس إلا والامراء قد اجتمعوا تحت القلعة وأحضروا من القلعة سنجقين سلطانيين أصفرين، ضربوا الطبول حربيا، فاجتمعوا كلهم تحت السنجق السلطاني، ولم يتأخر منهم سوى النائب وذويه كإبنيه وإخوته وحاشيته، والامير
سيف الدين قلاوون أحد مقدمي الالوف وخبره أكبر أخبار الامراء بعد النيابة، فبعث إليه الامراء أن هلم إلى السمع والطاعة للسلطان، فامتنع من ذلك وتكررت الرسل بينهم وبينه فلم يقبل، فساروا إليه في الطبل خانات والبوقات ملبسين لامة الحرب، فلما انتهوا إليه وجدوه قد ركب خيوله ملبسا واستعد للهرب، فلما واجههم هرب هو ومن معه وفروا فرار رجل واحد، وساق الجند وراءه فلم يكتنفوا له غبارا، وأقبل العامة وتركمان القبيبات، فانتهبوا ما بقي في معسكره من الشعير والاغنام والخيام، حتى جعلوا يقطعون الخيام والاطناب قطعا قطعا، فعدم له ولاصحابه من الامتعة ما يساوي ألف ألف درهم، وانتدب لطلبه والمسير وراءه الحاجب الكبير الذي قدم من الديار المصرية قريبا شهاب الدين بن صبح، أحد مقدمي الالوف، فسار على طريق الاشرفية ثم عدل إلى ناحية القريتين.
ولما كان يوم الاحد قدم الامير فخر الدين إياس صفد فيها فتلقاه الامراء والمقدمون، ثم جاء فنزل القصر وركب من آخر النهار في الجحافل، ولم يترك أحدا من الجند بدمشق إلا ركب معه وساق وراءه يلبغا فانبرا نحو البرية، فجعلت الاعراب يعترضونه من كل جانب، وما زالوا يكفونه حتى سار نحو حماة، فخرج نائبها وقد ضعف أمره جدا، وكل هو ومن معه من كثرة السوق ومصاولة الاعداء من كل جانب، فألقي بيده وأخذ سيفه وسيوف من معه واعتقلوا بحماة، وبعث بالسيوف إلى الديار المصرية، وجاء الخبر إلى دمشق صبيحة يوم الاربعاء رابع عشر هذا الشهر، فضربت البشائر بالقلعة وعلى باب الميادين على العادة، وأحدقت العساكر بحماة من كل جانب ينتظرون ما رسم به السلطان من شأنه، وقام إياس بجيش دمشق على حمص، وكذلك جيش طرابلس، ثم دخلت العساكر راجعة إلى دمشق يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر، وقدم يلبغا وهو مقيد على كديش هو وأبوه وحوله الامراء الموكلون به ومن معه من الجنود، فدخلوا به بعد عشاء الآخرة فاجتازوا به فم السبعة بعد ما غلقت الاسواق، وطفئت السرج، وغلقت الطاقات، ثم مروا على الشيخ رسلان والباب الشرقي على باب الصغير، ثم من عند مسجد الديان على المصلى، واستمروا ذاهبين نحو الديار المصرية، وتواترت البريدية من السلطان بما رسم به في أمره

وأصحابه الذين خرجوا معه من الاحتياط على حواصلهم وأموالهم وأملاكهم وغير ذلك، وقدم البريد من الديار المصرية يوم الاربعاء ثالث جمادى الآخرة فأخبر بقتل يلبغا فيما بين قاقون وغبرة، وأخذت رؤوسهما إلى السلطان وكذلك قتل بغبرة الامراء الثلاثة الذين خرجوا من مصر وحاكم الوزير ابن سرد ابن البغدادي، والدوادار طغيتمر وبيدمر البدري، أحد المقدمين، كان قد نقم عليه السلطان ممالاة يلبغا، فأخرجهم من مصر مسلوبين جميع أموالهم وسيرهم إلى الشام، فلما كانوا بغزة لحقهم البريد بقتلهم حيث وجدهم وكذلك رسم بقتل يلبغا حيث التقاه من الطريق، فلما انفصل البريد من غزة التقى يلبغا في طريق وادي فحمة فخنقه ثم احتز رأسه وذهب به إلى السلطان، وقدم أميران من الديار المصرية بالحوطة على حواصل يلبغا وطواشي من بيت المملكة، فتسلم مصاغا وجواهر نفيسة جدا، ورسم ببيع أملاكه وما كان وقفه على الجامع الذي كان قد شرع بعمارته بسوق الخيل، وكان قد اشتهر أنه وقف عليه القيسارية التي كان أنشأها ظاهر باب الفرج، والحمامين المتجاورين ظاهر باب الجابية غربي خان السلطان العتيق، وخصصا في قرايا أخرى كان قد استشهد على نفسه بذلك قبل ذلك فالله أعلم.
ثم طلاب بقية أصحابه من حماه فحملوا إلى الديار المصرية وعدم خبرهم، فلا يدرى على أي صفة هلكوا.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء الثامن عشر (1) من جمادى الآخرة من هذه السنة دخل الامير سيف الدين أرغون شاه دمشق المحروسة نائبا عليها، وكان قدومه من حلب، انفصل عنها وتوجه إليها الامير فخر الدين إياس الحاجب، فدخلها أرغون شاه في أبهة وعليه خلعة وعمامة بطرفين، وهو قريب الشكل من تنكز رحمه الله فنزل دار السعادة وحكم بها، وفيه صرامة وشهامة.
وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه صلي على الامير قراسنقر بالجامع الاموي وظاهر باب النصر، وحضر القضاة والاعيان والامراء، ودفن بتربته بميدان الحصا بالقرب من جامع الكريمي وعملت ليلة النصف على العادة من إشعال القناديل ولم يشعل الناس لما هم فيه من الغلاء وتأخر المطر وقلة الغلة، كل رطل إلا وقية بدرهم، وهو متغير، وسائر الاشياء غالية، والزيت كل رطل
بأربعة ونصف، ومثله الشيرج والصابون والارز والعنبريس كل رطل بثلاثة، وسائر الاطعمات على هذا النحو، وليس شئ قريب الحال سوى اللحم بدرهمين وربع، ونحو ذلك، وغالب أهل حوران يردون من الاماكن البعيدة ويجلبون القمح للمؤنة والبدار من دمشق، وبيع عندهم القمح المغربل كل مد بأربعة دراهم، وهم في جهد شديد، والله هو المأمول المسؤول وإذا سافر أحد يشق عليه تحصيل الماء لنفسه ولفرسه ودابته، لان المياه التي في الدرب كلها نفذت، وأما القدس فأشد حالا وأبلغ في ذلك.
ولما كان العشر الاخير من شعبان من هذه السنة من الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة على
__________
(1) في السلوك 2 / 737: السابع عشر.

عباده بإرسال الغيث المتدارك الذي أحيى العباد والبلاد، وتراجع الناس إلى أوطانهم لوجود الماء في الاودية والغدران، وامتلات بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة.
وجاءت بذلك البشائر إلى نائب السلطنة، وذكر أن الماء عم البلاد كلها، وأن الثلج على جبل بني هلال كثير، وأما الجبال التي حول دمشق فعليها ثلوج كثيرة جدا، واطمأنت القلوب وحصل فرج شديد ولله الحمد والمنة، وذلك في آخر يوم بقي من تشرين الثاني.
وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رمضان توفي الشيخ عز الدين محمد الحنبلي بالصالحية وهو خطيب الجامع المظفري، وكان من الصالحين المشهورين رحمه الله، وكان كثيرا ما يلقن الاموات بعد دفنهم، فلقنه الله حجته وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
مقتل المظفر وتولية الناصر حسن بن ناصر وفي العشر الاخير من رمضان جاء البريد من نائب غزة إلى نائب دمشق بقتل السلطان الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد، وقع بينه وبين الامراء فتحيزوا عنه إلى قبة النصر فخرج إليهم في طائفة قليلة فقتل في الحال (1) وسحب إلى مقبرة هناك، ويقال قطع قطعا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما كان يوم الجمعة آخر النهار ورد من الديار المصرية أمير للبيعة لاخيه السلطان الناصر حسن بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فدقت البشائر في القلعة المنصورة، وزين البلد بكماله ولله الحمد في السعة الراهنة من أمكن من الناس، وما أصبح صباح يوم السبت إلا زين البلد بكماله ولله الحمد على انتظام الكلمة، واجتماع الالفة.
وفي يوم الثلاثاء العشرين من شوال قدم الامير فخر الدين إياس نائب حلب محتاطا عليه، فاجتمع بالنائب في دار السعادة، ثم أدخل القلعة مضيقا عليه، ويقال إنه قد فوض أمره إلى نائب دمشق، فمهما فعل فيه فقد أمضى له، فأقام بالقلعة المنصورة نحوا من جمعة، ثم أركب على البريد ليسار به إلى الديار المصرية، فلم يدر ما فعل به.
وفي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة (2) توفي الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الاسلام وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي بتربة أم الصالح وصلي عليه يوم الاثنين
__________
(1) وكان ذلك بكرة يوم الاحد ثاني عشر رمضان سنة 748 ه (السلوك 2 / 743 النجوم الزاهرة 10 / 172 وفي بدائع الزهور 1 / 517: يوم الاحد ثاني عشر رمضان).
__________
(2) كذا بالاصل، وسلوك المقريزي 2 / 754 وفي بدائع الزهور 1 / 500 ذكرت وفاته سنة 744 ه وقال: ومن الناس من يذكر وفاته سنة 748 ه قال المقريزي: وكان مولده في ربيع الآخر سنة 673 ه.

صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه رحمه الله.
وفي يوم الاحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح رحم الله واقفها عوضا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درسا مشهودا ولله الحمد والمنة، أوردت فيه حديث أحمد عن الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما نسمة المؤمن طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم يبعثه " (1) وفي يوم الاربعاء تاسع عشره أمر نائب السلطنة بجماعة انتهبوا شيئا من الباعة فقطعوا أحد عشر منهم، وسمر عشرة (2) تسميرا تعزيرا وتأديبا انتهى والله
أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسبعمائة استهلت وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر ناصر الدين حسن بن الملك المنصور ونائبه بالديار المصرية الامير سيف الدين يلبغا (3)، ووزيره منجك، وقضاته عز الدين بن جماعة الشافعي وتقي الدين الاخنائي المالكي، وعلاء الدين بن التركماني الحنفي، وموفق الدين المقدسي الحنبلي، وكاتب سره القاضي علاء الدين بن محيي الدين بن فضل الله العمري، ونائب الشام المحروس بدمشق الامير سيف الدين أرغون شاه الناصري، وحاجب الحجاب الامير طيردمر الاسماعيلي، والقضاة بدمشق قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، وقاضي القضاة نجم الدين الحنفي، وقاضي القضاة جلال الدين المسلاتي المالكي، وقاضي القضاة علاء الدين بن منجا الحنبلي، وكاتب سره القاضي ناصر الدين الحلبي الشافعي، وهو قاضي العساكر بحلب، ومدرس الاسدية بها أيضا، مع إقامته بدمشق المحروسة، وتواترت الاخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد، فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل إن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفا (4)، وقرئ البخاري في يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الاول في هذه السنة، وحضر القضاة وجماعة من الناس، وقر أربعة بعد ذلك المقرؤن، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد، وذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض في السواحل وغيرها من أرجاء البلاد يتوهمون
__________
(1) أخرجه النسائي في الجنائز باب (117)، وابن ماجه في الزهد باب (32)، ومالك في الموطأ في الجنائز، (49)، والامام أحمد في المسند 3 / 455، 456، 460.
__________
(2) في الاصل: عشر.
__________
(3) تقدم مقتله في السنة السابقة، وفي السلوك وبدائع الزهور: بيبغا الناصري أخو منجك وهو غير يلبغا المقتول.
__________
(4) في السلوك 2 / 77 5: زيادة على اثنين وعشرين ألف انسان من ثاني المحرم إلى رابع صفر.

ويخافون وقوعه بمدينة دمشق، حماها الله وسلمها مع أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء.
وفي صبيحة يوم تاسعه اجتمع الناس بمحراب الصحابة وقرأوا متوزعين سورة نوح ثلاثة آلاف مرة وثلثمائة وثلاث (1) وستين مرة، عن رؤيا رجل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشده إلى قراءة ذلك كذلك.
وفي هذا الشهر أيضا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الاموات كل يوم على المائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، ولكنه بالنظر إلى كثرة أهل البلد قليل، وقد توفي في هذه الايام من هذا الشهر خلق كثر وجم غفير، ولا سيما من النساء، فإن الموت فيهم أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الاموات في هذا الشهر جدا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وتضاعف عدد الموتى منهم، وتعطلت مصالح الناس، وتأخرت الموتى عن إخراجهم، وزاد ضمان الموتى جدا فتضرر الناس ولا سيما الصعاليك، فإنه يؤخذ على الميت شئ كثير جدا، فرسم نائب السلطنة بإبطال ضمان النعوش والمغسلين والحمالين، ونودي بإبطال ذلك في يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر، ووقف نعوش كثيرة في أرجاء البلد واتسع الناس بذلك، ولكن كثرت الموتى فالله المستعان.
وفي يوم الاثنين ثالث والعشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام وأن يخرجوا في اليوم الرابع وهو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرعون إلى الله ويسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس ونام الناس في الجامع وأحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان، فلما أصبح الناس يوم الجمعة السابع والعشرين منه خرج الناس يوم الجمعة من كل فج عميق، واليهود والنصارى والسامرة، والشيوخ والعجائز والصبيان، والفقراء والامراء والكبراء والقضاة من بعد صلاة الصبح فما زالوا هنالك يدعون الله تعالى حتى تعالى النهار جدا، وكان يوما
مشهودا.
وفي يوم الخميس عاشر جمادى الاولى صلى الخطيب بعد صلاة الظهر على ستة عشر ميتا جملة واحدة، فتهول الناس من ذلك وانذعروا، وكان الوباء يومئذ كثيرا ربما يقارب الثلثمائة بالبلد وحواضره فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وصلى بعد صلاة على خمسة عشر ميتا بجامع دمشق، وصلى على إحدى عشر نفسا رحمهم الله.
وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين منه رسم نائب السلطنة بقتل الكلاب من البلد، وقد
__________
(1) في الاصل: وثلاثة.

كانت كثيرة بأرجاء البلد وربما ضرت الناس وقطعت عليهم الطرقات في أثنا الليل أما تنجيسها الاماكن فكثير قد عم الابتلاء به وشق الاحتراز منه، وقد جمعت جزءا في الاحاديث الورادة في قتلهم، واختلاف الائمة في نسخ ذلك، وقد كان عمر رضي الله عنه يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب ونص مالك في رواية ابن وهب على جواز قتل كلاب بلدة بعينها، إذا أذن الامام في ذلك للمصلحة.
وفي يوم الاثنين الثامن والعشرين منه توفي زين الدين عبد الرحمن بن شيخنا الحافظ المزي، بدار الحديث النورية وهو شيخنا، ودفن بمقابر الصوفية على والده.
وفي منتصف شهر جمادى الآخرة قوي الموت وتزايد وبالله المستعان، ومات خلائق من الخاصة والعامة ممن نعرفهم وغيرهم رحمهم الله وأدخلهم جنته، وبالله المستعان.
وكان يصلي في أكثر الايام في الجامع على أزيد من مائة ميت فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبعض الموتى لا يؤتى بهم إلى الجامع، وأما حول البلد وأرجائها فلا يعلم عدد من يموت بها إلا الله عزوجل رحمهم الله آمين.
وفي يوم الاثنين السابع والعشرين منه توفي الصدر شمس الدين بن الصباب التاجر السفار باني المدرسة الصبابية، التي هي دار قرآن بالقرب من الظاهرية، وهي قبلي العادلية الكبيرة، وكانت هذه البقعة برهة من الزمان خربة شنيعة، فعمرها هذا الرجل وجعلها دار قرآن
ودار حديث للحنابلة، ووقف هو غيره عليها أوقافا جيدة رحمه الله تعالى.
وفي يوم الجمعة ثامن شهر رجب صلي بعد الجمعة بالجامع الاموي على غائب: على القاضي علاء الدين ابن قاضي شهبة، ثم صلي على إحدى وأربعين نفسا جملة واحدة، فلم يتسع داخل الجامع لصفهم بل خرجوا ببعض الموتى إلى ظاهر باب السر، وخرج الخطيب والنقيب فصلى عليهم كلهم هناك، وكان وقتا مشهودا، وعبرة عظيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي هذا اليوم توفي التاجر المسمى بافريدون الذي بنى المدرسة التي بظاهر باب الجابية تجاه تربة بهادرآص، حائطها من حجارة ملونة، وجعلها دارا للقرآن العظيم ووقف عليها أوقافا جيدة، وكان مشهورا مشكورا رحمه الله وأكرم مثواه.
وفي يوم السبت ثالث رجب صلي على الشيخ علي المغربي أحد أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية بالجامع الافرمي بسفح قاسيون، ودفن بالسفح رحمه الله، وكانت له عبادة وزهادة وتقشف وورع ولم يتول في هذه الدنيا وظيفة بالكلية، ولم يكن له مال بل كان يأتي بشئ من الفتوح يستنفقه قليلا قليلا، وكان يعاني التصوف، وترك زوجته وثلاثة أولاد رحمه الله.
وفي صبيحة يوم الاربعاء سابع رجب صلي على القاضي زين الدين بن النجيح نائب القاضي الحنبلي، بالجامع المظفري، ودفن بسفح قاسيون، وكان مشكورا في القضاء، لديه فضائل

كثيرة، وديانة وعبادة، وكان من أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان قد وقع بينه وبين القاضي الشافعي مشاجرات بسبب أمور، ثم اصطلحا فيما بعد ذلك.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارا شديدا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الامر إلا شدة، وبالله المستعان.
وبلغ المصلى عليهم في الجامع الاموي إلى نحو المائة وخمسين، وأكثر من ذلك، خارجا عمن لا يؤتى بهم إليه من
أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفا في كثير من الايتام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وصلي بعد الظهر من هذا اليوم بالجامع المظفري على الشيخ إبراهيم بن المحب، الذي كان يحدث في الجامع الاموي وجامع تنكز، وكان مجلسه كثير الجمع لصلاحه وحسن ما كان يؤديه من المواعيد النافعة، ودفن بسفح قاسيون، وكانت جنازته حافلة رحمه الله.
وعملت المواعيد بالجامع الاموي ليلة سبع وعشرين من رجب، يقولون ليلة المعراج، ولم يجتمع الناس فيه على العادة لكثرة من مات منهم، ولشغل كثير من الناس بمرضاهم وموتاهم.
واتفق في هذه الليلة أنه تأخر جماعة من الناس في الخيم ظاهر البلد فجاؤوا ليدخلوا من باب النصر على عادتهم في ذلك، فكأنه اجتمع خلق منهم بين البابين فهلك كثير منهم كنحو ما يهلك الناس في هذا الحين على الجنائز، فانزعج نائب السلطنة فخرج فوجدهم فأمر بجمعهم، فلما أصبح الناس أمر بتسميرهم ثم عفا عنهم وضرب متولي البلد ضربا شديدا، وسمر نائبه في الليل، وسمر البواب بباب النصر، وأمر أن لا يمشي أحد بعد عشاء الآخرة، ثم تسمح لهم في ذلك.
واستهل شهر شعبان والفناء في الناس كثير جدا، وربما أنتنت البلد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وتوفي الشيخ شمس الدين بن الصلاح مدرس القيمرية الكبيرة بالمطرزيين، يوم الخميس ثالث عشر شعبان وفي يوم الجمعة رابع عشر شعبان صلي بعد الصلاة على جماعة كثيرة، منهم القاضي عماد الدين بن الشيرازي، محتسب البلد، وكان من أكابر روساء دمشق، وولي نظر الجامع مدة، وفي بعض الاوقاف نظر الاوقاف، وجمع له في وقت بينهما ودفن بسفح قاسيون.
وفي العشر الاخير من شهر شوال توفي الامير قرابغا دويدار النائب، بداره غربي حكر السماق، وقد أنشأ له إلى جابنها تربة ومسجدا، وهو الذي أنشأ السويقة المجددة عند داره، وعمل لها بابين شرقيا وغربيا، وضمنت بقيمة كثيرة بسبب جاهه، ثم بارت وهجرت لقلة الحاجة إليها، وحضر الامراء والقضاة والاكابر جنازته، ودفن بتربته هناك، وترك أموالا جزيلة وحواصل كثيرة جدا، أخذه مخدومه نائب السلطنة.

وفي يوم الثلاثاء سابع شهر ذي القعدة توفي خطيب الجامع، الخطيب تاج الدين عبد الرحيم ابن القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني، بدار الخطابة، مرض يومين وأصابه ما أصاب الناس من الطاعون، وكذلك عامة أهل بيته من جواريه وأولاده، وتبعه أخوه بعد يومين صدر الدين عبد الكريم، وصلي على الخطيب تاج الدين بعد الظهر يومئذ عند باب الخطابة ودفن بتربتهم بالصوفية عند أبيه وأخويه بدر الدين محمد، وجمال الدين عبد الله رحمهم الله.
وفي يوم الخميس تاسعه اجتمع القضاة وكثير من الفقهاء المفتيين عند نائب السلطنة بسبب الخطابة، فطلب إلى المجلس الشيخ جمال الدين بن محمود بن جملة فولاه إياها نائب السلطنة، وانتزعت من يده وظائف كان يباشرها، ففرقت على الناس، فولى القاضي بهاء الدين أبو البقاء تدريس الظاهرية البرانية، وتوزع الناس بقية جهاته، ولم يبق بيده سوى الخطابة، وصلى بالناس يومئذ الظهر، ثم خلع عليه في بكرة نهار الجمعة، وصلى بالناس يومئذ وخطبهم على قاعدة الخطباء.
وفي يوم عرفة، وكان يوم السبت، توفي القاضي شهاب الدين بن فضل الله كاتب الاسرار الشريفة بالديار المصرية، والبلاد الشامية، ثم عزل عن ذلك ومات وليس يباشر شيئا من ذلك من رياسة وسعادة وأموال جزيلة، وأملاك ومرتبات كثيرة، وعمر دارا هائله بسفح قاسيون بالقرب من الركنية شرقيها ليس بالسفح مثلها، وقد انتهت إليه رياسة الانشاء، وكان يشبه بالقاضي الفاضل في زمانه، وله مصنفات عديدة بعبارات سعيدة، وكان حسن المذاكرة سريع الاستحضار جيد الحفظ فصيح اللسان جميل الاخلاق، يحب العلماء والفقراء، ولم يجاوز الخمسين (1)، توفي بدارهم داخل باب الفراديس، وصلي عليه بالجامع الاموي، ودفن بالسفح مع أبيه وأخيه بالقرب من اليغمورية سامحه الله وغفر له.
وفي هذا اليو توفي الشيخ عبد الله بن رشيق المغربي، كاتب مصنفات شيخنا العلامة ابن تيمية، كا أبصر بخط الشيخ منه، إذا عزب شئ منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا،
وكان سريع الكتابة لا بأس به، دينا عابدا كثير التلاوة حسن الصلاة، له عيال وعليه ديون رحمه الله وغفر له آمين.
ثم دخلت سنة خمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك من البلاد الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائب الديار المصرية مدير ممالكه والاتابك سيف
__________
(1) كان مولده بدمشق في ثالث شوال سنة 700 ه ووفاته بها في تاسع ذي الحجة سنة 749 ه (السلوك 2 / 792).

الدين يلبغا (1)، وقضاة الديار المصرية هم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام الامير سيف الدين أرغون شاه الناصري، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، وكذلك أرباب الوظائف سوى الخطيب وسوى المحتسب.
وفي هذه السنة ولله الحمد تقاصر أمر الطاعون جدا ونزل ديوان المواريث إلى العشرين وما حولها بعد أن بلغ الخمسمائة في أثناء سنة تسع وأربعين، ثم تقدم ولكن لم يرتفع بالكلية، فإن في يوم الاربعاء رابع شهر المحرم توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن الثقة هو وابنه وأخوه في ساعة واحدة بهذا المرض، وصلي عليهم جميعا، ودفنوا في قبر واحد رحمهم الله تعالى.
وفي يوم الاربعاء الخامس والعشرين من المحرم توفي صاحبنا الشيخ الامام العالم العابد الزاهد الناسك الخاشع ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر بن الصائغ الشافعي، مدرس العمادية كان رحمه الله لديه فضائل كثيرة على طريقة السلف الصالح، وفيه عبادة كثيرة وتلاوة وقيام ليل وسكون حسن، وخلق حسن، جاوز الاربعين بنحو من ثلاث سنين، رحمه الله وأكرم مثواه.
وفي يوم الاربعاء ثالث صفر باشر تقي الدين بن رافع المحدث مشيخة دار الحديث النورية، وحضر عنده جماعة من الفضلاء والقضاة والاعيان، انتهى والله تعالى أعلم.
مسك نائب السلطنة أرغون شاه
وفي ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الاول مسك نائب السلطنة بدمشق الامير سيف الدين أرغون شاه، وكان قد انتقل إلى القصر الابلق بأهله، فما شعر بوسط الليل إلا ونائب طرابلس الامير سيف الدين ألجي بغا المظفري الناصري، ركب إليه في طائفة من الامراء الالوف وغيرهم، فأحاطوا به ودخل عليه من دخل وهو مع جواريه نائم، فخرج إليهم فقبضوا عليه وقيدوه ورسموا عليه، وأصبح الناس أكثرهم لا يشعر بشئ مما وقع، فتحدث الناس بذلك واجتمعت الاتراك إلى الامير سيف الدين ألجي بغا المذكور، ونزل بظاهر البلد، واحتيط على حواصل أرغون شاه، فبات عزيزا وأصبح ذليلا، وأمسى علينا نائب السلطنة فأصبح وقد أحاط به الفقر والمسكنة فسبحان من بيده الامر مالك الملك (يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء) (2) وهذا كما قال الله تعالى (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون.
أفأمنوا مكر الله فلا يأمن
__________
(1) تقدم انظر صفحة 259 حاشية رقم 3.
__________
(2) سورة آل عمران الاية 26 وصوابها بالتاء: تؤتي الملك من تشاء...وقد جاءت هنا خطأ بالياء.

مكر الله إلا القوم الخاسرون) [ الاعراف: 99 ] ثم لما كان ليلة الجمعة الرابع والعشرين من ربيع الاول (1) أصبح مذبوحا فأثبت محضر بأنه ذبح نفسه فالله تعالى أعلم.
كائنة عجيبة غريبة جدا ثم لما كان يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الاول سنة خمسين وسبعمائة وقع اختلاف بين جيش دمشق وبين الامير سيف الدين ألجي بغا، نائب طرابلس، الذي جاء فأمسك نائب دمشق الامير سيف الدين أرغون شاه الناصري، ليلة الخميس وقتله ليلة الجمعة كما تقدم، وأقام بالميدان الاخضر يستخلص أمواله وحواصله، ويجمعها عنده، فأنكر عليه الامراء الكبار، وأمروه أن يحمل الاموال إلى قلعة السلطان فلم يقبل منهم، فاتهموه في أمره، وشكوا في الكتاب على يده من الامر بمسكه وقتله، وركبوا ملبسين تحت القلعة وأبواب الميادين، وركب هو في أصحابه وهم
في دون المائة، وقائل يقول هم ما بين السبعين إلى الثمانين والتسعين، جعلوا يحملون على الجيش حمل المستقتلين، إنما يدافعهم مدافعة المتبرئين، وليس معهم مرسوم بقتلهم ولا قتالهم، فلهذا ولى أكثرهم منهزمين، فخرج جماعة من الجيش حتى بعض الامراء المقدمين، وهو الامير الكبير سيف الدين ألجي بغا العادلي، فقطعت يده اليمنى، وقد قارب التسعين، وقتل آخرون من أجناد الحلقة والمستخدمين، ثم انفصل الحال على أن أخذ ألجي بغا المظفري من خيول أرغون شاه المرتبطة في اسطبله ما أراد، ثم انصرف من ناحية المزة صاغرا على عقبيه، ومعه الاموال التي جمعها من حواصل أرغون شاه، واستمر ذاهبا، ولم يتبعه أحد من الجيش، وصحبته الامير فخر الدين إياس، الذى كان حاجبا، وناب في حلب في العام الماضي، فذهبا بمن معهما إلى طرابلس، وكتب أمراء الشام إلى السلطان يعلمونه بما وقع، فجاء البريد بأنه ليس عند السلطان علم بما وقع بالكلية، وأن الكتاب الذي جاء على يديه مفتعل، وجاء الامر لاربعة آلاف من الجيش الشامي أن يسيروا وراءه ليمسكوه ثم أضيف نائب صفد مقدما على الجميع، فخرجوا في العشر الاول من ربيع الآخر.
وفي يوم الاربعاء سادس ربيع الآخر خرجت العساكر في طلب سيف الدين ألجي بغا العادلي في المعركة وهو أحد أمراء الالوف المقدمين، ولما كانت ليلة الخميس سابعه نودي بالبلد على من يقربها من الاجناد أن لا يتأخر أحد عن الخروج بالغد، فأصبحوا في سرعة عظيمة واستنيب في البلد نيابة عن النائب الراتب الامير بدر الدين الخطير، فحكم بدار السعادة على عادة النواب.
وفي ليلة السبت بين العشاءين سادس عشره دخل الجيش الذين خرجوا في طلب ألجي بغا المظفري، وهو معهم أسير ذليل حقير، وكذلك الفخر إياس الحاجب مأسور معهم، فأودعا في القلعة مهانين من جسر باب النصر الذي تجاه دار السعادة، وذلك بحضور الامير بدر الدين الخطير
__________
(1) في بدائع الزهور 1 / 1 / 534: رجب.

نائب الغيبة، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، ولله الحمد والمنة فلما كان يوم الاثنين الثامن عشر منه خرجا من القلعة إلى سوق الخيل فوسطا بحضرة الجيش، وعلقت جثتهما على الخشب (1) ليراهما
الناس، فمكثا أياما ثم أنزلا فدفنا بمقابر المسلمين.
وفي أوائل شهر جمادى الآخرة جاء الخبر بموت نائب حلب سيف الدين قطلبشاه ففرح كثير من الناس بموته وذلك لسوء أعماله في مدينة حماة في زمن الطاعون، وذكر أنه كان يحتاط على التركة وإن كان فيها ولد ذكر أو غيره، ويأخذ من أموال الناس جهرة، حتى حصل له منها شئ كثير، ثم نقل إلى حلب بعد نائبها الامير سيف الدين أرقطيه الذي كان عين لنيابة دمشق بعد موت أرغون شاه، وخرج الناس لتلقيه فما هو إلا أن برز منزلة واحدة من حلب فمات بتلك المنزلة (2)، فلما صار قطلبشاه إلى حلب لم يقم بها إلا يسيرا حتى مات، ولم ينتفع بتلك الاموال التي جمعها لا في دنياه ولا في أخراه.
ولما كان يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة دخل الامير سيف الدين أيتمش الناصري من الديار المصرية إلى دمشق نائبا عليها، وبين يديه الجيش على العادة، فقبل العتبة ولبس الحياصة (3) والسيف، وأعطي تقليده ومنشوره هنالك، ثم وقف في الموكب على عادة النواب، ورجع إلى دار السعادة وحكم، وفرح الناس به، وهو حسن الشكل تام الخلقة، وكان الشام بلا نائب مستقل قريبا من شهرين ونصف.
وفي يوم دخوله حبس أربعة أمراء من الطبلخانات، وهم القاسمي وأولاد آل أبو بكر اعتقلهم في القلعة لممالاتهم ألجي بغا المظفري، على أرغون شاه نائب الشام.
وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة حكم القاضي نجم الدين بن القاضي عماد الدين الطرسوسي الحنفي، وذلك بتوقيع سلطاني وخلعة من الديار المصرية.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي وبين الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، على يدي الامير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق.
وفي يوم الجمعة السادس والعشرين منه نقلت جثة الامير سيف الدين أرغون شاه من مقابر الصوفية إلى تربة التي أنشأها تحت الطارمة، وشرع في تكميل التربة والمسجد الذي قبلها، وذلك
__________
(1) في السلوك 2 / 803: يوم الخميس حادي عشري ربيع الآخر.
__________
(2) وكان ذلك يوم الاربعاء خامس جمادى الاولى، عن نحو ثمانين سنة.
__________
(3) الحياصة: ويعبر عنها بالمنطقة، ويقال فيها: الحواصة: وهو ما يشد في الوسط وهي من الآلات القديمة، يلبسها الملك الامراء عند إلباسهم الخلع والتشاريف، وتختلف بحسب اختلاف الرتب فمنها ما يكون من ذهب مرصع بالفصوص، ومنها ما ليس كذلك (صبح الاعشى 2 / 134).

أنه عاجلته المنية على يد ألجي بغا المظفري قبل إتمامهما، وحين قتلوه ذبحا ودفنوه ليلا في مقابر الصوفية، قريبا من قبر الشيخ تقي الدين بن الصلاح، ثم حول إلى تربته في الليلة المذكورة، وفي يوم السبت تاسع عشر رجب أذن المؤذنون للفجر قبل الوقت بقريب من ساعة، فصلى الناس في الجامع الاموي على عادتهم في ترتيب الائمة، ثم رأوا الوقت باقيا فأعاد الخطيب الفجر بعد صلاة الائمة كلهم، وأقيمت الصلاة ثانيا، وهذا شئ لم يتفق مثله.
وفي يوم الخميس ثامن شهر شعبان توفي قاضي القضاة علاء الدين بن منجا الحنبلي بالمسمارية، وصلي عليه الظهر بالجامع الاموي، ثم بظاهر باب النصر، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله.
وفي يوم الاثنين رمضان بكرة النهار استدعي الشيخ جمال الدين المرداوي من الصالحية إلى دار السعادة، وكان تقليد القضاء لمذهبه قد وصل إليه قبل ذلك بأيام، فأحضرت الخلعة بين يدي النائب والقضاة الباقين، وأريد على لبسها وقبول الولاية فامتنع، فألحوا عليه فصمم وبالغ في الامتناع وخرج وهو مغضب فراح إلى الصالحية فبالغ الناس في تعظيمه، وبقي القضاة يوم ذلك في دار السعادة، ثم بعثوا إليه بعد الظهر فحضر من الصالحية فلم يزالوا به حتى قبل ولبس الخلعة وخرج إلى الجامع، فقرئ تقليده بعد العصر، واجتمع معه القضاة وهنأه الناس، وفرحوا به لديانته وصيانته وفضيلته وأمانته.
وبعد هذا اليوم بأيام حكم الفقيه شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي نيابة عن قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي، وابن مفلح زوج ابنته.
وفي العشر
الاخير من ذي القعدة حضر الفقيه الامام المحدث المفيد أمين الدين الايجي المالكي مشيخة دار الحديث بالمدرسة الناصرية الجوانية، نزل عنها الصدر أمين الدين بن القلانسي، وكيل بيت المال، وحضر عنده الاكابر والاعيان.
وفي أواخر هذه السنة تكامل بناء التربة التي تحت الطارمة المنسوبة إلى الامير سيف الدين أرغون شاه، الذي كان نائب السلطنة بدمشق، وكذلك القبلي منها، وصلى فيها الناس، وكان قبل ذلك مسجدا صغيرا فعمره وكبره، وجاء كأنه جامع تقبل الله منه انتهى.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة استهلت وسلطان الشام ومصر الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائبه بمصر الامير سيف الين يلبغا (1) وأخوه سيف الدين منجك الوزير، والمشارون جماعة من المقدمين بديار مصر، وقضاة مصر وكاتب السر هم الذين كانوا في السنة الماضية، ونائب الشام الامير سيف الدين أرتيمش الناصري، والقضاة هم القضاة سوى الحنبلي فإنه الشيخ جمال الدين يوسف
__________
(1) في السلوك وبدائع الزهور: بيبغا الناصري.
)

المرداوي، وكاتب السر، وشيخ الشيوخ تاج الدين، وكاتب الدست هم المتقدمون، وأضيف إليهم شرف الدين عبد الوهاب بن القاضي علاء الدين بن شمرنوخ، والمحتسب القاضي عماد الدين بن العزفور، وشاد الاوقاف الشريف، وناظر الجامع فخر الدين بن العفيف، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة رحمه الله.
وفي يوم السبت عاشر المحرم نودي بالبلد من جهة نائب السلطان عن كتاب جاءه من الديار المصرية أن لا تلبس النساء الاكمام الطوال العرض، ولا البرد الحرير، ولا شيئا من اللباسات والثياب الثمينة، ولا الاقمشة القصار، وبلغنا أنهم بالديار المصرية شددوا في ذلك جدا، حتى قيل إنهم غرقوا بعض النساء بسبب ذلك فالله أعلم.
وجددت وأكملت في أول هذه السنة دار قرآن قبلي تربة امرأة تنكز، بمحلة باب الخواصين
حولها، وكانت قاعة صورة مدرسة الطواشي صفي الدين عنبر، مولى ابن حمزة، وهو أحد الكبار الاجواد، تقبل الله منه.
وفي يوم الاحد خامس شهر جمادى الاولى فتحت المدرسة الطيبانية التي كانت دارا للامير سيف الدين طيبان بالقرب من الشامية الجوانية، بينها وبين أم الصالح، اشتريت من ثلثه الذي وصى به، وفتحت مدرسة وحول لها شباك إلى الطريق في ضفتها القبلية منها، وحضر الدرس بها في هذا اليوم الشيخ عماد الدين بن شريف الدين ابن عم شيخ كمال الدين بن الزملكاني بوصية الواقف له بذلك، وحضر عنده قاضي القضاة السبكي والمالكي وجماعة من الاعيان، وأخذ في قوله تعالى (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) الآية [ فاطر: 2 ].
واتفق في ليلة الاحد السادس والعشرين من جمادى الاولى أنه لم يحضر أحد من المؤذنين على السدة في جامع دمشق وقت إقامة الصلاة للمغرب سوى مؤذن واحد، فانتظر من يقيم معه الصلاة فلم يجئ أحد غيره مقدار درجة أو أزيد منها، فأقام هو الصلاة وحده، فلما أحرم الامام بالصلاة تلاحق المؤذنون في أثناء الصلاة حتى بلغوا دون العشرة، وهذا أمر غريب من عدة ثلاثين مؤذن أو أكثر، لم يحضر سوى مؤذن واحد، وقد أخبر خلق من المشايخ أنهم لم يروا نظير هذه الكائنة.
وفي يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة اجتمع القضاة بمشهد عثمان، وكان الفاضل الحنبلي قد حكم في دار المعتمد الملاصقة لمدرسة الشيخ أبي عمر يلبغا، وكانت وقفا، لتضاف إلى دار القرآن، ووقف عليها أوقاف للفقراء، فمنعه الشافعي من ذلك، من أجل أنه يؤول أمرها أن تكون دار حديث ثم فتحوا بابا آخر وقالوا: هذه الدار لم يستهدم جميعا، وما صادف الحكم محلا، لان مذهب الامام أحمد أن الوقف يباع إذا استهدم بالكلية، ولم يبق ما ينتفق به، فحكم القاضي الحنفي بإثباتها وقفا كما كانت، ونفذه الشافعي والمالكي، وانفصل الحال على ذلك، وجرت أمور طويلة، وأشياء عجيبة.
وفي يوم الاربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة أصبح بواب المدرسة المستجدة التي

يقال لها الطيبانية إلى جانب أم الصالح مقتولا مذبوحا، وقد أخذت من عنده أموال من المدرسة
المذكورة ولم يطلع على فاعل ذلك، وكان البواب رجلا صالحا مشكورا رحمه الله.
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الامام العلامة شمس الدين محمد ين أبي بكر بن أيوب الزرعي، إمام الجوزية، وابن قيمها، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الاموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير رحمه الله.
ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في العلوم المتعددة، لا سيما علم التفسير والحديث والاصلين، ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علما جما، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا، وكثرة الابتهال.
وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذية، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له وأحب إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطليها جدا ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الاحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك رحمه الله، وله من التصانيف الكبار والصغار شئ كثير، وكتب بخطه الحسن شيئا كثيرا، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشرة من كتب السلف والخلف، وبالجملة كان قليل النصير في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والاخلاق الصالحة، سامحه الله ورحمه، وقد كان متصديا للافتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين بن تيمية، وجرت بسببها فصول يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره، وقد كانت جنازته حافلة رحمه الله، شهدها القضاة والاعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه، وكمل له من العمر ستون سنة رحمه الله.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الامام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية عوضا عن أبيه رحمه الله فأفاد وأجاد، وسرد طرفا صالحا في فضل العلم وأهله، انتهى والله تعالى أعلم.
ومن العجائب والغرائب التي لم يتفق مثلها ولم يقع من نحو مائتي سنة وأكثر، أنه بطل الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة.
وفرح أهل العلم بذلك، وأهل الديانة، وشكر الله تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد، والاستيجار بالجامع الاموي، وكان ذلك بمرسوم السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون خلد الله ملكه،

وشيدا أركانه وكان الساعي لذلك بالديار المصرية الامير حسام الدين أبو بكر بن النجيبي بيض الله وجهه، وقد كان مقيما في هذا الحين بالديار المصرية، وقد كنت رأيت عنده فتيا عليها خط الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وغيرهما في إبطال هذه البدعة، فأنفذ الله ذلك ولله الحمد والمنة.
وقد كانت هذه البدعة قد استقرت بين أظهر الناس من نحو سنة خمسين وأربعمائة وإلى زماننا هذا، وكم سعى فيها من فقيه وقاضي ومفت وعالم وعابد وأمير وزاهد ونائب سلطنة وغيرهم ولم ييسر الله ذلك إلا في عامنا هذا، والمسؤول من الله إطالة عمر هذا السلطان، ليعلم الجهلة الذين استقر في أذهانهم إذا أبطل هذا الوقيد في عام يموت سلطان الوقت، وكان هذا لا حقيقة له ولا دليل عليه إلا مجرد الوهم والخيال.
وفي مستهل شهر رمضان اتفق أمر غريب لم يتفق مثله من مدة متطاولة، فيما يتعلق بالفقهاء والمدارس، وهو أنه كان قد توفي ابن الناصح الحنبلي بالصالحية، وكان بيده نصف تدريس الضاحية التي للحنابلة بالصالحية، والنصف الآخر للشيخ شرف الدين ابن القاضي شرف الدين الحنبلي شيخ الحنابلة بدمشق، فاستنجز مرسوما بالنصف الآخر، وكانت بيده ولاية متقدمة من القاضي علاء الدين بن المنجا الحنبلي، فعارضه في ذلك قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي، وولى فيها نائبه شمس الدين بن مفلح، ودرس بها قاضي القضاة في صدر هذا اليوم، فدخل القضاة الثلاثة الباقون ومعهم الشيخ شرف الدين المذكور إلى نائب السلطنة، وأنهوا إليه صورة الحال، فرسم له بالتدريس، فركب القضاة المذكورون وبعض الحجاب في خدمته إلى
المدرسة المذكورة، واجتمع الفضلاء والاعيان، ودرس الشيخ شرف الدين المذكور، وبث فضائل كثيرة، وفرح الناس.
وفي شوال كان في جملة من توجه إلى الحج في هذا العام نائب الديار المصرية ومدبر ممالكها الامير سيف الدين يلبغا (1) الناصري، ومعه جماعة من الامراء، فلما استقل الناس ذاهبين نهض جماعة من الامراء على أخيه الامير سيف الدين منجك، وهو وزير المملكة، وأستاذ دار الاستادارية، وهو باب الحوائج في دولتهم، وإليه يرحل ذوو الحاجات بالذهب والهدايا، فأمسكوه (2) وجاءت البريدية إلى الشام في أواخر هذا الشهر بذلك، وبعد أيام يسيرة وصل الامير سيف الدين شيخون، وهو من أكابر الدولة المصرية تحت الترسيم، فأدخل إلى قلعة دمشق، ثم
__________
(1) انظر صفحة 259 و 267.
__________
(2) وكان ذلك يوم السبت الرابع عشر شوال.
وتم ذلك في اجتماع دعا إليه السلطان وحضره القضاة والامراء وشد نفسه.
وثبت رشده في ذلك اليوم، واستعذر الاوصية من الامراء فأعذروا له في ذلك، وسلموا إليه أمور المملكة، وكان أول ما قام به القبض على جماعة من الامراء وتقييدهم، قال ابن إياس في بدائع الزهور: وهذا أول تصرفه في أمور المملكة (انظر السلوك 2 / 822 وبدائع الزهور 1 / 1 / 536).

أخذ منها بعد ليلة فذهب به إلى الاسكندرية فالله أعلم.
وجاء البريد بالاحتياط على ديوانه وديوان منجك بالشام وأيس من سلامتهما، وكذلك وردت الاخبار بمسك يلبغا في أثناء الطريق (1)، وأرسل سيفه إلى السلطان، وقدم أمير من الديار المصرية فحلف الامراء بالطاعة إلى السلطان، وكذلك سار إلى حلب فحلف من بها من الامراء ثم عاد إلى دمشق ثم عاد راجعا إلى الديار المصرية، وحصل له من الاموال شئ كثير من النواب والامراء.
وفي يوم الخميس العشرين من ذي القعدة مسك الاميران الكبيران الشاميان المقدمان شهاب الدين أحمد بن صبح، وملك آص، من دار السعادة بحضرة نائب السلطنة والامراء ورفعا إلى القلعة المنصورة، سير بهما ماشيين من دار السعادة إلى باب القلعة من ناحية دار الحديث، وقيدا
وسجنا بها، وجاء الخبر بأن السلطان استوزر بالديار المصرية القاضي علم الدين زينور (2)، وخلع عليه خلعة سنية، لم يسمع بمثلها من أعصار متقادمة، وباشر وخلع على الامراء والمقدمين، وكذلك خلع على الامير سيف الدين طسبغا وأعيد إلى مباشرة الدويدارية بالديار المصرية، وجعل مقدما.
وفي أوائل شهر ذي الحجة اشتهر أن نائب صفد شهاب الدين أحمد بن مشد الشربخانات طلب إلى الديار المصرية فامتنع من إجابة الداعي، ونقض العهد، وحصن قلعتها، وحصل فيها عددا ومددا وادخر أشياء كثيرة بسبب الاقامة بها والامتناع فيها، فجاءت البريدية إلى نائب دمشق يأن يركب هو وجميع جيش دمشق إليه، فتجهز الجيش لذلك وتأهبوا، ثم خرجت الاطلاب على راياتها، فلما برز منها بعض بدا لنائب السلطنة فردهم وكان السلطنة فردهم وكان له خبرة عظيمة، ثم استقر الحال على تجريد أربعة مقدمين بأربعة آلاف إليه (3).
وفي يوم الخميس ثاني عشره وقعت كائنة غريبة بمنى وذلك أنه اختلف الامراء المصريون والشاميون مع صاحب اليمن الملك المجاهد (4)، فاقتتلوا قتالا شديدا قريبا من وادي محسر، ثم انجلت الوقعة عن أسر صاحب اليمن الملك المجاهد فحمل مقيدا إلى مصر، كذلك جاءت بها
__________
(1) وكان ذلك يوم الاربعاء السادس والعشرين من ذي القعدة، في الطريق إلى الحج، وكان ذلك في المنزلة وهي بلدة المويلح، وهي على شاطئ البحر الاحمر جنوبي العقبة (انظر السلوك 2 / 827 وانظر حاشية 3 في تلك الصفحة، والنجوم الزاهرة 10 / 223).
__________
(2) في السلوك 2 / 828: زنبور، وكان ذلك يوم الخميس السابع والعشرين ذي القعدة.
* (هامش * (3) وانكشف عنه مؤيدوه، فوافق على الطاعة وسلم نفسه لنائب طرابلس بكلمش، وعلم السلطان فطلب إرساله إليه.
(السلوك 2 / 831) وقدم إلى الديار المصرية يوم الخميس ثامن عشرين المحرم فأرسل إلى الاسكندرية فسجن بها (السلوك 2 / 837).
__________
(4) وهو علي بن المؤيد داود بن المظفر أبو سعيد المنصوري عمر بن رسول (انظر النجوم الزاهرة 10 / 226).

كتب الحجاج وهم أخبروا بذلك.
واشتهر في أواخر ذي الحجة أن نائب حلب الامير سيف الدين أرغون الكاملي قد خرج عنها بمماليكه وأصحابه فرام الجيش الحلبي رده فلم يستطيعوا ذلك، وجرح منهم جراحات كثيرة، وقتل جماعة فإنا لله وإنا إليه راجعون، واستمر ذاهبا وكان في أمله فيما ذكر أن يتلقى سيف الدين يلبغا (1) في أثناء طريق الحجاز فيتقدم معه إلى دمشق، وإن كان نائب دمشق قد اشتغل في حصار صفد أن يهجم عليها بغتة فيأخذها، فلما سار بمن معه وأخذته القطاع من كل جانب ونهبت حواصله وبقي تجريدة في نفر يسير من مماليكه، فاجتاز بحماة ليهربه نائبها فأبى عليه، فلما اجتاز بحمص وطن نفسه على المسير إلى السلطان بنفسه، فقدم به نائب حمص وتلقاه بعض الحجاب وبعض مقدمي (2) الالوف ودخل يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين الشهر، وهو في أبهة، فنزل بدار السعادة في بعض قاعات الدويدارية انتهى.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد الشامية والديار المصرية والحرمين الشريفين وما يلحق بذلك من الاقاليم والبلدان، الملك الناصر حسن بن السلطان الملك محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية يلبغا (1) الملقب بحارس الطير، وهو عوضا عن الامير سيف الدين يلبغا (1) أروش الذي راح إلى بلاد الحجاز، ومعه جماعة من الامراء بقصد الحج الشريف، فعزله السلطان في غيبته وأمسك على شيخون واعتقله وأخذ منجك الوزير، وهو أستاذ دار ومقدم ألف، واصطفى أمواله، واعتاض عنه وولى مكانه في الوزارة القاضي علم الدين بن زينور (3)، واسترجع إلى وظيفة الدويدارية الامير سيف الدين طسبغا الناصري، وكان أميرا بالشام مقيما منذ عزل إلى أن أعيد في أواخر السنة كما تقدم.
وأما كاتب السر بمصر وقضاتها فهم المذكورون في التي قبلها.
واستهلت هذه السنة ونائب صفد قد حصن القلعة وأعد فيها عدتها وما ينبغي لها من الاطعمات والذخائر والعدد والرجال، وقد نابذ المملكة وحارب، وقد قصدته العساكر من كل جانب من الديار المصرية ودمشق وطرابلس وغيرها، والاخبار قد ضمنت عن يلبغا (1) ومن معه
ببلاد الحجاز ما يكون من أمره، ونائب دمشق في احتراز وخوف من أن يأتي إلى بلاد الشام فيدهمها بمن معه، والقلوب وجلة من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها ورد الخبر أن صاحب اليمن
__________
(1) في السلوك: بيبغا.
__________
(2) في الاصل: مقدمين.
__________
(3) في السلوك: زنبور.

حج في هذه السنة فوقع بينه وبين صاحب مكة عجلان بسبب أنه أراد أن يولي عليها أخاه بعيثة، فاشتكى عجلان ذلك إلى أمراء المصريين وكبيرهم إذ ذاك الامير سيف الدين بزلار ومعهم طائفة كثيرة، وقد أمسكوا أخاهم يلبغا (1) وقيدوه، فقوي رأسه عليهم واستخف بهم، فصبروا حتى قضى الحج وفرغ الناس من المناسك، فلما كان يو النفر الاول يوم الخميس تواقفواهم وهو فقتل من الفريقين خلق كثير، والاكثر من اليمنيين، وكانت الوقعة قريبة من وادي محسر، وبقي الحجيج خائفين أن تكون الدائرة على الاتراك فتنهب الاعراب أموالهم وربما قتلوهم، ففرج الله ونصر الاتراك على أهل اليمن ولجأ الملك المجاهد إلى جبل فلم يعصمه من الاتراك، بل أسروه ذليلا حقيرا، وأخذوه مقيدا أسيرا، وجاءت عوام الناس إلى اليمنيين فنهبوا شيئا كثيرا، ولم يتركوا لهم جليلا ولا حقيرا، ولا قليلا ولا كثيرا، واحتاط الامراء على حواصل الملك وأمواله وأمتعته وأثقاله، وساروا بخيله وجماله، وأدلوا على صنديد من رحله ورجاله، واستحضروا معهم طفيلا الذي كان حاصر المدينة النبوية في العام الماضي وقيدوه أيضا، وجعلوا الغل في عنقه، واستاقوه كما يستاق الاسير في وثاقه مصحوبا بهمه وحتفه، وانشمروا عن تلك البلاد إلى ديارهم راجعين، وقد فعلوا فعلة تذكر بعدهم إلى حين.
ودخل الركب الشامي إلى دمشق يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من المحرم على العادة المستمرة والقاعدة المستقرة.
وفي هذا اليوم قدمت البريدية من تلقاء مدينة صفد مخبرة بأن الامير شهاب الدين أحمد ابن مشد الشرنجاتاه، الذى كان قد تمرد بها وطغى وبغى حتى استحوز عليها
وقطع سببها وقتل الفرسان والرجالة، وملاها أطعمة وأسلحة، ومماليكه ورجاله، فعندما تحقق مسك يلبغا (1) أروش وخضعت تلك النفوس، وخمدت ناره وسكن شراره وحار بثاره، ووضح قراره، وأناب إلى التوبة والاقلاع، ورغب إلى السلامة والخلاص، وخشع ولات حين مناص، وأرسل سيفه إلى السلطان، ثم توجه بنفسه على البريد إلى حضرة الملك الناصر والله المسؤول أن يحسن عليه وأن يقبل بقلبه إليه (2).
وفي يوم الاحد خامس صفر قدم من الديار المصرية الامير سيف الدين أرغون الكاملي معادا إلى نيابة حلب (3)، وفي صحبته الامير سيف الدين طشبغا الدوادار بالديار المصرية، وهو زوج ابنة نائب الشام، فتلقاه نائب الشام وأعيان الامراء، ونزل طشبغا الدوادار عند زوجته بدار منجى في محلة مسجد القصب التي كانت تعرف بدار حنين بن حندر، وقد جددت في السنة الماضية، وتوجها في الليلة الثانية من قدومها إلى حلب.
وفي يوم الاربعاء رابع عشر ربيع الاول اجتمع
__________
(1) في السلوك وبدائع الزهور.
بيبغا.
__________
(2) انظر حاشية 3 صفحة 271.
__________
(3) وكان قد وصل إلى الديار المصرية يوم الجمعة خامس المحرم سنة 752.

القضاة الثلاثة وطلبوا الحنبلي ليتكلموا معه فيما يتعلق بدار المعتمد التي بجوار مدرسة الشيخ أبي عمر، التي حكم بنقض وقفها وهدم بابها وإضافتها إلى دار القرآن المذكورة، وجاء مرسوم السلطان يوفق ذلك، وكان القاضي الشافعي قد أراد منعه من ذلك، فلما جاء مرسوم السلطان اجتمعوا لذلك، فلم يحضر القاضي الحنبلي، قال: حتى يجئ نائب السلطنة.
ولما كان يوم الخميس خامس عشر ربيع الاول حضر القاضي حسين ولد قاضي القضاة تقي الدين السبكي عن أبيه مشيخة دار الحديث الاشرفية وقرئ عليه شئ كان قد خرجه له بعض المحدثين، وشاع في البلد أنه نزل له عنها، وتكلموا في ذلك كلاما كثيرا، وانتشر القول في ذلك، وذكر بعضهم أنه نزل له عن الغزالية والعادلية، واستخلفه في ذلك والله أعلم.
وفي سحر ليلة الخميس شهر جمادى الآخرة وقع حريق عظيم بالجوانيين في السوق الكبير واحترقت دكاكين والفواخرة والمناجليين، وفرجة الغرابيل، وإلى درب القلى، ثم إلى قريب درب العميد، وصارت تلك الناحية دكا بلقعا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجاء نائب السلطنة بعد الاذان إلى هناك ورسم بطفي النار، وجاء المتولي والقاضي الشافعي والحجاب، وشرع الناس في طفي النار، ولو تركوها لاحترقت شيئا كثيرا، ولم يفقد فيما بلغنا أحد من الناس، ولكن هلك للناس شئ كثير من المتاع والاثاث والاملاك وغير ذلك، واحترق للجامع من الرباع في هذا الحريق ما يساوي مائة ألف درهم.
انتهى والله أعلم.
كائنة غريبة جدا وفي يوم الاحد خامس عشر جمادى الاولى استسلم للقاضي الحنبلي جماعة من اليهود كان قد صدر منهم نوع استهزاء بالاسلام وأهله، فإنهم حملوا رجلا منهم صفة ميت على نعش ويهللون كتهليل المسلمين أمام الميت ويقرأون (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [ الاخلاص: 1 - 4 ] فسمع بهم من بحارتهم من المسلمين، فأخذوهم إلى ولي الامر نائب السلطنة فدفعهم إلى الحنبلي، فاقتضى الحال استسلامهم فأسلم يومئذ منهم ثلاثة وتبع أحدهم ثلاثة أطفال، وأسلم في اليوم الثاني ثمانية آخرون فأخذهم المسلمون وطافوا بهم في الاسواق يهللون ويكبرون، وأعطاهم أهل الاسواق شيئا كثيرا وراحوا بهم إلى الجامع فصلوا ثم أخذوهم إلى دار السعادة فاستطلقوا لهم شيئا، ورجعوا وهم في ضجيج وتهليل وتقديس، وكان يوما مشهودا ولله الحمد والمنة.
انتهى والله أعلم.
مملكة السلطان الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي في العشر الاوسط من شهر رجب الفرد وردت البريدية من الديار المصرية

الملك الناصر حسن بن الناصر بن قلاوون لاختلاف الامراء عليه، واجتماعهم على أخيه الملك
الصالح (1)، وأمه صالحة بنت ملك الامراء تنكز الذي كان نائب الشام مدة طويلة، وهو ابن أربع عشرة سنة، وجاءت الامراء للحلف، فدقت البشائر وزين البلد على العادة، وقيل إن الملك الناصر حسن خنق ورجعت الامراء الذين كانوا بإسكندرية مثل شيخون ومنجك وغيرهما، وأرسلوا إلى يلبغا (2) فجئ به من الكرك، وكان مسجونا بها من مرجعه من الحج، فلما عاد إلى الديار المصرية شفع في صاحب اليمن الملك المجاهد الذي كان مسجونا في الكرك فأخرج وعاد إلى الديار الحجازية (3).
وأما الامراء الذين كانوا من ناحية السلطان حين مسك معارضة أمير أخور وميكلي بغا الفخري وغيرهما، فاحتيط عليهم وأرسلوا إلى الاسكندرية، وخطب للملك الصالح بجامع دمشق يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب وحضر نائب السلطنة والامراء والقضاة للدعاء له بالمقصورة على العادة.
وفي أثناء العشر الاخير من رجب عزل نائب السلطنة سيف الدين أيتمش عن دمشق مطلوبا إلى الديار المصرية فسار إليها يوم الخميس.
وفي يوم الاثنين حادي عشر شعبان قدم الامير سيف الدين أرغون الكاملي الذي كان نائبا على الديار الحلبية من هناك، فدخل دمشق في هذا اليوم في أبهة عظيمة، وخرج الامراء والمقدمون وأرباب الوظائف لتلقيه إلى أثناء الطريق، منهم من وصل إلى حلب وحماة وحمص، وجرى في هذا اليوم عجائب لم تر من دهور، واستبشر الناس به لصرامته وشهامته وحدته، وما كان من لين الذي قبله ورخاوته، فنزل دار السعادة على العادة.
وفي يوم السبت وقف في موكب هائل قيل إنه لم ير مثله من مدة طويلة، ولما سير إلى ناحية باب الفرج اشتكى إليه ثلاث نسوه على أمير كبير يقال له الطرخاين، فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل وأوقف معهن في الحكومة، واستمر بطلان الوقيد في الجامع الاموي في هذا العام أيضا كالذي قبله، حسب مرسوم السلطان الناصر حسن رحمه الله، ففرح أهل الخير بذلك فرحا شديدا، وهذا شئ
__________
(1) وكان ذلك يوم الاثنين الثامن والعشرين جمادى الاخرة كما عند المقريزي في السلوك 2 / 843 والنجوم الزاهرة 10 / 254: وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 538: يوم الاثنين الثامن عشر جمادى الاخرة.
وعلل المقريزي سبب خلعه أنه اتفق مع مماليكه على الامساك ببعض الامراء وسجنهم كما سبق له أن أمسك غيرهم
فقاموا - وهم الامير طاز المنصور ي وبيبغا الشمسي وبسغرا الناصري والامير منكلي بغا الفخري - وتوجهوا إلى قبة النصر وطلعوا إليه وعزلوه.
__________
(2) في السلوك: بيبغا، فلما أحضر من الكرك أخلع عليه وقرره نائب حلب (بدائع الزهور 1 / 539).
__________
(3) في السلوك 2 / 838 و 839 قال إن الملك الناصر حسن خلع على المجاهد في تاسع عشرين محرم واذن له أن يتجهز للسفر وفي يوم السبت الثامن عشر من صفر برز الملك المجاهد بثقله إلى الريدانية ليسافر إلى بلاده، ورحل منها في الثالث والعشرين من صفر.
ثم أعيد من ينبع واعتقل ثانيا وحبس في الكرك وكان ذلك يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر - وفي يوم السبت تاسع شعبان وصل إلى مصر فخلع عليه ومن الغد رسم له بالعود إلى بلاده عن طريق عيذاب (السلوك 2 / 852 وبدائع الزهور 1 / 537)

لم يعهد مثله من ثلثمائة سنة ولله الحمد والمنة، ونودي في البلد في هذا اليوم والذي بعده عن النائب: من وجد سكرانا فلينزله عن فرسه وليأخذ ثيابه، ومن أحضره من الجند إلى دار السعادة فله خبزة، ففرح الناس بذلك واحتجر على الخمارين والعصارين، ورخصت الاعتاب وجادت الاخباز واللحم بعد أن كان بلغ كل رطل أربعة ونصفا، فصار بدرهمين ونصف، وأقل، وأصلحت المعايش من هيبة النائب، وصار له صيت حسن، وذكر جميل في الناس بالعدل وجودة القصد وصحة الفهم وقوة العدل والادراك.
وفي يوم الاثنين ثامن عشر شعبان وصل الامير أحمد بن شاد الشريخاناه الذي كان قد عصى في صفد، وكان من أمره ما كان، فاعتقل بالاسكندرية ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حماة فدخل دمشق في هذا اليوم سائرا إلى حماة، فركب مع النائب مع الموكب وسير عن يمينه ونزل في خدمته إلى دار السعادة، ورحل بين يديه.
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين منه دخل الامير سيف الدين يلبغا (1) الذي كان نائبا بالديار المصرية، ثم مسك بالحجاز وأودع الكرك، ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حلب، فتلقاه نائب السلطنة وأنزل دار السعادة حين أضافه.
ونزل وطاقه بوطأة برزة وضربت له خيمة بالميدان الاخضر.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك الصالح صلاح الدين، صالح بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، والخليفة الذي يدعى له المعتضد بأمر الله، ونائب الديار المصرية الامير سيف الدين قبلاي، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، والوزير القاضي ابن زنبور، وأولوا الامر الذين يدبرون المملكة فلا تصدر الامور إلا عن آرائهم لصغر السلطان المذكور (2) جماعة من أعيانهم ثلاثة سيف الدين شيخون، وطاز وحر عيمش، ونائب دمشق الامير سيف الدين أرغون الكاملي، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها، ونائب البلاد الحلبية الامير سيف الدين يلبغا (1) أروش، ونائب طرابلس الامير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الامير شهاب الدين أحمد بن مشد الشريخانة، ووصل بعض الحجاج إلى دمشق في تاسع الشهر - وهذا نادر - وأخبروا بموت المؤذن شمس الدين ابن سعيد بعد منزلة في المدابغ.
وفي ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه
__________
(1) انظر ما سبق حاشية 2.
__________
(2) كان مولده في ربيع الاول سنة 738 ه، أي كان له من العمر عندما أقيم سلطانا أربع عشرة سنة.
(بدائع الزهور 1 / 538).

فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتسع اتساعا فظيعا، واتصل الحريق بالباب الاصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد علي، ثم عدوا عليه يكسرون خشبه بالفؤوس الحداد، والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات، وتأسف الناس عليه لكونه كان من محاسن البلد ومعالمه.
وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة.
انتهى والله أعلم.
ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق الذي كان هلاكه وذهابه وكسره في هذه السنة، وهو باب سر في جامع دمشق لم ير باب أوسع ولا أعلى منه، فيما يعرف من الابنية في الدنيا، وله علمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضا بارزة، من عجائب الدنيا، ومحاسن دمشق ومعالمها، وقد تم بناؤها.
وقد ذكرته العرب في أشعارها والناس وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص (1) بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام، بل قبل ثمود وهود أيضا، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وغيره، وكان فوقه حصن عظيم، وقصر منيف، ويقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام، وكان اسم ذلك المارد جيرون، والاول أظهر وأشهر، فعلى الاول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه بل بالايدي العادية عليه، بسبب ما ناله من شوط حريق اتصل إليه حريق وقع من جانبه في صبيحة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فتبادر ديوان الجامعية ففرقوا شمله وقضوا ثمله، وعروا جلده النحاس عن بدنه الذي هو من خشب الصنوبر، الذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ، وقد شاهدت الفؤوس تعمل فيه ولا تكاد تحيل فيه إلا بمشقة، فسبحان الذي خلق الذين بنوه أولا، ثم قدر أهل هذا الزمان على أن هدموه بعد هذه المدد المتطاولة، والامم المتداولة، ولكن لكل أجل كتاب، ولا إله إلا رب العباد.
بيان تقدم مدة هذا الباب وزيادتها على مدة أربعة آلا ف سنة بل الخمسة ذكر الحافظ ابن عساكر في أول تاريخه: باب بناء دمشق بسنده عن القاضي يحيى بن حمزة التبلهي الحاكم بها في الزمن المتقدم، وقد كان هذا القاضي من تلاميذ ابن عمر والاوزاعي، قال: لما فتح عبد الله بن علي دمشق بعد حصارها - يعني وانتزعها من أيدي بني أمية وسلبهم
__________
(1) سقط في معجم البلدان.
في ذكره عامود نسبه (دمشق).

ملكهم - هدموا سور دمشق فوجدوا حجرا مكتوبا عليه باليونانية، فجاء راهب فقرأه لهم، فإذا هو مكتوب عليه: ويك أرم الجبابرة من رامك بسوء قصمه اللهه، إذا وهى منك جيرون الغربي من باب البريد وتلك من خمسة أعين ينقض سورك على يديه، بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رغدا، فإذا وهى منك جيرون الشرقي أؤمل لك ممن يعوض لك، قال: فوجدنا الخمسة أعين عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، عين بن عين بن عين بن عين بن عين، فهذا يقتضي أنه كان بسورها سنينا إلى حين إخراجه على يد عبد الله بن علي أربعة آلاف سنة، وقد كان إخرابه له في سنة ثنتين وثلاثين ومائة كما ذكرنا في التاريخ الكبير، فعلى هذا يكون لهذا الباب إلى يوم خرب من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائة - أربعة آلاف وستمائة وإحدى وعشرين سنة، والله أعلم.
وقد ذكر ابن عساكر عن بعضهم أن نوحا عليه السلام هو الذي أسس دمشق بعد حران وذلك بعد مضي الطوفان، وقيل بناها دمسغس غلام ذي القرنين عن إشارته، وقيل عاد (1) الملقب بدمشق وهو غلام الخليل، وقيل غير ذلك من الاقوال، وأظهرها أنها من بناء اليونان، لان محاريب معابدها كانت موجهة إلى القطب الشمالي، ثم كان بعدهم النصارى فصلوا فيها إلى الشرق، ثم كان فيها بعدهم أجمعين أمة المسلمين فصلوا إلى الكعبة المشرفة.
وذكر ابن عساكر وغيره: أن أبوابها كانت سبعة كل منها يتخذ عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة، فباب القمر باب السلامة، وكانوا يسمونه باب الفراديس الصغير، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توما، وللشمس الباب الشرقي، وللمريخ باب الجابية، وللمشتري باب الجابية الصغير، ولزحل باب كيسان.
وفي أوائل شهر رجب الفرد اشتهر أن نائب حلب بيبغا (2) أروش اتفق مع نائب طرابلس بكلمش، ونائب حلب أمير أحمد بن مشد الشريخانة على الخروج عن طاعة السلطان (3) حتى يمسك شيخون وطاز، وهما عضد االدولة بالديار المصرية، وبعثوا إلى نائب دمشق وهو الامير سيف الدين أرغو الكاملي فأبى عليهم ذلك، وكاتب إلى الديار المصرية بما وقع من الامر، وانزعج الناس
لذلك، وخافوا من غائلة هذا الامر وبالله المستعان.
ولما كان يوم الاثنين ثامن الشهر جمع نائب السلطنة الامراء عنده بالقصر الابلق واستحلفهم بيعة أخرى لنائب السلطنة الملك الصالح،
__________
(1) في معجم البلدان (دمشق): العازر - وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان، وفي منتخبات تواريخ دمشق ص 1080: غارى
__________
(2) في الاصل " يلبغا " تقدم الاشارة إليه انظر ما سبق.
وقد صححت أينما وقعت في الاصل.
__________
(3) زاد ابن أياس في بدائع الزهور 1 / 540: والامير ألطنبغا برناق، نائب صفد - وهو علاء الدين الجاشنكير الدرر الكامنة 1 / 409) (وانظر السلوك 2 / 870).

فحلفوا واتفقوا على السمع والطاعة والاستمرار على ذلك.
وفي ليلة الاربعاء سابع عشر رجب جاءت الجبلية الذين جمعوهم من البقاع لاجل حفظ ثنية العقاب من قدوم العساكر الحلبية، ومن معهم من أهل طرابلس وحماة، وكان هؤلاء الجبلية قريبا من أربعة آلاف، فحصل بسببهم ضرر كثير على أهل برزة وما جاورهم من الثمار وغيرها.
وفي يوم السبت والعشرين منه ركب نائب السلطنة سيف الدين أرغون ومعه الجيوش الدمشقية قاصدين ناحية الكسوه ليلا يقاتلون المسلمين ولم يبق في البلد من الجند أحد، وأصبح الناس وليس لهم نائب ولا عسكر، وخلت الديار منهم، ونائب الغيبة الامير سيف الدين الجي بغا العادلي، وانتقل الناس من البساتين ومن طرف العقيبة وغيرها إلى المدينة، وأكثر الامراء نقلت حواصلهم وأهاليهم إلى القلعة المنصورة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما اقترب دخول الامير بيبغا بمن معه انزعج الناس وانتقل أهل القرى الذين في طريقه، وسرى ذلك إلى أطراف الصالحية والبساتين وحواضر البلد، وغلقت أبواب البلد إلى ما يلي القلعة، كباب النصر وباب الفرج، وكذا باب الفراديس، وخلت أكثر المحال من أهاليهم، ونقلوا حوائجهم وحواصلهم وأنعامهم إلى البلد على الدواب والحمالين، وبلغهم أن أطراف الجيش انتهبوا ما في القرايا في طريقهم من الشعير والتبن وبعض الانعام للاكل.
وربما وقع الفساد غير هذا من بعض الجهلة،
فخاف الناس كثيرا وتشوشت خواطرهم انتهى.
دخول بيبغا أروش إلى دمشق ولما كان يوم الاربعاء (1) الرابع والعشرين من رجب دخل الامير سيف الدين بيبغا أروش نائب حلب إلى دمشق المحروسة بمن معه من العساكر الحلبية وغيرهم وفي صحبته نائب طرابلس الامير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الامير شهاب الدين أحمد، ونائب صفد الامير علاء الدين طيبغا، ملقب برتاق، وكان قد توجه قبله، قيل بيوم، ومعه نواب قلاع كثيرة من بلاد حلب وغيرها، في عدد كثير من الاتراك والتركمان، فوقف في سوق الخيل مكان نواب السلطان تحت القلعة، واستعرض الجيوش الذين وفدوا معه هنالك، فدخلوا في تجمل كثير، ملبسين، وكان عدة من كان معه من أمراء الطبلخانات قريبا من ستين أميرا أو يزيدون أو ينقصون، على ما استفاض عن غير واحد ممن شاهد ذلك، ثم سار قريبا من الزوال للمخيم الذي ضرب له قبل مسجد القدم عند قبة يلبغا، عند الجدول الذي هنالك، وكان يوما مشهودا هائلا، لما عاين الناس من كثرة الجيوش والعدد، وعذر كثير من الناس صاحب دمشق في ذهابه بمن معه لئلا يقابل هؤلاء.
فنسأل الله أن يجمع قلوبهم على ما فيه صلاح المسلمين.
وقد أرسل إلى نائب القلعة وهو
__________
(1) في السلوك 2 / 871: الخميس الخامس والعشرين.

الامير سيف الدين إباجي يطلب منه حواصل أرغون التي عنده (1)، فامتنع عليه أيضا، وقد حصن القلعة وسترها وأرصد فيها الرجال والرماة والعدد، وهيأنها بعض المجانيق ليبعد بها فوق الابرجة، وأمر أهل البلد أن لا يفتحوا الدكاكين ويغلقوا الاسواق، وجعل يغلق أبواب البلد إلا بابا أو بابين منها، واشتد حنق العسكر عليه، وهموا بأشياء كثيرة من الشر، ثم يرعوون عن الناس والله المسلم، غير أن إقبال العسكر وأطرافه قد عاثوا فيما جاوروه من القرايا والبساتين والكروم والزروع فيأخذون ما يأكلون وتأكل دوابهم، وأكثر من ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ونهبت قرايا كثيرة وفجروا نساء وبنات، وعظم الخطب، وأما التجار ومن يذكر بكثرة مال
فأكثرهم مختف لا يظهر لما يخشى من المصادرة، نسأل الله أن يحسن عاقبتهم.
واستهل شهر شعبان وأهل البلد في خوف شديد، وأهل القرايا والحواضر في نقلة أثاثهم وبقارهم ودوابهم وأبنائهم ونسائهم، وأكثر أبواب البلد مغلقة سوى بابي الفراديس والجابية، وفي كل يوم نسمع بأمور كثيرة من النهب للقرايا والحواضر، حتى انتقل كثير من أهل الصالحية أو أكثرهم، وكذلك من أهل العقيبة وسائر حواضر البلد، فنزلوا عند معارفهم وأصحابهم، ومنهم من نزل على قارعة الطريق بنسائهم وأولادهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال كثير من المشايخ الذي أدركوا زمن قازان: إن هذا الوقت كان أصعب من ذلك لما ترك الناس من ورائهم من الغلات والثمار التي هي عمدة قوتهم في سنتهم، وأما أهل البلد ففي قلق شديد أيضا لما يبلغهم عنهم من الفجور بالنساء، ويجعلون يدعون عقيب الصلوات عليهم يصرحون بأسمائهم ويعنون بأسماء أمرائهم وأتباعهم ونائب القلعة الامير سيف الدين إباجي في كل وقت يسكن جأش الناس ويقوي عزمهم ويبشرهم بخروج العساكر المنصورة من الديار المصرية صحبة السلطان إلى بلاد غزة حيث الجيش الدمشقي، ليجيئوا كلهم في خدمته وبين يديه، وتدق البشائر فيفرح الناس ثم تسكن الاخبار وتبطل الروايات فتقلق ويخرجون في كل يوم وساعة في تجمل عظيم ووعد وهيآت حسنة، ثم جاء السلطان أيده الله تعالى وقد ترجل الامراء بين يديه من حين بسط له عند مسجد الدبان إلى داخل القلعة المنصورة (2)، وهو لابس قباء أحمر له قيمته على فرس أصيلة مؤدبة معلمة المشي على القوس لا تحيد عنه، وهو حسن الصورة مقبول الطلعة، عليه بهاء المملكة والرياسة، والخز فوق رأسه يحمله بعض الامراء الاكابر، وكلما عاينه من عاينه من الناس يبتهلون بالدعاء بأصوات عالية، والنساء بالزغرطة، وفرح الناس فرحا شديدا، وكان يوما مشهودا، وأمرا
__________
(1) في السلوك 2 / 871 وبدائع الزهور 1 / 540: طلب منه يأمره بالافراج عن الامير قردم.
وأن يفتح أبواب المدينة، ففتح أبوابها ولم يفرج عن الامير إلا بمرسوم سلطاني.
__________
(2) كان دخوله إلى المدينة في يوم الخميس مستهل رمضان (السلوك 2 / 872 وفي بدائع الزهور 1 / 542: ثاني شهر رمضان).

حميدا، جعله الله مباركا على المسلمين.
فنزل بالقلعة المنصورة، وقد قدم معه الخليفة المعتضد أبو الفتح بن أبي بكر المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وكان راكبا إلى جانبه من ناحية اليسار، ونزل بالمدرسة الدماغية في أواخر هذا اليوم سائر الامراء مع نائب الشام، ومقدمهم طاز وشيخون في طلب بيبغا ومن معه من البغاة المفسدين.
وفي يوم الجمعة ثانيه حضر السلطان أيده الله إلى الجامع الاموي وصلى فيه الجمعة بالمشهد الذي يصلي فيه نواب السلطان أيده الله، فكثر الدعاء والمحبة له ذاهبا وآيبا تقبل الله منه، وكذلك فعل الجمعة الاخرى وهي تاسع الشهر.
وفي يوم السبت عاشره اجتمعنا يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف رحمه الله - بالخليفة المعتضد بالله أبي الفتح بن أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وسلمنا عليه وهو نازل بالمدرسة الدماغية، داخل باب الفرج وقرأت عنده جزءا فيه ما رواه أحمد بن حنبل عن محمد بن إدريس الشافعي في مسنده، وذلك عن الشيخ عز الدين بن الضيا الحموي بسماعه من ابن البخاري، وزينب بنت مكي عن أحمد بن الحصين عن ابن المذهب عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه فذكرهما، والمقصود أنه شاب حسن الشكل مليح الكلام متواضع جيد الفهم حلو العبارة رحم الله سلفه.
وفي رابع عشره قدم البريد من بلاد حلب بسيوف الامراء الممسوكين من أصحاب بيبغا.
وفي يوم الخميس خامس عشره نزل السلطان الملك الصالح من الطارمة (1) إلى القصر الابلق في أبهة المملكة، ولم يحضر يوم الجمعة إلى الصلاة، بل اقتصر على الصلاة بالقصر المذكور.
وفي يوم الجمعة باكر النهار دخل الامير سيف الدين شيخون وطار بمن معهما من العساكر من بلاد حلب، وقد فات تدارك بيبغا وأصحابه لدخولهم بلاد زلغادر (2) التركماني بمن بقي معهم، وهم القليل، وقد أسر جماعة من الامراء الذين كانوا معه، وهم في القيود والسلاسل صحبة الاميرين المذكورين، فدخلا على السلطان وهو بالقصر الابلق فسلما عليه وقبلا الارض وهنآه بالعيد، ونزل
طاز بدار أيتمش بالشرق الشمالي، ونزل شيخون بدار إياس الحاجب بالقرب من الظاهرية البرانية، ونزل بقية الجيش في أرجاء البلد، وأما الامير سيف الدين أرغون فأقام بحلب نائبا عن سؤاله إلى ما ذكر، وخوطب في تقليده بألقاب هائلة، ولبس خلعة سنية، وعظم تعظيما زائدا، ليكون هناك إلبا على بيبغا وأصحابه لشدة ما بينهما من العداوة.
ثم صلى السلطان بمن معه من المصريين ومن انضاف إليهم من الشاميين صلاة عيد الفطر بالميدان الاخضر، وخطب بهم القاضي
__________
(1) الطارمة بيت من خشب يكون سقفه على هيئة قبة، لجلوس السلطان (السلوك 1 / 775 حاشية 4).
__________
(2) في السلوك 2 / 874: قراجا بن دلغادر، وفي بدائع الزهور 1 / 542: هرب بيبغا إلى ملطية

تاج الدين المناوي المصري.
قاضي العسكر المصري بمرسوم السلطان وذويه، وخلع عليه.
انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
قتل الامراء السبعه من أصحاب بيبغا وفي يوم الاثنين ثالث شوال قبل العصر ركب السلطان من القصر إلى الطارمة وعلى رأسه القبة والطير يحملهما الامير بدر الدين بن الخطير، فجلس في الطارمة ووقف الجيش بين يديه تحت القلعة وأحضروا الامراء الذين قدموا بهم من بلاد حلب، فجعلوا يوقفون الامير منهم ثم يشاورون عليه فمنهم من يشفع فيه ومنهم من يؤمر بتوسيطه (1) ، فوسط سبعة: خمس طبلخانات ومقدما ألف، منهم نائب صفد برناق وشفع في الباقين فردوا إلى السجن (2)، وكانوا خمسة آخرين.
وفي يوم الاربعاء خامسه مسك جماعة من أمراء دمشق سبعة (3) وتحولت دول كثيرة، وتأمر جماعة من الاجناد وغيرهم انتهى.
خروج السلطان من دمشق متوجها إلى بلاد مصر وفي يوم الجمعة سابع شوال ركب السلطان في جيشه من القصر الابلق قاصدا لصلاة الجمعة بالجامع الاموي، فلما انتهى إلى باب النصر ترجل الجيش بكماله بين يديه مشاة، وذلك في يوم شات كثير الوحل فصلى بالمقصورة إلى جانب المصحف العثماني، وليس معه في الصف الاول
أحد، بل بقية الامراء خلفه صفوف، فسمع خطبة الخطيب، ولما فرغ من الصلاة قرئ كتاب بإطلاق أعشار الاوقاف، وخرج السلطان بمن معه من باب النصر، فركب الجيش واستقل ذاهبا نحو الكسوة بمن معه من العساكر المنصورة، مصحوبين بالسلامة والعافية المستمرة، وخرج السلطان وليس بدمشق نائب سلطنة، وبها الامير بدر الدين بن الخطير هو الذي يتكلم في الامور نائب غيبة، حتى يقدم إليها نائبها ويتعين لها، وجاءت الاخبار بوصول السلطان إلى الديار المصرية سالما، ودخلها في أبهة عظيمة في أواخر ذي القعدة (4)، وكان يوما مشهودا، وخلع على الامراء
__________
(1) التوسيط: قطع الشئ نصفين (لسان العرب) وهو نوع من القتل يضرب المحكوم عليه بالسيف بقوة تحت السرة لينقسم الجسم نصفين.
__________
(2) وهم الصنبغا برناق، وطيبغا حلاوة ومهدي شاد دواوين حلب، واستبغا التركماني، وألصنبغا شاد الشرا بخاناه، وشادي أخو أمير أحمد نائب حماة، وأعيد ملكتمر السعدي إلى السجن بعد شفاعة أحد الامراء فأعيد إلى قلعة دمشق ثم أخرج إلى الاسكندرية.
(السلوك 2 / 875 وبدائع الزهور 1 / 543).
__________
(3) وهم ملك آص شاد دواوين دمشق، وساطلمش الجلالي، ومصطفى، والحسام مملوك أرغون شاه، وأمير علي طرنطاي البشمقدار، وابن جودي، وقردم أمير آخور (السلوك 2 / 875).
__________
(4) في بدائع الزهور 1 / 543: أواخر شوال.
وفي السلوك 2 / 876: يوم الثلاثاء الخامس والعشرين شوال.

كلهم ولبس خلعة نيابة الشام الامير علاء الدين المارداني، ومسك الامير علم الدين بن زنبور وتولية الوزارة الصاحب موفق الدين (1).
وفي صبيحة يوم السبت خامس [ ذي ] الحجة دخل الامير علاء الدين علي الجمدار من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة في أبهة هائلة، وموكب حافل مستوليا نيابة بها، وبين يديه الامراء على العادة، فوقف عند تربة بهادرآص حتى استعرض عليه الجيش فلحقهم، فدخل دار السعادة فنزلها على عادة النواب قبله، جعله الله وجها مباركا على المسلمين.
وفي يوم السبت ثالث عشره قدم دوادار السلطان الامير عز الدين مغلطاي من الديار المصرية فنزل القصر الابلق، ومن عزمه الذهاب إلى البلاد الحلبية ليجهز الجيوش نحو بيبغا وأصحابه انتهى والله
تعالى أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الاسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية والمملكة الحلبية وما والاها والحرمين الشريفين الملك الصالح صلاح الدين صالح بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية الامير سيف الدين قبلاي، والمشار إليهم في تدبير المملكة الامراء سيف الدين شيخون، وسيف الدين طاز، وسيف الدين صرغتمش الناصري، وقضاة القضاء وكاتب السر هناك هم المذكورون في السنة الماضية، ونائب حلب الامير سيف الدين أرغون الكاملي، لاجل مقاتلة أولئك الامراء الثلاثة بيبغا وأمير أحمد وبكلمش الذين فعلوا ما ذكرنا في رجب من السنة الماضية، ثم لجأوا إلى بلاد البلبيسين في خفارة زلغادر التركماني، ثم إنه احتال عليهم من خوفه من صاحب مصر وأسلمهم إلى قبضة نائب حلب المذكور، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، ولله الحمد والمنة، ونائب طرابلس الامير سيف الدين أيتمش الذى كان نائب دمشق كما ذكرنا، تقلبت به الاحوال حتى استنيب في طرابلس حين كان السلطان بدمشق كما تقدم.
واستهلت هذه السنة وقد تواترت الاخبار بأن الامراء الثلاثة بيبغا وبكلمش وأمير أحمد قد حصلوا في قبضة نائب حلب الامير سيف الدين أرغون، وهم مسجونون بالقلعة بها، ينتظر ما يرسم به فيهم، وقد فرح المسلمون بذلك فرحا شديدا.
وفي يوم السبت سابع عشر المحرم وصل إلى دمشق الامير عز الدين مغلطاي الدويدار عائدا من البلاد الحلبية، وفي صحبته رأس بيبغا الباغي أمكن الله منه بعد وصول صاحبيه بكلمش الذي كان نائبا بطرابلس، وأمير أحمد الذي كان نائب حماة فقطعت رؤوسهما بحلب بين يدي نائبها سيف الدين أرغون الكاملي، وسيرت إلى مصر، ولما وصل بعدهما فعل به كفعلهما جهرا بعد العصر بسوق الخيل بين يدي نائب السلطنة
__________
(1) وهو الموفق هبة الله بن ابراهيم بن سعد الدولة القبطي (السلوك 2 / 879 - بدائع الزهور 1 / 545).

والجيش برمته والعامة على الاحاجير يتفرجون وفرحون بمصرعه، وسر المسلمون كلهم ولله الحمد والمنة.
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الاول أقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد هناك يقال له مسجد المزار، وخطب فيه جمال الدين عبد الله بن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، ثم وقع في ذلك كلام فأفضى الحال أن أهل المحلة ذهبوا إلى سوق الخيل يوم موكبه، وحملوا سناجق خليفتين من جامعهم ومصاحف واشتملوا إلى نائب السلطنة وسألوا منه أن تستمر الخطبة عندهم، فأجابهم إلى ذلك في الساعه الراهنة، ثم وقع نزاع في جواز ذلك، ثم حكم القاضي الحنبلي لهم بالاستمرار، وجرت خطوب طويلة بعد ذلك.
وفي يوم الاحد سابع ربيع الآخر توفي الامير الكبير سيف الدين ألجي بغا العادلي، ودفن بتربته التي كان أنشأها قديما ظاهر باب الجابية، وهي مشهورة تعرف به، وكان له في الامرة قريبا من ستين سنة، وقد كان أصابه في نوبة أرغون شاه وقضيته ضربة أصابت يده اليمنى، واستمر مع ذلك على إمرته وتقدمته محترما معظما إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه.
ذكر أمر غريب جدا لما ذهب لتهنئة الامير ناصر الدين بن الاقوس بنيابة بعلبك وجدت هنالك شابا فذكر لي من حضر أن هذا هو الذي كان أنثى ثم ظهر له ذكر، وقد كان أمره اشتهر ببلاد طرابلس، وشاع بين الناس بدمشق وغير ذلك، وتحدث الناس به، فما رأيته وعليه قبعة تركية استدعيته إلي وسألته بحضرة من حضر، فقلت له: كيف كان أمرك ؟ فاستحيى وعلاه خجل يشبه النساء، فقال: كنت امرأة مدة خمس عشرة سنة، وزوجوني بثلاثة أزواج لا يقدرون علي، وكلهم يطلق ثم اعترضني حال غريب فغارت ثدياي وصغرت، وجعل النوم يعتريني ليلا ونهارا، ثم جعل يخرج من محل الفرج شئ قليل قليلا، ويتزايد حتى برز شبه ذكر وأنثيان، فسألته أهو كبير أم صغير ؟ فاستحيى ثم ذكر أنه صغير بقدر الاصبع، فسألته هل احتلم ؟ فقال: احتلم مرتين منذ حصل له ذلك، وكان له قريبا من ستة أشهر إلى حين أخبرني، وذكر أنه يحسن صنعة النساء كلها من الغزل
والتطريز والزركاش وغير ذلك، فقلت له ما كان اسمك وأنت على صفة النساء ؟ فقال: نفيسة، فقلت: واليوم ؟ فقال عبد الله، وذكر أنه لما حصل له هذا الحال كتمه عن أهله حتى عن أبيه، ثم عزموا على تزويجه على رابع فقال لامه إن الامر ما صفته كيت وكيت، فلما اطلع أهله على ذلك أعلموا به نائب السلطنة هناك، وكتب بذلك محضرا واشتهر أمره، فقدم دمشق ووقف بين يدي نائب السلطنة بدمشق، فسأله فأخبره كما أخبرني، فأخذه الحاجب سيف الدين كحلن ابن الاقوس عنده وألبسه ثياب الاجناد، وهو شاب حسن، على وجهه وسمته ومشيته وحديثه أنوثة

النساء، فسبحان الله لما يشاء، فهذا أمر لم يقع مثله في العالم إلا قليلا جدا، وعندي أن ذكره كان غائرا في جوزة طير فافرخا (1) ثم لما بلغ ظهر قليلا قليلا، حتى تكامل ظهوره فتبينوا أنه كان ذكرا، وذكر لي أن ذكره برز مختونا فسمي ختان القمر، فهذا يوجد كثيرا والله أعلم.
وفي يوم الثلاثاء خامس شهر رجب قدم الامير عز الدين بقطية الدويدار من الديار الحلبية وخبر عما اتفق عليه العساكر الحلبية من ذهابهم مع نائبهم ونواب تلك الحصون وعساكر خلف بن زلغادر التركماني، الذي كان أعان بيبغا وذويه على خروجه على السلطان، وقدم معه إلى دمشق وكان من أمره ما تقدم بسطه في السنة الماضية، وأنهم نهبوا أمواله وحواصله، وأسروا خلقا من بنيه وذويه وحريمه، وأن الجيش أخذ شيئا كثيرا من الاغنام والابقار والرقيق والدواب والامتعة وغير ذلك، وأنه لجأ إلى ابن أرطنا فاحتاط عليه واعتقله عنده، وراسل السلطان بأمره ففرح الناس براحة الجيش الحلبي وسلامته بعدما قاسوا شديدا وتعبا كبيرا.
وفي يوم الاربعاء ثالث عشره كان قدوم الامراء الذين كانوا مسجونين بالاسكندرية من لدن عود السلطان إلى الديار المصرية، ممن كان اتهم بممالاة بيبغا أو خدمته، كالامير سيف الدين ملك أجي، وعلاء الدين علي السيمقدار، وساطلمس الجلالي ومن معهم.
وفي أول شهر رمضان اتفق أن جماعة من المفتيين أفتوا بأحد قولي العلماء وهما وجهان لاصحابنا الشافعية وهو جواز استعادة ما استهدم من الكنائس، فتعصب عليهم قاضي القضاة
تقي الدين السبكي فقرعهم في ذلك ومنعهم من الافتاء، وصنف في ذلك مصنفا يتضمن المنع من ذلك سماه " الدسائس في الكنائس " وفي خامس شهر رمضان قدم الامير أبو الغادر التركماني الذي كان مؤازرا لبيبغا في العام الماضي على تلك الافاعيل القبيحة، وهو مضيق عليه، فأحضر بين يدي النائب ثم أودع القلعة المنصورة في هذا اليوم.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وما يتبع ذلك والحرمين الشريفين وما والاهما من بلاد الحجاز وغيرها الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، وهو ابن بنت تنكز نائب الشام، وكان في الدولة الناصرية، ونائبه بالديار المصرية سيف الدين قبلاي الناصري، ووزيرة القاضي موفق الدين، وقضاة مصر هم المذكورون في العام الماضي، ومنهم قاضي القضاة عز الدين بن جماعة الشافعي، وقد جاور في هذه السنة في الحجاز الشريف، والقاضي تاج الدين المناوي يسد المنصب عنه، وكاتب السر القاضي علاء الدين بن فضل الله العدوي، ومدبرو المملكة الامراء الثلاثة سيف الدين
__________
(1) كذا بالاصل.

شيخون، وصرغتمش الناصري والامير الكبير الدوادار عز الدين مغلطاي الناصري.
ودخلت هذه السنة والامير سيف الدين شيخون في الاحداث من مدة شهر أو قريب ونائب دمشق الامير علاء الدين أمير علي المارداني، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الدواوين الصاحب شمس الدين موسى بن التاج إسحاق وكاتب السر القاضي ناصر الدين بن الشرف يعقوب، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة، ومحتسبه الشيخ علاء الدين الانصاري، قريب الشيخ بهاء الدين بن إمام المشهد، وهو مدرس الامينية مكانه أيضا.
وفي شهر ربيع الآخر قدم الامير علاء الدين مغلطاي الذي كان مسجونا بالاسكندرية ثم أفرج عنه، وقد كان قبل ذلك هو الدولة، وأمر بالمسير إلى الشام ليكون عند حمزة أيتمش نائب
طرابلس، وأما منجك الذي كان وزيره بالديار المصرية وكان معتقلا بالاسكندرية مع مغلطاي، فإنه صار إلى صفد مقيما بها بطالا، كما أن مغلطاي أمر بالمقام بطرابلس بطالا إلى حين يحكم الله عز وجل انتهى والله أعلم.
نادرة من الغرائب في يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الاولى اجتاز رجل من الروافض من أهل الحلة بجامع دمشق وهو يسب أو من ظلم آل محمد، ويكرر ذلك لا يفتر، ولم يصل مع الناس ولا صلى على الجنازة الحاضرة، على أن الناس في الصلاة، وهو يكرر ويرفع صوته به، فلما فرغنا من الصلاة نبهت عليه الناس فأخذوه وإذا قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضر مع الناس.
فجئت إليه واستنطقته من الذي ظلم آل محمد ؟ فقال: أبو بكر الصديق، ثم قال جهرة والناس يسمعون: لعن الله أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد، فأعاد ذلك مرتين، فأمر به الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط، وهو مع ذلك يصرخ بالسب واللعن والكلام الذي لا يصدر إلا عن شقي، واسم هذا اللعين علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين ابن كثير قبحه الله وأخزاه، ثم لما كان يوم الخميس سابع عشره عقد له مجلس بدار السعادة وحضر القضاة الاربعة وطلب إلى هنالك فقدر الله أن حكم المالكي بقتله، فأخذ سريعا فضرب عنقه تحت القلعة وحرقه العامة وطافوا برأسه البلد ونادوا عليه هذا جزاء من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي وإذا عند شئ مما يقوله الرافضة الغلاة، وقد تلقى عن أصحاب ابن مطهر أشياء في الكفر والزندقة، قبحه الله وإياهم.
وورد كتاب بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر رجب الفرد قرئ بجامع دمشق بالمقصورة بحضرة نائب السلطنة وأمراء الاعراب، وكبار الامراء، وأهل الحل والعقد والعامة كتاب السلطان بإلزام أهل الذمة

بالشروط العمرية وزيادات أخر: منها أن لا يستخدموا في شئ من الدواوين السلطانية والامراء
ولا في شئ من الاشياء، وأن لا تزيد عمامة أحدهم عن عشرة أذرع ولا يركبوا الخيل ولا البغال ولكن الحمير بالاكف عرضا، وأن لا يدخلوا إلا بالعلامات من جرس أو بخاتم نحاس أصفر، أو رصاص، ولا تدخل نساؤهم مع المسلمات الحمامات، وليكن لهن حمامات تختص بهن، وأن يكون إزار النصرانية من كتان أزرق، واليهودية من كتان أصفر، وأن يكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض، وأن يحكم حكم مواريثهم على الاحكام الشرعية.
واحترقت باسورة باب الجابية في ليلة الاحد والعشرين من جمادى الآخرة، وعدم المسلمون تلك الاطعمات والحواصل النافعة من الباب الجواني إلى الباب البراني.
وفي مستهل شهر رمضان عمل الشيخ الامام العالم البارع شمس الدين - بن النقاش المصري الشافعي - ورد دمشق بالجامع الاموي تجاه محراب الصحابة، ميعادا للوعظ واجتمع عنده خلق من الاعيان والفضلاء والعامة، وشكروا كلامه وطلاقة عبارته، من غير تلعثم ولا تخليط ولا توقف، وطال ذلك إلى قريب العصر.
وفي صبيحة يوم الاحد ثالثه صلي بجامع دمشق بالصحن تحت النسر على القاضي كمال الدين حسين بن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، ونائبه، وحضر نائب السلطنة الامير علاء الدين علي، وقضاة البلد والاعيان والدولة وكثير من العامة، وكانت جنازته محسودة، وحضر والده قاضي القضاة وهو يهادي بين رجلين، فظهر عليه الحزن والكآبة، فصلى عليه إماما، وتأسف الناس عليه لسماحة أخلاقه وانجماعه على نفسه لا يتعدى شره إلى غيره، وكان يحكم جيدا نظيف العرض في ذلك، وكان قد درس في عدة مدارس، منها الشامية البرانية والعذراوية، وأفتى وتصدر، وكانت لديه فضيلة جيدة بالنحو والفقه والفرائض وغير ذلك، ودفن بسفح قاسيون في تربة معروفة لهم رحمهم الله.
عودة الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون وذلك يوم الاثنين ثاني شهر شوال اتفق جمهور الامراء مع الامير شيخون وصرغتمش (1) في
__________
(1) أشار المقريزي وهو يورد خبر خلع الملك الصالح في السلوك 2 / 929 إلى أن السبب كان ما بلغ الامير شيخو أن
السلطان قد اتفق مع أخوه طاز على أن يقبض عليه وعلى صرغتمش يوم العيد.
وكان طاز قد توجه إلى البحيرة في هذه الايام بعدما قرر مع السلطان ما ذكر...فلم يحضر شيخو صلاة العيد وكان قد بلغه ما تقرر.
فباتوا على حذر وأصبحوا وقد اجتمع مع الامير شيخو من الامراء صرغتمش وطقطاي ومن يلوذ بهم..وركبوا جميعا إلى تحت القلعة بالسلاح وصعد بعضهم إلى القلعة وقبضوا على السلطان وسجنوه، فزال ملكه في أقل من ساعة.
وأشار في النجوم الزاهرة إلى سبب آخر وهو تخوف طاز وصرغتمش كل منهما من الآخر، وكان كل منهما يحاول الاتفاق =

= مع شيخو فلم يفلحا فاتفق طاز مع اخوته انه فيما يغيب إلى الصيد يركبوا على صرغتمش ومن يلوذ به..عندئذ قرر شيخو مساعدة صرغتمش..وعملوا على خلع الصالح واعادة الناصر حسن لكونه الصالح يميل إلى طاز - بعدما اقنعوا شيخو على ذلك - فخلعوه وأعيد أخاه إلى السلطنة 10 / 286.
غيبة طاز في الصيد على خلع الملك الصالح صالح بن الناصر، وأمه بنت تنكز، وإعادة أخيه الملك الناصر حسن، وكان ذلك يومئذ وألزم الصالح بيته مضيقا عليه، وسلم إلى أمه خوندة بنت الامير سيف الدين تنكز نائب الشام كان، وقطلبو طاز، وأمسك أخوه سنتم وأخو السلطان الصالح لامه عمر بن أحمد بن بكتمز الساقي، ووقعت خبطة عظيمة بالديار المصرية، ومع هذا فلم يقبل البريد إلى الشام وخبر البيعة إلا يوم الخميس الثالث عشر من هذا الشهر، قدم بسببها الامير عز الدين أيدمر الشمسي وبايع النائب بعد ما خلع عليه خلعة سنية، والامراء بدار السعادة على العادة، ودقت البشائر وزين البلد وخطب له الخطيب يوم الجمعة على المنبر بحضرة نائب السلطنة والقضاة والدولة وفي صبيحة يوم الخميس تاسع عشر شوال دخل دمشق الامير سيف الدين منجك على نيابة طرابلس ونزل القصر الابلق مع الامير عز الدين أيدمر فأقام أياما عديدة ثم سار إلى بلده بعد أيام.
وفي صبيحة يوم الخميس السادس والعشرين منه دخل الامير سيف الدين طاز من الديار المصرية في جماعة من أصحابه مجتازا إلى نيابة حلب المحروسة، فتلقاه نائب السلطنة إلى قريب من جامع كريم الدين بالقبيبات، وشيعه إلى قريب من باب الفراديس فسار ونزل بوطأة برزة فبات هنالك، ثم أصبح غاديا وقد كان نظير الامير شيخون ولكن قوي عليه فسيره إلى بلاد
حلب، وهو محبب إلى العامة لما له من السعي المشكور في أمور كبار كما تقدم.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الاسلام والمسلمين السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، وليس بالديار المصرية نائب ولا وزير، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها، ونائب دمشق الامير علي المارداني، والقضاة والحاجب والخطيب وكاتب السر هم المذكورون في التي قبلها، ونائب حلب الامير سيف الدين طاز (1)، ونائب طرابلس منجك، ونائب حماة استدمر العمري، ونائب صفد الامير شهاب الدين بن صبح، ونائب حمص الامير ناصر الدين بن الاقوس، ونائب بعلبك الحاج كامل.
وفي يوم الاثنين تاسع صفر مسك الامير أرغون الكاملي الذي ناب بدمشق مدة ثم بعدها
__________
(1) كان الامير طاز عندما خلع الملك الصالح في الصيد غائبا في البحيرة وعند عودته قيده الامير صرغتمش وسجنه بالبرج في القلعة وبقي أياما فشفع فيه بعض الامراء فاخرجه السلطان ثم أخلع عليه وقرره في نيابة حلب ورسم له بأن يخرج إليها من يومه وكان ذلك يوم الجمعة سادس شوال من سنة 755 (بدائع الزهور 1 / 554 - 555 النجوم الزاهرة 10 / 302).

ابن نور الدين علي بن غازي من قرية اللبوة من الكلام السئ الذي نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبه وقذفه بكلام لا يليق ذكره، فقتل لعنة الله يومئذ بعد أذان العصر بسوق الخيل وحرقه الناس وشفى الله صدور قوم مؤمنين ولله الحمد والمنة.
وفي صبيحة يوم الاحد رابع عشر شعبان درس القاضي بهاء الدين أبو البقاء السبكي بالمدرسة القيمرية نزل له عنها ابن عمه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي وحضر عنده القضاة والاعيان، وأخذ في قوله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) [ الحشر: 9 ] وصلي في هذا اليوم بعد الظهر على الشيخ الشاب الفاضل المحصل جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي، ودفن عند أبيه
بمقابر باب الصغير، وكانت جنازته حافلة، وكانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودرس وأعاد وناظر وحج مرات عديدة رحمه الله وبل بالرحمة ثراه.
وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال وقع حريق هائل في سوق القطانين بالنهار، وذهب إليه نائب السلطنة والحجبة والقضاة حتى اجتهد الفعول والمتبرعون في إخماده وطفيه، حتى سكن شره وذهب بسببه الدكاكين ودور كثيرة، جدا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد رأيته من الغد والنار كما هي عمالة والدخان صاعد والناس يطفونه بالماء الكثير الغمر والنار لا تخمد، لكن هدمت الجدران وخربت المساكن وانتقل السكان انتهى والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد بالديار المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولا نائب ولا وزير بمصر، وإنما يرجع تدبير المملكة إلى الامير سيف الدين شيخون، ثم الامير سيف الدين صرغتمش، ثم الامير عز الدين مغلطاي الدوايدار، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها سوى الشافعي فإنه ابن المتوفي قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، ونائب حلب الامير سيف الدين طاز، وطرابلس الامير سيف الدين منجك، وبصفد الامير شهاب الدين بن صبح، وبحماة يدمر العمري، وبحمص علاء الدين بن المعظم، وببعلبك الامير ناصر الدين الاقوس.
وفي العشر الاول من ربيع الاول تكامل اصلاح بلاط الجامع الاموي وغسل فصوص المقصورة والقبة، وبسط بسطا حسنا، وبيضت أطباق القناديل، وأضاء حاله جدا، وكان المستحث على ذلك الامير علاء الدين أيدغمش أحد أمراء الطبلخانات، بمرسوم نائب السلطنة له في ذلك.

وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة صلي على الامير سيف الدين
براق أمير أرجو بجامع تنكز، ودفن بمقابر الصوفية، وكان مشكور السيرة كثير الصلاة والصدقة محبا للخير وأهله، من أكابر أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى.
وقد رسم لولديه ناصر الدين محمد وسيف الدين أبي بكر كل منهما بعشرة أرماح، ولناصر الدين بمكان أبيه في الوظيفة باصطبل السلطان.
وفي يوم الخميس رابع شهر جمادى الاولى خلع على الاميرين الاخوين ناصر الدين محمد وسيف الدين أبي بكر ولدي الامير سيف الدين براق رحمه الله تعالى، بأميرين عشرتين (1).
ووقع في هذا الشهر نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة، وكان ابن قاضي الجبل الحنبلي يحكم بالمناقلة في قرار دار الامير سيف الدين طيدمر الاسماعيلي حاجب الحجاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفا على ما كانت قرار داره عليه، ففعل ذلك بطريقه ونفذه القضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي، فغضب القاضي الحنبلي وهو قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي من ذلك، وعقد بسبب ذلك مجالس، وتطاول الكلام فيه، وادعى كثير منهم أن مذهب الامام أحمد في المناقلة إنما هو في حال الضرورة، وحيث لا يمكن الانتفاع بالموقوف، فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا، وامتنعوا من قبول ما قرره الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ونقله عن الامام أحمد من وجوه كثيرة من طريق ابنيه صالح وحرب وأبي داود وغيرهم، أنها تجوز للمصلحة الراجحة، وصنف في ذلك مسألة مفردة وقفت عليها - يعني الشيخ عماد الدين بن كثير - فرأيتها في غاية الحسن والافادة، بحيث لا يتخالج من اطلع عليها ممن يذوق طعم الفقه أنها مذهب الامام أحمد رحمه الله، فقد احتج أحمد في ذلك في رواية ابنه صالح بما رواه عن يزيد بن عوف، عن المسعودي، عن القاسم بن محمد: أن عمر كتب إلى ابن مسعود أن يحول المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمارين، ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق، ففعل ذلك، فهذا فيه أوضح دلالة على ما استدل به فيها من النقل بمجرد المصلحة فإنه لا ضرورة إلى جعل المسجد العتيق سوقا، على أن الاسناد فيه انقطاع بين القاسم وبين عمر وبين القاسم وابن مسعود، ولكن قد جزم به صاحب المذهب، واحتج به، وهو ظاهر واضح في ذلك، فعقد المجلس في يوم
الاثنين الثامن والعشرين من الشهر.
وفي ليلة الاربعاء الرابع والعشرين من جمادى الاولى وقع حريق عظيم ظاهر باب الفرج احترق فيه بسببه قياسير كثيرة لطاز ويلبغا، وقيسرية الطواشي لبنت تنكز، وأخر كثيرة ودور
__________
(1) أمير عشرة وتأتي مرتبته بعد أمير الاربعين، ومن هذه الطبقة صغار الولاة، ونحوه مثل والي الفسطاط وشاد الدواوين ووالي القرافة..ثم تأتي مرتبة أمراء الخمسات (صبح الاعشى 4 / 28 - 50 - 63) وقال ابن شاهين في زبدة الممالك ص 113: وأمراء العشروات فكانت عدتهم قديما خمسين أميرا بخدمته كل واحد منهم عشرة مماليك.

ودكاكين، وذهب للناس شئ كثير من الامتعة والنحاس والبضائع وغير ذلك، مما يقاوم ألف ألف وأكثر خارجا عن الاموال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذكر كثير من الناس أنه كان في هذه القياسير شر كثير من الفسق والربا والزغل وغير ذلك.
وفي السابع والعشرين من جمادى الاولى ورد الخبر بأن الفرنج لعنهم الله استحوذوا على مدينة صفد: قدموا في سبعة مراكب وقتلوا طائفة من أهلها ونهبوا شيئا كثيرا وأسروا أيضا، وهجموا على الناس وقت الفجر يوم الجمعة، وقد قتل منهم المسلمون خلقا كثيرا وكسروا مركبا من مراكبهم، وجاء الفرنج في عشية السبت قبل العصر وقدم الوالي وهو جريح مثقل، وأمر نائب السلطنة عند ذلك بتجهيز الجيش إلى تلك الناحية فساروا تلك الليلة ولله الحمد، وتقدمهم حاجب الحجاب وتحدر إليه نائب صفد الامير شهاب الدين بن صبح، فسبق الجيش الدمشقي، ووجد الفرنج قد برزوا بما غنموا من الامتعة والاسارى إلى جزيرة تلقاء صيدا في البحر، وقد أسر المسلمون منهم في المعركة شيخا وشابا من أبناء أشرافهم، وهو الذي عاقهم عن الذهاب، فراسلهم الجيش في انفكاك الاسارى من أيديهم فبادرهم عن كل رأس بخمسمائة فأخذوا من ديوان الاسارى مبلغ ثلاثين ألفا، ولم يبق معهم ولله الحمد أحد.
واستمر الصبي من الفرنج مع المسلمين، وأسلم ودفع إليهم شيخ الجريح، وعطش الفرنج عطشا شديدا، وأرادوا أن يرووا من نهر هناك فبادرهم الجيش إليه فمنعوهم أن ينالوا منه قطرة واحدة، فرحلوا ليلة الثلاثاء
منشمرين بما معهم من الغنائم، وبعثت رؤوس جماعة من الفرنج ممن قتل في المعركة فنصبت على القلعة بدمشق، وجاء الخبر في هذا الوقت بأن إيناس قد أحاط بها الفرنج، وقد أخذوا الربيض (1) وهم محاصرون القلعة، وفيها نائب البلد، وذكروا أنهم قتلوا خلقا كثيرا من أهلها فإنا لله وإنا إليه راجعون، وذهب صاحب حلب في جيش كثيف نحوهم والله المسؤول أن يظفرهم بهم بحوله وقوته، وشاع بين العامة أيضا أن الاسكندرية محاصرة ولم يتحقق ذلك إلى الآن، وبالله المستعان.
وفي يوم السبت رابع جمادى الآخرة قدم رؤوس من قتلى الفرنج على صيدا، وهي بضع وثلاثون رأسا، فنصبت على شرافات القلعة ففرح المسلمون بذلك ولله الحمد.
وفي ليلة الاربعاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وقع حريق عظيم داخل باب الصغير من مطبخ السكر الذي عند السويقة الملاصقة لمسجد الشناشين، فاحترق المطبخ وما حوله إلى حمام أبي نصر، واتصل بالسويقة المذكورة وما هنالك من الاماكن، فكان قريبا أو أكثر من الحريق ظاهر باب الفرج فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحضر نائب السلطنة، وذلك أنه كان وقت صلاة العشاء ولكن كان الريح قويا، وذلك بتقدير العزيز العليم.
وتوفي الشيخ عز الدين محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي أحد مشايخ الرواة في ليلة
__________
(1) الربيض: الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها.

الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، وصلي عليه من الغد بالجامع الاموي بعد الظهر ودفن بمقابر باب الصغير.
وكان مولده في ثاني ربيع الاول سنة ثمانين وستمائة، فجمع الكثير وتفرد بالرواية عن جماعة في آخر عمره، وانقطع بموته سماع السنن الكبير للبيهقي، رحمه الله.
ووقع حريق عظيم ليلة الجمعة خامس عشر رجب بمحلة الصالحية من سفح قاسيون، فاحرق السوق القبلي من جامع الحنابلة بكماله شرقا وغربا، وجنوبا وشمالا.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الجمعة خامش شهر رمضان خطب بالجامع الذي أنشأه سيف الدين يلبغا الناصري
غربي سوق الخيل وفتح في هذا اليوم وجاء في غاية الحسن والبهاء، وخطب الشيخ ناصر الدين بن الربوة الحنفي، وكان قد نازعه فيه الشيخ شمس الدين الشافعي الموصلي، وأظهر ولاية من واقفه يلبغا المذكور، ومراسيم شريفة سلطانية، ولكن قد قوي عليه ابن الربوة بسبب أنه نائب عن الشيخ قوام الدين الاتقاني الحنفي، وهو مقيم بمصر، ومعه ولايه من السلطان متأخرة عن ولاية الموصلي، فرسم لابن الربوة، فلبس يومئذ الخلعة السوداء من دار السعادة وجاؤوا بين يديه بالسناجق السود الخليفية، والمؤذنون يكبرون على العادة، وخطب يومئذ خطبة حسنة أكثرها في فضائل القرآن، وقرأ في المحراب بأول سورة طه، وحضر كثير من الامراء والعامة والخاصة، وبعض القضاة، وكان يوما مشهودا، وكنت ممن حضر قريبا منه.
والعجب أني وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابلس وفيه: والمخدوم يعرف الشيخ عماد الدين بما جرى في بلاد السواحل من الحريق من بلاد طرابلس إلى آخر معاملة بيروت إلى جميع كسروان، أحرق الجبال كلها ومات الوحوش كلها مثل النمور والدب والثعلب والخنزير من الحريق، ما بقي للوحوش موضع يهربون فيها، وبقي الحريق عليه أياما وهرب الناس إلى جانب البحر من خوف النار واحترق زيتون كثير، فلما نزل المطر أطفأه بإذن الله تعالى - يعني الذي وقع في تشرين وذلك في ذي القعدة من هذه السنة - قال ومن العجب أن ورقة من شجرة وقعت في بيت من مدخنته فأحرقت جميع ما فيه من الاثاث والثياب وغير ذلك ومن حلية حرير كثير، وغالب هذه البلاد للدرزية والرافضة.
نقلته من خط كاتبه محمد بن يلبان إلى صاحبه، وهما عندي بقبان فيالله العجب.
وفي هذا الشهر - يعني ذي القعدة - وقع بين الشيخ إسماعيل بن العز الحنفي وبين أصحابه من الحنفية مناقشة بسبب اعتدائه على بعض الناس في محاكمته، فاقتضى ذلك إحضاره إلى مجلس الحكم ثلاثة أيام كمثل المتمرد عندهم، فلما لم يحضر فيها حكم عليه القاضي شهاب الدين الكفري نائب الحنفي بإسقاط عدالته، ثم ظهر خبره بأنه قصد بلاد مصر، فأرسل النائب في أثره

من يرده فعنفه، ثم أطلقه إلى منزله، وشفع فيه قاضي القضاة الحنفي فاستحسن ذلك ولله الحمد والمنة.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة والخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان العباسي، وسلطان الاسلام بالديار المصرية وما يتبعها وبالبلاد الشامية وما والاها والحرمين الشريفين وغير ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي ولي له بمصر نائب ولا وزير، وإنما ترجع الامور إصدارا وإيرادا إلى الاميرين الكبيرين سيف الدين شيخون وصرغتمش الناصريين، وقضاة مصر ثم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام بدمشق الامير علاء الدين أمير علي المارداني، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها انتهى.
كائنة غريبة جدا لما كان يوم الاربعاء الرابع والعشرين من رجب من هذه السنة نهدت جماعة من مجاوري الجامع بدمشق من مشهد علي وغيره، واتبعهم جماعة من الفقراء والمغاربة، وجاؤوا إلى أماكن متهمة بالخمر وبيع الحشيش فكسروا أشياء كثيرة من أواني الخمر، وأراقوا ما فيها وأتلفوا شيئا كثيرا من الحشيش وغيره، ثم انتقلوا إلى حكر السماق وغيرهم فثار عليهم من البارذارية والكلابرية وغيرهم من الرعاع فتناوشوا، وضربت عليهم ضربات بالايدي وغيرهم، وربما سل بعض الفساق السيوف عليهم كما ذكر، وقد رسم ملك الامراء لوالي المدينة ووالي البر أن يكونوا عضدا لهم وعونا على الخمارين والحشاشة، فنصروهم عليهم، غير أنه كثر معهم الضجيج ونصبوا راية واجتمع عليهم خلق كثير، ولما كان في أواخر النهار تقدم جماعة من النقباء والخزاندارية ومعهم جنازير فأخذوا جماعة من مجاوري الجامع وضربوا بالمقارع وطيف بهم في البلد ونادوا عليهم: هذا جزاء من يتعرض لما لا يعنيه تحت علم السلطان، فتعجب الناس من ذلك وأنكروه حتى أنه أنكر اثنان من العامة على المنادية فضرب بعض الجند أحدهم بدبوس فقتله، وضرب الآخر فيقال إنه مات أيضا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي شعبان من هذه السنة حكي عن جارية من عتيقات الامير سيف الدين تمر المهمندار أنها حملت قريبا من سبعين يوما، ثم شرعت تطرح ما في بطنها فوضعت في قرب من أربعين يوما في أيام متتاليه ومتفرقة أربع عشر بنتا وصبيا بعدهن قل من يعرف شكل الذكر من الانثى.
وجاء الخبر بأن الامير سيف الدين شيخون مدبر الممالك بالديار المصرية والشامية ظفر عليه

مملوك من مماليك السلطان فضربه بالسيف ضربات فجرحه في أماكن في جسده (1)، منها ما هو في وجهه ومنها ما هو في يده، فحمل إلى منزله صريعا طريحا جريحا، وغضب لذلك طوائف من الامراء حتى قيل إنهم ركبوا ودعوا إلى المبارزة فلم يجئ إليهم وعظم الخطب بذلك جدا واتهموا به الامير سيف الدين صرغتمش وغيره، وأن هذا إنما فعل عن ممالاة منهم فالله أعلم (2).
وفاة أرغون الكاملي باني البيمارستان بحلب كانت وفاته بالقدس الشريف في يوم الخميس السادس والعشرين من شوال من هذه السنة، ودفن بتربة أنشأها غربي المسجد بشماله، وقد ناب بدمشق مدة بعد حلب، ثم جرت الكائنة التي أصلها بيبغا قبحه الله في أيامه، ثم صار إلى نيابة حلب ثم سجن بالاسكندرية مدة، ثم أفرج عنه فأقام بالقدس الشريف إلى أن كانت وفاته كما ذكرنا في التاريخ المذكور عزره الشريف ابن رزيك.
والله أعلم.
وفاة الامير شيخون ورد الخبر من الديار المصرية بوفاة الامير شيخون ليلة الجمعة السادس والعشرون من ذي القعدة ودفن من الغد بتربته، وقد ابتنى مدرسة هائلة وجعل فيها المذاهب الاربعة ودار للحديث وخانقاه (3) للصوفية، ووقف عليها شيئا كثيرا، وقرر فيها معاليم وقراءة دارة، وترك أموالا جزيلة وحواصل كثيرة ودواوين في سائر البلاد المصرية والشامية وخلف بنات وزوجة، وورث البقية أولاد السلطان المذكور بالولاء، ومسك بعد وفاته أمراء كثيرون بمصر كانوا من حزبه، من
__________
(1) وكان ذلك يوم الخميس ثامن شعبان سنة 758 ه (السلوك 3 / 34 وفي بدائع الزهور 1 / 562: يوم الاثنين
حادي وعشرين شعبان) وكان المملوك الذي ضربه من المماليك السلطانية واسمه قطلوجاه السلحدار، وقيل: " قطلوخجا ".
(بدائع الزهور 1 / 562 النجوم الزاهرة 10 / 305 الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 209).
__________
(2) نزل السلطان إلى شيخو في اليوم الثاني لمحاولة قتله وحلف له ان ما جرى لم يكن له به علم، وتم استدعاء قطلوجاه فأكد أنه قام بفعله بدافع شخصي.
وقد أشار المقريزي في السلوك 3 / 34 إلى السبب قال: "...قدمت له قصة لينقلني من الجامكية إلى الاقطاع فلم يفعل، فبقي في نفسي منه شئ.
" وفي النجوم الزاهرة 10 / 305 قال: "...طلبت منه خبزا فمنعني منه وأعطاه لغيري " وانظر بدائع الزهور 1 / 562.
__________
(3) الخانقاه: كلمة فارسية تعني البيت وأصلها " خونقاه " أي الموضع الذي يأكل فيه الملك، ثم أصبحت تعني في الاسلام - بيت الصوفية - انظر خطط المقريزي 2 / 414.
وبنى شيخو الخانقاه في خط الصليبة خارج القاهرة وجعل شيخها الشيخ أكمل الدين محمد البابرتي الحنفي المتوفى سنة 786 ه.
وأنشأها على أرض مساحتها تزيد على الفدان حيث اختط الخانقاه وحمامين وعدة حوانيت تعلوها بيوت لسكني العامة ورتب دروسا أربعة لطوائف الفقهاء ودرسا للحديث النبوي ودرسا لاقراء القرآن بالروايات السبع (انظر بدائع الزهور 1 / 557 - 558 السلوك 3 / 17 خطط المقريزي 2 / 321 النجوم الزاهرة 10 / 303).

أشهرهم عز الدين بقطاي والدوادار وابن قوصون وأمه أخت السلطان خلف عليها شيخون بعد قوصون انتهى والله أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الاسلام بالبلاد المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي، وقد قوي جانبه وحاشيته بموت الامير شيخون كما ذكرنا في سادس عشرين ذي القعدة من السنة الماضية، وصار إليه من ميراثه من زهرة الحياة شئ كثير من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث، وكذلك من المماليك والاسلحة والعدة والبرك والمتاجر ما يشق حصره ويتعذر إحصاؤه ها هنا، وليس في الديار المصرية فيما بلغنا إلى الآن نائب ولا وزير،
والقضاة هم المذكورون في التي قبلها، وأما دمشق فنائبها وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنه قاضي القضاة شرف الدين الكفري، عوضا عن نجم الدين الطوسي.
توفي في شعبان من السنة الماضية، ونائب حلب سيف الدين طاز، وطرابلس منجك، وحماة استدمر العمري، وصفد شهاب الدين بن صبح، وبحمص صلاح الدين خليل بن خاض برك، وببعلبك ناصر الدين الاقوس.
وفي صبيحة يوم الاثنين رابع عشر المحرم خرجت أربعة آلاف مع أربعة (1) مقدمين إلى ناحية حلب نصرة لجيش حلب على مسك طاز إن امتنع من السلطنة كما أمر، ولما كان يوم الحادي والعشرين من المحرم نادى المنادي من جهة نائب السلطنة أن يركب من بقي من الجند في الحديد ويوافوه إلى سوق الخيل، فركب معهم قاصدا ناحية ثنية العقاب ليمنع الامير طاز من دخول البلد، لما تحقق مجيئه في جيشه قاصدا إلى الديار المصرية، فانزعج الناس لذلك وأخليت دار السعادة من الحواصل والحريم إلى القعلة، وتحصن كثير من الامراء بدورهم داخل البلد، واغلق باب النصر، فاستوحش الناس من ذلك بعض الشئ، ثم غلقت أبواب البلد كلها إلا بابي الفراديس والفرج، وباب الجابية أيضا لاجل دخول الحجاج، ودخل المحمل صبيحة يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم ولم يشعر به كثير من الناس لشغلهم بما هم فيه من أمر طاز، وأمر العشير بحوران، وجاء الخبر بمسك الامير سيف الدين طيدمر الحاجب الكبير بأرض حوران وسجنه بقلعة صرخد، وجاء سيفه صحبة الامير جمال الدين الحاجب، فذهب به إلى الوطاق عند الثنية، وقد وصل طاز بجنوده إلى باب القطيفة وتلاقي شاليشه بشاليش نائب الشام، ولم يكن منهم قتال ولله الحمد، ثم تراسل هو والنائب في الصلح على أن يسلم طاز نفسه ويركب في عشرة
__________
(1) في الاصل: أربع.

سروج إلى السلطان وينسلخ مما هو فيه، ويكاتب فيه النائب وتلطفوا بأمره عند السلطان وبكل ما يقدر عليه، فأجاب إلى ذلك وأرسل يطلب من يشهده على وصيته، فأرسل إليه نائب السلطنة
القاضي شهاب الدين قاضي العسكر، فذهب إليه فأوصى لولده وأم ولده ولوالده نفسه، وجعل الناظر على وصيته الامير علاء الدين أمير علي المارداني نائب السلطنة، وللامير صرغتمش، ورجع النائب من الثنية عشية يوم السبت بين العشاءين الربع والعشرين منه وتضاعفت الادعية له وفرح الناس بذلك فرحا شديدا، ودعوا إلى الامير طاز بسبب إجابته إلى السمع والطاعة، وعدم مقاتلته مع كثرة من كان معه من الجيوش، وقوة من كان يحرضه على ذلك من أخوته وذويه، وقد اجتمعت بنائب السلطنة الامير علاء الدين أمير علي المارداني فأخبرني بملخص ما وقع مذه خرج إلى أن رجع، ومضمون كلامه أن الله لطف بالمسلمين لطفا عظيما، إذ لم يقع بينهم قتال، فإنه قال: لما وصل طاز إلى القطيفة وقد نزلنا نحن بالقرب من خان لاجين أرسلت إليه مملوكا من مماليكي أقول له: إن المرسوم الشريف قد ورد بذهابك إلى الديار المصرية في عشرة سروج فقط، فإذا جئت هكذا فأهلا وسهلا، وإن لم تفعل فأنت أصل الفتنة.
وركبت ليلة الجمعة طول الليل في الجيش وهو ملبس، فرجع مملوكي ومعه مملوكه سريعا يقول: إنه يسأل أن يدخل بطلبه كما خرج يطلبه من مصر، فقلت لا سبيل إلى ذلك إلا في عشرة سروج كما رسم السلطان، فرجع وجاءني الامير الذي جاء من مصر بطلبه فقال: إنه يطلب منك أن يدخل في مماليكه فإذا جاوز دمشق إلى الكسوة نزل جيشه هناك وركب هو في عشرة سروج كما رسم.
فقلت: لا سبيل إلى أن يدخل دمشق ويتجاوز بطلبه أصلا، وإن كان عنده خيل ورجال وعدة فعندي أضعاف ذلك، فقال لي الامير: يا خوند لا يكون تنسى قيمته، فقلت لا يقع إلا ما تسمع، فرجع فما هو إلا أن ساق مقدار رمية سهم وجاء بعض الجواسيس الذين لنا عندهم فقال يا خوندها قد وصل جيش حماة وطرابلس، ومن معهم من جيش دمشق الذين كانوا قد خرجوا بسببه، وقد اتفقوا هم وهو.
قال فحينئذ ركبت في الجيش وأرسلت طليعتين أمامي وقلت تراءوا للجيوش الذين جاؤوا حتى يروكم فيعلموا أنا قد أحطنا بهم من كل جانب.
فحينئذ جاءت البرد من جهته بطلب الامان ويجهرون بالاجابة إلى أن يركب في عشرة سروج، ويترك طلبه بالقطيفة، وذلك يوم الجمعة، فلما كان الليل ركبت أنا والجيش في السلاح طول الليل وخشيت أن تكون مكيدة وخديعة، فجاءتنا الجواسيس
فأخبرونا أنهم قد أوقدوا نشابهم ورماحهم وكثيرا من سلاحهم، فتحققنا عند ذلك طاعته وإجابته، لكل ما رسم به، فلما أصبح يوم السبت وصى وركب في عشرة سروج وسار نحو الديار المصرية ولله الحمد والمنة (1).
__________
(1) قال في بدائع الزهور 1 / 564: أن صرغتمش أرسل بالقبض على طاز نائب حلب، من غير علم السلطان وسبب ذلك أنه كان بينه وبين الامير طاز حظ نفس من أيام الملك الصالح وكان الاتابكي شيخو عصبة الامير طاز فلما مات شيخو صار صرغتمش صاحب الحل والعقد بالديار المصرية ثم تصرف في أحوال المملكة، وكان إن قضى إربه من الامير طاز وسجنه في ثغر الاسكندرية.

وفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من صفر دخل حاجب الحجاب (1) الذي كان سجن في قلعة صرخد مع البريدي الذي قدم بسببه من الديار المصرية، وتلقاه جماعة من الامراء والكبراء، وتصدق بصدقات كثيرة في داره، وفرحوا به فرحا شديدا، وهو والناس يقولون إنه ذاهب إلى الديار المصرية معظما مكرما على تقدمة ألف ووظائف هناك، فلما كان يوم الخميس السابع والعشرين منه لم يفجأ الناس إلا وقد دخل القلعة المنصورة معتقلا بها مضيقا عليه، فتعجب الناس من هذه الترحة من تلك الفرحة فما شاء الله كان.
وفي يوم الاربعاء رابع ربيع الاول عقد مجلس بسبب الحاجب بالمشهد من الجامع.
وفي يوم الخميس أحضر الحاجب من القلعة إلى دار الحديث، واجتمع القضاة هناك بسبب دعاوى يطلبون منه حق بعضهم، ثم لما كان يوم الاثنين تاسعه قدم من الديار المصرية مقدم البريدية بطلب الحاجب المذكور، فأخرج من القلعة السلطانية وجاء إلى نائب السلطنة فقبل قدمه، ثم خرج إلى منزله وركب من يومه قاصدا إلى الديار المصرية مكرما، وخرج بين يديه خلق من العوام والحرافيش يدعون له، وهذا أغرب ما أرخ، فهذا الرجل نالته شدة عظيمة بسبب سجنه بصرخد، ثم أفرج عنه، ثم حبس في قلعة دمشق ثم أفرج عنه، وذلك كله في نحو شهر.
ثم جاءت الاخبار في يوم الاحد ثاني عشر جمادى الاولى بعزل نائب السلطنة عن دمشق فلم
يركب في الموكب يوم الاثنين، ولا حضر في دار العدل، ثم تحققت الاخبار بذلك وبذهابه إلى نيابة حلب، ومجئ نائب حلب إلى دمشق، فتأسف كثير من الناس عليه لديانته وجوده وحسن معاملته لاهل العلم، ولكن حاشيته لا ينفذون أوامره، فتولد بسبب ذلك فساد عريض وحموا كثيرة من البلاد، فوقعت الحروب بين أهلها بسبب ذلك، وهاجت العشيرات فإنا لله وإنا إليه راجعون وفي صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين خرج الامير علي المارداني من دمشق في طلبه مستعجلا في أبهة النيابة، قاصدا إلى حلب المحروسة، وقد ضرب وطاقه بوطأة برزة، فخرج الناس للتفرج على طلبه.
وفي هذا اليوم بعد خروج النائب بقليل دخل الامير سيف الدين طيدمر الحاجب من الديار المصرية عائدا إلى وظيفة الحجوبية في أبهة عظيمة، وتلقاه الناس بالشموع، ودعوا له، ثم ركب من يومه إلى خدمة ملك الامراء (2) إلى وطأة برزة، فقبل يده وخلع عليه الامراء، واصطلحا.
انتهى والله أعلم.
__________
(1) حاجب الحجاز: وظيفة حاجب الحجاب في العصر المملوكي ان صاحبها ينصف بين الامراء والجند تارة بنفسه وتارة بمراجعة النائب إن كان، وإليه تقديم من يعرض ومن يرد وعرض الجند وما ناسب ذلك (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 97).
__________
(2) ملك الامراء من الالقاب التي اصطلح عليها لكفال الممالك من نواب السلطنة كأكابر النواب بالممالك الشامية ومن في معناهم وذلك لانه يقوم مقام الملك في التصرف والتنفيذ والامراء بخدمته كخدمة السلطان، وأكثر ما يخاطب به =

= النواب في المكاتبات، وذلك مختص بغير المخاطبات السلطانية (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 327).
دخول نائب السلطنة منجك إلى دمشق كان ذلك في صبيحة يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من ناحية حلب (1) وبين يديه الامراء على العادة، وأوقدت الشموع وخرج الناس ومنهم من بات على الاسطحة وكان يوما هائلا.
وفي أواخر شهر رجب برز نائب السلطنة إلى الربوة وأحضر القضاة وولاة الامور ورسم بإحضار المفتيين - وكنت فيمن طلب يومئذ إلى الربوة فركبت إليها - وكان نائب السلطنة عزم يومئذ على تخريب المنازل المبنية بالربوة وغلق الحمام من أجل هذه فيما ذكر أنها بنيت ليقضي فيها، وهذا الحمام أوساخه صائرة إلى النهر الذي يشرب منه الناس، فاتفق الحال في آخر الامر على إبقاء المساكن ورد المرتفعات المسلطة على توره وناس، ويترك ما هو مسلط على بردى، فانكف الناس عن الذهاب إلى الربوة بالكلية، ورسم يومئذ بتضييق أكمام النساء وأن تزال الاجراس والركب عن الحمير التي للمكارية.
وفي أوائل شهر شعبان ركب نائب السلطنة يوم الجمعة بعد العصر ليقف على الحائط الرومي الذي بالرحبية، فخاف أهل الاسواق وغلقوا دكاكينهم عن آخرهم، واعتقدوا أن نائب السلطنة أمر بذلك، فغضب من ذلك وتنصل منه، ثم إنه أمر بهدم الحائط المذكور، وأن ينقل إلى العمارة التي استجدها خارج باب النصر في دار الصناعة التي إلى جانب دار العدل، أمر ببنائها خانا ونقلت تلك الاحجار إليها، انتهى والله أعلم.
عزل القضاة الثلاثة بدمشق ولما كان يوم الثلاثاء تاسع شعبان قدم من الديار المصرية بريدي ومعه تذكرة - ورقة - فيها السلام على القضاة المستجدين، وأخبر بعزل القاضي الشافعي والحنفي والمالكي، وأنه ولى قضاة الشافعية القاضي بهاء الدين أبوالبقا السبكي، وقضاء الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج الحنفي وذهب الناس إلى السلام عليهم والتهنئة لهم واحتفلوا بذلك، وأخبروا أن القاضي المالكي سيقدم من الديار المصرية، ولما كان يوم السبت السابع والعشرين من شعبان وصل البريد من الديار المصرية ومعه تقليدان وخلعتان للقاضي الشافعي والقاضي الحنفي، فلبسا الخلعتين وجاءا من دار السعادة إلى الجامع الاموي، وجلسا في محراب المقصورة، وقرأ تقليد قاضي القضاة بهاء
__________
(1) وكان أخلع على الامير منجك اليوسفي وقرره على نيابة حلب عوضا عن الامير طاز بدائع الزهور 1 / 564).

الدين أبي البقاء الشافعي، الشيخ نور الدين بن الصارم المحدث على السدة تجاه المحراب، وقرأ تقليد قاضي القضاة جمال الدين بن السراج الحنفي الشيخ عماد الدين بن السراج المحدث أيضا على السده، ثم حكما هنالك، ثم جاء أيضا إلى الغزالية فدرس بها قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وجلس الحنفي إلى جانبه عن يمينه، وحضرت عنده فأخذ في صيام يوم الشك، ثم جاء معه إلى المدرسة النورية فدرس بها قاضي القضاة جمال الدين المذكور، وحضر عنده القاضي القضاة بهاء الدين، وذكروا أنه أخذ في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) الآية [ النساء: 135 ].
ثم انصرف بهاء الدين إلى المدرسة العادلية الكبيرة فدرس بها قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) الآية [ النساء: 58 - 59 ].
وفي صبيحة يوم الاربعاء ثامن شهر رمضان دخل القاضي المالكي من الديار المصرية فلبس الخلعة يومئذ ودخل المقصورة من الجامع الاموي وقرئ تقليده هنالك بحضرة القضاة والاعيان، قرأه الشيخ نور الدين بن الصارم المحدث، وهو قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين محمد بن عسكر العراقي البغدادي، قدم الشام مرارا ثم استوطن بالديار المصرية بعد ماحكم ببغداد نيابة عن قطب الدين الاخوي، ودرس بالمستنصرية بعد أبيه، وحكم بدمياط أيضا ثم نقل إلى قضاء المالكية بدمشق وهو شيخ حسن كثير التودد ومسدد العبارة حسن البشر عند اللقاء، مشكور في مباشرته عفة ونزاهة وكرم، الله يوفقه ويسدده.
مسك الامير طرغتمش أتابك الامراء بالديار المصرية ورد الخبر إلينا بمسكه يوم السبت الخامس والعشرين من رمضان هذا، وأنه قبض بحضرة السلطان يوم الاثنين (1) العشرين منه، ثم اختلفت الرواية عن قتله (2) غير أنه احتيط على حواصله وأمواله، وصودر أصحابه وأتباعه، فكان فيمن ضرب وعصر تحت المصادرة القاضي ضياء الدين ابن خطيب بيت الابار، واشتهر أنه مات تحت العقوبة، وقد كان مقصدا للواردين إلى الديار
__________
(1) في النجوم الزاهرة 10 / 308: يوم الخميس، وفي بدائع الزهور 1 / 570: يوم الاثنين الحادي والعشرين من
رمضان سنة 761 ه.
وأشار ابن أياس إلى السبب قائلا: وفي هذه السنة تزايدت عظمة الاتابكي صرغتمش إلى الغاية وثقل أمره على السلطان فأشار عليه بعض الامراء بأن يبادر ويقبض عليه، وإلا " يبادر هو ويقبض عليك وتندم أنت بعد ذلك الذي ما بادرت إليه " وقبض عليه.
(انظر بدائع الزهور 1 / 570 والنجوم الزاهرة 10 / 307 - 309 وانظر ص 297 حاشية 1).
__________
(2) أرسل إلى ثغر الاسكندرية وسجن، وأقام مدة يسيرة في السجن واشيع موته.
قال ابن إياس: " قيل انه قد خنق وهو في السجن " انظر بدائع الزهور: 1 / 571.
وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 211: أقام بالسجن بالاسكندرية إلى أوائل ذي الحجة فدخلوا إليه فوجدوه ميتا.

المصرية، لا سيما أهل بلده دمشق، وقد باشر عدة وظائف، وكان في آخر عمره قد فوض إليه نظر جميع الاوقاف ببلاد السلطان، وتكلم في أمر الجامع الاموي وغيره، فحصل بسبب ذلك قطع أرزاق جماعات من الكتبة وغيرهم، ومالا الامير صرغتمش في أمور كثيرة خاصة وعامة، فهلك بسببه، وقد قارب الثمانين، انتهى.
إعادة القضاة وقد كان صرغتمش عزل القضاة الثلاثة بدمشق، وهم الشافعي والحنفي والمالكي كما تقدم، وعزل قبلهم ابن جماعة وولى ابن عقيل (1)، فلما مسك صرغتمش رسم السلطان فإعادة القضاة على ما كانوا عليه، ولما ورد الخبر بذلك إلى دمشق امتنع القضاة الثلاثة من الحكم، غير أنهم حضروا ليلة العيد لرؤية الهلال بالجامع الاموي، وركبوا مع النائب صبيحة العيد إلى المصلى على عادة القضاة، وهم على وجل، وقد انتقلوا من مدارس الحكم فرجع قاضي القضاة أبو البقاء الشافعي إلى بستانه بالزعيفرية، ورجع قاضي القضاة ابن السراج إلى داره بالتعديل، وارتحل قاضي القضاة شرف الدين المالكي إلى الصالحة داخل الصمصامية، وتألم كثير من الناس بسببه، لانه قد قدم غريبا من الديار المصرية وهو فقير ومتدين، وقد باشر الحكم جيدا، ثم تبين بآخرة أنه
لم يعزل وأنه مستمر كما سنذكره، ففرح أصحابه وأحبابه، وكثير من الناس بذلك، فلما كان يوم الاحد رابع شوال قدم البريد وصحبته تقليد الشافعي قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي، وتقليد الحنفي قاضي القضاه شرف الدين الكفري واستمر قاضي القضاة شرف الدين المالكي العراقي على قضاء المالكية، لان السلطان تذكر أنه كان شافهه بولاية القضاء بالشام، وسيره بين يديه إلى دمشق، فحمدت سيرته كما حسنت سريرته.
إن شاء الله، وفرح الناس له بذلك.
وفي ذي القعدة توفي المحدث شمس الدين محمد بن سعد الحنبلي يوم الاثنين ثالثه، ودفن من الغد بالسفح، وقد قارب الستين، وكتب كثيرا وخرج، وكانت له معرفة جيدة بأسماء الاحرار ورواتها من الشيوخ المتأخرين، وقد كتب للحافظ البرزالي قطعة كبيرة من مشايخه، وخرج له عن كل حديثا أو أكثر، وأثبت له ما سمعه عن كل منهم، ولم يتم حتى توفي البرزالي رحمه الله.
وتوفي بهاء الدين بن المرجاني باني جامع الفوقاني، وكان مسجدا في الاصل فبناه جامعا، وجعل فيه خطبة، وكنت أول من خطب فيه سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وسمع شيئا من الحديث.
وبلغنا مقتل الامير سيف الدين بن فضل بن عيسى بن مهنا أحد أمراء الاعراب الاجواد
__________
(1) وهما قاضي قضاة الشافعية عز الدين بن جماعة عزل وعين مكانه بهاء الدين بن عقيل فأقام بها ثمانين يوما ثم عزل وأعيد ابن جماعة (بدائع الزهور 1 / 567).

الانجاد وقد ولي إمرة آل مهنا غير مرة كما وليها أبوه من قبله: عدا عليه بعض بني عمه فقتله عن غير قصد بقتله، كما ذكر، لكن لما حمل عليه السيف أراد أن يدفع عن نفسه وبنفسه فضربه بالسيف برأسه ففلقه فلم يعش بعده إلا أياما قلائل ومات رحمه الله انتهى.
عزل منجك عن دمشق ولما كان يوم الاحد ثاني ذي الحجة قدم أمير من الديار المصرية ومعه تقليد نائب دمشق، وهو الامير سيف الدين منجك بنيابة صفد المحروسة، فأصبح من الغد - وهو يوم عرفة - وقد انتقل من دار السعادة إلى سطح المزة قاصدا إلى صفد المحروسة فعمل العيد بسطح المزة، ثم ترحل نحو
صفد، وطمع كثير من المفسدين والخمارين وغيرهم وفرحوا بزواله عنهم.
وفي يوم العيد قرئ كتاب السلطان بدار السعادة على الامراء وفيه التصريح باستنابة أميره علي المارداني عليهم، وعوده إليهم الامر بطاعته وتعظيمه واحترامه والشكر له والثناء عليه، وقدم الامير شهاب الدين بن صبح من نيابة صفد ونزل بداره بظاهر البلد بالقرب من الشامية البرانية.
ووصل البريد يوم السبت الحادي والعشرين من ذي الحجة بنفي صاحب الحجاب طيدمر الاسماعيلي إلى مدينة حماة بطالا في سرجين لا غير والله أعلم.
ثم دخلت سنة ستين وسبعمائة استهلت هذه السنة وملك الديار المصرية والشامية وما يتبع ذلك من الممالك الاسلامية الملك الناصر حسن بن السلطان الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، وقضاته بمصر هم المذكورون في السنة التي قبلها، ونائبه بدمشق الامير علاء الدين أمير علي المارداني، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها غير المالكي، فإنه عزل جمال الدين المسلاتي بشرف الدين العراقي، وحاجب الحجاب الامير شهاب الدين بن صبح، وخطباء البلد كانت أكثرها المذكورون.
وفي صبيحة يوم الاربعاء ثالث المحرم دخل الامير علاء الدين أمير علي نائب السلطنة إلى دمشق من نيابة حلب، ففرح الناس به وتلقوه إلى أثناء الطريق، وحملت له العمامة الشجوع في طرقات البلد، ولبس الامير شهاب الدين بن صبح خلعة الحجابة الكبيرة بدمشق عوضا عن نيابة صفد ووردت كتب الحجاج يوم السبت الثالث عشر منه مؤرخة سابع عشرين ذي الحجة من العلا وذكروا أن صاحب المدينة النبوية عدا عليه فداويان عند لبسه خلعة السلطان، وقت دخول المحمل إلى المدينة الشريفة فقتلاه، فعدت عبيده على الحجيج الذين هم داخل المدينة فنهبوا من أموالهم وقتلوا بعضهم وخرجوا، وكانوا قد أغلقوا أبواب المدينة دون الجيش فأحرق بعضها، ودخل

الجيش السلطاني فاسنقذوا الناس من أيدي الظالمين.
ودخل المحمل السلطاني إلى دمشق يوم
السبت العشرين من هذا الشهر على عادته، وبين يدي المحمل الفداويان اللذان قتلا صاحب المدينة، وقد ذكرت عنه أمور شنيعة بشعة من غلوه في الرفض المفرط، ومن قوله إنه لو تمكن لاخرج الشيخين من الحجرة، وغير ذلك من عبارات مؤدية لعدم إيمانه إن صح عنه والله أعلم.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء سادس صفر مسك الامير شهاب الدين بن صبح حاجب الحجاب وولداه الاميران وحبسوا في القلعة المنصورة، ثم سافر به الامير ناصر الدين بن خاربك بعد أيام إلى الديار المصرية، وفي رجل ابن صبح قيد، وذكر أنه فك من رجله في أثناء الطريق.
وفي يوم الاثنين ثالث عشر صفر قدم نائب طرابلس الامير سيف الدين عبد الغني فأدخل القلعة ثم سافر به الامير علاء الدين بن أبي بكر إلى الديار المصرية محتفظا به مضيقا عليه، وجاء الخبر بأن منجك سافر من صفد على البريد مطلوبا إلى السلطان، فلما كان بينه وبين غزة بريد واحد دخل بمن معه من خدمه التيه فارا من السلطان، وحين وصل الخبر إلى نائب غزة اجتهد في طلبه فأعجزه وتفارط الامر، انتهى والله أعلم (1).
مسك الامير علي المارداني نائب الشام وأصل ذلك أنه في صبيحة يوم الاربعاء الثاني والعشرين من رجب، ركب الجيش إلى تحت القلعة ملبسين وضربت البشائر في القلعة في ناحية الطارمة، وجاء الامراء بالطبلخانات من كل جانب والقائم بأعباء الامر سيف الدين بيدمر الحاجب، ونائب السلطنة داخل دار السعادة والرسل مرددة بينه وبين الجيش، ثم خرج فحمل على سروج يسيرة محتاطا عليه إلى ناحية الديار المصرية، واستوحش من أهل الشام عند باب النصر، فتباكى الناس رحمة له وأسفة عليه، لديانته وقلة أذيته وأذية الرعية وإحسانه إلى العلماء والفقراء والقضاة.
ثم في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين منه احتيط على الامراء الثلاثة، وهم الامير سيف الدين طيبفاحجي أحد مقدمي الالوف، والامير سيف الدين فطليخا الدوادار أحد المقدمين أيضا والامير علاء الدين أيدغمش المارداني أحد أمراء الطبلخانات، وكان هؤلاء ممن حضر نائب السلطنة المذكور وهم جلساؤه وسماره، والذين بسفارته أعطوا الاجناد والطبلخانات والتقادم،
فرفعوا إلى القلعة المنصورة معتقلين بها مع من بها من الامراء، ثم ورد الخبر بأن الامير علي رد من
__________
(1) قال في بدائع الزهور 1 / 572: " وفي أواخر هذه السنة - يعني سنة 761 - وردت الاخبار بأن التركمان قبضوا على منجك، فلما أحضروا إلى القاهرة، فلما مثل بين يدي السلطان وجده في هيئة الفقراء...وبكى فرق له السلطان وعفا عنه ثم أنعم عليه بأمرية أربعين في الشام فأقام بمصر أياما ثم توجه إلى الشام وأقام بها ".

الطريق بعد مجاوزته وأرسل إليه بتقليد نيابة صفد المحروسة، فتماثل الحال وفرح بذلك أصحابه وأحبابه، وقد متسلم دمشق الذي خلع عليه بنبابتها بالديار المصرية في يوم الخميس سادس عشر شهر رجب بعد أن استعفى من ذلك مرارا، وباس الارض مرارا فلم يعفه السلطان، وهو الامير سيف الدين استدمر أخو يلبغا اليحياوي (1)، الذي كان نائب الشام، وبنته اليوم زوجة السلطان، قدم متسلمه إلى دمشق يوم الخميس سلخ الشهر فنزل في دار السعادة، وراح القضاة والاعيان للسلام عليه والتودد إليه، وحملت إليه الضيافات والتقادم، انتهى والله أعلم.
كائنة وقعت بقرية حوران فأوقع الله بهم بأسا شديدا في هذا الشهر الشريف وذلك أنه أشهر أهل قرية بحوران وهي خاص لنائب الشام وهم حلبية يمن ويقال لهم بنو لبسه وبني ناشى وهى حصينة منيعة يضوي إليها كل مفسد وقاطع ومارق ولجأ إليهم أحد شياطين رويمن العشير وهو عمر المعروف بالدنيط، فأعدوا عددا كثيرة ونهبوا ليغنموا العشير، وفي هذا الحين بدرهم والي الولاة المعروف بشنكل منكل، فجاء إليهم ليردهم ويهديهم، وطلب منهم عمر الدنيط فأبوا عليه وراموا مقاتلته، وهم جمع كثير وجم غفير، فتأخر عنهم وكتب إلى نائب السلطنة ليمده بجيش عونا له عليهم وعلى أمثالهم، فجهز له جماعة من أمراء الطبلخانات والعشراوات ومائة من جند الحلقة الرماة، فما بغتهم في بلدهم تجمعوا لقتال العسكر ورموه بالحجاره والمقاليع، وحجزوا بينهم وبين البلد، فعند ذلك رمتهم الاتراك بالنبال من كل جانب، فقتلوا منهم فوق
المائة، ففروا على أعقابهم، وأسر منهم والي الولاة نحوا من ستين رجلا، وأمر بقطع رؤوس القتلى وتعليقها في أعناق هؤلاء الاسرى، ونهبت بيوت الفلاحين كلهم، وسلمت إلى مماليك نائب السلطنة لم يفقد منها ما يساوي ثلاثمائة درهم، وكر راجعا إلى بصرى وشيوخ العشيرات معه، فأخبر ابن الامير صلاح الدين ابن خاص ترك، وكان من جملة أمراء الطبلخانات الذين قاتلوهم بمبسوط ما يخصه وأنه كان إذا أعيا بعض تلك الاسرى من الجرحى أمر المشاعلي بذبحه وتعليق رأسه على بقية الاسرى، وفعل هذا بهم غير مرة حتى أنه قطع رأس شاب منهم وعلق رأسه على أبيه، شيخ كبير، فإنا لله وإنا إليه راجعون، حتى قدم بهم بصرى فشنكل طائفة من أولئك المأسورين وشنكل آخرين ووسط الآخرين وحبس بعضهم في القلعة، وعلق الرؤوس على أخشاب نصبها حول قلعة بصرى، فحصل بذلك تنكيل شديد لم يقع مثله في هذا الاوان بأهل حوران، وهذا كله سلط عليهم بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
انتهى.
__________
(1) في الاصل اليحناوي، وقد تقدمت الاشارة إليه، وقد صحح اليحياوي أينما ورد فيما بعد من الاخبار.

دخول نائب السلطنة الامير سيف الدين استدمر اليحياوي في صبيحة يوم الاثنين حادي عشر شعبان من هذه السنة كان دخول الامير سيف الدين استدمر اليحياوي نائبا على دمشق من جهة الديار المصرية (1)، وتلقاه الناس واحتفلوا له احتفالا زائدا وشاهدته حين ترجل لتقبيل العتبة، وبعضده الامير سيف الدين بيدمر (2) الذي كان حاجب الحجاب وعين لنيابة حلب المحروسة، فاستقبل القبلة وسجد عند القبلة، وقد بسط له عندها مفارش وصمدة هائلة، ثم إنه ركب فتعضده بيدمر أيضا وسار نحو الموكب فأركب ثم عاد إلى دار السعادة على عادة من تقدمه من النواب.
وجاء تقليد الامير سيف الدين بيدمر من آخر النهار لنيابة حلب المحروسة، وفي آخر نهار الثلاثاء بعد العصر ورد البريد البشيري وعلى يده مرسوم شريف بنفي القاضي بهاء الدين أبو البقاء وأولاده وأهله إلى طرابلس بلا وظيفة، فشق ذلك عليه وعلى
أهليه ومن يليه، وتغمم له كثير من الناس، وسافر ليلة الجمعة وقد أذن له في الاستنابة في جهاته، فاستناب ولده الكبير عز الدين، واشتهر في شوال أن الامير سيف الدين منجك الذي كان نائب السلطنة بالشام وهرب ولم يطلع له خبر، فلما كان في هذا الوقت ذكر أنه مسك ببلد بحران من مقاطعة ماردين في زي فقير، وأنه احتفظ عليه وأرسل السلطان قراره، وعجب كثير من الناس من ذلك، ثم لم يظهر لذلك حقيقة وكان الذين رأوه ظنوا أنه هو، فإذا هو فقير من جملة الفقراء يشبهه من بعض الوجوه (3).
واشتهر في ذي القعدة أن الامير عز الدين فياض بن مهنا ملك العرب، خرج عن طاعة السلطان وتوجه نحو العراق فوردت المراسيم السلطانية لمن بأرض الرحبة من العساكر الدمشقية وهم أربعة مقدمين في أربعة آلاف، وكذلك جيش حلب وغيره بتطلبه وإحضاره إلى بين يدي السلطان، فسعوا في ذلك بكل ما يقدرون عليه فعجزوا عن لحاقه والدخول وراءه إلى البراري، وتفارط الحال وخلص إلى أرض العراق فضاق النطاق وتعذر اللحاق.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة استهلت وسلطان المسلمين الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام الامير سيف الدين استدمر أخو يلبغا اليحياوي، وكاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي.
وفي مستهل المحرم جاء الخبر بموت الشيخ صلاح الدين العلائي بالقدس الشريف ليلة الاثنين ثالث المحرم، وصلي عليه من الغد بالمسجد الاقصى بعد صلاة الظهر، ودفن بمقبرة نائب
__________
(1) انظر النجوم الزاهرة 10 / 310 والسلوك 3 / 47.
__________
(2) وهو بيدمر بن عبد الله الخوارزمي المتوفى سنة 779 ه (الدرر 1 / 513).
__________
(3) انظر ما سبق صفحة 303 حاشية 1.

الرحبة، وله من العمر ست وستون سنة، وكان مدة مقامه بالقدس مدرسا بالمدرسة الصلاحية وشيخا بدار الحديث السكرية ثلاثين سنة، وقد صنف وألف وجمع وخرج، وكانت له يد طولى
بمعرفة العالي والنازل، وتخريج الاجزاء والفوائد، وله مشاركة قوية في الفقه واللغة والعربية والادب وفي كتابته ضعف لكن مع صحة وضبط لما يشكل، وله عدة مصنفات، وبلغني أنه وقفها على الخانقاه السمساطية بدمشق، وقد ولى بعده التدريس بالصرخصية الخطيب برهان الدين بن جماعة والنظر بها، وكان معه تفويض منه متقدم التاريخ.
وفي يوم الخميس السادس من محرم احتيط على متولي البر ابن بهادر الشيرجي ورسم عليه بالعذراوية بسبب أنه اتهم بأخذ مطلب من نعمان البلقاء هو وكحلن الحاجب، وقاضي حسان، والظاهر أن هذه مرافعة من خصم عدو لهم، وأنه لم يكن من هذا شي ء والله أعلم.
ثم ظهر على رجل يزور المراسيم الشريفة وأخذ بسببه مدرس الصارمية لانه كان عنده في المدرسة المذكرة، وضرب بين يدي ملك الامراء، وكذلك على الشيخ زين الدين زيد المغربي الشافعي، وذكر عنه أنه يطلب مرسوما لمدرسة الاكرية، وضرب أيضا ورسم عليه في حبس السد، وكذلك حبس الامير شهاب الدين الذي كان متولي البلد، لانه كان قد كتب له مرسوما شريفا بالولاية، فلما فهم ذلك كاتب السر أطلع عليه نائب السلطنة فانفتح عليه الباب وحبسوا كلهم بالسد، وجاءت كتب ؟ الحجاج ليلة السبت الخامس عشر من المحرم وأخبرت بالخصب والرخص والامن ولله الحمد والمنة.
ودخل المحمل بعد المغرب ليلة السبت الحادي والعشرين منه، ثم دخل الحجيج بعده في الطين والرمض (1) وقد لقوا من ذلك من بلاد حوران عناء وشدة، ووقعت جمالات كثيرة وسبيت نساء كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحصل للناس تعب شديد.
ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين قطعت يد الذي زور المراسيم واسمه السراج عمر القفطي المصري، وهو شاب كاتب مطيق على ما ذكر، وحمل في قفص على جمل وهو مقطوع اليد، ولم يحسم بعد والدم ينصب منها، وأركب معه الشيخ زين الدين زيد على جمل وهو منكوس وجهه إلى ناحية دبر الجمل، وهو عريان مكشوف الرأس، وكذلك البدر الخصمي على جمل آخر، وأركب الوالي شهاب الدين على جمل آخر وعلى تخفيفة صغيرة، وخف وقباء، وطيف بهم في محال البلد، ونودي عليهم: هذا جزاء من يزور على السلطان، ثم أودعوا حبس الباب الصغير وكانوا قبل هذا التعزير في حبس السد،
ومنه أخذوا وأشهروا، فإنا لله وإنا إليه راجعون انتهى.
__________
(1) الرمض: الرمض شدة الحر، والرمض.
حر الحجارة من شدة الشمس.
والرمضي من السحاب والمطر ما كان في آخر القيظ وأول الخريف، وسمي المطر رمضيا لانه يدرك سخونة الشمس وحرها.
والرمض: المطر يأتي قبل الخريف فيجد الارض حارة محترقة (لسان العرب).

مسك منجك وصفة الظهور عليه وكان مختفيا بدمشق حوالي سنة لما كان يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم جاء ناصح إلى نائب السلطنة الامير سيف الدين استدمر فأخبره بأن منجك في دار الشرف الاعلى، فأرسل من فوره إلى ذلك المنزل الذي هو فيه بعض الحجبة ومن عنده من خواصه، فاحضر إلى بين يديه محتفظا عليه جدا، بحيث إن بعضهم رزفه من ورائه واحتضنه، فلما واجهه نائب السلطنة أكرمه وتلقاه وأجلسه معه على مقعدته، وتلطف به وسقاه وأضافه، وقد قيل إنه كان صائما فأفطر عنده، وأعطاه من ملابسه وقيده وأرسله إلى السلطان في ليلته - ليلة الجمعة - مع جماعة من الجند وبعض الامراء، منهم حسام الدين أمير حاجب، وقد كان أرسل نائب السلطنة ولده بسيف منجك من أوائل النهار، وتعجب الناس من هذه القضية جدا، وما كان يظن كثير من الناس إلا أنه قد عدم باعتبار أنه في بعض البلاد النائية، ولم يشعر الناس أنه في وسط دمشق وأنه يمشي بينهم متنكرا، وقد ذكر أنه كان يحضر الجمعات بجامع دمشق ويمشي بين الناس متنكرا في لبسه وهيئته، ومع هذا لن يغني حذر من قدر، ولكل أجل الكتاب، وأرسل ملك الامراء بالسيف وبملابسه التي كان يتنكر بها، وبعث هو مع جماعة من الامراء الحجبة وغيرهم وجيش كثيف إلى الديار المصرية مقيدا محتفظا عليه، ورجع ابن ملك الامراء بالتحف والهدايا والخلع والانعام لوالده، ولحاجب الحجاب، ولبس ذلك الامراء يوم الجمعة واحتفل الناس بالشموع وغيرها، ثم تواترت الاخبار بدخول منجك إلى السلطان وعفوه عنه وخلعته الكاملة عليه وإطلاقه له الحسام والخيول المسومة والالبسة المفتخرة، والاموال والامان، وتقديم الامراء والاكابر له من سائر صنوف التحف (1)، وقدوم الامير علي من صفد
قاصدا إلى حماة لنيابتها، فنزل القصر الابلق ليلة الخميس رابع صفر وتوجه ليلة الاحد سابعه.
وفي يوم الخميس الثامن عشر من صفر قدم القاضي بهاء الدين أبو البقاء من طرابلس بمرسوم شريف أن يعود إلى دمشق على وظائفه المبقاة عليه، وقد كان ولده ولي الدين ينوب عنه فيها، فتلقاه كثير من الناس إلى أثناء الطريق، وبرز إليه قاضي القضاة تاج الدين إلى حرستا، وراح الناس إلى تهنئته إلى داره، وفرحوا برجوعه إلى وطنه.
ووقع مطر عظيم في أول هذا الشهر، وهو أثناء شهر شباط، وثلج عظيم، فرويت البساتين التي كانت لها عن الماء عدة شهور، ولا يحصل لاحد من الناس سقي إلا بكلفة عظيمة ومشقة، ومبلغ كثير، حتى كاد الناس يقتتلون عليه بالايدي والدبابيس وغير ذلك من البذل الكثير، وذلك في شهور كانون الاول والثاني، وأول شباط، وذلك لقلة مياه الانهار وضعفها، وكذلك بلاد حوران أكثرهم يروون من أماكن بعيدة في هذه الشهور، ثم من الله تعالى فجرت الاودية وكثرت الامطار والثلوج، وغزرت الانهار ولله الحمد والمنة.
وتوالت الامطار، فكأنه حصل السيل في هذه السنة من كانون إلى شباط فكان شباط
__________
(1) انظر السلوك 3 / 53 النجوم الزاهرة 10 / 310 بدائع الزهور 1 / 572 وانظر ما سبق صفحة 303 حاشية رقم 1.

هو كانون وكانون لم يسل فيه ميزاب واحد.
ووصل في هذا الشهر الامير سيف الدين منجك إلى القدس الشريف ليبتني للسلطان مدرسة وخانقاه غربي المسجد الشريف، وأحضر الفرمان (1) الذي كتب له بماء الذهب إلى دمشق وشاهده الناس ووقعت على نسخته وفيها تعظيم رائد ومدح وثناء له، وشكر على متقدم خدمه لهذه الدولة، والعفو عما مضى من زلاته، وذكر سيرته بعبارة حسنة.
وفي أوائل شهر ربيع الآخر رسم على المعلم سنجر مملوك ابن هلال صاحب الاموال الجزيلة بمرسوم شريف قدم مع البريد وطلب منه ستمائة ألف درهم، واحتيط على العمارة التي أنشأها عند باب النطافيين ليجعلها مدرسة، ورسم بأن يعمر مكانها مكتب للايتام، وأن يوقف عليهم كتابتهم جارية عليهم، وكذلك رسم بأن يجعل في كل مدرسة من مدارس المملكة الكبار، وهذا مقصد جيد.
وسلم المعلم سنجر إلى شاد الدواوين (2) يستخلص منه المبلغ المذكور سريعا،
فعاجل بحمل مائتي ألف، وسيرت مع أمير عشرة إلى الديار المصرية.
الاحتياط على الكتبة والدواوين وفي يوم الاربعاء خامس عشر ربيع الآخر ورد من الديار المصرية أمير معه مرسوم بالاحتياط على دواوين السلطان، بسبب ما أكلوا من الاموال المرتبة للناس من الصدقات السلطانية وغير ذلك فرسم عليهم بدار العدل البرانية وألزموا بأموال جزيلة كثيرة، بحيث احتاجوا إلى بيع أثاثهم وأقمشتهم وفرشهم وأمتعتهم وغيرها، حتى ذكر أن منهم من لم يكن له شئ يعطيه فأحضر بناته إلى الدكة ليبيعهن فتباكى الناس وانتحبوا رحمة ورقة لابيهن، ثم أطلق بعضهم وهم الضعفاء منهم والفقراء الذين لا شئ معهم، وبقيت الغرامة على الكبراء منهم، كالصاحب (3) والمستوفين (4)، ثم شددت عليهم المطالبة وضربوا ضربا مبرحا، وألزموا الصاحب بمال كثير بحيث إنه احتاج إلى أن سأل من الامراء والاكابر والتجار بنفسه وبأوراقه، فأسعفوه بمبلغ كثير يقارب ما ألزم به، بعد
__________
(1) الفرمان: في اللغة ما يصدره السلطان أو الملك من الكتب للولاة والوكلاء والقصاد يعلن فيها تنصيبهم ومأموريتهم والجمع فرمانات وفرامين وفرامنة.
(محيط المحيط).
__________
(2) شاد الدواوين: كانت مهمته مرافقة الوزير والتفتيش عن مالية الدواوين وعلى موظفيها وعادته أمرة عشرة - أي تحت خدمته عشرة مماليك - (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 191).
__________
(3) تقدمت الاشارة إليه.
__________
(4) المستوفي: من كتاب الاموال بالدواوين وعمله ضبط الديوان التابع له والتنبيه على ما فيه مصلحته من استخراج أمواله ونحو ذلك وسمي لاهميته " قطب الديوان " لانه كان يقوم بضبط سير الاعمال اليومية بالديوان ومراقبة الموظفين هذا فضلا عن قيامه بتبليغ متولي الديوان بما يجب تحصيله من الموارد المالية في مواعيدها المحددة.
وتحمل المستوفي عدم التنبيه على مواعيد جباية الاموال أو أي تأخير أو إهمال في جباية المتحصلات (ابن مماتي: قوانين الدوانين ص 301 والتعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 310).

أن عري ليضرب، ولكن ترك واشتهر أنه قد عين عوضه من الديار المصرية، انتهى.
موت فياض بن مهنا ورد الخبر بذلك يوم السبت الثامن عشر منه، فاستبشر بذلك كثير من الناس، وأرسل إلى السلطان مبشرين بذلك، لانه كان قد خرج عن الطاعة وفارق الجماعة، فمات موتة جاهلية بأرض الشقاق والنفاق، وقد ذكرت عن هذا أشياء صدرت عنه من ظلم الناس، والافطار في شهر رمضان بلا عذر وأمره أصحابه وذويه بذلك في هذا الشهر الماضي، فإنا لله وإنا إليه راجعون، جاوز السبعين انتهى.
والله أعلم.
كائنة عجيبة جدا هي المعلم سنجر مملوك بن هلال في اليوم الرابع والعشرين من ربيع الآخر أطلق المعلم الهلالي بعد أن استوفوا منه تكميل ستمائة ألف درهم، فبات في منزله عند باب النطافيين سرورا بالخلاص، ولما أصبح ذهب إلى الحمام وقد ورد البرئى من جهة السلطان من الديار المصرية بالاحتياط على أمواله وحواصله، فأقبلت الحجبة ونقباء النقبة والاعوان من كل مكان، فقصدوا داره فاحتاطوا بها وعليها بما فيها، ورسم عليه وعلى ولديه، وأخرجت نساؤه من المنزل في حالة صعبة، وفتشوا النساء وانتزعوا عنهن الحلي والجواهر والنفائس، واجتمعت العامة والغوغاء، وحضر بعض القضاة ومعه الشهود بضبط الاموال والحجج والرهون، وأحضروا المعلم ليستعلموا منه جلية ذلك، فوجدوا من حاصل الفضة أول يوم ثلثمائة ألف وسبعين ألفا، ثم صناديق أخرى لم تفتح، وحواصل لم يصلوا إليها لضيق الوقت ثم أصبحوا يوم الاحد في مثل ذلك، وقد بات الحرس على الابواب والاسطحة لئلا يعدى عليها في الليل وبات هو وأولاده بالقلعة المنصورة محتفظا عليهم، وقد رق له كثير من الناس لما أصابه من المصيبة العظيمة بعد التي قبلها سريعا.
وفي أواخر هذا الشهر توفي الامير ناصر الدين محمد بن الدوادار السكري، كان ذا مكانة عند أستاذه، ومنزلة عالية، ونال من السعادة في وظيفته أقصاها، ثم قلب الله قلب أستاذه عليه فضربه وصادره وعزله وسجنه، ونزل قدره عند الناس، وآل به الحال إلى أن كان يقف على أتباعه بفرسه ويشتري منهم ويحاككهم، ويحمل حاجته معه في سرجه، وصار مثلة بين الناس، بعد أن
كان في غاية ما يكون فيه الدويدارية من العز والجاه والمال والرفعة في الدنيا، وحق على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه.
وفي صبيحة يوم الاحد سابع عشره أفرج عن المعلم الهلالي وعن ولديه، وكانوا معتقلين بالقلعة المنصورة، وسلمت إليهم دورهم وحواصلهم، ولكن أخذ ما كان حاصلا في داره، وهو

ثلاثمائة ألف وعشرون ألفا، وختم على حججه ليعقد لذلك مجلس ليرجع رأس ماله منها عملا بقوله تعالى (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) [ البقرة: 279 ] ونودي عليه في البلد إنما فعل به ذلك لانه لا يؤدي الزكاة ويعامل بالربا، وحاجب السلطان ومتولي البلد، وبقية المتعممين والمشاعلية تنادي عليه في أسواق البلد وأرجائها.
وفي اليوم الثامن والعشرين منه ورد المرسوم السلطاني الشريف بإطلاق الدواوين إلى ديارهم وأهاليهم، ففرح الناس بسبب ذلك لخلاصهم مما كانوا فيه من العقوبة والمصادرة البليغة، ولكن لم يستمر بهم في مباشراتهم.
وفي أواخر الشهر تكلم الشيخ شهاب الدين المقدسي الواعظ، قدم من الديار المصرية تجاه محراب الصحابة، واجتمع الناس إليه وحضر من قضاة القضاة الشافعي والمالكي، فتكلم على تفسير آيات من القرآن، وأشار إلى أشياء من إشارات الصوفية بعبارات طلقة معربة حادة صادعة للقلوب فأفاد وأجاد، وودع الناس بعوده إلى بلده، ولما دعا استنهض الناس للقيام، فقاموا في حال الدعاء، وقد اجتمعت به المجلس فرأيته حسن الهيئة والكلام والتأدب، فالله يصلحه وإيانا آمين.
وفي مستهل جمادى الآخرة ركب الامير سيف الدين بيدمر نائب حلب لقصد غزو بلاد سيس في جيش، لقاه الله النصر والتأييد (1).
وفي مستهل هذا الشهر أصبح أهل القلعة وقد نزل جماعة من أمراء الاعراب من أعالي مجلسهم في عمائم وحبال إلى الخندق وخاضوه وخرجوا من عند جسر الزلابية فانطلق اثنان وأمسك الثالث الذي تبقى في السجن، وكأنه كان يمسك لهم الحبال حتى
تدلوا فيها، فاشتد نكير نائب السلطنة على نائب القلعة، وضرب ابنيه النقيب وأخاه وسجنهما، وكاتب في هذه الكائنة إلى السلطان، فورد المرسوم بعزل نائب القلعة وإخراجه منها، وطلبه لمحاسبة ما قبض من الاموال السلطانية في مدة ست سني مباشرته، وعزل ابنه عن النقابة وابنه الآخر عن استدرائه السلطان، فنزلوا من عزهم إلى عزلهم.
وفي يوم الاثنين سابع عشره جاء الامير تاج الدين جبريل من عند الامير سيف الدين بيدمر نائب حلب، وقد فتح بلدين من بلاد سيس، وهما طرسوس وأذنة، وأرسل مفاتيحهما صحبة جبريل المذكور إلى السلطان أيده الله، ثم افتتح حصونا أخر كثيرة في أسرع مدة، وأيسر
__________
(1) فوصل في حملته إلى أدنه ونازلها وفتحها بالامان وأخذ طرسوس عنوة وفتح المصيصة وقلعة كلال ودعاليفون والجديدة وسنباط كلاغرون، واستناب عليها نواب من تحت يد السلطان ثم رجع بالعساكر سالمين (انظر الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 212 والسلوك 3 / 50 وبدائع الزهور 1 / 568 وقد ذكر خبر خروج هذه الحملة في حوادث سنة 760).

كلفة (1)، وخطب القاضي ناصر الدين كاتب السر خطبة بليغة حسنة، وبلغني في كتاب أن أبواب كنيسة أذنة حملت إلى الديار المصرية في المراكب.
قلت: وهذه هي أبواب الناصرية التي بالسفح، أخذها سيس عام قازان، وذلك في سنة تسع وتسعين وستمائة، فاستنفذت ولله الحمد في هذه السنة.
وفي أواخر هذا الشهر بلغنا أن الشيخ قطب الدين هرماس الذي كان شيخ السلطان طرد عن جناب مخدومه، وضرب وصودر، وخربت داره إلى الاساس، ونفي إلى مصياف، فاجتاز بدمشق ونزل بالمدرسة الجليلة ظاهر باب الفرج، وزرته فيمن سلم عليه، فإذا هو شيخ حسن عنده ما يقال ويلتفظ معربا جيدا، ولديه فضيلة، وعنده تواضع وتصوف، فالله يحسن عاقبته.
ثم تحول إلى العذراوية.
وفي صبيحة يوم السبت سابع شهر رجب توجه الشيخ شرف الدين أحمد بن الحسن بن
قاضي الجبل الحنبلي إلى الديار المصرية مطلوبا على البريد إلى السلطان لتدريس الطائفة الحنبلية بالمدرسة التي أنشأها السلطان بالقاهرة المعزية، وخرج لتوديعه القضاة والاعيان إلى أثناء الطريق، كتب الله سلامته، انتهى والله تعالى أعلم.
مسك نائب السلطنة استدمر اليحياوي وفي صبيحة يوم الاربعاء الخامس والعشرين من رجب قبض على نائب السلطنة الامير سيف الدين استدمر، أخي يلبغا اليحياوي، عن كتاب ورد من السلطان صحبة الدوادار (2) الصغير، وكان يومئذ راكبا بناحية ميدان ابن بابك، فلما رجع إلى عند مقابر اليهود والنصارى احتاط عليه الحاجب الكبير ومن معه من الجيش وألزموه بالذهاب إلى ناحية طرابلس، فذهب من على طريق الشيخ رسلان، ولم يمكن من المسير، إلى دار السعادة، ورسم عليه من الجند من أوصله إلى طرابلس مقيما بها بطالا، فسبحان من بيده ملكوت كل شئ، يفعل ما يشاء.
وبقي البلد بلا نائب يحكم فيه الحاجب الكبير عن مرسوم السلطان، وعين للنيابة الامير سيف الدين بيدمر النائب بحلب.
وفي شعبان وصل تقليد الامير سيف الدين بيدمر بنيابة دمشق، ورسم له أن يركب في طائفة من جيش حلب ويقصد الامير خيار بن مهنا ليحضره إلى خدمة السلطان، وكذلك رسم لنائب
__________
(1) انظر الحاشية السابقة.
__________
(2) الدوادار: اسم فارسي مركب من لفظين أحدهما عربي وهو الدواة، والثاني دار ومعناها ممسك.
وصاحب وظيفة الدوا دارية هو الذي يحمل دواة السلطان أو الامير أو غيرهما ويتولى أمرها مع ما يلحق ذلك من المهمات نحو تبليغ الرسائل عن السلطان أو الامير وابلاغ عامة الامور.
(التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 139).

حماة وحمص أن يكونا عونا للامير سيف الدين بيدمر في ذلك، فلما كان يوم الجمعة رابعه التقوا مع خيار عند سلمية، فكانت بينهم مناوشات، فأخبرني الامير تاج الدين الدودار وكان مشاهد الوقعة أن الاعراب أحاطوا بهم من كل جانب، وذلك لكثرة العرب وكانوا نحو الثمانمائة،
وكانت الترك من حماة وحمص وحلب مائة وخمسين، فرموا الاعراب بالنشاب فقتلوا منهم طائفة كثيرة، ولم يقتل من الترك سوى رجل واحد، رماه بعض الترك ظانا أنه من العرب بناشج فقتله، ثم حجز بينهم اليل، وخرجت الترك من الدائرة، ونهبت أموال من الترك ومن العرب، وجرت فتنة وجردت أمراء عدة من دمشق لتدارك الحال، وأقام نائب السلطنة هناك ينتظر ورودهم، وقدم الامير عمر الملقب بمصمع بن موسى بن مهنا من الديار المصرية أميرا على الاعراب وفي صحبته الامير بدر الدين بن جماز أميران على الاعراب، فنزل مصمع بالقصر الابلق، ونزل الامير رملة بالتوزية على عادته ثم توجها إلى ناحية خيار بمن معهما من عرب الطاعة ممن أضيف إليهم من تجريدة دمشق ومن يكون معهم من جيش حماة وحمص لتحصيل الامير خيار، وإحضاره إلى الخدمة الشريفة فالله تعالى يحسن العاقبة.
دخول نائب السلطنة الامير سيف الدين بيدمر إلى دمشق وذلك صبيحة يوم السبت التاسع عشر من شعبان، أقبل بجيشه من ناحية حلب وقد بات بوطأة برزة ليلة السبت، وتلقاه الناس إلى حماة ودونها، وجرت له وقعة مع العرب كما ذكرنا، فلما كان هذا اليوم دخل في أبهة عظيمة، وتجمل حافل، فقبل العتبة على العادة، ومشى إلى دار السعادة، ثم أقبلت جنائبه في لبوس هائلة باهرة، وعدد كثير وعدد ثمينة، وفرح المسلمون به لشهامته وصرامته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، والله تعالى يؤيده ويسدده.
وفي يوم الجمعة ثاني شهر رمضان خطبت الحنابلة بجامع القبيبات وعزل عنه القاضي شهاب الدين قاضي العسكر الحنبلي، بمرسوم نائب السلطان لانه كان يعرف أنه كان مختصرا بالحنابلة منذ عين إلى هذا الحين.
وفي يوم الجمعة السادس عشر منه قتل عثمان بن محمد المعروف بابن دبادب الدقاق بالحديد على ما شهد عليه به جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، أنه كان يكثر من شتم الرسول صلى الله عليه وسلم، فرفع إلى الحاكم المالكي وادعى عليه فأظهر التجابن، ثم استقر أمره على أن قتل قبحه الله وأبعده ولا رحمه.
وفي يوم الاثنين السادس والعشرين منه قتل محمد المدعو زبالة الذي بهتار لابن معبد على ما صدر منه من سب النبي صلى الله عليه وسلم ودعواه أشياء كفرية، وذكر عنه أنه كان يكثر الصلاة والصيام، ومع هذا يصدر منه أحوال بشعة في حق أبي بكر وعمر وعائشة أم المؤمنين، وفي حق النبي صلى الله عليه وسلم، ==

======================================================================

==========ج55........ج55.............ج55.======================
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

ج55. والاخر / كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي

فضربت عنقه أيضا في هذا اليوم في سوق الخيل ولله الحمد والمنة.
وفي ثالث عشر شوال خرج المحمل السلطاني وأميره الامير ناصر الدين بن قراسنقر وقاضي الحجيج الشيخ شمس الدين محمد بن سند المحدث، أحد المفتيين.
وفي أواخر شهر شوال أخذ رجل يقال له حسن، كان خياطا بمحلة الشاغور، ومن شأنه أن ينتصر لفرعون لعنه الله، ويزعم أنه مات على الاسلام ويحتج بأنه في سورة يونس حين أدركه الغرق قال (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) [ يونس: 90 ] ولا يفهم معنى قوله (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) [ يونس: 91 ] ولا معنى قوله (فأخذه الله نكال الآخرة والاولى) [ النازعات: 25 ] ولا معنى قوله (فأخذناه أخذا وبيلا) [ المزمل: 16 ] إلى غير ذلك من الآيات والاحاديث الكثيرة الدالة على أن فرعون أكفر الكافرين كما هو مجمع عليه بين اليهود والنصارى والمسلمين.
وفي صبيحة يوم الجمعة سادس القعدة قدم البريد بطلب نائب السلطنة إلى الديار المصرية في تكريم وتعظيم، على عادة تنكز، فتوجه النائب إلى الديار المصرية وقد استصحب معه تحفا سنية وهدايا معظمة تصلح للايوان الشريف.
في صبيحة السبت رابع عشره، خرج ومعه القضاة والاعيان من الحجبة والامراء لتوديعه.
وفي أوائل ذي الحجة ورد كتاب من نائب السلطنة بخطه إلى قاضي القضاة تاج الدين الشافعي يستدعيه إلى القدس الشريف، وزيارة قبر الخليل، ويذكر فيه ما عامله به السلطان من الاحسان والاكرام والاحترام والاطلاق والانعام من الخيل والتحف والمال والغلات فتوجه نحوه قاضي القضاة يوم الجمعة بعد الصلاة رابعه على ستة من خيل البريد، ومعه تحف وما يناسب من الهدايا، وعاد عشية يوم الجمعة ثامن عشره إلى بستانه.
ووقع في هذا الشهر والذي قبله سيول كثيرة جدا في أماكن متعددة، من ذلك ما شاهدنا آثاره في مدينة بعلبك، أتلف شيئا كثيرا من الاشجار، واخترق أماكن كثيرة متعددة عندهم، وبقي آثار سيحه على أماكن كثيرة، ومن ذلك سيل وقع بأرض جعلوص أتلف شيئا كثيرا جدا، وغرق فيه قاضي تلك الناحية، ومعه بعض الاخيار، كانوا وقوفا على أكمة فدهمهم أمر عظيم، ولم يستطيعوا دفعه ولا منعه، فهلكوا.
ومن ذلك سيل وقع بناحية حسة جمال فهلك به شئ كثير من الاشجار والاغنام والاعناب وغيرها.
ومن ذلك سيل بأرض حلب هلك به خلق كثير من التركمان وغيرهم، رجالا ونساء وأطفالا وغنما وإبلا.
قرأته من كتاب من شاهد ذلك عيانا، وذكر أنه سقط عليهم برد وزنت الواحدة منه فبلغت زنتها سبعمائة درهم وفيه ما هو أكبر من ذلك وأصغر، انتهى.

الامر بإلزام القلندرية بترك حلق لحاهم وحواجبهم وشواربهم وذلك محرم بالاجماع حسب ما حكاه ابن حازم وإنما ذكره بعض الفقهاء بالكراهية ورد كتاب من السلطان أيده الله إلى دمشق في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي الحجة، بإلزامهم بزي المسلمين وترك زي الاعاجم والمجوس، فلا يمكن أحد منهم من الدخول إلى بلاد السلطان حتى يترك هذا الزي المبتدع، واللباس المستشنع، ومن لا يلتزم بذلك يعزر شرعا، ويقلع من قراره قلعا، وكان اللائق أن يؤمروا بترك أكل الحشيشة الخسيسة، وإقامة الحد عليهم بأكلها وسكرها، كما أفتى بذلك بعض الفقهاء.
والمقصود أنهم نودي عليهم بذلك في جميع أرجاء البلد ونواحيه في صبيحة يوم الاربعاء ولله الحمد والمنة.
وبلغنا في هذا الشهر وفاة الشيخ الصالح الشيخ أحمد بن موسى الزرعي بمدينة جبراص يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة، وكان من المبتلين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام في مصالح الناس عند السلطان والدولة، وله وجاهة عند الخاص والعام، رحمه الله.
والامير سيف الدين كحلن بن الاقوس، الذي كان حاجبا بدمشق وأميرا، ثم عزل عن ذلك كله، ونفاه
السلطان إلى طرابلس فمات هناك.
وقدم نائب السلطنة الامير سيف الدين بيدمر عائدا من الديار المصرية، وقد لقي من السلطان إكراما وإحسانا زائدا فاجتاز في طريقه بالقدس الشريف فأقام به يوم عرفة والنحر، ثم سلك على طريق غابة أرصوف يصطاد بها فأصابه وعك منعه عن ذلك، فأسرع السير فدخل دمشق من صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه في أبهة هائلة، ورياسة طائلة، وتزايد وخرج العامة للتفرج عليه والنظر إليه في مجيئه هذا، فدخل وعليه قباء معظم ومطرز، وبين يديه ما جرت به العادة من الحوفية والشاليشية وغيرهم، ومن نيته الاحسان إلى الرعية والنظر في أحوال الاوقاف وإصلاحها على طريقة تنكز رحمه الله، انتهى والله أعلم.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمائة استهلت هذه السنة المباركة وسلطان الاسلام بالديار المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك ويلتحق به الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولا نائب له بالديار المصرية، وقضاته بها هم المذكورون في العام الماضي، ووزيره القاضي ابن اخصيب ونائب الشام بدمشق الامير سيف الدين بيدمر الخوارزمي، والقضاة

والخطيب وبقية الاشراف وناظر الجيش (1) والمحتسب (2) هم المذكورون في العام الماضي، والوزير ابن قروينة (3)، وكاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي، ووكيل بيت المال القاضي صلاح الدين الصفدي وهو أحد موقعي الدست (4) الاربعة.
وشاد الاوقاف الامير ناصر الدين بن فضل الله، وحاجب الحجا ب اليوسفي، وقد توجه إلى الديار المصرية ليكون بها أمير جنهار (5)، ومتولي البلد ناصر الدين، ونقيب النقباء ابن الشجاعي.
وفي صبيحة يوم الاثنين سادس المحرم قدم الامير على نائب حماة منها فدخل دمشق مجتازا إلى الديار المصرية فنزل في القصر الابلق ثم تحول إلى دار دويداره يلبغا الذي جدد فيها مساكن كثيرة بالقصاعين.
وتردد الناس إليه للسلام عليه، فأقام بها إلى صبيحة يوم الخميس تاسعه، فسار إلى الديار المصرية.
وفي يوم الاحد تاسع عشر المحرم أحضر حسن بن الخياط من محلة الشاغور إلى مجلس الحكم المالكي من السجن، وناظر في إيمان فرعون وادعي عليه بدعاوى لانتصاره لفرعون لعنه الله، وصدق ذلك باعترافه أولا ثم بمناظرته في ذلك ثانيا وثالثا، وهو شيخ كبير جاهل عامي ذا نص لا يقيم دليلا ولا يحسنه، وإنما قام في مخيلته شبهة يحتج عليها بقوله إخبارا عن فرعون حين أدركه الغرق، وأحيط به ورأى بأس الله، وعاين عذابه الاليم، فقال حين الغرق إذا (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) [ يونس: 90 ] قال الله تعالى (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) [ يونس: 91 ] فاعتقد هذا العامي أن هذا الايمان الذي صدر من فرعون والحالة هذه ينفعه، وقد قال تعالى (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم بما رأوا بأسنا سنة الله التي قد
__________
(1) ناظر الجيش: وهو المشرف على ديوان الجيش، وديوان الجيش يشرف على جيش المماليك في وقت السلم أو في وقت الحرب ويعمل في هذا الديوان أرباب القلم، وكان يعاون ناظر الجيش عدد من الكتاب وكان يعين بتكليف أو وصية.
(التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 342).
__________
(2) المحتسب: من وجوه العدول وأعيانهم، يده مطلقة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة ويتحدث في أمر المكاييل والموازين ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا رآها.
قال المقريزي: وله استخدام النواب عنه (خطط 1 / 463) و (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 302).
__________
(3) وهو فخر الدين بن قروينة القبطي، أخلع عليه وقرر في الوزارة عوضا عن تاج الدين بن ريشة (انظر بدائع الزهور 1 / 567).
__________
(4) موقع الدست هو الذي يوقع على القصص بمصر والشام، ومثله صاحب كتب المظالم في دولة الموحدين بالمغرب (صبح الاعشى 5 / 140).
__________
(5) كذا بالاصل، ولم أجدها فيما بين يدي من مراجع، ولعلها: جندار، وأمير جندار يستأذن على دخول الامراء للخدمة ويدخل أمامهم إلى الديوان ومقدم البريد مع الدوادار وكاتب السر.
وأمير جاندار هو الذي يطوف بالزفة حول السلطان في سفره (صبح الاعشى 4 / 20 زبدة كشف الممالك ص 111 والتعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 48).

خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) [ غافر: 84 - 86 ] وقال تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون به ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم.
قال قد أجيبت دعوتكما) الآية [ يونس: 96 ].
ثم حضر في يوم آخر وهو مصمم على ضلاله فضرب بالسياط، فأظهر التوبة ثم أعيد إلى السجن في زنجير، ثم أحضر يوما ثالثا وهو يستهل بالتوبة فيما يظهر، فنودي عليه في البلد ثم أطلق.
وفي ليلة الثلاثاء الرابع عشر طلع القمر خاسفا كله ولكن كان تحت السحاب، فلما ظهر وقت العشاء وقد أخذ في الجلاء صلى الخطيب صلاة الكسوف قبل العشاء، وقرأ في الاولى بسورة العنكبوت وفي الاخرى بسورة يس، ثم صعد المنبر فخطب ثم نزل بعد العشاء.
وقدمت كتب الحجاج يخبرون بالرخص والامن، واستمرت زيادة الماء من أول ذي الحجة وقبلها إلى هذه الايام من آخر هذا الشهر والامر على حاله، وهذا شئ لم يعهد كما أخبر به عامة الشيوخ، وسببه أنه جاء ماء من بعض الجبال انهال في طريق النهر.
ودخل المحمل السلطاني يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من المحرم قبل الظهر، ومسك أمير الحاج شركتمر المارداني الذي كان مقيما بمكة شرفها الله تعالى، وحماها من الاوغاد، فلما عادت التجريدة مع الحجاج إلى دمشق صحبة القراسنقر من ساعة وصوله إلى دمشق، فقيد وسير إلى الديار المصرية على البريد، وبلغنا أن الامير سند أمير مكة غرر بجند السلطان الذين ساروا صحبة ابن قراسنقر وكبسهم وقتل من حواشيهم وأخذ خيولهم، وأنهم ساروا جرائد بغير شئ مسلوبين إلى الديار المصرية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي أول شوال اشتهر فيه وتواتر خبر الفناء الذي بالديار المصرية بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل عندهم، على خلاف المعتاد، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الالفين، فأما المرض فكثير جدا، وغلت الاسعار لقلة من يتعاطى الاشغال، وغلا السكر والامياه والفاكهة جدا، وتبرز السلطان إلى ظاهر البلد وحصل له تشويش أيضا، ثم عوفي بحمد الله.
وفي ثالث ربيع الآخر قدم من الديار المصرية ابن الحجاف رسول الله صاحب العراق لخطبة بنت السلطان، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يصدقها مملكة بغداد، وأعطاهم مستحقا سلطانيا، وأطلق لهم من التحف والخلع والاموال شيئا كثيرا، ورسم الرسول بمشترى قرية من بيت المال لتوقف على الخانقاه التي يريد أن يتخذها بدمشق قريا من الطواريس ؟، وقد خرج لتلقيه نائب الغيبة وهو حاجب الحجاب، والدولة والاعيان.
وقرأت في يوم الاحد سابع شهر ربيع الآخر كتابا ورد من حلب بخط الفقيه العدل شمس الدين العراقي من أهلها، ذكر فيه أنه كان في حضرة نائب السلطنة في دار العدل يوم الاثنين السابع عشر من ربيع الاول وأنه أحضر رجل قد ولد له ولد عاش ساعة ومات، وأحضره معه وشاهده الحاضرون، وشاهده كاتب الكتاب، فإذا هو شكل

سوي له على كل كتف رأس بوجه مستدير، والوجهان إلى ناحية واحدة فسبحان الخلاق العليم.
وبلغنا أنه في هذا الشهر (1) سقطت المنارة التي بنيت للمدرسة السلطانية بمصر، وكانت مستجدة على صفة غريبة، وذلك أنها منارتان على أصل واحد فوق قبو الباب الذي للمدرسة المذكورة، فلما سقطت أهلكت خلقا كثيرا من الصناع بالمدرسة والمارة والصبيان الذين في مكتب المدرسة، ولم ينج من الصبيان فيما ذكر شئ سوى ستة، وكان جملة من هلك بسببها نحو ثلثمائة نفس، وقيل أكثر وقيل أقل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخرج نائب السلطنة الامير سيف الدين بيدمر إلى الغيضة لاصلاحها وإزالة ما فيها من الاشجار المؤذية والدغل يوم الاثنين التاسع والعشرين من الشهر، وكان سلخه، وخرج معه جميع الجيش من الامراء وأصحابه، وأجناد الحلقة برمتهم لم يتأخر منهم أحد، وكلهم يعملون فيها بأنفسهم وغلمانهم، وأحضر إليهم خلق من فلاحي المراج والغوطة وغير ذلك، ورجع يوم السبت خامس الشهر الداخل وقد نظفوها من الغل والدغل والغش.
واتفقت كائنة غريبة لبعض السؤال، وهو أنه اجتمع جماعة منهم قبل الفجر ليأخذوا خبزا من صدقة تربة امرأة ملك الامراء تنكز عند باب الخواصين، فتضاربوا فيما بينهم فعمدوا إلى رجل
منهم فخنقوه خنقا شديدا، وأخذوا منه جرابا فيه نحو من أربعة آلاف درهم.
وشئ من الذهب وذهبوا على حمية، وأفاق هو من الغشي فلم يجدهم، واشتكى أمره إلى متولي البلد فلم يظفر بهم إلى الآن، وقد أخبرني الذي أخذوا منه أنهم أخذوا منه ثلاثة آلاف درهم معاملة، وألف درهم بندقية ودينارين وزنهما ثلاثة دنانير.
كذا قال لي إن كان صادقا.
وفي صبيحة يوم السبت خامس جمادى الاولى طلب قاضي القضاة شرف الدين الحنفي للشيخ علي بن البنا، وقد كان يتكلم في الجامع الاموي على العوام، وهو جالس على الارض شئ من الرعظيات وما أشبهها من صدره، فكأنه تعرض في غضون كلامه لابي حنيفة رحمه الله، فأحضر فاستتيب من ذلك، ومنعه قاضي القضاة شرف الدين الكفري من الكلام على الناس وسجنه، وبلغني أنه حكم بإسلامه وأطلقه يومه، وهذا المذكور ابن البنا عنده زهادة وتعسف، وهو مصري يسمع الحديث ويقرأه، ويتكلم بشئ من الوعظيات والرقائق، وضرب أمثال، وقد مال إليه كثير من العوام واستحلوه، وكلامه قريب إلى مفهومهم، وربما أضحك في كلامه، وحاضرته وهو مطبوع قريب إلى الفهم، ولكنه أشار فيما ذكر عنه في شطحته إلى بعض الاشياء التي لا تنبغي أن تذكر، والله الموفق، ثم إنه جلس للناس في يوم الثلاثاء ثامنه فتكلم على عادته فتطلبه القاضي المذكور فيقال إن المذكور تعنت انتهى والله أعلم.
__________
(1) في بدائع الزهور 1 / 575: في سادس ربيع الاول.

سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد ابن الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي وزوال دولة عمه الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون.
لما كثر طمعه وتزايد شرهه، وساءت سيرته إلى رعيته، وضيق عليهم في معايشهم وأكسابهم، وبنى البنايات الجبارة التي لا يحتاج إلى كثير منها، واستحوذ على كثير من أملاك بيت المال وأمواله، واشترى منه قرايا كثيرة ومدنا أيضا ورساتيق، وشق ذلك على الناس جدا، ولم
يتجاسر أحد من القضاة ولا الولاة ولا العلماء ولا الصلحاء على الانكار عليه، ولا الهجوم عليه، ولا النصيحة له بما هو المصلحة له وللمسلمين، انتقم الله منه فسلط عليه جنده وقلب قلوب رعيته من الخاصة والعامة عليه، لما قطع من أرزاقهم ومعاليمهم وجوامكهم وأخبازهم، وأضاف ذلك جميعه إلى خاصته، فقلت الامراء والاجناد والمقدمون والكتاب والموقعون، ومس الناس الضرر وتعدى على جوامكهم وأولادهم ومن يلوذ بهم، فعند ذلك قدر الله تعالى هلاكه على يد أحد خواصه وهو الامير الكبير سيف الدين يلبغا الخاصكي.
وذلك أنه أراد السلطان مسكه فاعتد لذلك، وركب السلطان لمسكه فركب هو في جيش، وتلاقيا في ظاهر القاهرة حيث كانوا نزولا في الوطاقات (1)، فهزم السلطان بعد كل حساب، وقد قتل من الفريقين طائفة، ولجأ السلطان إلى قلعة الجبل، كلا ولاوزر، ولن ينجي حذر من قدر، فبات الجيش بكماله محدقا بالقلعة، فهم بالهرب في الليل على هجن كان قد اعتدها ليهرب إلى الكرك، فلما برز مسك واعتقل ودخل به إلى دار يلبغا الخاصكي المذكور، وكان آخر العهد به (2)، وذلك في يوم الاربعاء تاسع جمادى الاولى من هذه السنة، وصارت الدولة والمشورة متناهية إلى الامير سيف الدين يلبغا الخاصكي، فاتفقت الآراء واجتمعت الكلمة وانعقد ت البيعة للملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي، وخطب الخطباء وضربت السكة، وسارت البريدية للبيعة باسمه الشريف، هذا وهو ابن ثنتي عشرة، وقيل أربع عشرة، ومن الناس من قال ست عشرة، ورسم في عود الامور إلى ما كانت عليه في أيام والده الناصر محمد بن قلاوون، وأن يبطل جميع ما كان أخذه الملك الناصر حسن، وأن تعاد المرتبات والجوامك التي كان قطعها، وأمر بإحضار طاز وطاشتمر القاسمي من سجن اسكندرية إلى بين يديه ليكونا أتابكا، وجاء الخبر إلى دمشق صحبة الامير سيف الدين بزلارشاد
__________
(1) وذلك في كوم برا، وكان السلطان قد توجه إليها في زمن الربيع وطابت له الاقامة هناك حيث كان بالقاهرة أوخام ووباء مع أمراض شديدة بالناس فاستمر مقيما هنالك، نحو ثلاثة أشهر.
(بدائع الزهور 1 / 573 والجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 213).
__________
(2) حيث قتل في ذات الليلة التي قبض عليه فيها (السلوك 3 / 60 - 62) وفي بدائع الزهور 1 / 577: قيل انه خنق
ورميت جثته في البحر، وقيل إنه مات تحت العقوبة ودفن في مصطبته...وقيل دفنه في بعض الكيمان في مصر العتيقة وأخفى قبره على الناس.

التربخاناة أحد أمراء الطبلخانات بمصر صبيحة يوم الاربعاء سادس عشر الشهر، فضربت البشائر بالقلعة وطبلخانات الامراء على أبوابهم، وزين البلد بكماله، وأخذت البيعة له صبيحة يومه بدار السعادة وخلع عن نائب السلطنة تشريف هائل، وفرح أكثر الامراء والجند والعامة ولله الامر، وله الحكم.
قال تعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) الآية [ آل عمران: 26 ].
ووجد على حجر بالحميرية فقرئت للمأمون فإذا مكتوب: ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل النعيم من ملك * قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك وروي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنه خرج يوما لصلاة الجمعة، وكان سوي الخلق حسنه، وقد لبس حلة خضراء، وهو شاب ممتلئ شبابا، وينظر في أعطافه ولباسه، فأعجبه ذلك من نفسه، فلما بلغ إلى صرحة الدار تلقته جنية في صورة جارية من حظاياه فأنشدته: أنت نعم لو كنت تبقى * غير أن لا حياة للانسان ليس فيما علمت فيك عي * ب يذكر غير أنك فان فصعد المنبر الذي في جامع دمشق وخطب الناس، وكان جهوري الصوت يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر، فضعف صوته قليلا قليلا حتى لم يسمعه أهل المقصورة، فلما فرغ من الصلاة حمل إلى منزله فاستحضر تلك الجارية التي تبدت تلك الجنية على صورتها، وقال: كيف أنشدتيني تينك البيتين ؟ فقالت: ما أنشدتك شيئا.
فقال: الله أكبر نعيت والله إلي تفسي.
فأوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
وقدم نائب طرابلس المعزول عليلا والامير سيف الدين استدمر الذي كان نائب دمشق وكانا
مقيمان بطرابلس جميعا، في صبيحة يوم السبت السادس والعشرين منه، فدخلا دار السعادة فلم يحتفل بهما نائب السلطنة.
وتكامل في هذا الشهر تجديد الرواق غربي الناطفانيين إصلاحا بدر ابزيناته وتبييضا لجدرانه ومحراب فيه، وجعل له شبابيك في الدرا بزينات، ووقف فيه قراءة قرآن بعد المغرب، وذكروا أن شخصا رأى مناما فقصه على نائب السلطنة فأمر بإصلاحه.
وفيه نهض بناء المدرسة التي إلى جانب هذا المكان من الشباك، وقد كان أسسها أولا علم الدين بن هلال، فلما صودر أخذت منه وجعلت مضافة إلى السلطان، فبنوا فوق الاساسات وجعلوا لها خمسة شبابيك من شرقها، وبابا قبليا، ومحرابا وبركة وعراقية، وجعلوا حائطها بالحجارة البيض والسود، وكملوا عاليها بالآجر، وجاءت

في غاية الحسن، وقد كان السلطان الناصر حسن قد رسم بأن تجعل مكتبا للايتام فلم يتم أمرها حتى قتل كما ذكرنا.
واشتهر في هذا الشهر أن بقرة كانت تجئ من ناحية باب الجابية تقصد جراء لكلبة قد ماتت أمهم، وهي في ناحية كنيسة مريم في خرابة، فتجئ إليهم فتنسطح على شقها فترضع أولئك الجراء منها، تكرر هذا منها مرارا، وأخبرني المحدث المفيد التقي نور الدين أحمد بن المقصوص بمشاهدته ذلك.
وفي العشر الاوسط من جمادى الآخرة نادى مناد من جهة نائب السلطنة حرسه الله تعالى في البلد أن النساء يمشين في تستر ويلبسن أزرهن إلى أسفل من سائر ثيابهن، ولا يظهرن زينة ولا يدا، فامتثلن ذلك ولله الحمد والمنة.
وقدم أمير العرب جبار بن مهنا في أبهة هائلة، وتلقاه نائب السلطنة إلى أثناء الطريق، وهو قاصد إلى الابواب الشريفة.
وفي أواخر رجب قدم الامير سيف الدين تمر المهندار (1) من نيابة غزة حاجب الحجاب بدمشق، وعلى مقدمة رأس الميمنة، وأطلق نائب السلطنة مكوسات كثيرة، مثل مكس الحداية والخزل المرددن الحلب والطبابي، وأبطل ما كان يؤخذ من المحتسبين زيادة على نصف درهم، وما يؤخذ من أجرة عدة الموتى كل ميت بثلاثة ونصف،
وجعل العدة التي في القيسارية للحاجة مسبلة لا تنحجر على أحد في تغسيل ميت، وهذا حسن جدا، وكذلك منع التحجر في بيع البلح المختص به، وبيع مثل بقية الناس من غير طرحان فرخص على الناس في هذه السنة جدا، حتى قيل إنه بيع القنطار بعشرة، وما حولها.
وفي شهر شعبان قدم الامير جبار بن مهنا من الديار المصرية فنزل القصر الابلق وتلقاه نائب السلطنة وأكرم كل منهما الآخر، ثم ترحل بعد أيام قلائل، وقدم الامراء الذين كانوا بحبس الاسكندرية في صبيحة يوم الجمعة سابعه، وفيهم الامير شهاب الدين بن صبح وسيف الدين طيدمر الحاجب، وطيبرف ومقدم ألف، وعمر شاه، وهذا ونائب السلطنة الامير سيف الدين بيدمر أعزه الله يبطل المكوسات شيئا بعد شئ مما فيه مضرة بالمسلمين، وبلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه الله من ذلك، آمين انتهى.
تنبيه على واقعة غريبة واتفان عجيب نائب السلطنة الامير سيف الدين بيدمر فيما بلغنا في نفسه عتب على أتابك الديار المصرية
__________
(1) المهندار: صاحب هذه الوظيفة يقوم بلقاء الرسل والعربان الواردين على السلطان وينزلهم دار الضيابة.
وهو مركب من لفظين فارسيين: مهمن بفتح الميمين ومعناه الضيف والثاني: دار ومعناه ممسك، والمعنى إجمالا: القائم على أمره (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 334).

الامير سيف الدين يلبغا الخاصكي مدبر الدولة (1) بها، وقد توسم وتوهم منه أنه يسعى في صرفه عن الشام، وفي نفس نائبنا قوة وصرامة شديدة، فتنسم منه ببعض الاباء عن طاعة يلبغا، مع استمراره على طاعة السلطان، وأنه إن اتفق عزل من قبل يلبغا أنه لا يسمع ولا يطيع، فعمل أعمالا واتفق في غضون هذا الحال موت نائب القلعة المنصورة بدمشق وهو الامير سيف الدين برناق الناصري فأرسل نائب السلطنة من أصحابه وحاشيته من يتسلم القلعة برمتها، ودخل هو بنفسه إليها، وطلب الامير زين الدين زبالة الذي كان فقيها ثم نائبها وهو من أخبر الناس بها وبخطاتها وحواصلها، فدار معه فيها وأراه حصونها وبروجها ومفاتحها وأغلاقها ودورها وقصورها
وعددها وبركتها، وما هو معد فيها ولها، وتعجب الناس من هذا الاتفاق في هذا الحال، حيث لم يتفق ذلك لاحد من النواب قبله قط، وفتح الباب الذي هو تجاه دار السعادة وجعل نائب السلطنة يدخل منه إلى القلعة ويخرج بخدمه وحشمه وأبهته يكشف أمرها وينظر في مصالحها أيده الله.
ولما كان يوم السبت خامس عشر شعبان ركب في الموكب على العادة واستدعى الامير سيف الدين استدمر الذي كان نائب الشام، وهو في منزله كالمعتقل فيه، لا يركب ولا يراه أحد، فأحضره إليه وركب معه، وكذلك الامراء الذين قدموا من الديار المصرية: طبترق، وهو أحد أمراء الالوف وطيدمر الحاجب، كان، وأماابن صبح وعمر شاه فإنهما كانا قد سافرا يوم الجمعة عشية النهار، والمقصود أنه سيرهم وجميع الامراء بسوق الخيل، ونزل بهم كلهم إلى دار السعادة فتعاهدوا وتعاقدوا واتفقوا على أن يكونوا كلهم كتفا واحدا، وعصبة واحدة على مخالفة من أرادهم بسوء وأنهم يد على سواهم ممن أراد عزل أحد منهم أو قتله، وأن من قاتلهم قاتلوه، وأن السلطان هو ابن أستاذهم الملك المنصور بن حاجي بن الناصر بن المنصور قلاوون، فطاوعوا كلهم لنائب السلطنة على ما أراد من ذلك، وحلفوا له وخرجوا من عنده على هذا الحلف، وقام نائب السلطنة على عادته في عظمة هائلة، وأبهة كثيرة، والمسؤول من الله حسن العاقبة.
وفي صبيحة يوم الاحد سادس عشر شعبان أبطل ملك الامراء المكس الذي يؤخذ من الملح وأبطل مكس الافراح، وأبطل أن لا تغني امرأة لرجال، ولا رجل لنساء، وهذا في غاية ما يكون من المصلحة العظيمة الشامل نفعها.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرة شرع نائب السلطنة سيف الدين بيدمر في نصب مجانيق على أعالي بروج القلعة، فنصبت أربع مجانيق من جهاتها الاربع، وبلغني أنه نصب آخر في أرضها عند البحرة، ثم نصب آخر وآخر حتى شاهد الناس ستة مجانيق على ظهور الابرجة، وأخرج منها القلعية وأسكنها خلقا من الاكراد والتركمان وغيرهم من الرجال الانجاد، ونقل إليها من الغلات والاطعمة والامتعة وآلات الحرب شيئا كثيرا، واستعد للحصار إن حوصر
__________
(1) مدبر الدولة: من ألقاب الوزراء وكتاب السر ومرتبته المقر الشريف (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 305).

فيها بما يحتاج إليه من جميع ما يرصد من القلاع، بما يفوت الحصر.
ولما شاهد أهل البساتين المجانيق قد نصبت في القلعة انزعجوا وانتقل أكثرهم من البساتين إلى البلد، ومنهم من أودع عند أهل البلد نفائس أموالهم وأمتعتهم، والعاقبة إلى خير إن شاء الله تعالى.
وجاءتني فتيا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلاما فأحسن إليه وأعطاه وقدمه، ثم إنه وثب على سيده فقتله وأخذ ماله ومنع ورثته منه، وتصرف في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله، فهل له الامتناع منه ؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدا أم لا ؟ وهل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال ؟ أفتونا مأجورين.
فقلت للذي جاءني بها من جهة الامير: إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه وبين الله تعالى فهم أعلم بنيته في الذي يقصده، ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة على ذلك، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه، وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة والامراء عليه، فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولا، ثم بعد ذلك بقية المفتيين بطريقه والله الموفق للصواب.
هذا وقد اجتمع على الامير نائب السلطنة جميع أمراء الشام، حتى قيل إن فيهم من نواب السلطنة سبعة عشر أميرا، وكلهم يحضر معه المواكب الهائلة، وينزلون معه إلى دار السعادة، ويمد لهم الاسمطة ويأكل معهم، وجاء الخبر بان الامير منجك الطرجاقسي المقيم ببيت المقدس قد أظهر الموافقة لنائب السلطنة، فأرسل له جبريل ثم عاد فأخبر بالموافقة، وأنه قد استحوذ على غزة ونائبه، وقد جمع وحشد واستخدم طوائف، ومسك على الجادة فلا يدع أحدا يمر إلا أن يفتش ما معه، لاحتمال إيصال كتب من ها هنا إلى ها هنا، ومع هذا كله فالمعدلة ثابتة جدا، والامن حاصل هناك، فلا يخاف أحده وكذلك بدمشق وضواحيها، لا يهاج أحد ولا يتعدى أحد على أحد، ولا ينهب لاحد شيئا ولله الحمد، غير أن بعض أهل البساتين توهموا وركبوا إلى المدينة وتحولوا، وأودع بعضهم نفائس ما عندهم، وأقاموا بها على وجل، ذلك لما رأوا المجانيق الستة
منصوبة على رؤوس قلال الابراج التي للقلعة، ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الاربعة والامراء كلهم وكتبوا مكتوبا سطره بينهم كاتب السر، أنهم راضون بالسلطان كارهون يلبغا، وأنهم لا يريدونه ولا يوافقون على تصرفه في المملكة، وشهد عليهم القضاة بذلك، وأرسلوا المكتوب مع مملوك للامير طيبغا الطويل (1)، نظير يلبغا بالديار المصرية، وأرسل منجك إلى نائب السلطنة
__________
(1) كان طيبغا قد أخلع عليه بأمرية السلاح (بدائع الزهور 1 / 581) وفي النجوم الزاهرة 11 / 4: " ثم خلع على الامير يلبغا..وصار مدبر المملكة ويشاركه في ذلك خشداشه الامير طيبغا الطويل، على أن كل منهما لا يخالف الآخر في أمر من الامور ".

يستحثه في الحضور إليه في الجيش ليناجزوا المصريين، فعين نائب الشام من الجيش طائفة يبرزون بين يديه، وخرجت التجريدة ليلة السبت التاسع والعشرين من شعبان صحبة الامير استدمر الذي كان نائب الشام مددا للامير في ألفين، ويذكر الناس أن نائب السلطنة بمن بقي من الجيش يذهبون على إثرهم، ثم خرجت أخرى بعدها ثلاثة آلاف، ليلة الثلاثاء الثامن من رمضان كما سيأتي.
وتوفي الشيخ الحافظ علاء الدين مغلطاي المصري بها في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، ودفن من الغد بالريدانية، وقد كتب الكثير وصنف وجمع، وكانت عنده كتب كثيرة رحمه الله.
وفي مستهل رمضان أحضر جماعة من التجار إلى دار العدل ظاهر باب النصر ليباع شئ عليهم من القند (1) والفولاذ والزجاج مما هو في حواصل يلبغا، فامتنعوا من ذلك خوفا من استعادته منهم على تقدير، فضرب بعضهم، منهم شهاب الدين بن الصواف بين يدي الحاجب، وشاد الدواوين، ثم أفرج عنهم في اليوم الثاني ففرج الله بذلك.
وخرجت التجريدة ليلة الثلاثاء بعد العشاء صحبة ثلاثة مقدمين منهم عراق ثم ابن صبح ثم ابن طرغية، ودخل نائب طرابلس الامير سيف الدين تومان إلى دمشق صبيحة يوم الاربعاء عاشر
رمضان، فتلقاه ملك الامراء سيف الدين بيدمر إلى الاقصر، ودخلا معا في أبهة عظيمة، فنزل تومان في القصر الابلق، وبرز من معه من الجيوش إلى عند قبة يلبغا، هذا والقلعة منصوب عليها المجانيق، وقد ملئت حرسا شديدا، ونائب السلطنة في غاية التحفظ.
ولما أصبح يوم الخميس صمم تومان تمر على ملك الامراء في الرحيل إلى غزة ليتوافى هو وبقية من تقدمه من الجيش الشامي، ومنجك ومن معه هنالك، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فأجابه إلى ذلك وأمر بتقدم السبق بين يديه في هذا اليوم، فخرج السبق وأغلقت القلعة بابها المسلوك الذي عند دار الحديث، فاستوحش الناس من ذلك، والله يحسن العاقبة.
خروج ملك الامراء بيدمر من دمشق إلى غزة صلى الجمعة بالمقصورة الثاني عشر من رمضان نائب السلطنة، ونائب طرابلس، ثم اجتمعا بالخطبة في مقصورة الخطابة، ثم راح لدار السعادة ثم خرج طلبه في تجمل هائل على ما ذكر بعد العصر، وخرج معهم فاستعرضهم ثم عاد إلى دار السعادة فبات إلى أن صلى الصبح، ثم ركب خلف الجيش هو ونائب طرابلس، وخرج عامة من بقي من الجيش من الامراء وبقية الحلقة،
__________
(1) القند: عصارة قصب السكر إذا جمد ومنه يتخذ الفانيد (لسان العرب).

وسلمهم الله، وكذلك خرج القضاة، وكذا كاتب السر ووكيل بيت المال وغيرهم من كتاب الدست، وأصبح الناس يوم السبت وليس أحد من الجند بدمشق، سوى نائب الغيبة الامير سيف الدين بن حمزة التركماني، وقريبه والي البر، ومتولي البلد الامير بدر الدين صدقة بن أوحد، ومحتسب البلد ونواب القضاة والقلعة على حالها، والمجانيق منصوبة كما هي.
ولما كان صبح يوم الاحد رجع القضاه بكرة ثم رجع ملك الامراء في أثناء النهار هو وتومان تمر، وهم كلهم في لبس وأسلحة تامة، وكل منهما خائف من الآخر أن يمسكه، فدخل هذا دار السعادة وراح الآخر إلى القصر الابلق، ولما كان بعد العصر قدم منجك واستدمر كان نائب السلطنة بدمشق، وهما مغلولان قد كسرهما من كان قدم على منجك من العساكر التي جهزها بيدمر إلى منجك قوة له على
المصريين، وكان ذلك على يدي الامير سيف الدين تمر حاجب الحجاب ويعرف بالمهمندار، قال لمنجك كلنا في خدمة من بمصر، ونحن لا نطيعك على نصرة بيدمر، فتقاولا ثم تقاتلا فهزم منجك وذهب تمر ومنجك ومن كان معهما كابن صبح وطيدمر.
ولما أصبح الصباح من يوم الاثنين خامس عشر لم يوجد لتومان تمر وطبترق ولا أحد من أمراء دمشق عين ولا أثر، قد ذهبوا كلهم إلى طاعة صاحب مصر، ولم يبق بدمشق من أمرائها سوى ابن قراسنقر من الامراء المتقدمين، وسوى بيدمر ومنجك واستدمر، والقلعة قد هيئت والمجانيق منصوبة على حالها، والناس في خوف شديد من دخول بيدمر إلى القلعة، فيحصل بعد ذلك عند قدوم الجيش المصري حصار وتعب ومشقة على الناس، والله يحسن العاقبة.
ولما كان في أثناء نهار الاثنين سادس عشره دقت البشائر في القلعة وأظهر أن يلبغا الخاصكي قد نفاه السلطان إلى الشام، ثم ضربت وقت المغرب ثم بعد العشاء في صبيحة يوم الثلاثاء أيضا، وفي كل ذلك يركب الامراء الثلاثة منجك وبيدمر واستدمر ملبسين، ويخرجون إلى خارج البلد، ثم يعودون، والناس فيما يقال ما بين مصدق ومكذب، ولكن قد شرع إلى تستير القلعة وتهيئ الحصار فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم تبين أن هذه البشائر لا حقيقة لها، فاهتم في عمل ستائر القلعة وحمل الزلط والاحجار إليها، الاغنام والحواصل، وقد وردت الاخبار بأن الركاب الشريف السلطاني وصحبته يلبغا في جميع جيش مصر قد عدا غزة (1)، فعند ذلك خرج الصاحب وكاتب السر والقاضي الشافعي وناظر الجيش ونقباؤه ومتولي البلد وتوجهوا تلقاء حماة لتلقي الامير على الذي قد جاءه تقليد دمشق، وبقي البلد شاغرا عن حاكم فيها سوى المحتسب وبعض القضاة، والناس كغنم لا راعي لهم، ومع هذا الاحوال صالحة والامور ساكنة، لا يعدو على أحد فيما بلغنا، هذا
__________
(1) كان خروجه من القاهرة يوم الاثنين مستهل رمضان كما في النجوم الزاهرة 11 / 5، وفي بدائع الزهور 1 / 582: في أوائل شهر رمضان.
وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 217: في شهر شعبان.

وبيدمر ومنجك واستدمر في تحصين القلعة وتحصيل العدد والاقوات فيها، والله غالب على أمره أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة الستائر تعمل فوق الابرجة، وصلى الامير بيدمر صلاة الجمعة تاسع عشر الشهر في الشباك الكمالي، في مشهد عثمان، وصلى عند منجك إلى جانبه داخل موضع القضاة، وليس هناك أحد من الحجبة ولا النقباء، وليس في البلد أحد من المباشرين بالكلية، ولا من الجند إلا القليل، وكلهم قد سافروا إلى ناحية السلطان، والمباشرون إلى ناحية حماة لتلقي الامير علي نائب الشام المحروس، ثم عاد إلى القلعة ولم يحضر الصلاة استدمر، لانه قيل كان منقطعا أو قد صلى في القلعة.
وفي يوم السبت العشرين من الشهر وصل البريد من جهة السلطان من أبناء الرسول إلى نائب دمشق يستعلم طاعته أو مخالفته، وبعث عليه فيما اعتمده من استحوذ على القلعة ويخطب فيها، وادخار الآلات والاطعمات فيها، وعدم المجانيق والستائر عليها، وكيف تصرف في الاموال السلطانية تصرف الملك والملوك، فتنصل ملك الامراء من ذلك، وذكر أنه إنما أرصد في القلعة جنادتها وأنه لم يدخلها، وأن أبوابها مفتوحة، وهي قلعة السلطان، وإنما له غريم بينه وبينه الشرع والقضاة الاربعة - يعني بذلك يلبغا - وكتب بالجواب وأرسله صحبة البريدي وهو كتكلدي مملوك بقطبه الدويدار، وأرسل في صحبته الامير صارم الدين أحد أمراء العشرات من يوم ذلك.
وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من رمضان تصبح أبواب البلد مغلقة إلى قريب الظهر، وليس ثم مفتوح سوى باب النصر والفرج، والناس في حصر شديد وانزعاج، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولكن قد اقترب وصول السلطان والعساكر المنصورة.
وفي صبيحة الاربعاء أصبح الحال كما كان وأزيد، ونزل الامير سيف الدين يلبغا الخاصكي بقبة يلبغا، وامتد طلبه من سيف داريا إلى القبة المذكورة في أبهة عظيمة، وهيئة حسنة، وتأخر الركاب الشريف بتأخره عن الصميين بعد، ودخل بيدمر في هذا اليوم إلى القلعة وتحصن بها.
وفي يوم الخميس الخامس والعشرين منه استمرت الابواب كلها مغلقة سوى باب النصر والفرج، وضاق النطاق وانحصر الناس جدا، وقطع المصريون نهر بانياس والفرع الداخل إليها وإلى دار السعادة من القنوات،
واحتاجوا لذلك أن يقطعوا القنوات ليسدوا الفرع المذكور، فانزعج أهل البلد لذلك وملاءوا ما في بيوتهم من برك المدارس، وبيعت القربة بدرهم، والحق بنصف، ثم أرسلت القنوات وقت العصر من يومئذ ولله الحمد والمنة، فانشرح الناس لذلك، وأصبح الصباح يوم الجمعة والابواب مغلقة ولم يفتح باب النصر والفرج إلى بعد طلوع الشمس بزمان، فأرسل يلبغا من جهته أربعة أمراء وهم الامير زين الدين زبالة الذي كان نائب القلعة، والملك صلاح الدين بن كامل، والشيخ علي الذي كان نائب الرحبة من جهة بيدمر، وأمير آخر، فدخلوا البلد وكسروا أقفال أبواب البلد، وفتحوا الابواب، فلما رأى بيدمر ذلك أرسل مفاتيح البلد إليهم انتهى.

وصول السلطان الملك المنصور إلى المصطبة غر بي عقبة سجورا كان ذلك في يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان في جحافل عظيمة كالجبال، فنزل عند المصطبة المنسوبة إلى عم ابنته الملك الاشرف خليل بن المنصور قلاوون، وجاءت الامراء ونواب البلاد لتقبيل يده والارض بين يديه، كنائب حلب، ونائب حماة، وهو الامير علاء الدين المارداني، وقد عين لنيابة دمشق، وكتب بتقليده بذلك، وأرسل إليه وهو بحماة.
فلما كان يوم السبت السابع والعشرين منه خلع على الامير علاء الدين علي المارداني بنيابة دمشق، وأعيد إليها عودا على بدء، ثم هذه الكرة الثالثة، وقبل يد السلطان وركب عن يمينه، وخرج أهل البلد لتهنئته، هذا والقلعة محصنة بيد بيدمر، وقد دخلها ليلة الجمعة واحتمى بها، هو ومنجك واستدمر ومن معه من الاعوان بها، ولسان حال القدر يقول (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) [ النساء: 78 ].
ولما كان يوم الاحد طلب قضاة القضاء وأرسلوا إلى بيدمر وذويه بالقلعة ليصالحوه على شئ ميسور يشترطونه، وكان ما سنذكره انتهى والله تعالى أعلم.
سبب خروج بيدمر من القلعة وصفة ذلك لما كان يوم الاحد الثامن والعشرين منه أرسل قضاة القضاء ومعهم الشيخ شرف الدين ابن
قاضي الجبل الحنبلي، والشيخ سراج الدين الهندي الحنفي، قاضي العسكر المصري للخنفية، إلى بيدمر ومن معه ليتكلموا معهم في الصلح لينزلوا على ما يشترطون قبل أن يشرعوا في الحصار والمجانيق التي قد استدعي بها من صفد وبعلبك، وأحضر من رجال النقاعين نحو من ستة آلاف رام فلما اجتمع به القضاة ومن معهم وأخبروه عن السلطان وأعيان الامراء بأنهم قد كتبوا له أمانا إن أناب إلى المصالحة، فطلب أن يكون بأهله ببيت المقدس، وطلب أن يعطى منجك كذا بناحية بلاد سيس ليسترزق هنالك، وطلب أستدمر أن يكون بشمقدارا (2) للامير سيف الدين يلبغا الخاصكي فرجع القضاة إلى السلطان ومعهم الامير زين الدين جبريل الحاجب كان، فأخبروا السلطان والامراء بذلك، فأجيبوا إليه، وخلع السلطان والامراء على جبريل خلعا، فرجع في خدمة القضاة ومعهم الامير استبغا بن الايو بكري، فدخلوا القلعة وباتوا هنالك كلهم، وانتقل
__________
(1) في السلوك 3 / 67: صبيحة يوم الاثنين العشرين من رمضان.
__________
(2) البشمقدار أو البجمقدار: هو الذي يحمل نعل السلطان أو الامير، ويتركب هذا الاسم من لفظين أحدهما من اللغة التركية وهو بشمق ومعناه النعل، والثاني من اللغة الفارسية وهو دار ومعناه ممسك، فيكون معناه مسك النعل أو حامل النعل (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 65).

الامير بيدمر بأهله وأثاثه إلى داره بالمطرزين، فلما أصبح يوم الاثنين التاسع والعشرين منه خرج الامراء الثلاثة من القلعة ومعهم جبريل، فدخل القضاة وسلموا القلعة بما فيها من الحواصل إلى الامير استبغا بن الابو بكري انتهى.
دخول السلطان محمد بن الملك أمير حاج بن الملك محمد بن الملك قلاوون إلى دمشق في جيشه وأمرائه لما كان صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من رمضان من هذه السنة رجع القضاة إلى الوطاق الشريف، وفي صحبتهم الامراء الذين كانوا بالقلعة، وقد أعطوا الامان من جهة السلطان ومن معهم وذويهم، فدخل القضاة وحجب الامراء المذكورون، فخلع على القضاة الاربعة
وانصرفوا راجعين مجبورين، وأما الامراء المذكورون فإنهم أركبوا على خيل ضعيفة، وخلف كل واحد منهم وساقي أخذ بوسطه قبل، وفي يد كل واحد من الوساقية خنجر كبير مسلول لئلا يستنقذه منه أحد فيقتله بها، فدخل جهرة بين الناس ليروهم ذلتهم التي قد لبستهم، وقد أحدق الناس بالطريق من كل جانب، فقام كثير من الناس، الله أعلم بعدتهم، إلا أنهم قد يقاربون المائة ألف أو يزيدون عليها، فرأى الناس منظرا فظيعا، فدخل بهم الوساقية إلى الميدان الاخضر الذي فيه القصر، فأجلسوا هنالك وهم ستة نفر: الثلاثة النواب وجبريل وابن استدمر، وسادس، وظن كل منهم أن يفعل بهم فاقرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأرسلت الجيوش داخلة إلى دمشق أطلابا في تجمل عظيم، ولبس الحرب بنهر النصر وخيول وأسلحة ورماح، ثم دخل السلطان في آخر ذلك كله بعد العصر بزمن، وعليه من أنواع الملابس قباز بخاري، والقبة والطبر (1) يحملها على رأسه الامير سيف الدين تومان تمر، الذي كان نائب طرابلس، والامراء مشاة بين يديه، والبسط تحت قدمي فرسه، والبشائر تضرب خلفه فدخل القلعة المنصورة المنصورية لا البدرية.
ورأى ما قد أرصد بها من المجانيق والاسلحة، فاشتد حنقه على بيدمر وأصحابه كثيرا، ونزل الطارمة، وجلس على سرير المملكة ووقف الامراء والنواب بين يديه، ورجع الحق إلى نصابه، وقد كان بين دخوله ودخول عمه الصالح صالح في أول يوم من رمضان، وهذا في التاسع والعشرين منه، وقد قيل إنه سلخه والله أعلم.
وشرع الناس في الزينة.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء سلخ الشهر نقل الامراء المغضوب عليهم الذين ضل سعيهم فيما كانوا أبرموه من ضمير سوء للمسلمين إلى القلعة فأنزلوا في أبراجها مهانين مفرقا بينهم، بعد ما كانوا بها آمنين حاكمين، أصبحوا معتقلين مهانين خائفين، فجاروا بعد ما كانوا رؤساء،
__________
(1) الطبر: كلمة فارسية معناها الفأس، والذي يحمله حول السلطان عند ركوبه في المراكب وغيرها يسمى الطبردار (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى 228).

وأصبحوا بعد عزهم أذلاء، ونقبت أصحاب هؤلاء ونودي عليهم في البلد، ووعد من دل على
أحد منهم بمال جزيل، وولاية إمرة بحسب ذلك، ورسم في هذا اليوم على الرئيس أمين الدين ابن القلانسي كاتب السر، وطلب منه ألف ألف درهم، وسلم إلى الامير زين الدين زبالة نائب القلعة، وقد أعيد إليها وأعطي تقدمة ابن قراسنقر، وأمره أن يعاقبه إلى أن يزن هذا المبلغ، وصلى السلطان وأمراؤه بالميدان الاخضر صلاة العيد، ضرب له خام عظيم وصلى به خطيبا القاضي تاج الدين الساوي الشافعي، قاضي العسكر المنصورة للشافعية، ودخل الامراء مع السلطان للقلعة من باب المدرسة، ومد لهم سماطا هائلا أكلوا منه ثم رجعوا إلى دورهم وقصورهم، وحمل الطبر في هذا اليوم على رأس السلطان الامير علي نائب دمشق، وخلع عليه خلعة هائلة.
وفي هذا اليوم مسك الامير تومان تمر الذي كان نائب طرابلس، ثم قدم على بيدمر، فكان معه، ثم قفل إلى المصريين واعتذر إليهم فعذروه فيما يبدو للناس، ودخل وهو حامل الخبز على رأس السلطان يوم الدخول، ثم ولوه نيابة حمص، فصغروه وحقروه، ثم لما استمر ذاهبا إليها فكان عند القابون أرسلوا إليه فأمسكوه وردوه، وطلب منه المائة ألف التي كان قبضها من بيدمر، ثم ردوه إلى نيابة حمص.
وفي يوم الخميس اشتهر الخبر بأن طائفة من الجيش بمصر من طواشية وخاصكية (1) ملكوا عليهم حسين الناصر ثم اختلفوا فيما بينهم واقتتلوا، وأن الامر قد انفصل ورد حسين للمحل الذي كان معتقلا فيه، وأطفأ الله شر هذه الطائفة ولله الحمد.
وفي آخر هذا اليوم لبس القاضي ناصر الدين بن يعقوب خلعة كتابة السر الشريفية، والمدرستين، ومشيخة الشيوخ عوضا عن الرئيس علاء الدين بن القلانسي، عزل وصودر، وراح الناس لتهنئته بالعود إلى وظيفته كما كان.
وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث شوال مسك جماعة من الامراء الشاميين منهم الحاجبان صلاح الدين وحسام الدين والمهمندار ابن أخي الحاجب الكبير، تمر، وناصر الدين بن الملك صلاح الدين بن الكامل، وابن حمزة والطرخاني واثنان أخوان وهما طيبغا زفر وبلجات، كلهم
__________
(1) كان ذلك أن حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون اتفق مع الطواشي جوهر الزمردي مقدم المماليك بأن يقتلوا الامراء الذين بالقلعة ويتسلطن هو عوضا عن ابن أخيه المنصور، فبادر الامير ايدمر الشمسي ونائب الغيبة الامير موسى بن عبد الله الازكشي (المتوفى سنة 780 ه) وقبضا على الطواشين جوهر ونصر السليماني وأودعاهما في السجن بخزانة شمايل إلى أن يحضر السلطان من دمشق وبعد عودة السلطان من دمشق نفاهما إلى قوص (بدائع الزهور 1 / 584).

طبلخانات، وأخرجوا خير وتمر حاجب الحجاب، وكذلك الحجوبية أيضا لقاربي أحد أمراء مصر.
وفي يوم الثلاثاء سابع شوال مسك سنة عشر أميرا من أمراء العرب بالقلعة المنصورة، منهم عمر بن موسى بن مهنا الملقب بالمصمع، الذي كان أمير العرب في وقت، ومعيقل بن فضل بن مهنا وأخرون، وذكروا أن سبب ذلك أن طائفة من آل فضل عرضوا للامير سيف الدين الاحمدي الذي استاقوه على حلب، وأخذوا منه شيئا من بعض الامتعة، وكادت الحرب تقع بينهم.
وفي ليلة الخميس بعد المغرب حمل تسعة عشر أميرا من الاتراك والعرب على البريد مقيدين في الاغلال أيضا إلى الديار المصرية، منهم بيدمر ومنجك واستدمر وجبريل وصلاح الدين الحاجب وحسام الدين أيضا وبلجك وغيرهم، ومعهم نحو من مائتي فارس ملبسين بالسلاح متوكلين بحفظهم، وساروا بهم نحو الديار المصرية، وأمروا جماعة من البطالين منهم أولاد لاقوش، وأطلق الرئيس أمين الدين بن القلانسي من المصادرة والترسيم بالقلعة، بعد ما وزن بعض ما طلب منه، وصار إلى منزله، وهنأه الناس.
خروج السلطان من دمشق قاصدا مصر ولما كان يوم الجمعة عاشر شهر شوال خرج طلب يلبغا الخاصكي صبيحته في تجمل عظيم لم ير الناس في هذا المدد مثله، من نجائب وجنائب ومماليك وعظمة هائلة، وكانت عامة الاطلاب قد تقدمت قبله بيوم، وحضر السلطان إلى الجامع الاموي قبل أذان الظهر، فصلى في مشهد
عثمان هو ومن معه من أمراء المصريين، ونائب الشام، وخرج من فوره من باب النصر ذاهبا نحو الكسوة والناس في الطرقات والاسطحة على العادة، وكانت الزينة قد بقي أكثرها في الصاغة والخواصين وباب البريد إلى هذا اليوم، فاستمرت نحو العشرة أيام.
وفي يوم السبت حادي عشر شوال خلع على الشيخ علاء الدين الانصاري بإعادة الحسبة إليه وعزل عماد الدين بن السيرجي، وخرج المحمل يوم الخميس سادس عشر شوال على العادة، والامير مصطفى البيري.
وتوفي يوم الخميس ويوم الجمعة أربعة أمراء بدمشق، وهم طشتمر وفر وطيبغا الفيل، ونوروز أحد مقدمي الالوف، وتمر المهمندار، وقد كان مقدم ألف، وحاجب الحجاب وعمل نيابة غزة في وقت، ثم تعصب عليه المصريون فعزلوه عن الامرة، وكان مريضا فاستمر مريضا إلى أن توفي يوم الجمعة، ودفن بيوم السبت بتربته التي أنشأها بالصوفية، لكنه لم يدفن فيها بل على بابها كأنه مودع أو ندم على بنائها فوق قبور المسلمين رحمه الله.
وتوفي الامير ناصر الدين بن لاقوش يوم الاثنين العشرين من شوال ودفن بالقبيبات، وقد ناب ببعلبك وبحمص، ثم قطع خبره هو وأخوه كحلن ونفوا عن البلد إلى بلدان شتى، ثم رضي

عنهم الامير يلبغا وأعاد عليهم أخبارا بطبلخانات، فما لبث ناصر الدين إلا يسيرا حتى توفي إلى رحمة الله تعالى، وقد أثر آثارا حسنة كثيرة منها عند عقبة الرمانة خان مليح نافع، وله ببعلبك جامع وحمام وخان وغير ذلك، وله من العمر ست وخمسون سنة.
وفي يوم الاحد سادس والعشرين منه درس القاضي نور الدين محمد بن قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء الشافعي بالمدرسة الاتابكية، نزل له عنها والده بتوقيع سلطاني، وحضر عنده القضاة والاعيان، وأخذ في قوله تعالى (الحج أشهر معلومات) [ البقرة: 197 ] وفي هذا اليوم درس القاضي نجم الدين أحمد بن عثمان النابلسي الشافعي المعروف بابن الجابي بالمدرسة العصرونية استنزل له عنها القاضي أمين الدين بن القلانسي في مصادراته.
وفى صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من شوال درس القاضي ولي الدين عبد الله بن القاضي بهاء الدين أبي البقاء
بالمدرستين والرواحية ثم القيمرية (1)، نزل له عنهما والده المذكور بتوقيع سلطاني، وحضر عنده فيهما القضاة والاعيان.
وفي صبيحة يوم الخميس سلخ شوال شهر الشيخ أسد ابن الشيخ الكردي على جمل وطيف به في حواضر البلد ونودي عليه: هذا جزاء من يخامر على السلطان ويفسد نواب السلطان، ثم أنزل عن الجمل وحمل على حمار وطيف به في البلد ونودي عليه بذلك، ثم ألزم السجن وطلب منه مال جزيل وقد كان المذكور من أعوان بيدمر المتقدم ذكره وأنصاره، وكان هو المتسلم للقلعة في أيامه.
وفي صبيحة يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة خلع على قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح بقضاء العسكر الذي كان متوفرا عن علاء الدين بن شمرنوخ، وهنأه الناس بذلك وركب البغلة بالزناري مضافا إلى ما بيده من نيابة الحكم والتدريس.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره أعيد تدريس الركنية بالصالحية إلى قاضي القضاة شرف الدين الكفري الحنفي، استرجعا بمرسوم شريف سلطاني، من يد القاضي عماد الدين بن العز، وخلع على الكفري، وذهب الناس إليه للتهنئة بالمدرسة المذكورة.
وفي شهر ذي الحجة اشتهر وقوع فتن بين الفلاحين بناحية عجلون، وأنهم اقتتلوا فقتل من الفريقين اليمني والقيسي طائفة، وأن عين حيتا التي هي شرقي عجلون دمرت وخربت، وقطع أشجارها ودمرت بالكلية.
وفي صبيحة يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة لم تفتح أبواب دمشق إلى ما بعد طلوع الشمس، فأنكر الناس ذلك، وكان سببه الاحتياط على أمير يقال له كسبغا، كان يريد الهرب إلى بلاد الشرق، فاحتيط عليه حتى أمسكوه.
__________
(1) المدرسة القيمرية الكبرى بدمشق، أنشأها القيمري الامام مقدم الجيوش ناصر الدين حسين بن عبد العزيز المتوفى سنة 665 ه (الدارس 1 / 441).

وفي ليلة الاربعاء السادس والعشرين من ذي الحجة قدم الامير سيف الدين طاز من القدس فنزل بالقصر الابلق، وقد عمي من الكحل حين كان مسجونا بالاسكندرية (1)، فأطلق كما
ذكرنا، ونزل بيت المقدس مدة، ثم جاءه تقليد بأنه يكون طرخانا (2) ينزل حيث شاء من بلاد السلطان، غير أنه لا يدخل ديار مصر، فجاء فنزل بالقصر الابلق، وجاء الناس إليه على طبقاتهم - نائب السلطنة فمن دونه - يسلمون عليه وهو لا يبصر شيئا، وهو على عزم أن يشتري أو يستكري له دارا بدمشق يسكنها.
انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما والاهما من الممالك الاسلامية السلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المظفر أمير حاج بن الملك المنصور قلاوون، وهو شاب دون العشرين، ومدبر الممالك بين يديه الامير يلبغا، ونائب الديار المصرية طشتمر، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها، والوزير سيف الدين قزوينة، وهو مريض مدنف ونائب الشام بدمشق الامير علاء الدين المارداني، وقضاته هم المذكورون في التي قبلها، وكذلك الخطيب ووكيل بيت المال والمحتسب علاء الدين الانصاري، عاد إليها في السنة المنفصلة، وحاجب الحجاب قماري، والذي يليه السليماني وآخر من مصر أيضا، وكاتب السر القاضي ناصر الدين محمد بن يعقوب الحلبي، وناظر الجامع القاضي تقي الدين بن مراجل.
وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين الشافعي أنه جدد في أول هذه السنة قاضي حنفي بمدينة صفد المحروسة مع الشافعي، فصار في كل من حماة وطرابلس وصفد قاضيان شافعي وحنفي.
وفي ثاني المحرم قدم نائب السلطنة بعد غيبة نحو من خمسة عشر يوما، وقد أوطأ بلاد فرير بالرعب، وأخذ من مقدميهم طائفة فأودعهم الحبس، وكان قد اشتهر أنه قصد العشيرات المواسين ببلاد عجلون، فسألته عن ذلك حين سلمت عليه فأخبرني أنه لم يتعد ناحية فرير، وأن العشيرات قد اصطلحوا واتفقوا، وأن التجريدة عندهم هناك.
قال: وقد كبس الاعراب من حرم الترك فهزمهم الترك وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم ظهر للعرب كمين فلجأ الترك إلى وادي
__________
(1) وكان الملك الناصر حسن قد حبسه وأكحله وبقي مسجونا مدة ثلاث سنين وأشهرا في ثغر الاسكندرية وأفرج عنه الملك المنصور محمد لما بويع بالسلطنة.
وكان قد سأل الاقامة في القدس فأجيب إلى ذلك وقد أنعم عليه بطبلخاناه
(السلوك 3 / 65 والجوهر الثمين 2 / 216).
__________
(2) الطرخان في اللغة التركية بمعنى الامير، والجمع طرخانيات، وهم من الامراء أو الجنود من طبقة المماليك ممن كبروا في السن أو ضعفت قدرتهم وأصبحوا لذلك لا يستطيعون القتال أو القيام بأعباء عمل في الدولة، وهؤلاء لا يتسلمون اقطاعا وانما يمنحون مبلغا معلوما من المال ويصدر لهم بذلك تقليد من السلطان يعدد فيه مزاياهم واستحقاقهم ويكون لهم الحق في أي مكان يشاؤون.
(التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 230).

صرح فحصروهم هنالك، ثم ولت الاعراب فرارا ولم يقتل من الترك أحد، وإنما جرح منهم أمير واحد فقط، وقتل من الاعراب فوق الخمسين نفسا.
وقدم الحجاج يوم الاحد الثاني والعشرين من المحرم، ودخل المحمل السلطاني ليلة الاثنين بعد العشاء، ولم يحتفل لدخوله كما جرت به العادة، وذلك لشدة ما نال الركب في الرجعة من بريز إلى هنا من البرد الشديد، بحيث إنه قد قيل إنه مات منهم بسبب ذلك نحو المائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولكن أخبروا برخص كثير وأمن، وبموت نفسة أخي عجلان صاحب مكة، وقد استبشر بموته أهل تلك البلاد لبغيه على أخيه عجلان العادل فيهم انتهى والله أعلم.
منام غريب جدا ورأيت - يعنى المصنف - في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة ثلاث وستين وسبعمائة الشيخ محيي الدنين النواوي رحمه الله فقلت له: يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب شيئا من مصنفات ابن حزم ؟ فقال ما معناه: إنه لا يحبه، فقلت له: أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في أصوله وفروعه، أما هو في الفروع فظاهري جامد يابس، وفي لاصول تول مائع قرمطة القرامطة وهرس الهرائسة، ورفعت بها صوتي حتى سمعت وأنا نائم، ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النخيل بل هي أردأ شكلا منه، لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي، فقلت له: هذه أرض ابن حزم التي زرعها قال: أنظر هل ترى فيها شجرا مثمرا أو شيئا ينتفع به، فقلت: إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء القمر.
فهذا حاصل ما رأيته، ووقع في خلدي
أن ابن حزم كان حاضرنا عندما أشرت للشيخ محيي الدين إلى الارض المنسوبة لابن حزم، وهو ساكت لا يتكلم.
وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر خلع على القاضي عماد الدين بن الشيرجي بعود الحسبة إليه بسبب ضعف علاء الدين الانصاري عن القيام بها لشغله بالمرض المدنف، وهنأه الناس على العادة.
وفي يوم السبت السادس والعشرين من صفر توفي الشيخ علاء الدين الانصاري المذكور بالمدرسة الامينية، وصلي عليه الظهر بالجامع الاموي، ودفن بمقابر باب الصغير خلف محراب جامع جراح، في تربة هنالك، وقد جاوز الاربعين سنة، ودرس في الامينية وفي الحسبة مرتين وترك أولادا صغارا وأموالا جزيلة سامحه الله ورحمه، وولي المدرسة بعده قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي بمرسوم كريم شريف.
وفي العشر الاخير من صفر بلغنا وفاة قاضي قضاة المالكية الاخنائي (1) بمصر وتولية أخيه
__________
(1) وهو تاج الدين بن علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الاخنائي (بدائع الزهور 1 / 587).

برهان الدين [ إبراهيم ] (1) ابن قاضي القضاة علم الدين الاخنائي الشافعي أبوه قاضيا مكان أخيه، وقد كان على الحسبة بمصر مشكور السيرة فيها، وأضيف إليه نظر الخزانة كما كان أخوه.
وفي صبيحة يوم الاحد رابع شهر ربيع الاول كان ابتداء حضور قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين بن الحسن بن عبد الكافي السبكي الشافعي تدريس الامينية عوضا عن الشيخ علاء الدين المحتسب، بحكم وفاته رحمه الله كما ذكرنا، وحضر عنده خلق من العلماء والامراء والفقهاء والعامة، وكان درسا حافلا، أخذ في قوله تعالى (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) [ النساء: 54 ] الآية وما بعدها، فاستنبط أشياء حسنة، وذكر ضربا من العلوم بعبارة طلقة جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثم ولا تلجلج ولا تكلف فأجاد وأفاد، وشكره الخاصة والعامة من الحاضرين وغيرهم حتى قال بعض الاكابر: إنه لم يسمع درسا مثله.
وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين منه توفى الصدر برهان الدين بن لؤلؤ الحوضي، في داره بالقصاعين ولم يمرض إلا يوما واحدا، وصلي عليه من الغد بجامع دمشق بعد صلاة الظهر، وخرجوا به من باب النصر، فخرج نائب السلطنة الامير علي فصلى عليه إماما خارج باب النصر، ثم ذهبوا به فدفنوه بمقابرهم بباب الصغير، فدفن عند أبيه رحمه الله، وكان رحمه الله فيه مروءة وقيام مع الناس، وله وجاهة عند الدولة وقبول عند نواب السلطنة وغيرهم، ويحب العلماء وأهل الخير، ويواظب على سماع مواعيد الحديث والخير، وكان له مال وثروة ومعروف، قارب الثمانين رحمه الله.
وجاء البريد من الديار المصرية فأخبر بموت الشيخ شمس الدين محمد بن النقاش المصري بها، وكان واعظا باهرا، وفصيحا ماهرا، ونحويا شاعرا، له يد طولى في فنون متعددة، وقدرة على نسج الكلام، ودخول على الدولة وتحصيل الاموال، وهو من أبناء الاربعين رحمه الله.
وأخبر البريد بولاية قاضي القضاة شرف الدين المالكي البغدادي (2)، الذي كان قاضيا بالشام للمالكية، ثم عزل بنظر الخزانة بمصر، فإنه رتب له معلوم وافر يكفيه ويفضل عنه، ففرح بذلك من يحبه.
وفي يوم الاحد السابع عشر من ربيع الآخر توفي الرئيس أمين الدين محمد بن الصدر جمال الدين أحمد بن الرئيس شرف الدين محمد بن القلانسي، أحد من بقي من رؤساء البلد وكبرائها،
__________
(1) من بدائع الزهور 1 / 587.
__________
(2) وهو شرف الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي المالكي، وقد تولى نظر الخزانة الشريفة عوضا عن التاج الاخنائي (بدائع الزهور 1 / 587).

وقد كان باشر مباشرات كبار كأبيه وعمه علاء الدين، ولكن فاق هذا على أسلافه فإنه باشر وكالة المال مدة، وولي قضاء العساكر أيضا، ثم ولي كتابة السر مع مشيخة الشيوخ وتدريس الناصرية والشامية الجوانية، وكان قد درس في العصرونية من قبل سنة ست وثلاثين، ثم لما قدم السلطان
في السنة الماضية عزل عن مناصبه الكبار، وصودر بمبلغ كثير يقارب مائتي ألف، فباع كثيرا من أملاكه وما بقي بيده من وظائفه شئ، وبقي خاملا مدة إلى يومه هذا، فتوفي بغتة، وكان قد تشوش قليلا لم يشعر به أحد، وصلي عليه العصر بجامع دمشق، وخرجوا به من باب الناطفانيين إلى تربتهم التي بسفح قاسيون رحمه الله.
وفي صبيحة يوم الاثنين ثامن عشره، خلع على القاضي جمال الدين بن قاضي القضاة شرف الدين الكفري الحنفي (1)، وجعل مع أبيه شريكا في القضاء ولقب في التوقيع الوارد صحبة البريد من جهة السلطان " قاضي القضاة " فلبس الخلعة بدار السعادة وجاء ومعه قاضي القضاة تاج الدين السبكي إلى النورية فقعد في المسجد ووضعت الربعة فقرئت وقرئ القرآن ولم يكن درسا، وجاءت الناس للتهنئة بما حصل من الولاية له مع أبيه.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء توفي الصالح العابد الناسك الجامع فتح الدين بن الشيخ زين الدين الفارقي، إمام دار الحديث الاشرفية، وخازن الاثر بها، ومؤذن في الجامع، وقد أتت عليه تسعون سنة في خير وصيانة وتلاوه وصلاة كثيرة وانجماع عن الناس، صلي عليه صبيحة يومئذ، وخرج به من باب النصر إلى نحو الصالحية رحمه الله.
وفي صبيحة يوم الاثنين عاشر جمادي الاولى ورد البريد وهو قرابغا دوادار نائب الشام الصغير ومعه تقليد بقضاء قضاة الحنفية للشيخ جمال الدين يوسف (2) بن قاضي القضاة شرف الدين الكفري، بمقتضى نزول أبيه له عن ذلك، ولبس الخلعة بدار السعادة وأجلس تحت المالكي، ثم جاؤوا المقصورة من الجامع وقرئ تقليده هناك، قرأه شمس الدين بن السبكي نائب الحسبة، واستناب اثنين من أصحابهم وهما شمس الدين بن منصور، وبدر الدين بن الخراش، ثم جاء معه إلى النورية فدرس بها ولم يحضره والده بشئ من ذلك انتهى والله أعلم.
موت الخليفة المعتضد بالله كان ذلك في العشر الاوسط (3) من جمادى الاولى بالقاهرة، وصلي عليه يوم الخميس،
__________
(1) وهو أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة الكفري.
__________
(2) في بدائع الزهور 1 / 589 أحمد، وانظر الحاشية السابقة.
__________
(3) في بدائع الزهور 1 / 587: ليلة الاربعاء ثامن عشر جمادى الاولى، وكانت مدة خلافته بالديار المصرية نحو عشر سنين.
وفي شذرات الذهب 6 / 198: يوم الخميس ثاني عشري جمادى الاولى.

أخبرني بذلك قاضي القضاة تاج الدين الشافعي، عن كتاب أخيه الشيخ بهاء الدين رحمهما الله.
خلافة المتوكل على الله ثم بويع بعده ولده المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر أبي الفتح بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد رحم الله أسلافه.
وفي جمادي الاولى توجه الرسول من الديار المصرية ومعه صناجق خليفية وسلطانية وتقاليد وخلع وتحف لصاحبي الموصل وسنجار من جهة صاحب مصر ليخطب له فيهما، وولى قاضي القضاة تاج الدين الشافعي السبكي الحاكم بدمشق لقاضيهما من جهته تقليدين، حسب ما أخبرني بذلك، وأرسلا مع ما أرسل به السلطان إلى البلدين، وهذا أمر غريب لم يقع مثله فيما تقدم فيما أعلم والله أعلم.
وفي جمادى الآخرة خرج نائب السلطنة إلى مرج الفسولة ومعه حجبته ونقباء النقباء، وكاتب السر وذووه، ومن عزمهم الاقامة مدة، فقدم من الديار المصرية أمير على البريد فأسرعوا الاوبة فدخلوا في صبيحة الاحد الحادي والعشرين منه، وأصبح نائب السلطنة فحضر الموكب على العادة وخلع على الامير سيف الدين يلبغا الصالحي، وجاء النص من الديار المصرية بخلعة دوادار عوضا عن سيف الدين كحلن، وخلع في هذا اليوم على الصدر شمس الدين بن مرقي بتوقيع الدست، وجهات أخر، قدم بها من الديار المصرية، فانتشر الخبر في هذا اليوم باجلاس قاضي القضاة شمس الدين الكفري الحنفي، فوق قاضي القضاة المالكية، لكن لم يحضر في هذا اليوم، وذلك بعد ما قد أمر باجلاس المالكي فوقه.
وفي ثاني رجب توفي القاضي الامام العالم شمس الدين [ محمد ] (1) بن مفلح المقدسي
الحنبلي، نائب مشيخة قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن محمد المقدسي الحنبلي، وزوج ابنته، وله منها سبعة أولاد ذكور وإناث، وكان بارعا فاضلا متفننا في علوم كثيرة، ولاسيما علم الفروع، كان غاية في نقل مذهب الامام أحمد، وجمع مصنفات كثيرة منها كتاب المقنع نحوا من ثلاثين مجلدا كما أخبرني بذلك عنه قاضي القضاة جمال الدين، وعلق على محفوظة أحكام الشيخ مجد الدين بن تيمية مجلدين، وله غير ذلك من الفوائد والتعليقات رحمه الله، توفي عن نحو خمسين سنة (2)، وصلي عليه بعد الظهر من يوم الخميس ثاني الشهر بالجامع المظفري، ودفن بمقبرة الشيخ الموفق، وكانت له جنازة حافلة حضرها القضاة كلهم، وخلق من الاعيان رحمه الله وأكرم مثواه.
__________
(1) من بدائع الزهور 1 / 589 وهو محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الدمشقي الحنبلي الصالحي الراميني.
__________
(2) في شذرات الذهب 6 / 200: وله بضع وخمسون سنة.
وفي بدائع الزهور 1 / 589: ومولده بعد سنة سبعمائة.

وفي صبيحة يوم السبت رابع رجب ضرب نائب السلطنة جماعة من أهل قبر عاتكة أساؤوا الادب على النائب ومماليكه، بسبب جامع للخطبة جدد بناحيتهم، فأراد بعض الفقراء أن يأخذ ذلك الجامع ويجعله زاوية للرقاصين، فحكم القاضي الحنبلي بجعله جامعا قد نصب فيه منبر، وقد قدم شيخ الفقراء على يديه مرسوم شريف بتسليمه إليه، فأنفت أنفس أهل تلك الناحية من عوده زاوية بعد ما كان جامعا، وأعظموا ذلك، فتكلم بعضهم بكلام سئ، فاستحضر نائب السلطنة طائفة منهم وضربهم بالمقارع بين يديه، ونودى عليهم في البلد، فأراد بعض العامة إنكارا لذلك، وحدد ميعاد حديث يقرأ بعد المغرب تحت قبة النسر على الكرسي الذي يقرأ عليه المصحف، رتبه أحد أولاد القاضي عماد الدين بن الشيرازي، وحدث فيه الشيخ عماد الدين بن السراج، واجتمع عنده خلق كثير وجم غفير، وقرأ في السيرة النبوية من خطي، وذلك في العشر الاول من هذا الشهر.
أعجوبة من العجائب وحضر شاب عجمي من بلاد التبريز وخراسان يزعم أنه يحفظ البخاري ومسلما وجامع
المسانيد والكشاف للزمخشري وغير ذلك من محاضيرها، في فنون أخر، فلما كان يوم الاربعاء سلخ شهر رجب قرأ في الجامع الاموي بالحائط الشمالي منه، عند باب الكلاسة من أول صحيح البخاري إلى أثناء كتاب العلم منه، من حفظه وأنا أقابل عليه من نسخة بيدي، فأدى جيدا، غير أنه يصحف بعضا من الكلمات لعجم فيه، وربما لحن أيضا في بعض الاحيان، واجتمع خلق كثير من العامة والخاصة وجماعة من المحدثين، فأعجب ذلك جماعة كثيرين، وقال آخرون منهم إن سرد بقية الكتاب على هذا المنوال لعظيم جدا، فاجتمعنا في اليوم الثاني وهو مستهل شعبان في المكان المذكور، وحضر قاضي القضاة الشافعي وجماعة من الفضلاء، واجتمع العامة محدقين فقرأ على العادة غير أنه لم يطول كأول يوم، وسقط عليه بعض الاحاديث، وصحف ولحن في بعض الالفاظ، ثم جاء القاضيان الحنفي والمالكي فقرأ بحضرتهما أيضا بعض الشئ، هذا والعامة محتفون به متعجبون من أمره، ومنهم من يتقرب بتقبيل يديه، وفرح بكتابتي له بالسماع على الاجازة، وقال: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، وأن تجيزني، وذكرك في بلادنا مشهور، ثم رجع إلى مصر ليلة الجمعة وقد كارمه القضاة والاعيان بشئ من الدراهم يقارب الالف.
عزل الامير علي عن نيابة دمشق في يوم الاحد حادي عشر شعبان ورد البريد من الديار المصرية وعلى يديه مرسوم شريف

بعزل (1) الامير علي عن نيابة دمشق، فأحضر الامراء إلى دار السعادة وقرئ المرسوم الشريف عليهم بحضوره، وخلع عليه خلعة وردت مع البريد، ورسم له بقرية دومة وأخرى فبلاد طرابلس على سبيل الراتب، وأن يكون في أي البلاد شاء من دمشق أو القدس أو الحجاز، فانتقل من يومه من دار السعادة وبباقي أصحابه ومماليكه، واستقر نزوله في دار الخليلي بالقصاعين التي جددها وزاد فيها دويداره يلبغا، وهي دار هائلة، وراح الناس للتأسف عليه والحزن له انتهى.
طلب قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي الشافعي إلى الديار المصرية
ورد البريد بطلبه من آخر نهار الاحد بعد العصر الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، فأرسل إليه حاجب الحجاب قماري وهو نائب الغيبة أن يسافر من يومه، فاستنظرهم إلى الغد فأمهل، وقد ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكي بقضاء الشام عوضا عن أخيه تاج الدين، وأرسل يستنيب ابن أختهما قاضي القضاة تاج الدين في التأهب والسير، وجاء الناس إليه ليودعوه ويستوحشون له، وركب من بستانه بعد العصر يوم الاثنين ثاني عشر شعبان، متوجها على البريد إلى الديار المصرية، وبين يديه قضاة القضاء والاعيان، حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي، حتى ردهم قريبا من الجسورة ومنهم من جاوزها والله المسؤول في حسن الخاتمة في الدنيا والآخرة، انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أعجوبة أخرى غريبة لما كان يوم الثلاثاء العشرين من شعبان دعيت إلى بستان الشيخ العلامه كمال الدين بن الشريشي شيخ الشافعية وحضر جماعة من الاعيان منهم الشيخ العلامة شمس الدين بن الموصلي الشافعي، والشيخ الامام العلامة صلاح الدين الصفدي، وكيل بيت المال، والشيخ الامام العلامة شمس الدين الموصلي الشافعي، والشيخ الامام العلامة مجدالدين محمد بن يعقوب الشيرازي من ذرية الشيخ أبي إسحق الفيروز ابادي، من أئمة اللغويين، والخطيب الامام العلامة صدر الدين بن العز الحنفي أحد البلغاء الفضلاء، والشيخ الامام العلامة نور الدين علي بن الصارم أحد القراء المحدثين البلغاء، وأحضروا نيفا وأربعين مجلدا من كتاب المنتهى في اللغة للتميمي البرمكي، وقف الناصرية وحضر ولد الشيخ كمال الدين بن الشريشي، وهو العلامة بدر الدين محمد، واجتمعنا كلنا عليه، وأخذ كل منا مجلدا بيده من تلك المجلدات، ثم أخذنا نسأله عن بيوت الشعر المستشهد عليها بها، فينشر كلا منها ويتكلم عليه بكلام مبين مفيد، فجزم الحاضرون والسامعون أنه يحفظ جميع شواهد اللغة ولا يشذ عنه منها إلا القليل الشاذ، وهذا من أعجب العجائب، وأبلغ الاعراب.
__________
(1) في بدائع الزهور 1 / 588 قال انه لم يعزل بل طلب استعفاءه منها.

دخول نائب السلطنة سيف الدين تشتمر (1) وذلك في أوائل رمضان يوم السبت ضحى والحجبة بين يديه والجيش بكماله، فتقدم إلى سوق الخيل فأركب فيه ثم جاء ونزل عند باب السر، وقبل العتبة ثم مشى إلى دار السعادة والناس بين يديه، وكان أول شئ حكم فيه أن أمر بصلب الذي كان قتل بالامس والي الصالحية، وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة، ثم هرب فتبعه الناس فقتل منهم آخر وجرح آخرين ثم تكاثروا عليه فمسك، ولما صلب طافوا به على حمل إلى الصالحية فمات هناك بعد أيام، وقاسى أمرا شديدا من العقوبات، وقد ظهر بعد ذلك على أنه قتل خلقا كثيرا من الناس قبحه الله.
قدوم قاضي القضاة بهاء الدين أحمد بن تقي الدين عوضا عن أخيه قاضي القضاة تاج الدين بن عبد الوهاب قدم يوم الثلاثاء قبل العصر فبدأ بملك الامراء فسلم عليه، ثم مشى إلى دار الحديث فصلى هناك ثم مشى إلى المدرسة الركنية فنزل بها عند ابن أخيه قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح، قاضي العساكر، وذهب الناس للسلام عليه وهو يكره من يلقبه بقاضي القضاة، وعليه تواضع وتقشف، ويظهر عليه تأسف على مفارقة بلده ووطنه وولده وأهله، والله المسؤول المأمول أن يحسن العاقبة.
وخرج المحمل السلطاني يوم الخميس ثامن عشر شوال، وأمير الحاج الملك صلاح الدين بن الملك الكامل بن السعيد العادل الكبير، وقاضيه الشيخ بهاء الدين بن سبع مدرس الامينية ببعلبك وفي هذا الشهر وقع الحكم بما يخص المجاهدين من وقف المدرسة التقوية إليهم، وأذن القضاة الاربعة إليهم بحضرة ملك الامراء في ذلك.
وفي ليلة الاحد ثالث شهر ذي القعدة توفي القاضي ناصر الدين محمد بن يعقوب كاتب السر، وشيخ الشيوخ ومدرس الناصرية الجوانية والشامية الجوانية بدمشق، ومدرس الاسدية بحلب، وقد باشر كتابة السر بحلب أيضا، وقضاء العساكر وأفتى بزمان ولاية الشيخ كمال الدين
الزملكاني قضاء حلب، أذن له هنالك في حدود سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ومولده سنة سبع وسبعمائة، وقد قرأ التنبيه ومختصر ابن الحاجب في الاصول، وفي العربية، وكان عنده نباهة وممارسة للعلم، وفيه جودة طباع وإحسان بحسب ما يقدر عليه، وليس يتوسم منه سوء، وفيه ديانة وعفة، حلف لي في وقت بالايمان المغلظة أنه لم يمكن قط منه فاحشة اللواط ولا خطر له ذلك، ولم يزن ولم يشرب مسكرا ولا أكل حشيشة، فرحمه الله وأكرم مثواه، صلي عليه بعد
__________
(1) كان قد أخلع عليه في جمادى الآخرة نيابة السلطنة في الشام.
(بدائع الزهور 1 / 588).

الظهر يومئذ وخرج بالجنازة من باب النصر فخرج نائب السلطنة من دار السعادة فحضر الصلاة عليه هنالك، ودفن بمقبرة لهم بالصوفية وتأسفوا عليه وترحموا، وتزاحم جماعة من الفقهاء بطلب مدارسه انتهى.
ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الاسلام بالديار المصرية والشامية والحجازية وما يتبعهما من الاقاليم والرساتيق الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المنصور المظفري حاجي بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ومدبر الممالك بين يديه، وأتابك العساكر سيف الدين يلبغا، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، غير أن ابن جماعة قاضي الشافعية وموفق الدين قاضي الحنابلة في الحجاز الشريف، ونائب دمشق الامير سيف الدين قشتمر المنصوري، وقاضي قضاة الشافعية الشيخ بهاء الدين بن قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وأخوه قاضي القضاة تاج الدين مقيم بمصر، وقاضي قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن قاضي القضاة شرف الدين الكفري، آثره والده بالمنصب وأقام على تدريس الركنية يتعبد ويتلو ويجمع على العبادة، وقاضي قضاة المالكية جمال الدين المسلاتي، وقاضي قضاة الحنابلة الشيخ جمال الدين المرداوي محمود بن جملة، ومحتسب البلد الشيخ عماد الدين بن الشيرجي، وكاتب السر جمال الدين عبد الله بن الاثير، قدم من الديار المصرية عوضا عن ناصر الدين بن يعقوب، وكان قدومه
يوم سلخ السنة الماضية، وناظر الدواوين بدر الدين حسن بن النابلسي، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن مراجل.
ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة الثاني والعشرين من المحرم بعد العصر خوفا من المطر، وكان وقع مطر شديد قبل أيام، فتلف منه غلات كثيرة بحوران وغيرها، ومشاطيخ وغير ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي ليلة الاربعاء السابع والعشرين منه بعد عشاء الآخرة قبل دقة القلعة دخل فارس من ناحية باب الفرج إلى ناحية باب القلعة الجوانية، ومن ناحية الباب المذكور سلسلة، ومن ناحية باب النصر أخرى جددتا لئلا يمر راكب على باب القلعة المنصورة، فساق هذا الفارس المذكور على السلسلة الواحدة فقطعها، ثم مر على الاخرى فقطعها وخرج من باب النصر ولم يعرف لانه ملثم.
وفي حادي عشر صفر وقبله بيوم قدم البريد من الديار المصرية بطلب الامير سيف الدين زبالة أحد أمراء الالوف إلى الديار المصرية مكرما، وقد كان عزل عن نيابة القلعة بسبب ما تقدم، وجاء البريد أيضا ومعه التواقيع التي كانت بأيدي ناس كثير، زيادات على الجامع، ردت إليهم وأقروا على ما بأيديهم من ذلك، وكان ناظر الجامع الصاحب تقي الدين بن مراجل قد سعى برفع ما زيد بعد التذكرة التي كانت في أيام صرغتمش، فلم يف ذلك، وتوجه الشيخ بهاء الدين بن السبكي قاضي قضاة الشام الشافعي من دمشق إلى الديار المصرية يوم الاحد سادس عشر صفر من

هذه السنة، وخرج القضاة والاعيان لتوديعه، وقد كان أخبرنا عند توديعه بأن أخاه قاضي القضاة تاج الدين قد لبس خلعة القضاة بالديار المصرية، وهو متوجه إلى الشام عند وصوله إلى ديار مصر، وذكر لنا أن أخاه كاره للشام.
وأنشدني القاضي صلاح الدين الصفدي ليلة الجمعة رابع عشره لنفسه فيما عكس عن المتنبي في يديه من قصيدته وهو قوله: إذا اعتاد الفتى خوض المنايا * فأيسر ما يمر به الوصول وقال: دخول دمشق يكسبنا نحولا * كأن لها دخولا في البرايا
إذا اعتاد الغريب الخوض فيها * فأيسر ما يمر به المنايا وهذا شعر قوي، وعكس جلي، لفظا ومعنى.
وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من صفر عملت خيمة حافلة بالمارستان الدقاقي جوار الجامع، بسبب تكامل تجديده قريب السقف مبنيا باللبن، حتى قناطره الاربع بالحجارة البلق، وجعل في أعاليه قمريات كبار مضيئة، وفتق في قبلته إيوانا حسنا زاد في أعماقه أضعاف ما كان، وبيضه جميعه بالجص الحسن المليح، وجددت فيه خزائن ومصالح، وفرش ولحف جدد، وأشياء حسنة، فأثابه الله وأحسن جزاءه آمين، وحضر الخيمة جماعات من الناس من الخواص والعوام، ولما كانت الجمعة الاخرى دخله نائب السلطنة بعد الصلاة فأعجبه ما شاهده من العمارات، وأخبره بما كانت عليه حاله قبل هذه العمارة، فاستجاد ذلك من صنيع الناظر.
وفي أول ربيع الآخر قدم قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على قضاء الشام عودا على بدء يوم الثلاثاء رابع عشره فبدأ بالسلام على نائب السلطنة بدار السعادة، ثم ذهب إلى دار الامير علي بالقصاعين فسلم عليه، ثم جاء إلى العادلية قبل الزوال، ثم جاءه الناس من الخاص والعام يسلمون عليه ويهنونه بالعود، وهو يتودد ويترحب بهم.
ثم لما كان صبح يوم الخميس سادس عشره لبس الخلعة بدار السعادة ثم جاء في أبهة هائلة لابسها إلى العادلية فقرئ تقليده بها بحضرة القضاة والاعيان وهنأه الناس والشعراء والمداح.
وأخبر قاضي القضاة تاج الدين بموت حسين بن الملك الناصر (1)، ولم يكن بقي من بنيه لصلبه سواه، ففرح بذلك كثير من الامراء وكبار الدولة، لما كان فيه من حدة وارتكاب أمور نكرة.
وأخبر بموت القاضي فخر الدين سليمان بن القاضي عماد الدين بن الشيرجي، وقد كان اتفق له من الامر
__________
(1) وكان ذلك ليلة السبت رابع ربيع الآخرة كما في الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 219 (وراجع النجوم الزاهرة 11 / 21 وبدائع الزهور 1 / 592 وفيه: في جمادى الاولى).

أنه قلد حسبة دمشق عوضا عن ابيه، نزل له عنها باختياره لكبره وضعفه، وخلع عليه بالديار
المصرية، ولم يبق إلا أن يركب على البريد فتمرض يوما وثانيا وتوفي إلى رحمة الله تعالى، فتألم والده بسبب ذلك تألما عظيما، وعزاه الناس فيه، ووجدته صابرا محتسبا باكيا مسترجعا موجعا انتهى.
بشارة عظيمة بوضع الشطر من مكس الغنم مع ولاية سعد الدين ماجد بن التاج إسحاق من الديار المصرية على نظر الدواوين قبله، ففرح الناس بولاية هذا وقدومه، وبعزل الاول وانصرافه عن البلد فرحا شديدا، ومعه مرسوم شريف بوضع نصف مكس الغنم، وكان عبرته أربعة دراهم ونصف، فصار إلى درهمين وربع درهم، وقد نودي بذلك في البلد يوم الاثنين العشرين من شهر ربيع الآخر، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، ولله الحمد والمنة، وتضاعفت أدعيتهم لمن كان السبب في ذلك، وذلك أنه يكثر الجلب برخص اللحم على الناس، ويأخذ الديوان نظير ما كان يأخذ قبل ذلك، وقدر الله تعالى قدوم وفود وقفول بتجائر متعددة، وأخذ منها الديوان السلطاني في الزكاة والوكالة، وقد مراكب كثيرة فأخذ منها في العشر أضعاف ما أطلق من المكس، ولله الحمد والمنة.
ثم قرئ على الناس في يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة قبل العصر.
وفي يوم الاثنين العشرين منه ضرب الفقيه شمس الدين بن الصفدي بدار السعادة بسبب خانقاه الطواويس، فإنه جاء في جماعة منهم يتظلمون من كاتب السر الذي هو شيخ الشيوخ، وقد تكلم معهم فيما يتعلق بشرط الواقف مما فيه مشقة عليهم، فتكلم الصفدي المذكور بكلام فيه غلظ، فبطح ليضرب فشفع فيه، ثم تكلم فشفع فيه، ثم بطح الثالثة فضرب ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرج بعد ليلتين أو ثلاثة.
وفي صبيحة يوم الاحد السادس والعشرين منه درس قاضي القضاة الشافعي بمدارسه، وحضر درس الناصرية الجوانية بمقتضى شرط الواقف الذي أثبته أخوه بعد موت القاضي ناصر الدين كاتب السر، وحضر عنده جماعة من الاعيان وبعض القضاة، وأخذ في سورة الفتح، قرئ عليه من تفسير والده في قوله (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) [ سورة الفتح: 1 ].
وفي مستهل جمادى الاولى يوم الجمعة بعد صلاة الفجر مع الامام الكبير صلي على القاضي
قطب الدين محمد بن الحسن الحاكم بحمص، جاء إلى دمشق لتلقي أخي زوجته قاضي القضاة تاج الدين السبكي الشافعي، فتمرض من مدة ثم كانت وفاته بدمشق، فصلي عليه بالجامع كما ذكرنا، وخارج باب الفرج، ثم صعدوا به إلى سفح جبل قاسيون، وقد جاوز الثمانين بسنتين، وقد حدث وروى شيئا يسيرا رحمه الله.

وفي يوم الاحد ثالثه قدم قاضيا الحنفية والحنابلة بحلب والخطيب بها والشيخ شهاب الدين الاذرعي، والشيخ زين الدين الباريني (1) وآخرون معهم، فنزلوا بالمدرسة الاقبالية وهم وقاضي قضاتهم الشافعي، وهو كمال الدين المصري مطلوبون إلى الديار المصرية، فتحرر ما ذكروه عن قاضيهم وما نقموه عليه من السيرة فيما يذكرون في المواقف الشريفة بمصر، وتوجهوا إلى الديار المصرية يوم السبت عاشره.
وفي يوم الخميس قدم الامير زين الدين زبالة نائب القلعة من الديار المصرية على البريد في تجمل عظيم هائل، وتلقاه الناس بالشموع في أثناء الطريق، ونزل بدار الذهب، وراح الناس للسلام عليه وتهنئته بالعود إلى نيابة القلعة، على عادته، وهذه ثالث مرة وليها لانه مشكور السيرة فيها، وله فيها سعي محمود في أوقات متعددة.
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين صلى نائب السلطنة والقاضيان الشافعي والحنفي وكاتب السر وجماعة من الامراء والاعيان بالمقصورة وقرئ كتاب السلطان على السدة بوضع مكس الغنم إلى كل رأس بدرهمين، فتضاعفت الادعية لولي الامر، ولمن كان السبب في ذلك.
غريبة من الغرائب وعجيبة من العجائب وقد كثرت المياه في هذا الشهر وزادت الانهار زيادة كثيرة جدا، بحيث إنه فاض الماء في سوق الخيل من نهر بردى حتى عم جميع العرصة المعروفة بموقف الموكب، بحيث إنه أجريت فيه المراكب بالكلك، وركبت فيه المارة من جانب إلى جانب، واستمر ذلك جمعا متعددة، وامتنع نائب السلطنة والجيش من الوقوف هناك، وربما وقف نائب السلطنة بعض الايام تحت الطارمة تجاه
باب الاسطبل السلطاني، وهذا أمر لم يعهد مثله ولا رأيته قط في مدة عمري، وقد سقطت بسبب ذلك بنايات ودور كثيرة، وتعطلت طواحين كثيرة غمرها الماء.
وفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الاولى توفي الصدر شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ عز الدين بن منجى التنوخي بعد العشاء الآخرة، وصلي عليه بجامع دمشق بعد صلاة الظهر، ودفن بالسفح.
وفي صبيحة هذا اليوم توفي الشيخ ناصر الدين محمد بن أحمد القونوي الحنفي، خطيب جامع يلبغا، وصلي عليه عقيب صلاة الظهر أيضا، ودفن بالصوفية، وقد باشر عوضه الخطابة والامامة قاضي القضاة كمال الدين الكفري الحنفي.
وفي عصر هذا اليوم توفي القاضي علاء الدين بن القاضي شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن الشهاب محمود الحلبي، أحد
__________
(1) الباريني نسبة إلى بارين قرية من قرى حماة، وهي بين حماة وحلب.
وهو زين الدين أبو حفص عمر بن عيسى بن عمر الشافعي، كان مولده سنة 701 ه ومات في هذه السنة 764 ه في شوال منها ودفن بحلب خارج باب المقام (شذرات الذهب 6 / 202).

موقعي الدست بدمشق، وصلي عليه يوم الاربعاء ودفن بالسفح.
وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين منه خطب قاضي القضاة جمال الدين الكفري الحنفي بجامع يلبغا عوضا عن الشيخ ناصر الدين بن القونوي رحمه الله تعالى، وحضر عنده نائب السلطنة الامير سيف الدين قشتمر، وصلى معه قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالشباك الغربي القبلي منه، وحضر خلق من الامراء والاعيان، وكان يوما مشهودا، وخطب ابن نباتة بأداء حسن وفصاحة بليغة، هذا مع علم أن كل مركب صعب.
وفي يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة توجه الشيخ شرف الدين القاضي الحنبلي إلى الديار المصرية بطلب الامير سيف الدين يلبغا في كتاب كتبه إليه يستدعيه ويستحثه في القدوم عليه.
وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر رجب سقط اثنان سكارى من سطح بحارة اليهود، أحدهما مسلم والآخر يهودي، فمات المسلم من ساعته وانقلعت عين اليهودي وانكسرت يده لعنه الله،
وحمل إلى نائب السلطنة فلم يحر جوابا.
ورجع الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل بعد ما قارب غزة لما بلغه من الوباء بالديار المصرية فعاد إلى القدس الشريف، ثم رجع إلى وطنه فأصاب السنة، وقد وردت كتب كثيرة تخبر بشدة الوباء والطاعون بمصر، وأنه يضبط من أهلها في النهار نحو الالف، وأنه مات جماعة ممن يعرفون كولدي قاضي قضاة تاج الدين المناوي، وكاتب الحكم ابن الفرات، وأهل بيته أجمعين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجاء الخبر في أواخر شهر رجب بموت جماعة بمصر منهم أبو حاتم بن الشيخ بهاء الدين السبكي المصري بمصر، وهو شاب لم يستكمل العشرين، وقد درس بعدة جهات بمصر وخطب، ففقده والده وتأسف الناس عليه وعزوا فيه عمه قاضي القضاة تاج الدين السبكي قاضي الشافعية بدمشق، وجاء الخبر بموت قاضي القضاة شهاب الدين أحمد الرباجي المالكي، كان بحلب وليها مرتين ثم عزل فقصد مصر واستوطنها مدة ليتمكن من السعي في العودة فأدركته منيته في هذه السنة من الفناء وولدان له معه أيضا.
وفي يوم السبت سادس شعبان توجه نائب السلطنة في صحبة جمهور الامراء إلى ناحية تدمر لاجل الاعراب من أصحاب خيار بن مهنا، ومن التف عليه منهم، وقد دمر بعضهم بلد تدمر وحرقوا كثيرا من أشجارها، ورعوها وانتهبوا شيئا كثيرا، وخرجوا من الطاعة، وذلك بسبب قطع إقطاعاتهم وتملك أملاكهم والحيلولة عليهم، فركب نائب السلطنة بمن معه كما ذكرنا، لطردهم عن تلك الناحية، وفي صحبتهم الامير حمزة بن الخياط، أحد أمراء الطبلخانات، وقد كان حاجبا لخيار قبل ذلك، فرجع عنه وألب عليه عند الامير الكبير يلبغا الخاصكي، ووعده إن هو أمره وكبره أن يظفره بخيار وأن يأتيه برأسه، ففعل معه ذلك، فقدم إلى دمشق ومعه مرسوم بركوب الجيش معه إلى خيار وأصحابه، فساروا كما ذكرنا، فوصلوا إلى

تدمر، وهربت الاعراب من بين يدي نائب الشام يمينا وشمالا، ولم يواجهوه هيبة له، ولكنهم يتحرفون على حمزة بن الخياط، ثم بلغنا أنهم بيتوا الجيش فقتلوا منه طائفة وجرحوا آخرين وأسروا
آخرين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
سلطنة الملك الاشرف ناصر الدين " شعبان بن حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان " لما كان عشية السبت تاسع عشر شعبان من هذه السنة أعني سنة أربع وستين وسبعمائة قدم أمير من الديار المصرية فنزل بالقصر الابلق، وأخبر بزوال مملكة الملك المنصور بن المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومسك واعتقل.
وبويع للملك الاشرف شعبان بن حسين الناصر بن المنصور قلاوون، وله من العمر قريب العشرين (1)، فدقت البشائر بالقلعة المنصورة، وأصبح الناس يوم الاحد في الزينة.
وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين والصاحب سعد الدين ماجد ناظر الدواوين، أنه لما كان يوم الثلاثاء الخامس عشر (2) من شعبان عزل الملك المنصور وأودع منزله وأجلس الملك الاشرف ناصر الدين شعبان على سرير الملك، وبويع لذلك، وقد وقع رعد في هذا اليوم ومطر كثير، وجرت المزاريب، فصار غدرانا في الطرقات، وذلك في خامس حزيران، فتعجب الناس من ذلك، هذا وقد وقع وباء في مصر في أول شعبان (3) ، فتزايد وجمهوره في اليهود، وقد وصلوا إلى الخمسين في كل يوم وبالله المستعان.
وفي يوم الاثنين سابعه اشتهر الخبر عن الجيش بأن الاعراب اعترضوا التجريدة القاصدين إلى الرحبة وواقفوهم وقتلوا منهم ونهبوا وجرحوا، وقد سار البريد خلف النائب والامراء ليقدموا إلى البلد لاجل البيعة للسلطان الجديد.
جعله الله مباركا على المسلمين، ثم قدم جماعة من الامراء
__________
(1) في السلوك 3 / 83 والنجوم الزاهرة 11 / 24: له من العمر عشر سنين، وفي بدائع الزهور 1 / 2 / 3: " نحو اثني عشر سنة ".
__________
(2) في بدائع الزهور 1 / 1 / 592: يوم الاثنين رابع عشر شعبان ويرى المقريزي في السلوك 3 / 83 سبب خلعه من السلطنة " لاختلال عقله " ويرى ابن أياس في بدائع الزهور 1 / 1 / 592 سبب خلعه فيقول: " فإنه انهمك على شرب الخمور، وسماع الآلات والزمور، واشتغل بذلك عن أمور المملكة، وصار يحتجب عن الناس في المحاكمات، فضاعت حقوق المسلمين ولم يجدوا لهم من ناصر
ولا معين ".
وراجع تفاصيل أخرى في خلعه في النجوم الزاهرة 11 / 7.
__________
(3) كان أول ابتدائه في ربيع الآخرة وفشى في الناس وتزايدت خطورته في جمادى الآخرة وأكثر من هلك فيه من الاطفال (بدائع الزهور 1 / 592).

المنهزمين من الاعراب في (أسوء) ؟ حال وذلة، ثم جاء البريد من الديار المصرية بردهم إلى العسكر الذي مع نائب السلطنة على تدمر، متوعدين بأنواع العقوبات، وقطع الاقطاعات.
وفي شهر رمضان تفاقم الحال بسبب الطاعون فإنا لله وإنا إليه راجعون، وجمهوره في اليهود لعله قد فقد منهم من مستهل شعبان إلى مستهل رمضان نحو الالف نسمة خبيثة، كما أخبرني بذلك القاضي صلاح الدين الصفدي وكيل بيت المال، ثم كثر ذلك فيهم في شهر رمضان جدا، وعدة العدة من المسلمين والذمة بالثمانين.
وفي يوم السبت حادي عشره صلينا بعد الظهر على الشيخ المعمر الصدر بدر الدين محمد بن الرقاق المعروف بابن الجوجي، وعلى الشيخ صلاح الدين محمد بن شاكر الليثي، تفرد في صناعته وجمع تاريخا مفيدا نحوا من عشر مجلدات، وكان يحفظ ويذاكر ويفيد رحمه الله وسامحه، انتهى.
وفاة الخطيب جمال الدين محمود بن جملة (1) ومباشرة تاج الدين بعده كانت وفاته يوم الاثنين بعد الظهر قريبا من العصر، فصلى بالناس بالمحراب صلاة العصر قاضي القضاة تاج الدين السبكي الشافعي عوضا عنه، وصلى بالناس الصبح أيضا، وقرأ بآخر المائدة من قوله (يوم يجمع الله الرسل) [ المائدة: 109 ] ثم لما طلعت الشمس وزال وقت الكراهة صلى على الخطيب جمال الدين عند باب الخطابة، وكان الجمع في الجامع كثيرا، وخرج بجنازته من باب البريد، وخرج معه طائفة من العوام وغيرهم، وقد حضر جنازته بالصالحية على ما ذكر جم غفير وخلق كثير، ونال قاضي القضاة الشافعي من بعض الجهلة إساءة أدب، فأخذ منهم جماعة وأدبوا، وحضر هو بنفسه صلاة الظهر يومئذ، وكذا باشر الظهر والعصر في بقية الايام،
يأتي للجامع في محفل من الفقهاء والاعيان وغيرهم، ذهابا وإيابا، وخطب عنه يوم الجمعة الشيخ جمال الدين ابن قاضي القضاة، ومنع تاج الدين من المباشرة، حتى يأتي التشريف: وفي يوم الاثنين بعد العصر صلي على الشيخ شهاب الدين بن عبد الله (2) البعلبكي، المعروف بان النقيب، ودفن بالصوفية وقد قارب السبعين وجاوزها، وكان بارعا في القراءات والنحو والتصريف والعربية، وله يد في الفقه وغير ذلك، وولي مكانه مشيخة الاقراء بأم الصالح شمس الدين محمد بن اللبان، وبالتربة الاشرفية الشيخ أمين الدين عبد الوهاب بن السلار،
__________
(1) وهو جمال الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن ابراهيم بن جملة بن مسلم بن تمام بن حسين بن يوسف الدمشقي، كان مولده سنة 707 ه.
قال السبكي في طبقاته: قل إن رأيت نظيره (شذرات الذهب 6 / 203).
__________
(2) ذكره في شذرات الذهب 6 / 200: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم الشافعي البعلبكي ثم الدمشقي.

وقدم نائب السلطنة من ناحية الرحبة وتدمر وفي صحبته الجيش الذين كانوا معه بسبب محاربته إلى أولاد مهنا وذويهم من الاعراب في يوم الاربعاء سادس شوال.
وفي ليلة الاحد عاشره توفي الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك (1)، وكيل بيت المال، وموقع الدست، وصلي عليه صبيحة الاحد بالجامع، ودفن بالصوفية، وقد كتب الكثير من التاريخ واللغة والادب، وله الاشعار الفائقة، والفنون المتنوعة، وجمع وصنف وألف، وكتب ما يقارب مئين من المجلدات.
وفي يوم السبت عاشره جمع القضاة والاعيان بدار السعادة وكتبوا خطوطهم بالرضى بخطابة قاضي القضاة تاج الدين السبكي بالجامع الاموي، وكاتب نائب السلطنة في ذلك.
وفي يوم الاحد حادي عشره استقر عزل نائب السلطنة سيف الدين قشتمر عن نيابة دمشق وأمر بالمسير إلى نيابة صفد (2) فأنزل أهله بدار طيبغا حجي من الشرق الاعلى، وبرز هو إلى سطح المزة ذاهبا إلى ناحية صفد.
وخرج المحمل صحبة الحجيج وهم جم غفير وخلق كثير يوم الخميس
رابع عشر شوال.
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شوال توفي القاضي أمين الدين أبو حيان ابن أخي قاضي القضاة تاج الدين المسلاتي وزوج ابنته ونائبه في الحكم مطلقا وفي القضاء والتدريس في غيبته، فعاجلته المنية.
ومن غريب ما وقع في أواخر هذا الشهر أنه اشتهر بين النساء وكثير من العوام أن رجلا رأى مناما فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم عند شجرة توتة عند مسجد ضرار خارج باب شرقي، فتبادر النساء إلى تخليق تلك التوتة، وأخذوا أوراقها للاستشفاء من الوباء، ولكن لم يظهر صدق ذلك المنام، ولا يصح عمن يرويه.
وفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القعدة خطب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السبكي خطبة بليغة فصيحة أداها أداء حسنا وقد كان يحس من طائفة من العوام أن يشوشوا فلم يتكلم أحد منهم بل ضجوا عند الموعظة وغيرها، وأعجبهم الخطيب وخطبته وأداؤه وتبليغه ومهابته، واستمر يخطب هو بنفسه.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره توفي الصاحب تقي الدين سليمان بن مراجل ناظر الجامع
__________
(1) المعروف بالصفدي، نسبة إلى صفد وبها مولده في سنة ست أو 697 ه.
قال في شذرات الذهب 6 / 201 مات بدمشق في شوال سنة 764 ه.
__________
(2) تولاها عوضا عن ازدمر الخازن لامر وقع منه في حق يلبغا العمري (راجع النجوم الزاهرة 11 / 25).

الاموي وغيره، وقد باشر نظر الجامع في أيام تنكز، وعمر الجانب الغربي من الحائط القبلي، وكمل رخامه كله، وفتق محرابا للحنفية في الحائط القبلي، ومحرابا للحنابلة فيه أيضا في غربيه، وأثر أشياء كثيرة فيه، وكانت له همة وينسب إلى أمانة وصرامة ومباشرة مشكورة مشهورة، ودفن بتربة أنشأها تجاه داره بالقبيبات رحمه الله، وقد جاوز الثمانين.
وفي يوم الاربعاء تاسع عشره توفي الشيخ بهاء الدين عبد الوهاب (1) الاخميمي المصري،
إمام مسجد درب الحجر، وصلي عليه بعد العصر بالجامع الاموي، ودفن بقصر ابن الحلاج عند الطيوريين بزاوية لبعض الفقراء الخزنة هناك، وقد كان له يد في أصول الفقه، وصنف في الكلام كتابا مشتملا على أشياء مقبولة وغير مقبولة (2)، انتهى.
دخول نائب السلطنة منكلي بغا في يوم الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة دخل نائب السلطنة منكلي بغا (3) من حلب إلى دمشق نائبا عليها فتجمل هائل، ولكنه مستمرض في بدنه بسبب ما كان ناله من التعب في مصابرة الاعراب، فنزل دار السعادة على العادة.
وفي يوم الاثنين مستهل ذي الحجة خلع على قاضي القضاة تاج الدين السبكي الشافعي بجامع دمشق، واستمر على ما كان عليه يخطب بنفسه كل جمعة وفي يوم الثلاثاء ثانيه قدم القاضي فتح الدين بن الشهيد ولبس الخلعة وراح الناس لتهنئته وفي يوم الخميس حضر القاضي فتح الدين بن الشهيد كاتب السر مشيخة السميساطية، وحضر عنده القضاة والاعيان بعد الظهر، وخلع عليه لذلك أيضا، وحضر فيها من الغد على العادة، وخلع في هذا اليوم على وكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرهاوي وعلى الشيخ شهاب الدين الزهري بفتيا دار العدل.
انتهى.
ثم دخلت سنة خمس وستين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والشامية والحرمين وما يتبع ذلك الملك الاشرف ناصر الدين شعبان بن سيدي حسين بن السلطان الملك الناصر محمد بن المنصور وقلاوون الصالحي، وهو في عمر عشر سنين، ومدبر الممالك بن يديه الامير الكبير نظام الملك سيف الدين
__________
(1) وهو عبد الوهاب بن عبد الولي بن عبد السلام المراغي المصري الاخميني، مولده في مراغة: - إحدى قرى الصعيد وإليها ينسب - في حدود سنة 700 ه (شذرات الذهب 6 / 201).
__________
(2) وهو كتاب: " المنقذ من الزلل في العلم والعمل ".
__________
(3) وهو منكلي بغا بن عبد الله الشمسي المتوفى سنة 774 ه.
تولاها عوضا عن قشتمر المنصوري المعزول عنها بنيابة صفد.
(الدرر الكامنة 4 / 367).

يلبغا الخاصكي، وقضاة مصر هم المذكورون في السنة التي قبلها، ووزيرها فخر الدين بن قزوينة، ونائب دمشق الامير سيف الدين منكلي بغا الشمسي، وهو مشكور السيرة، وقضاتها هم المذكورون في السنة التي قبلها، وناظر الدواوين بها الصاحب سعد الدين ماجد، وناظر الجيش علم الدين داود، وكاتب السر القاضي فتح الدين بن الشهيد، ووكيل بيت المال القاضي جمال الدين بن الرهاوي.
استهلت هذه السنة وداء الفناء موجود في الناس، إلا أنه خف وقل ولله الحمد.
وفي يوم السبت توجه قاضي القضاة - وكان بهاء الدين أبو البقاء السبكي - إلى الديار المصرية مطلوبا من جهة الامير يلبغا وفي الكتاب إجابته له إلى مسائل، وتوجه بعده قاضي القضاة تاج الدين الحاكم بدمشق وخطيبها يوم الاثنين الرابع عشر من المحرم، على خيل البريد وتوجه بعدهما الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، مطلوبا إلى الديار المصرية، وكذلك توجه الشيخ زين الدين المنفلوطي مطلوبا.
وتوفي في العشر الاوسط من المحرم صاحبنا الشيخ شمس الدين بن العطار الشافعي، كان لديه فضيلة واشتغال، وله فهم، وعلق بخطه فوئد جيدة، وكان إماما بالسجن من مشهد علي ابن الحسين بجامع دمشق، ومصدرا بالجامع، وفقيها بالمدارس، وله مدرسة الحديث الوادعية، وجاوز الخمسين بسنوات، ولم يتزوج قط.
وقدم الركب الشامي إلى دمشق في اليوم الرابع والعشرين من المحرم، وهم شاكرون مثنون في كل خير بهذه السنة أمنا ورخصا ولله الحمد.
وفي يوم الاحد حادي عشر صفر درس بالمدرسة الفتحية صاحبنا الشيخ عماد الدين إسماعيل بن خليفة الشافعي، وحضر عنده جماعة من الاعيان والفضلاء، وأخذ في قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرا) [ التوبة: 36 ].
وفي يوم الخميس خامس عشره نودي في البلد على أهل الذمة بإلزامهم بالصغار وتصغير العمائم، وأن لا يستخدموا في شئ من الاعمال، وأن لا يركبوا الخيل ولا البغال، ويركبون
الحمير بالاكف بالعرض، وأن يكون في رقابهم ورقاب نسائهم في الحمامات أجراس، وأن يكون أحد النعلين أسود مخالفا للون الاخرى، ففرح بذلك المسلمون وعدوا للآمر بذلك وفي يوم الاحد ثالث ربيع الاول قدم قاضي القضاة تاج الدين من الديار المصرية مستمرا على القضاء والخطابة، فتلقاه الناس وهنأوه بالعود والسلامة.
وفي يوم الخميس سابعه لبس القاضي الصاحب البهنسي الخلعة لنظر الدواوين بدمشق، وهنأه الناس، وباشر بصرامة واستعمل في غالب الجهات من أبناء السبيل.
وفي يوم الاثنين حادي عشره ركب قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح على خيل البريد

إلى الديار المصرية لتولية قضاء قضاة الشافعية بدمشق، عن رضا من خاله قاضي القضاة تاج الدين، ونزوله عن ذلك.
وفي يوم الخميس خامس ربيع الاول احترقت الباشورة (1) التي ظاهر باب الفرج على الجسر، ونال حجارة الباب شئ من حريقها فاتسعت، وقد حضر طفيها نائب السلطنة والحاجب الكبير، ونائب القلعة وغيرهم.
في صبيحة هذا اليوم زاد النهر زيادة عظيمة بسبب كثرة الامطار وذلك في أوائل كانون الثاني، وركب الماء سوق الخيل بكماله، ووصل إلى ظاهر باب الفراديس، وتلك النواحي، وكسر جسر الخشب الذي عند جامع يلبغا، وجاء فصدم به جسر الزلابية فكسره أيضا.
وفي يوم الخميس ثاني عشره صرف حاجب الحجاب قماري عن المباشرة بدار السعادة، وأخذت القضاة من يده وانصرف إلى داره في أقل من الناس، واستبشر بذلك كثير من الناس، لكثرة ما كان يفتات على الاحكام الشرعية.
وفي أواخره اشتهر موت القاضي تاج الدين المناوي (2) بديار مصر وولاية قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء السبكي مكانه بقضاء العساكر بها، ووكالة السلطان أيضا، ورتب له مع ذلك كفايته.
وتولى في هذه الايام الشيخ سراج الدين البلقيني إفتاء دار العدل مع الشيخ بهاء
الدين أحمد بن قاضي القضاة السبكي بالشام، وقد ولي هو أيضا القضاء بالشام كما تقدم، ثم عاد إلى مصر موفرا مكرما وعاد أخوه تاج الدين إلى الشام، وكذلك ولوا مع البلقيني إفتاء دار العدل الحنفي شيخا يقال له الشيخ شمس الدين بن الصائغ، وهو مفتي حنفي أيضا.
وفي يوم الاثنين سابع ربيع الاول توفي الشيخ نور الدين محمد بن الشيخ أبي بكر قوام بزاويتهم بسفح قاسيون، وغدا الناس إلى جنازته، وقد كان من العلماء الفضلاء الفقهاء بمذهب الشافعي، درس بالناصرية مدة سنين بعد أبيه، وبالرباط الدويداري داخل باب الفرج، وكان يحضر الناس، ونزل عندنا بالمدرسة النجيبية (3)، وكان يحب السنة ويفهمها جيدا رحمه الله (4).
__________
(1) في البداية المطبوعة، الباسورة، وقد تقدمت الاشارة إليها قريبا.
__________
(2) وهو تاج الدين أبو عبد الله محمد بن اسحاق بن ابراهيم بن عبد الرحمن السلمي المصري المناوي، تفقه على عمه ضياء الدين المناوي وناب في الحكم عن القاضي عز الدين بن جماعة، وكان محمود الخصال مشكور السيرة، مهابا صارما.
توفي في " ربيع الآخر - كما في شذرات الذهب - ودفن بتربته بظاهر باب تربة الشافعي ".
__________
(3) المدرسة النجيبية بدمشق لصق المدرسة النورية وضريح نور الدين جهة الشمال، أنشأها النجيبي جمال الدين آقوش الصالحي النجمي استادار الملك الصالح أيوب (الدارس 1 / 468).
__________
(4) في شذرات الذهب 6 / 205: ولد في رمضان سنة 717 ه وتوفي في ربيع الآخر.

وفي مستهل جمادى الاولى ولي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فتحت بدرب القبلي، وكانت دار لوافقها جمال الدين عبد الله بن محمد بن عيس التدمري، الذي كان أستاذا لامير طاز، وجعل فيها درس للحنابلة، وجعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم بن قيم الجوزية، وحضر الدرس وحضر عنده بعض الحنابلة بالدرس، ثم جرت أمور يطول بسطها.
واستحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدرس واستفرد كلا منهم يسأله كيف شهد في أصل الكتاب - المحضر - الذي أثبتوا عليهم، فاضطروا في الشهادات فضبط
ذلك عليهم، وفيه مخالفة كبيرة لما شهدوا به في أصل المحضر، وشنع عليهم كثير من الناس، ثم ظهرت ديوان كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التدمري الواقف، وطلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي، فتوقف في ذلك.
وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين منه، قرئ كتاب السلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الاربعة فصرفوا (1).
وفي شهر جمادى الآخرة توفي الشيخ شمس الدين شيخ الحنابلة بالصالحية ويعرف بالبيري يوم الخميس ثامنه، صلي عليه بالجامع المظفري بعد العصر ودفن بالسفح وقد قارب الثمانين.
وفي رابع عشر منه عقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الاربعة وجماعة من لمفتيين، وطلبت فحضرت معهم بسبب المدرسة التدمرية وقرابة الواقف ودعواهم أنه وقف عليهم الثلث، فوقف الحنبلي في أمرهم ودافعهم عن ذلك أشد الدفاع.
وفي العشر الاول من رجب وجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد وتراكم وتضاعف وتفاقم الامر بسببه، وسد الارض كثيرة يمينا وشمالا، وأفسد شيئا كثيرا من الكروم والمقاني والزروعات النفيسة، وأتلف للناس شيئا كثيرا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الاثنين ثالث شعبان توجه القضاة ووكيل بيت المال إلى باب كيسان فوقفوا عليه وعلى هيئته ومن نية نائب السلطنة فتحه ليتفرج الناس به: وعدم للناس غلات كثيرة وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فتح باب كيسان (2) بعد غلقه نحوا من مائتي سنة وفي يوم الاربعاء السادس والعشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة والقضاة عند باب
__________
(1) يعلل المقريزي هذا الاجراء في السلوك 3 / 92 بقوله: " لكثرة خداعهم ومكرهم وتحذلقهم في تنور الشرور ".
__________
(2) باب كيسان: هو أحد أبواب سور دمشق، ويقع في الزواية الشرقية الجنوبية منه، وينسب إلى كيسان - مولى معاوية فيما قيل.
وهو على بعد خطوات من مدافن المسيحيين بالقرب من قبر بلال الحبشي، وقد كان مغلقا منذ أكثر من مئتي عام بأمر العادل نور الدين محمود لامر اقتضى ذلك (النجوم الزاهرة 11 / 26).

كيسان، وشرع الصناع في فتحه عن مرسوم السلطان الوارد من الديار المصرية، وأمر نائب السلطنة وإذن القضاة في ذلك، واستهل رمضان وهو في العمل فيه.
وفي العشر الاخير من شعبان توفي الشريف شمس الدين محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسني المحدث المحصل، المؤلف لاشياء مهمة، وفي الحديث قرأ وسمع وجمع وكتب أسماء رجال بمسند الامام أحمد، واختصر كتابا في أسماء الرجال مفيدا (1)، وولي مشيخة الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القاسم بن عساكر، داخل باب توما، وختمت البخاريات في آخر شهر رمضان.
ووقع بين الشيخ عماد الدين بن السراج قارئ البخاري عند محراب الصحابة، وبين الشيخ بدر الدين بن الشيخ جمال الدين الشريشي، وتهاترا على رؤوس الاشهاد بسبب لفظة " يبتز " بمعنى يدخر، وفي نسخة يتير، فحكى ابن السراج عن الحافظ المزي، فانتصر الآخر للحافظ المزي، فقاد منه بالقول ثم قام والده الشيخ جمال الدين المشار إليه فكشف رأسه على طريقة الصوفية، فكأن ابن السراج لم يلتفت إليه، وتدافعوا إلى القاضي الشافعي فانتصر للحافظ المزي، وجرت امور، ثم اصطلحوا غير مرة وعزم أولئك على كتب محضر على ابن السراج، ثم انطفأت تلك الشرور.
وكثر الموت في أثناء شهر رمضان وقاربت العدة مائة، وربما جاوزت المائة، وربما كانت أقل منها وهو الغالب، ومات جماعة من الاصحاب والمعارف، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكثر الجراد في البساتين وعظم الخطب بسببه، وأتلف شيئا كثيرا من الغلات والثمار والخضراوات، وغلت الاسعار وقلت الثمار، وارتفعت قيم الاشياء فبيع الدبس بما فوق المائتين القنطار، والرز بأزيد من ذلك وتكامل فتح باب كيسان وسموه الباب القبلي، ووضع الجسر منه إلى الطريق السالكة، وعرضه أزيد من عشرة أذرع بالنجاري لاجل عمل الباسورة جنبتيه، ودخلت المارة عليه من المشاة والركبان، وجاء في غاية الحسن، وسلك الناس في حارات اليهود، وانكشف دخلهم وأمن الناس من دخنهم وفشهم ومكرهم وخبثهم، وانفرج الناس بهذا الباب المبارك.
واستهل شوال والجراد قد أتلف شيئا كثيرا من البلاد، ورعى الخضراوات والاشجار،
وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الاسعار، واستمر الفناء وكثر الضجيج والبكاء، وفقدنا.
__________
(1) مولده سنة 717 ه، توفي في ربيع الاول كما في شذرات الذهب 6 / 206 ومن مصنافته: مختصر الحلية لابي نعيم وسماه: مجمع الاحباب وتذكرة أولي الالباب - تفسير كبير - شرح منتهى السؤال والاول في علمي الاصول والجدل - كتاب في أوصول الدين - كتاب في الرد على الاسنوي في تناقضه.
(الدرر الكامنة 3 / 420 كشف الظنون ص 1122 هدية العارفين 2 / 168 شذرات الذهب 6 / 206 معجم المؤلفين: كحالة ج 9 / 198).

كثيرا من الاصحاب والاصدقاء، فلان مات.
وقد تناقض في هذه المدة وقل الوقع وتناقض للخمسين.
وفي شهر ذي القعدة تقاصر الفناء ولله الحمد، ونزل العدد إلى العشرين فما حولها، وفي رابعه دخل بالفيل والزرافة إلى مدينة دمشق من القاهرة، فانزل في الميدان الاخضر قريبا من القصر الابلق، وذهب الناس للنظر إليهما على العادة.
وفي يوم المجعة تاسعه صلي على الشيخ جمال الدين عبد الصمد بن خليل البغدادي، المعروف بابن الخضري، محدث بغداد وواعظها، كان من أهل السنة والجماعة رحمه الله انتهى.
تجديد خطبة ثانية داخل سور دمشق منذ فتوح الشام اتفق ذلك في يوم الجمعة الثالث، ثم تبين أنه الرابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة بالجامع الذي جدد بناءه نائب الشام سيف الدين منكلي بغا، بدرب البلاغة قبلي مسجد درب الحجر، داخل باب كيسان المجدد فتحه في هذا الحين كما تقدم، وهو معروف عند العامة بمسجد الشاذوري، وإنما هو في تاريخ ابن عساكر مسجد الشهرزوري، وكان المسجد رث الهيئة قد تقادم عهده مدة دهر، وهجر فلا يدخله أحد من الناس إلا قليل، فوسعه من قبليه وسقفه جديدا، وجعل له صرحة شمالية مبطلة، ورواقات على هيئة الجوامع، والداخل بأبوابة على العادة، وداخل ذلك رواق كبير له جناحان شرقي وغربي، بأعمدة وقناطر، وقد كان قديما كنيسة فأخذت منهم قبل الخمسمائة، وعملت مسجدا، فلم يزل كذلك إلى هذا الحين، فلما كمل كما
ذكرنا وسيق إليه الماء من القنوات، ووضع فيه منبرا مستعمل كذلك، فيومئذ ركب نائب السلطنة ودخل البلد من باب كيسان وانعطف على حارة اليهود حتى انتهى إلى الجامع المذكور، وقد استنكف الناس عنده من قضاة وأعيان وخاصة وعامة، وقد عين لخطابته الشيخ صدر الدين بن منصور الحنفي، مدرس الناجية وإمام الحنفية بالجامع الاموي، فلما أذن الاذان الاول تعذر عليه الخروج من بيت الخطابة، قيل لمرض عرض له، وقيل لغير ذلك من حصر أو نحوه، فخطب الناس يومئذ قاضي القضاة جمال الدين الحنفي الكفري، خدمة لنائب السلطنة.
واستهل شهر ذي الحجة وقد رفع الله الوباء عن دمشق وله الحمد والمنة.
وأهل البلد يموتون على العادة ولا يمرض أحد بتلك العلة، ولكن المرض المعتاد، انتهى.
ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة استهلت هذه السنة والسلطان الملك الاشرف ناصر الدين شعبان، والدولة بمصر والشام هم هم، ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الاثنين الرابع والعشرين منه، وذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء وموت الجمال وهرب الجمالين، وقدم مع الركب ممن خرج من

الديار المصرية قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خاله تاج الدين يحكم فيه مستقلا معه ومنفردا بعده.
وفي شهر الله المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهم مشغرا وتلبتاثا، وسبب ذلك أنهما عاصيان وأهلهما مفسدان في الارض، والبلدان والارض حصينان لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقي إليهما إلا فارس فارس، فخربتا وعمر بدلهما في أسفل الوادي، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة، فأخبرني الملك صلاح الدين بن الكامل أن بلدة تلبتاثا عمل فيها ألف فارس، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمائة حمار عدة أيام.
وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد صلاة صلي على قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن
قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن أقضى القضاة بن الحسين المزي الحنفي، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر، وقد جاوز الاربعين بثلاث من السنين، ولي قضاء قضاة الحنفية، وخطب بجامع يلبغا، وأحضر مشيخة النفيسية، ودرس بأماكن من مدارس الحنفية، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كيسان بحضرة نائب السلطنة.
وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر بن القاضي عبد الحي بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد، وقاضي الحنابلة بها، فتعصبت عليه الروافض حتى ضرب بين يدي الوزارة ضربا مبرحا، كان سبب موته سريعا رحمه الله، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، من أكبر المنكرين على الروافض وغيرهم من أهل البدع رحمه الله، وبل بالرحمة ثراه.
وفي يوم الاربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النفيسية الشيخ شمس الدين بن سند، وحضر عنده قاضي القضاة تاج الدين وجماعة من الاعيان، وأورد حديث عبادة بن الصامت " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (1) أسنده عن قاضي القضاة المشار إليه.
وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تاج الدين إلى هناك، فسير أهله قبله على الجمال، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الاول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرحبة وركب على البريد.
وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على البريد وتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، واحتفلوا للسلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى.
والله أعلم.
__________
(1) أخرجه مسلم في الصلاة ح (42) وأبو داود في الصلاة باب (132) والترمذي في الصلاة باب (116) والامام أحمد في المسند 2 / 308، 428، 443.

قتل الرافض الخبيث وفي يوم الخميس سابع عشره أول النهار وجد رجل بالجامع الاموي اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي، وهو يسب الشيخين ويصرح بلعنتهما، فرفع إلى القاضي المالكي قاضي القضاة جمال
الدين المسلاتي فاستتابه عن ذلك وأحضر الضراب فأول ضربه قال: لا إله إلا الله علي ولي الله، ولما ضرب الثانية لعن أبا بكر وعمر، فالتهمه العامة فأوسعوه ضربا مبرحا بحيث يكاد يهلك، فجعل القاضي يستكفهم عنه فلم يستطع ذلك، فجعل الرافضي يسب ويلعن الصحابة، وقال: كانوا على الضلال، فعند ذلك حمل إلى نائب السلطنة وشهد عليه قوله: بأنهم كانوا على الضلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه وأحرقته العامة قبحه الله، وكان ممن يقرأ بمدرسة أبي عمر، ثم ظهر عليه الرفض فسجنه الحنبلي أربعين يوما، فلم ينفع ذلك، وما زال يصرح في كل موطن يأمر فيه بالسب حتى كان يومه هذا أظهر مذهبه في الجامع، وكان سبب قتله قبحه الله كما قبح من كان قبله، وقتل بقتله في سنة خمس وخمسين.
استنابة ولي الدين بن أبي البقاء السبكي وفي آخر هذا اليوم - أعني يوم الخميس ثامن عشره - حكم أقضى القضاة ولي الدين بن قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء بالمدرسة العادلية الكبيرة نيابة عن قاضي القضاة تاج الدين مع استنابة أقضى القضاة شمس الدين العزي، وأقضى القضاة بدر الدين بن وهيبة، وأما قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح فهو نائب أيضا، ولكنه بتوقيع شريف أنه يحكم مستقلا مع قاضي القضاة تاج الدين.
وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين منه استحضر نائب السلطنة الامير ناصر الدين بن العاوي متولي البلد ونقم عليه أشياء، وأمر بضربه فضرب بين يديه على أكتافه ضربا ليس بمبرح، ثم عزله واستدعى بالامير علم الدين سليمان أحد الامراء العشراوات ابن الامير صفي الدين بن أبي القاسم البصراوي، أحد أمراء الطبلخاتات، كان قد ولي شد الدواوين ونظر القدس والخليل وغير ذلك من الولايات الكبار، وهو ابن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفي الدين أبي القاسم التميمي الحنفي.
وبأيديهم تدريس الامينية التي ببصرى والحكيمية أزيد من مائة سنة، فولاه البلد على تكره منه، فألزمه بها وخلع عليه، وقد كان وليها قبل ذلك فأحسن السيرة وشكر سعيه لديانته
وأمانته وعفته، وفرح الناس ولله الحمد.

ولاية قاضي القضاة بهاء الدين السبكي قضاء مصر بعد عزل عز الدين بن جماعة نفسه ورد الخبر مع البريد من الديار المصرية بأن قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة عزل نفسه عن القضاء يوم الاثنين السادس عشر من هذا الشهر، وصمم على ذلك، فبعث الامير الكبير يلبغا إليه الامراء يسترضونه فلم يقبل، فركب إليه بنفسه ومعه القضاة والاعيان فتلطفوا به فلم يقبل وصمم على الانعزال، فقال له الامير الكبير: فعين لنا من يصلح بعدك.
قال: ولا أقول لكم شيئا غير أنه لا يتولى رجل واحد، ثم ولوا من شئتم، فأخبرني قاضي القضاة تاج الدين السبكي أنه قال: لا تولوا ابن عقيل، فعين الامير الكبير قاضي القضاة بهاء الدين أبا البقاء فقيل: إنه أظهر الامتناع، ثم قبل ولبس الخلعة وباشر يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، قاضي القضاة الشيخ بهاء الدين بن قاضي القضاة تقي الدين السبكي قضاء العسكر الذي كن بيد أبي البقاء.
وفي يوم الاثنين سابع رجب توفي الشيخ علي المراوحي خادم الشيخ أسد المراوحي البغدادي.
وكان فيه مروءة كثيرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدخل على النواب ويرسل إلى الولاة فتقبل رسالته، وله قبول عند الناس، وفيه بر وصدقة وإحسان إلى المحاويج، وبيده مال جيد يتجر له فيه تعلل مدة طويلة ثم كانت وفاته في هذا اليوم فصلي عليه الظهر بالجامع، ثم حمل إلى سفح قاسيون رحمه الله.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان قدم الامير سيف الدين بيدمر الذي كان نائب الشام فنزل بداره عند مأذنة فيروز، وذهب الناس للسلام عليه بعد ما سلم على نائب السلطنة بدار السعادة، وقد رسم له بطبلخانتين وتقدمة ألف وولاية الولاة من غزة إلى أقصى بلاد الشام، وأكرمه ملك الامراء إكراما زائدا، وفرحت العامة بذلك فرحا شديدا بعوده إلى الولاية.
وختمت البخاريات بالجامع الاموي وغيره في عدة أماكن من ذلك ستة مواعيد تقرأ على الشيخ عماد الدين بن كثير في اليوم، أولها بمسجد ابن هشام بكرة قبل طلوع الشمس، ثم تحت النسر، ثم بالمدرسة النورية، وبعد الظهر بجامع تنكز، ثم بالمدرية العزية، ثم بالكوشك لام الزوجة الست أسماء بنت الوزير ابن السلعوس، إلى أذان العصر، ثم من بعد العصر بدار ملك الامراء أمير علي بمحلة القضاعين إلى قريب الغروب، ويقرأ صحيح مسلم بمحراب الحنابلة داخل باب الزيارة بعد قبة النسر وقبل النورية، والله المسؤول وهو المعين الميسر المسهل.
وقر قرئ في هذه الهيئة في عدة أماكن أخر من دور الامراء وغيرهم، ولم يعهد مثل هذا في السنين الماضية، فالله الحمد والمنة.
وفي يوم الثلاثاء عاشر شوال توفي الشيخ نور الدين علي بن أبي الهيجاء الكركي الشوبكي،

ثم الدمشقي الشافعي، كان معنا في المقري والكتاب، وختمت أنا وهو في سنة إحدى عشرة، ونشأ في صيانة وعفاف، وقرأ على الشيخ بدر الدين بن سيحان للسبع، ولم يكمل عليه ختمة، واشتغل في المنهاج للنواوي فقرأ كثيرا منه أو أكثر، وكان ينقل منه ويستحضر، وكان خفيف الروح تحبه الناس لذلك ويرغبون في عشرته لذلك رحمه الله، وكان يستحضر المتشابه في القرآن استحضارا حسنامتقنا كثير التلاوة له، حسن الصلاة يقوم الليل، وقرأ على صحيح البخاري بمشهد ابن هشام عدة سنين، ومهر فيه، وكان صوته جهوريا فصيح العبارة، ثم ولي مشيخة الحلبية بالجامع وقرأ في عدة كراسي بالحائط الشمالي، وكان مقبولا عند الخاصة والعامة، وكان يداوم على قيام العشر الاخير في محراب الصحابة مع عدة قراء يبيتون فيه ويحيون الليل، ولما كان في هذه السنة أحيا ليلة العيد وحده بالمحراب المذكور ثم مرض خمسة أيام، ثم مات بعد الظهر يوم الثلاثاء عاشر شوال بدرب العميد، وصلي عليه العصر بالجامع الاموي، ودفن بمقابر الباب الصغير عند والده في تربة لهم، وكانت جنازته حافلة وتأسف الناس عليه، رحمه الله وبل بالرحمة ثراه، وقد قارب خمسا وستين سنة، وترك بنتا سباعية اسمها عائشة، وقد أقرأها شيئا من القرآن
إلى تبارك، وحفظها الاربعين النواوية جبرها ربها ورحم أباها آمين.
وخرج المحمل الشامي والحجيج يوم الخميس ثاني عشره، وأميرهم الامير علاء الدين علي ابن علم الدين الهلالي، أحد أمراء الطبلخانات.
وتوفي الشيخ عبد الله المطلي يوم السبت رابع عشره، وكان مشهورا بالمجاورة بالكلاسة في الجامع الاموي، له أشياء كثيرة من الطراريح والآلات الفقرية، ويلبس على طريقة الحريرية وشكله مرعج، ومن الناس من كان يعتقد فيه الصلاح، وكنت ممن يكرهه طبعا وشرعا أيضا.
وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة قدم البريد من ناحية المشرق ومعهم قماقم ماء من عين هناك من خاصيته أنه يتبعه طير يسمى السمرمر أصفر الريش قريب من شكل الخطاف من شأنه إذا قدم الجراد إلى البلد الذي هو فيه أنه يفنيه ويأكله أكلا سريعا، فلا يلبث الجراد إلا قليلا حتى يرحل أو يؤكل على ما ذكر، ولم أشاهد ذلك.
وفي المنتصف من ذي الحجة كمل بناء القيسارية التي كانت معملا بالقرب من دار الحجارة، قبلي سوق الدهشة الذي للرجال، وفتحت وأكريت دهشة لقماش النساء، وذلك كله بمرسوم ملك الامراء ناظر الجامع المعمور رحمه الله، وأخبرني الصدر عز الدين الصيرفي المشارف بالجامع أنه غرم عليها من مال الجامع قريب ثلاثين ألف درهم انتهى.
طرح مكس القطن البلدي والمجلوب وفي أواخر هذا الشهر جاء المرسوم الشريف بطرح مكس القطن المغزول البلدي والجلب

أيضا، ونودي بذلك في البلد، فكثرت الدعوات لمن أمر بذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا ولله الحمد والمنة.
ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة استهلت وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من الاقاليم الملك الاشرف بن الحسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمره عشر سنين فما فوقها،
وأتابك العساكر ومدبر ممالكه الامير سيف الدين يلبغا الخاصكي، وقاضي قضاة الشافعية بمصر بهاء الدين أبو البقاء السبكي، وبقية القضاة هم المذكورون في السنة الماضية، ونائب دمشق الامير سيف الدين منكلي بغا، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنه الشيخ جمال الدين بن السراج شيخ الحنفية، والخطابة بيد قاضي القضاة تاج الدين الشافعي، وكاتب السر وشيخ الشيوخ القاضي فتح الدين بن الشهيد، ووكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرهاوي ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة بعد العصر قريب الغروب، ولم يشعر بذلك أكثر أهل البلد، وذلك لغيبة النائب في السرحة مما يلي ناحية الفرات، ليكون كالرد للتجريدة التي تعينت لتخريب الكبيسات التي هي إقطاع خيار بن مهنا من زمن السلطان أويس ملك العراق انتهى.
استيلاء الفرنج لعنهم الله على الاسكندرية وفي العشر الاخير من شهر الله المحرم احتيط على الفرنج بمدينة دمشق وأودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة، واشتهر أن سبب ذلك أن مدينة الاسكندرية محاصرة بعدة شواين (1)، وذكر أن صاحب قبرص معهم، وأن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة الاسكندرية حرسها الله تعالى وصانها وحماها، وسيأتي تفصيل أمرها في الشهر الآتي، فإنه وضح لنا فيها، ومكث القوم بعد الاسكندرية بأيام فيما بلغنا، بعد ذلك حاصرها أمير من التتار يقال له ماميه، واستعان بطائفة من الفرنج ففتحوها سرا، وقتلوا من أهلها خلقا وغنموا شيئا كثيرا واستقرت عليها يد ماميه ملكا عليها.
وفي يوم الجمعة سلخ هذا الشهر توفي الشيخ برهان الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين (2) بن قيم الجوزية ببستانه بالمزة، ونقل إلى عند والده بمقابر باب الصغير، فصلي عليه بعد صلاة العصر بجامع جراح، وحضر جنازته القضاة والاعيان وخلق من التجار والعامة، وكانت
__________
(1) كذا بالاصل، وهي شواني، القطع البحرية الكبيرة.
وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 222: كانوا في سبعين قطعة.
وفي تاريخ الحروب الصليبية لرنسيمان 3 / 743: كانت مجموع سفن الاسطول 165 سفينة.
__________
(2) وهو شمس الدين محمد بن أبي بكر.

جنازته حافلة، وقد بلغ من العمر ثمانيا وأربعين سنة، وكان بارعا فاضلا في النحو والفقه وفنون أخر على طريقة والده رحمهما الله، وكان مدرسا بالصدرية والتدمرية، وله تصدير بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان، ترك مالا جزيلا يقارب المائة ألف درهم.
انتهى.
ثم دخل شهر صفر وأوله الجمعة، أخبرني بعض علماء السير أنه اجتمع في هذا اليوم - يوم الجمعة مستهل هذا الشهر - الكواكب السبعة سوى المريخ في برج العقرب، ولم يتفق مثل هذا من سنين متطاولة، فأما المريخ فإنه كان قد سبق إلى برج القوس فيه ووردت الاخبار بما وقع من الامر الفظيع بمدينة الاسكندرية من الفرنج لعنهم الله، وذلك أنهم وصلوا إليها في يوم الاربعاء الثاني والعشرين من شهر الله المحرم، فلم يجدوا بها نائبا ولا جيشا، ولا حافظا للبحر ولا ناصرا، فدخلوها يوم الجمعة (1) بكرة النهار بعد ما حرقوا أبوابا كثيرة منها، وعاثوا في أهلها فسادا، يقتلون الرجال ويأخذون الاموال ويأسرون النساء والاطفال، فالحكم لله العلي الكبير المتعال.
وأقاموا بها يوم الجمعة والسبت والاحد والاثنين والثلاثاء، فلما كان صبيحة يوم الاربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج لعهم الله عنها، وقد أسروا خلقا كثيرا يقاومون الاربعة آلاف، وأخذوا من الاموال ذهبا وحريرا وبهارا وغير ذلك ما لا يحد ولا يوصف، وقدم السلطان والامير الكبير يلبغا ظهر يومئذ (2)، وقد تفارط الحال وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للاسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين، ما قطع الاكباد، وذرفت له العيون وأصم الاسماع، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولما بلغت الاخبار إلى أهل دمشق شق عليهم ذلك جدا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر فتباكى الناس كثيرا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى نائب السلطنة بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الاسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى وطلبوا من بيوتهم بعنف وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب، ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعا، وقد طلبت يوم
__________
(1) في السلوك 3 / 10 4: يوم الاربعاء حادي عشر المحرم وفي الجوهر الثمين 2 / 222: يوم الجمعة ثالث عشري المحرم.
وفي الحروب الصليبية لرنسيمان 3 / 746: ظهر يوم السبت 11 اكتوبر سنة 1365 ميلادية.
وعلل رنسيمان السهولة في دخول الفرنج إلى الاسكندرية لاسباب منها: - ان الغزاة احسنوا اختيار الوقت الملائم.
إذ أن السلطان كان صبيا لم يتجاوز الحادية عشرة وكانت السلطنة في يدي الامير يلبغا الذي تعرض لكراهية زملائه الامراء وسائر الناس.
- كان والي الاسكندرية خليل بن عرام متغيبا عنها، يؤدي فريضة الحج، وناب في الحكم عنه أمير صغير، جنغرة.
- كانت حامية المدينة ضئيلة العدد ليست كافية للدفاع عنها.
__________
(2) وقد كان السلطان بسرياقوس وقد جاء خبر دخول الفرنج الاسكندرية فرسم للعساكر باكر نهار الاحد بالرحيل (الجوهر الثمين 2 / 222).

السبت السادس عشر من صفر إلى الميدان الاخضر للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسا كثيرا، ورأيته كامل الرأي والفهم، حسن العبارة كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للامير الكبير بذلك، فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعا، ولا يجوز لاحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد - الفرد - فوق ما يبذلونه من الجزية، ومثل هذا لا يخفى على الامير فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك ولا يمكنني أن أخالفه ؟ وذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الارهاب ووعيد العقاب، وأنه يجوز ذلك وإن لم يفعل ما يتوعدهم به، كما قال سليمان بن داود عليهما السلام: " ائتوني بالسكين أشقه نصفين " كما هو الحديث مبسوط في الصحيحين، فجعل يعجبه هذا جدا، وذكر أن هذا كان في قبله وأني كاشفته بهذا، وأنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية، وسيأتي جوابها بعد عشرة أيام، فتجئ
حتى تقف على الجواب، وظهر منه إحسان وقبول وإكرام زائد رحمه الله.
ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل الشهر ربيع الاول فبشرني أنه قد رسم بعمل الشواني والمراكب لغزو الفرنج ولله الحمد والمنة.
ثم في صبيحة يوم الاحد طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه وهم قريب من أربعمائة فحلفهم كم أموالهم وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أمروا إلى الولاة بإحضار من في معاملتهم، ووالي البر (1) قد خرج إلى القرايا بسبب ذلك، وجردت أمراء إلى النواحي لاستخلاص الاموال من النصارى في القدس وغير ذلك.
وفي أول شهر ربيع الاول كان سفر قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي إلى القاهرة.
وفي يوم الاربعاء خامس ربيع الاول اجتمعت بنائب السلطنة بدار السعادة وسألته عن جواب المطالعة، فذكر لي أنه جاء المرسوم الشريف السلطاني بعمل الشواني والمراكب لغزو قبرص، وقتال الفرنج ولله الحمد والمنة.
وأمر نائب السلطنة بتجهيز القطاعين والنشارين من دمشق إلى الغابة التي بالقرب من بيروت، وأن يشرغ ؟ في عمل الشواني في آخر يوم من هذا الشهر، وهو يوم الجمعة، وفتحت دار القرآن التي وقفها الشريف التعاداني إلى جانب حمام الكلس، شمالي المدرسة البادرائية، وعمل فيها وظيفة حديث وحضر واقفها يومية قاضي القضاة تاج الدين السبكي انتهى والله أعلم.
__________
(1) والي البر: كان اختصاص صاحب هذه الوظيفة شؤون ظواهر دمشق، كما كانت وظيفة والي دمشق مختصة بشؤون المدينة نفسها، وكان عمل كل من الوظيفتين هو التحدث في أمر الشرطة كما في سائر ولايات الشام (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 358).

عقد مجلس بسبب قاضي القضاة تاج الدين السبكي ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الاول عقد مجلس حافل بدار السعادة بسبب ما رمي به قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وكنت ممن طلب إليه، فحضرته فيمن حضر، وقد اجتمع فيه القضاة الثلاثة، وخلق من المذاهب الاربعة،
وآخرون من غيرهم، بحضرة نائب الشام سيف الدين منكلي بغا، وكان قد سافر هو إلى الديار المصرية إلى الابواب الشريفة، واستنجز كتابا إلى نائب السلطنة لجمع هذا المجلس ليسأل عنه الناس، وكان قد كتب فيه محضران متعاكسان أحدهما له والآخر عليه، وفي الذي عليه خط القاضيين المالكي والحنبلي، وجماعة آخرين، وفيه عظائم وأشياء منكرة جدا ينبو السمع عن استماعه.
وفي الآخر خطوط جماعات من المذاهب بالثناء عليه، وفيه خطي بأني ما رأيت فيه إلا خيرا.
ولما اجتمعوا أمر نائب السلطنة بأن يمتاز هؤلاء عن هؤلاء في المجالس، فصارت كل طائفة وحدها، وتحاذوا فيما بينهم، وتأصل عنه نائبه القاضي شمس الدين الغزي، والنائب الآخر بدر الدين بن وهبة وغيرهما، وصرح قاضي القضاة جمال الدين الحنبلي بأنه قد ثبت عنده ما كتب به خطه فيه، وأجابة بعض الحاضرين منهم بدائم النفوذ، فبادر القاضي الغزي فقال للحنبلي: أنت قد ثبتت عداوتك لقاضي القضاة تاج الدين، فكثر القول وارتفعت الاصوات وكقر الجدال والمقال، وتكلم قاضي القضاة جمال الدين المالكي أيضا بنحو ما قال الحنبلي، فأجيب بمثل ذلك أيضا، وطال المجلس فانفصلوا على مثل ذلك، ولما بلغت الباب أمر السلطنة برجوعي إليه، فإذا بقية الناس من الطرفين والقضاة الثلاثة جلوس، فاشار نائب السلطنة بالصلح بينهم وبين قاضي القضاة تاج الدين - يعني وأن يرجع القاضيان عما قالا - فأشار شيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل وأشرت أنا أيضا بذلك فلان المالكي وامتنع الحنبلي، فقمنا والامر باق على ما تقدم، ثم اجتمعنا يوم الجمعة بعد العصر عند نائب السلطنة عن طلبه فتراضوا كيف يكون جواب الكتابات مع مطالعة نائب السلطنة، ففعل ذلك وسار البريد بذلك إلى الديار المصرية، ثم اجتمعنا أيضا يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من ربيع الآخر بدار السعادة، وحضر القضاة الثلاثة وجماعة آخرون، واجتهد نائب السلطنة على الصلح بين القضاة وقاضي الشافعية وهو بمصر، فحصل خلف وكلام طويل، ثم كان الامر أن سكنت أنفس جماعة منهم إلى ذلك على ما سنذكره في الشهر الآتي.
وفي مستهل ربيع الآخر كانت وفاة المعلم داود الذي كان مباشرا لنظارة الجيش، وأضيف
إليه نظر الدواوين إلى آخر وقت.
فاجتمع له هاتان الوظيفتان ولم يجتمعا لاحد قبله كما في علمي، وكان من أخبر الناس بنظر الجيش وأعلمهم بأسماء رجاله، ومواضع الاقطاعات، وقد كان والده نائبا لنظائر الجيوش، وكان يهوديا قرائيا، فأسلم ولده هذا قبل وفاة نفسه بسنوات عشر أو نحوها، وقد كان ظاهره جيدا والله أعلم بسره وسريرته، وقد تمرض قبل وفاته بشهر أو نحوه، حتى كانت

وفاته في هذا اليوم فصلي عليه بالجامع الاموي تجاه النسر بعد العصر، ثم حمل إلى تربة له أعدها في بستانه بحوش، وله من العمر قريب الخمسين.
وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهن مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهن، وإن كان الجميع ظلما، ولكن الاخذ من النساء أفحشن وأبلغ في الظلم، والله أعلم.
وفي يوم الاثنين الخامش عشر منه أمر نائب السلطنة أعزه الله بكبس بساتين أهل الذمة فوجد فيها من الخمر المعتصر من الخوابي والحباب فأريقت عن آخرها ولله الحمد والمنة، بحيث جرت في الازقة والطرقات، وفاض نهر توزا من ذلك، وأمر مصادرة أهل الذمة الذين وجد عندهم ذلك بمال جزيل، وهم تحت الجباية، وبعد أيام نودي في البلد بأن نساء أهل الذمة لا تدخل الحمامات مع المسلمات، بل تدخل حمامات تختص بهن، ومن دخل من أهل الذمة الرجال مع الرجال المسلمين يكون في رقاب الكفار علامات يعرفون بها من أجراس وخواتيم ونحو ذلك، وأمر نساء أهل الذمة بأن تلبس المرأة خفيها مخالفين في اللون، بأن يكون أحدهما أبيض والآخر أصفر أو نحو ذلك.
ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر - أعني ربيع الآخر - طلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتيين: فمن ناحية الشافعي نائباه، وهما القاضي شمس الدين الغزي والقاضي بدر الدين ابن وهبة، والشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني، والمصنف الشيخ عماد الدين بن كثير والشيخ بدر الدين حسن الزرعي، والشيخ تقي الدين الفارقي.
ومن الجانب الآخر قاضيا القضاة جمال الدين المالكي والحنبلي، والشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، والشيخ جمال الدين بن
الشريشي، والشيخ عز الدين بن حمزة ابن شيخ السلامية الحنبلي، وعماد الدين الحنائي، فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر إيوان دار السعادة، وجلس نائب السلطنة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجئ بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء واختصموا فمن يصلح بينهم ؟ وشرع في تأنيب من شنع على الشافعي بما تقدم ذكره من تلك الاقوال والافاعيل التي كتبت في تلك الاوراق وغيرها، وأن هذا يشفي الاعداء بنا، وأشار بالصلح بين القضاة بعضهم من بعض فصمم بعضهم وامتنع، وجرت مناقشات من بعض الحاضرين فيما بينهم، ثم حصل بحث في مسائل ثم قال نائب السلطنة أخيرا: أما سمعتم قول الله تعالى (عفا الله عما سلف) [ المائدة: 95 ] فلانت القلوب عند ذلك وأمر كاتب السر أن يكتب مضمون ذلك في مطالعة إلى الديار المصرية، ثم خرجنا على ذلك انتهى والله أعلم.
عودة قاضي القضاة السبكي إلى دمشق في يوم الاربعاء التاسع والعشرين من جمادى الاولى قدم من ناحية الكسوة وقد تلقاه جماعة

من الاعيان إلى الصمين وما فوقها، فلما وصل إلى الكسوة كثر الناس جدا وقاربها قاضي القضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج، فلما أشرف من عقبة شحورا تلقاه خلائق لا يحصون كثرة وأشعلت الشموع حتى مع النساء، والناس في سرور عظيم، فلما كان قريبا من الجسورة تلقته الخلائق الخليفيين مع الجوامع، والمؤذنون يكبرون، والناس في سرور عظيم، ولما قارب باب النصر وقع مطر عظيم والناس معه لا تسعهم الطرقات، يدعون له ويفرحون بقدومه، فدخل دار السعادة وسلم على نائب السلنطة، ثم دخل الجامع بعد العصر ومعه شموع كثيرة، والرؤساء أكثر من العامة.
ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر جمادى الآخرة ركب قاضي القضاة السبكي إلى دار السعادة وقد استدعى نائب السلطنة بالقاضيين المالكي والحنبلي، فأصلح بينهم، وخرج من عنده ثلاثتهم يتماشون إلى الجامع، فدخلوا دار الخطابة فاجتمعوا هناك، وضيفهما الشافعي، ثم
حضرا خطبته الحافلة البليغة الفصيحة، ثم خرجوا ثلاثتهم من جوا إلى دار المالكي، فاجتمعوا هنالك وضيفهم المالكي هنالك ما تيسر.
والله الموفق للصواب.
وفي أوائل هذا الشهر وردت المراسيم الشريفة السلطانية من الديار المصرية بأن يجعل للامير من إقطاعه النصف خاصا له، وفي النصف الآخر يكون لاجناده، فحصل بهذا رفق عظيم بالجند، وعدل كثير ولله الحمد، وأن يتجهز الاجناد ويحرصوا على السبق والرمي بالنشاب، وأن يكونوا مستعدين متى استنفروا نفروا، فاستعدوا لذلك وتأهبوا لقتال الفرنج، كما قال الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) الآية [ الانفال: 60 ].
وثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر " ألا إن القوة الرمي " (1).
وفي الحديث الآخر " ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي " (2).
وفي يوم الاثنين بعد الظهر عقد مجلس بدار السعادة للكشف على قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي بمقتضى مرسوم شريف ورد من الديار المصرية بذلك، وذلك بسبب ما يعتمده كثير من شهود مجلسه من بيع أوقاف لم يستوف فيها شرائط المذهب، وإثبات إعسارات أيضا كذلك وغير ذلك انتهى.
الوقعة بين الامراء بالديار المصرية وفي العشر الاخير من جمادى الآخرة ورد الخبر بأن الامير الكبير يلبغا الخاصكي خرج عليه
__________
(1) أخرجه مسلم في الامارة ح (167) وأبو داود في كتاب الجهاد باب (23) والترمذي في كتاب التفسير تفسير سورة (8) وابن ماجه في الجهاد باب (19) والدارمي في الجهاد باب (14) والامام أحمد في المسند 4 / 157.
__________
(2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب (23) وابن ماجه في الجهاد، باب (19) والدارمي في الجهاد، باب: 14 والنسائي في الخيل باب (8).

جماعة من الامراء مع الامير سيف الدين طيبغا الطويل، فبرز إليهم إلى قبة القصر (1) فالتقوا معه هنالك، فقتل جماعة وجرح آخرين، وانفصل الحال على مسك طيبغا الطويل وهو جريح،
ومسك أرغون السعردي الدويدار، وخلق من أمراء الالوف والطبلخانات، وجرت خبطة عظيمة استمر فيها الامير الكبير يلبغا على عزه وتأييده ونصره والله الحمد والمنة.
وفي ثاني رجب يوم السبت توجه الامير سيف الدين بيدمر الذي كان نائب دمشق إلى الديار المصرية بطلب الامير يلبغا ليؤكد أمره في دخول البحر لقتال الفرنج وفتح قبرص إن شاء الله، انتهى والله تعالى أعلم.
مما يتعلق بأمر بغداد أخبرني الشيخ عبد الرحمن البغدادي أحد رؤساء بغداد وأصحاب التجارات، والشيخ شهاب الدين العطار - السمسار في الشرب بغدا دي أيضا - أن بغداد بعد أن أستعادها أويس ملك العراق وخراسان من يد الطواشي مرجان، واستحضره فأكرمه وأطلق له، فاتفقا أن أصل الفتنة من الامير أحمد أخو الوزير، فأحضره السلطان إلى بين يديه وضربه بسكين في كرشه فشقه، وأمر بعض الامراء فقتله، فانتصر أهل السنة لذلك نصرة عظيمة، وأخذ خشبته أهل باب الازج فأحرقوه وسكنت الامور وتشفوا بمقتل الشيخ جمال الدين الانباري الذي قتله الوزير الرافضي فأهلكه الله بعده سريعا انتهى.
وفاة قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن حاتم (1) الشافعي وفي العشر الاول من شهر شعبان قدم كتاب من الديار المصرية بوفاة قاضي القضاة بدر الدين محمد (2) بن جماعة بمكة شرفها الله، في العاشر من جمادى الآخرة ودفن في الحادي عشر في باب المعلي وذكروا أنه توفي وهو يقرأ القرآن، وأخبرني صاحب الشيخ محيي الدين الرحبي حفظه الله تعالى أنه كان يقول كثيرا: أشتهي أن أموت وأنا معزول، وأن تكون وفاتي بأحد الحرمين، فأعطاه الله ما تمناه: عزل نفسه في السنة الماضية، وهاجر إلى مكة، ثم قدم المدينة لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مكة، وكانت وفاته بها في الوقت المذكور، فرحمه الله وبل بالرحمة ثراه.
وقد
__________
(1) في الجوهر الثمين 2 / 223: قبة النصر، وكان ذلك صبيحة يوم السبت سابع عشر جمادى الآخرة كما في السلوك 3 / 116.
ويعلل المقريزي سبب الخلاف هو ابعاد طيبغا الطويل وتوليته نيابة دمشق فرفض وكان ذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة (السلوك 3 / 115) ثم أفرج عنه السلطان بشفاعة الامراء فيه وقدم طيبغا
الطويل إلى القاهرة من معتقله يوم الثلاثاء ثامن شعبان، وفي آخره رسم السلطان لطيبغا بالخروج إلى القدس الشريف بطالا (السلوك 3 / 120 النجوم الزاهرة 11 / 32).
__________
(2) كذا بالاصل، وهو قاضي القضاة عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الاصل الدمشقي المولد الشافعي.
(شذرات الذهب 6 / 208).

كان مولده في سنة أربع وتسعين، فتوفي عن ثلاث وسبعين سنة، وقد نال العز عزا في الدنيا ورفعة هائلة، ومناصب وتداريس كبار، ثم عزل نفسه وتفرغ للعبادة والمجاورة بالحرمين الشريفين، فيقال له ما قلته في بعض المراثي: فكأنك قد أعلمت بالموت حتى * تزودت له من خيار الزاد وحضر عندي في يوم الثلاثاء تاسع شوال البترك بشارة الملقب بميخائيل، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضا عن البترك بإنطاكية، فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة بالاسكندرية وبالقدس وبإنطاكية وبرومية، فنقل بترك رومية إلى اسطنبول وفي القسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك.
لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن إنطاكية، وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف لاجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الاسكندرية، وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك اسطنبول وقرأها علي من لفظه لعنه الله ولعن المكتوب إليهم أيضا.
وقد تكلمت معه في دينهم ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة، وهم الملكية واليعقوبية ومنهم الافرنج والقبط، والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشئ، ولكن حاصله أنه حمار من أكفر الكفار لعنه الله.
وفي هذا الشهر بلغنا استعادة السلطان أويس بن الشيخ حسن ملك العراق وخراسان لبغداد من يد الطواشي مرجان الذي كان نائبه عليهما، وامتنع منطاعة أويس، فجاء إليه في جحافل كثيرة
فهرب مرجان ودخل أويس إلى بغداد دخولا هائلا، وكان يوما مشهودا.
وفي يوم السبت السابع والعشرين من شعبان قدم الامير سيف الدين بيدمر من الديار المصرية على البريد أمير مائة مقدم ألف، وعلى نيابة يلبغا في جميع دواوينه بدمشق وغيرها، وعلى إمارة البحر وعمل المراكب، فلما قدم أمر بجمع جميع النشارين والنجارين والحدادين وتجهيزهم لبيروت لقطع الاخشاب، فسيروا يوم الاربعاء ثاني رمضان وهو عازم على اللحاق بهم إلى هنالك والله المستعان.
ثم أتبعوا بآخرين من نجارين وحدادين وعتالين وغير ذلك، وجعلوا كل من وجدوه من ركاب الحمير ينزلونه ويركبوا إلى ناحية البقاع، وسخروا لهم من الصناع وغيرهم، وجرت خبطة عظيمة وتباكى عوائلهم وأطفالهم، ولم يسلفوا شيئا من أجورهم، وكان من اللائق أن يسلفوه حتى يتركوه إلى أولادهم.
وخطب برهان الدين المقدسي الحنفي بجامع يلبغا عن تقي الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكفري، بمرسوم شريف ومرسوم نائب صفد استدمر أخي يلبغا، وشق ذلك عليه وعلى جده

وجماعته، وذلك يوم الجمعة الرابع من رمضان، هذا وحضر عنده خلق كثير.
وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه قرئ تقليد قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل لقضاء الحنابلة، عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين المرداوي، عزل هو المالكي معه أيضا، بسبب أمور تقدم نسبتها لهما وقرئ التقليد بمحراب الحنابلة، وحضر عنده الشافعي والحنفي، وكان المالكي معتكفا بالقاعة من المنارة الغربية، فلم يخرج إليهم لانه معزول أيضا برأي قاضي حماة، وقد وقعت شرور وتخبيط بالصالحية وغيرها.
وفي صبيحة يوم الاربعاء الثلاثين من شهر رمضان خلع على قاضي القضاة سري الدين إسماعيل المالكي، قدم من حماة على قضاء المالكية، عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي، عزل عن المنصب، وقرئ تقليده بمقصورة المالكية من الجامع، وحضر عنده القضاة والاعيان.
وفي صبيحة يوم الاربعاء سابع شوال قدم الامير حيار بن مهنا (1) إلى دمشق سامعا مطيعا، بعد
أن جرت بينه وبين الجيوش حروب متطاولة، كل ذل ك ليطأ البساط، فأبى خوفا من المسك والحبس أو القتل، فبعد ذلك كله قدم هذا اليوم قاصدا الديار المصرية ليصطلح مع الامير الكبير يلبغا، فتلقاه الحجبة والمهمندارية والخلق، وخرج الناس للفرجة، فنزل القصر الابلق، وقدم معه نائب حماة عمر شاه فنزل معه، وخرج معه ثاني يوم إلى الديار المصرية.
وأقرأني القاضي ولي الدين عبد الله وكيل بيت المال كتاب والده قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء قاضي قضاة الشامية بالديار المصرية، أن الامير الكبير جدد درسا بجامع ابن طولون فيه سبعة مدرسين للحنفية، وجعل لكل فقيه منهم في الشهر أربعين درهما، وأردب قمح، وذكر فيه أن جماعة من غير الحنفية انتقلوا إلى مذهب أبي حنيفة لينزلوا في هذا الدرس.
درس التفسير بالجامع الاموي وفي صبيحة يوم الاربعاء الثامن والعشرين من شوال سنة سبع وستين وسبعمائة حضر الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير درس التفسير الذي أنشأه ملك الامراء نائب السلطنة الامير سيف الدين منكلي بغا رحمه الله تعالى من أوقاف الجامع الذي جددها في حال نظره عليه أثابه الله، وجعل من الطلبة من سائر المذاهب خمسة عشر طالبا لكل طالب في الشهر عشرة دراهم، وللمعيد عشرون ولكاتب الغيبة عشرون، وللمدرس ثمانون، وتصدق حين دعوته لحضور الدرس، فحضر واجتمع القضاة والاعيان، وأخذ في أول تفسير الفاتحة، وكان يوما مشهودا ولله الحمد
__________
(1) هو حيار بن مهنا بن عيسى، أمير آل فضل توفي سنة 776 ه (السلوك 3 / 245 والدرر الكامنة 2 / 81 أنباء الغمر 1 / 84).

والمنة، وبه التوفيع والعفة انتهى...(1).
قضاة الحنابلة الشيخ شرف الدين أحمد بن الحسن ابن قاضي الجبل المقدسي، وناظر الدواوين سعد الدين بن التاج إسحق، وكاتب السر فتح الدين بن الشهيد، وهو شيخ الشيوخ أيضا، وناظر الجيوش الشامية برهان الدين بن الحلي، ووكيل بيت المال القاضي ولي الدين بن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء.
انتهى.
سفر نائب السلطنة إلى الديار المصرية لما كانت ليلة الحادي والعشرين قدم طشتمر دويدار يلبغا على البريد، فنزل بدار السعادة، ثم ركب هو ونائب السلطنة بعد العشاء الاخيرة في المشاعل، والحجبة بين أيديهما والخلائق يدعون لنائبهم، واستمروا كذلك ذاهبين إلى الديار المصرية، فأكرمه يلبغا وأنعم عليه وسأله أن يكون ببلاد حلب، فأجابه إلى ذلك وعاد فنزل بدار سنجر الاسماعيلي، وارتحل منها إلى حلب، وقد اجتمعت به هنالك وتأسفت الناس عليه، وناب في الغيبة الامير سيف الدين زبالة، إلى أن قدم النائب المعز السيفي قشتمر عبد الغني على ما سيأتي.
وتوفي القاضي شمس الدين بن منصور الحنفي الذي كان نائب الحكم رحمه الله يوم السبت السادس والعشرين من المحرم، ودفن بالباب الصغير، وقد قارب الثمانين.
وفي هذا اليوم أو الذي بعده توفي القاضي شهاب الدين أحمد ابن الوزوازة ناظر الاوقاف بالصالحية.
وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر نودي في البلد أن لا يتخلف أحد من أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك فبادر الناس والجيش ملبسين إلى سطح المزة، وخرج ملك الامراء أمير علي كان نائب الشام من داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة وتجمل هائل، وولده الامير ناصر الدين محمد وطلبه معه، وقد جاء نائب الغيبة والحجبة إلى بين يديه إلى وطاقه وشاوروه في الامر، فقال: ليس لي ها هنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك أمر، وخرج خلق من الناس متبرعين، وخطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة على العادة، وحرض الناس على الجهاد، وقد ألبس جماعة من غلمانه اللامة والخوذ وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت ولله الحمد والمنة.
ولما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم وقد ورد الخبر بأن المراكب التي رئيت في البحر إنما هي مراكب تجار لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، ولكن ظهر منهم استعداد عظيم ولله الحمد.
وفي ليلة الاحد خامس صفر قدم بالامير سيف الدين شرشي الذي كان إلى آخر وقت نائب حلب محتاطا عليه بعد العشاء الآخرة إلى دار السعادة بدمشق، فسير معزولا عن حلب إلى
__________
(1) بالاصل بياض نصف صفحة تقريبا، سقط فيه بداية السنة 768 ه.

طرابلس بطالا، وبعث في سرجين صحبة الامير علاء الدين بن صبح.
وبلغنا وفاة الشيخ جمال الدين بن نباتة (1) حامل لواء شعراء زمانه بديار مصر بمرستان الملك المنصور قلاوون، وذلك يوم الثلاثاء سابع صفر من هذه السنة رحمه الله تعالى.
وفي ليلة ثامنه هرب أهل حبس السد من سجنهم وخرج أكثرهم فأرسل الولاة صبيحة يومئذ في أثرهم فمسك كثير ممن هرب فضربوهم أشد الضرب، وردوهم إلى شر المنقلب.
وفي يو الاربعاء خامس عشره نودي بالبلدان أن لا يعامل الفرنج البنادقة والحبوبة والكيتلان واجتمعت في آخر هذا اليوم بالاميرزين الدين زبالة نائب الغيبة النازل بدار الذهب فأخبرني أن البريدي أخبره أن صاحب قبرص رأى في النجوم أن قبرص مأخوذة، فجهز مركبين من الاسرى الذين عنده من المسلمين إلى يلبغا، ونادى في بلاده أن من كتم مسلما صغيرا أو كبير ا قتل، وكان من عزمه أن لا يبقى أحدا من الاسارى إلا أرسله.
وفي آخر نهار الاربعاء خامس عشره قدم من الديار المصرية قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي المالكي الذي كان قاضي المالكية فعزل في أواخر رمضان من العام الماضي، فحج ثم قصد الديار المصرية فدخلها لعله يستغيث فلم يصادفه قبول، فادعى عليه بعض الحجاب وحصل له ما يسوءه، ثم خرج إلى الشام فجاء فنزل في التربة الكاملية شمالي الجامع، ثم انتقل إلى منزل ابنته متمرضا، والطلابات والدعاوى والمصالحات عنه كثيرة جدا، فأحسن الله عاقبته.
وفي يوم الاحد بعد العصر دخل الامير سيف الدين طيبغا الطويل من القدس الشريف إلى دمشق فنزل بالقصر الابلق، ورحل بعد يومين أو ثلاثة إلى نيابة حماة حرسها الله بتقليد من الديار المصرية، وجاءت الاخبار بتولية الامير سيف الدين منكلي بغا نيابة حلب عوضا عن نيابة دمشق وأنه حصل له من التشريف والتكريم والتشاريف بديار مصر شئ كثير ومال جزيل وخيول وأقمشة وتحف يشق حصرها، وأنه قد استقر بدمشق الامير سيف الدين اقشتمر عبد الغني، الذي كان
حاجب الحجاب بمصر، وعوض عنه في الحجوبية الامير علاء الدين طيبغا أستاذ دار يلبغا وخلع على الثلاثة في يوم واحد.
وفي يوم الاحد حادي عشر ربيع الاول اشتهر في البلد قضية الفرنج أيضا بمدينة الاسكندرية وقدم بريدي من الديار المصرية بذلك، واحتيط على من كان بدمشق من الفرنج وسجنوا بالقلعة وأخذت حواصلهم، وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين الشافعي يومئذ أن أصل ذلك أن سبعة مراكب من التجار من البنادقة من الفرنج قدموا إلى الاسكندرية فباعوا بها واشتروا، وبلغ الخبر إلى
__________
(1) وهو محيي الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن نباتة، قال في الدرر الكامنة: مات بعد السبعين (شذرات الذهب 6 / 212).

الامير الكبير يلبغا أن مركبا من هذه السبعة إلى صاحب قبرص، فأرسل إلى الفرنج يقول لهم: أن يسلموا هذه المركب فامتنعوا من ذلك وبادروا إلى مراكبهم، فأرسل في آثارهم ست (1) شواني مشحونة بالمقاتلة، فالتقوا هم والفرنج في البحر فقتل من الفريقين خلق ولكن من الفرنج أكثر وهربوا فارين بما معهم من البضائع، فجاء الامير علي الذكان نائب دمشق أيضا في جيش مبارك ومعه ولده ومماليكه في تجمل هائل، فرجع الامير علي واستمر نائب السلطنة حتى وقف على بيروت ونظر في أمرها، وعاد سريعا، وقد بلغني أن الفرنج جاؤوا طرابلس غزاة وأخذوا مركبا للمسلمين من المينا وحرقوه، والناس ينظرون ولا يستطيعون دفعهم ولا منعهم، وأن الفرنج كروا راجعين، وقد أسروا ثلاثة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
انتهى والله أعلم.
مقتل يلبغا الامير الكبير جاء الخبر بقتله إلينا بدمشق في ليلة الاثنين السابع عشر من ربيع الآخرة مع أسيرين جاءا على البريد من الديار المصرية، فأخبرا بمقتله في يوم الاربعاء ثاني عشر هذا الشهر: تمالا عليه مماليكه حتى قتلوه يومئذ، وتغيرت الدولة ومسك من أمراء الالوف والطبلخانات جماعة كثيرة، واختبطت الامور جدا، وجرت أحوال صعبة، وقام بأعباء القضية الامير سيف الدين طيتمر
__________
(1) وهو محيي الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن نباتة، قال في الدرر الكامنة: مات بعد السبعين (شذرات الذهب 6 / 212).

الامير الكبير يلبغا أن مركبا من هذه السبعة إلى صاحب قبرص، فأرسل إلى الفرنج يقول لهم: أن يسلموا هذه المركب فامتنعوا من ذلك وبادروا إلى مراكبهم، فأرسل في آثارهم ست (1) شواني مشحونة بالمقاتلة، فالتقوا هم والفرنج في البحر فقتل من الفريقين خلق ولكن من الفرنج أكثر وهربوا فارين بما معهم من البضائع، فجاء الامير علي الذكان نائب دمشق أيضا في جيش مبارك ومعه ولده ومماليكه في تجمل هائل، فرجع الامير علي واستمر نائب السلطنة حتى وقف على بيروت ونظر في أمرها، وعاد سريعا، وقد بلغني أن الفرنج جاؤوا طرابلس غزاة وأخذوا مركبا للمسلمين من المينا وحرقوه، والناس ينظرون ولا يستطيعون دفعهم ولا منعهم، وأن الفرنج كروا راجعين، وقد أسروا ثلاثة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
انتهى والله أعلم.
مقتل يلبغا الامير الكبير جاء الخبر بقتله إلينا بدمشق في ليلة الاثنين السابع عشر من ربيع الآخرة مع أسيرين جاءا على البريد من الديار المصرية، فأخبرا بمقتله في يوم الاربعاء ثاني عشر هذا الشهر: تمالا عليه مماليكه حتى قتلوه يومئذ، وتغيرت الدولة ومسك من أمراء الالوف والطبلخانات جماعة كثيرة، واختبطت الامور جدا، وجرت أحوال صعبة، وقام بأعباء القضية الامير سيف الدين طيتمر النظامي وقوي جانب السلطان ورشد، وفرح أكثر الامراء بمصر بما وقع، وقدم نائب السلطنة إلى دمشق من بيروت فأمر بدق البشائر، وزينت البلد ففعل ذلك، وأطلقت الفرنج الذين كانوا بالقلعة المنصورة فلم يهن ذلك على الناس.
وهذا آخر ما وجد من التاريخ والحمد لله وحده، وصلواته على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
__________
(1) في الاصل ستة


أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 * جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين

ج53.. وج54.وج55.{{ .كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي }}

ج53.ج54.وج55 آخر الكتاب       53.كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي    أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6...